كيف وصل الحال بنادي ويغان إلى إعلان إفلاسه؟

منذ اليوم الأول لاستحواذ «إنترناشيونال إنترتينمنت كوربورشن» على النادي توقف الدعم وزادت الخسائر

ديف ويلان مالك ويغان السابق مع المدرب مارتينيز خلال التتويج التاريخي بكأس إنجلترا عام 2013 (إ.ب.أ)
ديف ويلان مالك ويغان السابق مع المدرب مارتينيز خلال التتويج التاريخي بكأس إنجلترا عام 2013 (إ.ب.أ)
TT

كيف وصل الحال بنادي ويغان إلى إعلان إفلاسه؟

ديف ويلان مالك ويغان السابق مع المدرب مارتينيز خلال التتويج التاريخي بكأس إنجلترا عام 2013 (إ.ب.أ)
ديف ويلان مالك ويغان السابق مع المدرب مارتينيز خلال التتويج التاريخي بكأس إنجلترا عام 2013 (إ.ب.أ)

أثار الانهيار الغريب لنادي ويغان أتلتيك كثيراً من الأسئلة الصارخة والمثيرة للقلق. لقد أصبح ويغان، الذي يلعب بدوري الدرجة الأولى بإنجلترا، أول نادٍ يعلن إفلاسه خلال أزمة تفشي فيروس كورونا، التي قد تؤدي إلى تداعيات مالية خطيرة على كثير من الأندية الأخرى، لكن يجب أن نؤكد أن أزمة فيروس كورونا ليست هي السبب الرئيسي في إفلاس النادي، بل سوء إدارة الملاك الجدد.
إنه واحد من أكثر السيناريوهات غير المحتملة والمربكة حتى بين أغرب القصص بشأن العلاقة بين كرة القدم والمال. وتجب الإشارة إلى أن ويغان، الذي كان ينظر إليه في السابق على أنه مثال للنادي الذي يتم الاستحواذ عليه من قبل متبرع محلي ثري، كان ينهار منذ 19 شهراً كاملة، وبالتحديد منذ أن قام قطب تجارة التجزئة، ديف ويلان، ببيعه لشركة الترفيه الدولية «إنترناشيونال إنترتينمنت كوربورشن»، حيث كان يأمل أن تنجح هذه الشركة في حماية إرثه في هذا النادي العريق. وحتى في ذلك الوقت، لم يبدُ الأمر مريحاً، نظراً لأن ويلان، الذي كان لاعباً سابقاً لكرة القدم، قد باع النادي المحلي في المدينة التي يوجد بها منزله، إلى شركة تتخذ من هونغ كونغ مقراً لها، ومسجلة في جزر كايمان كملاذ ضريبي، وهي الشركة نفسها التي تدير كازينو في مانيلا!
وقال المدير غيرالد كراسنر، مسؤول الحراسة القضائية المفروضة على نادي ويغان، يوم الخميس الماضي، إنه بمجرد التغلب على التحدي الملح والمتمثل في استكمال الموسم الحالي وخوض المباريات الست المتبقية لويغان، سيتم فتح تحقيق في الظروف والملابسات التي أدت إلى إعلان النادي لإفلاسه. وقد أعلنت شركة الترفيه الدولية، المدرجة في بورصة هونغ كونغ، في 29 مايو (أيار) الماضي، أنها باعت ويغان مقابل 17.5 مليون جنيه إسترليني - أي أنها حققت ربحاً من النادي الذي كانت قد اشترته من ويلان مقابل 15.9 مليون جنيه إسترليني في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018. وأكدت شركة الترفيه الدولية أنه في اليوم نفسه، وقبل أقل من خمسة أسابيع من الآن، تم استرداد مبلغ 24.6 مليون جنيه إسترليني كانت الشركة قد ضخته في ويغان لدفع رواتب اللاعبين وتغطية الخسائر الفادحة بالنادي.
وأعلن النادي أنه قد تم الاستحواذ عليه في الرابع من يونيو (حزيران) الماضي من قبل صندوق «نيكست ليدر فاند»، الذي يتخذ من هونغ كونغ مقراً له والمسجل في جزر كايمان أيضاً. وقيل لجمهور النادي إن «الدعم المقدم من الملاك» سيساعد النادي كثيراً خلال الأزمة الحالية. وقال المدير الجديد للنادي، أو يونغ، إنه «متحمس للانضمام إلى عائلة ويغان أثلتيك»، مشيراً إلى أنه يتطلع إلى العمل مع مجلس الإدارة والموظفين، ومؤكداً أن «الأهم من ذلك هو أنني آمل أن ألبي طموحات مشجعي النادي المتحمسين».
في البداية، كان رجل الأعمال البارز في هونغ كونغ، تشوي تشيو فاي ستانلي، وهو أيضاً رئيس مجلس إدارة شركة الترفيه الدولية، يمتلك أكثر من 50 في المائة من كل من البائع (شركة الترفيه الدولية)، والمشتري (صندوق نيكست ليدر فاند). لكن في الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) - أي الأسبوع الماضي فقط - قيل إن أو يونغ، الذي كان في البداية مساهماً بحصة أقلية في صندوق «نيكست ليدر فاند»، أصبح يملك أكثر من 75 في المائة، ويعتقد الآن أنه المالك بنسبة 100 في المائة بعد أن أكمل الاستحواذ على النادي بالكامل من شركة الترفيه الدولية.
ومن المفهوم أن رابطة دوري الدرجة الأولى بإنجلترا قد وافقت على كل من الاستحواذ الأولي من جانب صندوق «نيكست ليدر فاند» واستحواذ أو يونغ على النادي، وبالتالي فإن الكارثة التي تعرض لها ويغان تثير كثيراً من الأسئلة الأخرى حول عمليات المراقبة والفحص، خصوصاً أن القواعد المنظمة لهذه الأمور تُلزم المشتري بأن يقدم ما يثبت أن لديه المال الكافي لتمويل النادي - وليس مجرد توفير المال أو السند أو التأمين لضمان وجود التمويل.
وتم الإعلان عن أنه لن يتم تقديم أي أموال أخرى للنادي - توقع مسؤولو ويغان أن تكون هناك حاجة إلى ستة ملايين جنيه إسترليني للتمويل المستقبلي - وسيتم الإعلان عن إفلاس النادي. ويقال إن مديري النادي لم يتلقوا أي إشعار بذلك حتى يوم الثلاثاء الماضي. وقد تم تعيين المسؤولين عن الحراسة القضائية المفروضة على نادي ويغان صباح الأربعاء الماضي، وأعلن كراسنر أن النادي سيكون بحاجة إلى ستة ملايين جنيه إسترليني لدفع المديونيات المستحقة عليه، بخلاف رواتب اللاعبين.
وفي ويغان، لا يُعرف الكثير عن أو يونغ، بخلاف المعلومات الواردة في وثيقة بيع النادي لشركة الترفيه الدورية، التي تنص على أنه «لديه خبرة ذات صلة في إدارة عمليات الأعمال وقيادة الأعمال، حيث يعمل في إدارة السلع والاستثمار العقاري في آسيا». كما تشير الوثيقة إلى أنه «يدير فريق كرة قدم للهواة منذ أكثر من 15 عاماً، وفاز بالعديد من الجوائز».
لذا، فإن الحقائق على النحو المبين هنا تشير إلى أنه في خضم أزمة تفشي فيروس كورونا وفي الوقت الذي كانت فيه الأندية تغلق أبوابها وتخشى فيه العديد من الأندية من الأزمات المالية، قرر أو يونغ شراء نادي ويغان، الذي كان يخسر ملايين الجنيهات حتى في الأوقات العادية! وفي البداية، دفع أو يونغ بالشراكة مع تشوي 17.5 مليون جنيه إسترليني، وهو ما يعني أنه دفع لشركة الترفيه الدولية أكثر مما دفعته الشركة للاستحواذ على النادي، كما تأكد من استرداد الشركة للقرض الذي سبق أن دفعته والذي كان يصل إلى 24 مليون جنيه إسترليني. لكن بعد ذلك، وفي اليوم الذي حصل فيه على الملكية بعد عملية الشراء مقابل 41 مليون جنيه إسترليني، قرر عدم تمويل الصفقة والإعلان عن إفلاس النادي!
ولم يتم تقديم أي تفسير لهذه الدوامة من الأحداث. وأشارت شركة الترفيه الدولية أثناء البيع لصندوق «نيكست ليدر فاند» إلى أن العقوبات المالية المفروضة من قبل رابطة دوري الدرجة الأولى هي التي أدت إلى تقليص الخسائر. لكن أو يونغ لم يفسر لماذا قرر الاستحواذ على النادي مقابل 41 مليون جنيه إسترليني، قبل أن يتوقف فجأة ويعلن عن إفلاس النادي.
وعندما سُئل كراسنر عن رأيه فيما حدث، رد قائلاً: «لم نبدأ التحقيقات بعد، لكننا ندرك المخاوف التي أثيرت. وبمجرد أن أعرف أننا أنقذنا النادي، سيتم وضع جميع مواردنا قيد التحقيق».
ولم ترد شركة الترفيه الدولية على أسئلة صحيفة «الغارديان» بشأن عملية البيع إلى أو يونغ، كما رفض محامو أو يونغ في المملكة المتحدة التعليق على الأمر.
وفي هذه الأثناء، تحول ويغان، الذي قاده ويلان لمدة 23 عاماً من دوري الدرجة الثانية إلى الدوري الإنجليزي الممتاز والحصول على لقب كأس الاتحاد الإنجليزي عام 2013، إلى حطام، بعد أن تم الاستحواذ عليه ثم الإعلان عن إفلاسه في غضون أسبوع واحد!


مقالات ذات صلة


نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.