الانتخابات الأميركية: «كوفيد ـ 19» والعنصرية يخلطان الأوراق

تجربة 2016 تفرض التريث والحذر في الحكم على نتائج الاستطلاعات

الانتخابات الأميركية: «كوفيد ـ 19» والعنصرية يخلطان الأوراق
TT

الانتخابات الأميركية: «كوفيد ـ 19» والعنصرية يخلطان الأوراق

الانتخابات الأميركية: «كوفيد ـ 19» والعنصرية يخلطان الأوراق

دخلت الانتخابات الأميركية الرئاسية والتشريعية وانتخابات حكام الولايات هذا الشهر فصلها الجدّي، استعدادا للمؤتمرين العامين للحزبين الجمهوري والديمقراطي اللذين سيعقدان خلال الشهر المقبل. وبما أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونائبه مايك بنس لا يواجهان منافسين في الحزب الجمهوري، تتجه الأنظار نحو مؤتمر الحزب الديمقراطي، الذي لا يزال يبحث عن نائب للرئيس. وهنا يؤخَذ في الاعتبار تعهد جو بايدن، نائب الرئيس السابق، الذي ضمن مبدئيا ترشحه عن الديمقراطيين، بأن يكون النائب امرأة واحتمال أن يكون من الأقليات العرقية وخصوصا من السود، من أجل الاستفادة من المناخات التي أثارتها الاحتجاجات على مقتل الرجل الأسود جورج فلويد في مدينة مينيابوليس قبل أكثر من شهر.
وبعد غياب دام نحو ثلاثة أشهر، كان من اللافت مسارعة ترمب إلى إعادة إطلاق تجمّعاته الانتخابية في منتصف يونيو (حزيران) الماضي، رغم إحجام العديد من الولايات الأميركية إنهاء الإغلاق الذي فرضه انتشار جائحة «كوفيد - 19». وأكد ذلك إصرار الرئيس أنه غير عابئ بالمخاوف الصحية، في ظل أولويته لإعادة فتح الاقتصاد، الميدان المحبب له، والذي تضرّر بشكل كبير بفعل الإغلاق.

بينما يراهن الرئيس الأميركي دونالد ترمب مجدّداَ على ما يراه إنجازات في المجال الاقتصادي، للفوز بولاية رئاسية جديدة من أربع سنوات، يرى منتقدوه داخل الولايات المتحدة وخارجها، أن التجديد له سيغيّر ليس فقط وجه أميركا، بل والعالم برمّته.
قد يكون من الصواب القول إن كل انتخابات رئاسية أميركية تحظى على الدوام بأهمية خاصة، خصوصاً، منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، بحسب العديد من المحللين. ويقول هؤلاء إن التاريخ يشير أيضاً إلى أن بعض الرؤساء الأميركيين الذين انتخبوا، شكلوا علامات فارقة، أو على الأقل، لعب وصولهم إلى السلطة دوراً كبيراً في إعادة رسم سياسات العالم. هكذا لعب فرانكلن روزفلت دوراً حاسما في تقرير وجهة الحرب العالمية الثانية، عبر استجابته الحاسمة للهجوم الذي شنته اليابان على بيرل هاربور في جزر هاواي عام 1940، وكذلك الدور الذي لعبه رونالد ريغان، بعد فوزه عام 1980، في التعجيل بإنهاء الحرب الباردة وتفكيك الاتحاد السوفياتي. واليوم يتوقع البعض أن تكون انتخابات هذا العام حدثاً استثنائياً في ظل الاضطراب والبلبلة في التحالفات الأميركية وفي الدول الديمقراطية.

هواجس «كوفيد ـ 19»... وتداعياته

قبل انتشار جائحة «كوفيد - 19» والدمار الذي سببته على الاقتصادين الأميركي والعالمي، وكذلك الانتقادات التي وُجّهت لإدارة ترمب في طريقة تعاملها معها ومواجهة تداعياتها الصحية والاقتصادية، كانت كل التقديرات تشير إلى أن ترمب في طريقه لتحقيق فوز سهل ومريح على منافسه جو بايدن.
واليوم، ورغم أن نتائج استطلاعات الرأي تشير كلها إلى تقدم بايدن عليه بنحو 14 نقطة مئوية، تظلّ تجربة انتخابات عام 2016 التي فاز فيها ترمب على منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون، ماثلة في أذهان الناس. وهو ما يفرض على غالبية «المتفائلين» التريث في إطلاق أحكام نهائية حول النتيجة المتوقعة في مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

الرهان على الاقتصاد

يفسر البعض جزئياً تعجّل ترمب إعادة فتح الاقتصاد، بأنه قد يمكّنه من قلب المؤشرات السلبية، ويدعم دفاعه عن «إنجازاته» التي توقفت لأسباب قاهرة لا علاقة لها بسياساته، التي لا يزال يعتقد أنها كانت صحيحة.
وغني عن القول أن أرقام البطالة التي وصلت قبل الجائحة إلى أدنى مستوى لها خلال أكثر من 40 سنة، عادت لتحلق بأرقام خيالية، إذ سُجلت خسارة 40 مليون وظيفة، في حين يتوقع أن ينكمش الاقتصاد الأميركي بما بين 8 و19 في المائة هذا العام، مع ما يفرضه ذلك من آثار مؤلمة على حياة الأميركيين.
ولعل الطامة الكبرى كانت في أرقام الإصابات بفيروس «كوفيد - 19» القياسية، أكثر من 2.6 مليون والوفيات أكثر من 126 ألفا، التي سجلتها الولايات المتحدة. إذ فاقت هذه الحصيلة بدرجات كبيرة أي بلد آخر نتيجة عوامل عديدة، صبّت غالبيتها في نهاية المطاف في تحميل إدارة ترمب والهيئات الصحية التي تشرف عليها، مسؤولية تقصيرها في تطبيق سياسات وبرامج احتواء لطالما برعت فيها الولايات المتحدة، وقادت من خلالها دول العالم في التصدي لموجات من الأوبئة مثل «الإيبولا» و«السارس» و«الإيدز».
ومع عودة ارتفاع عدد الإصابات الجديدة والتخوّف من إعادة الإغلاق، واصل ترمب والساسة الجمهوريون، عموماً، الإحجام عن اتباع أساليب الوقاية كوضع الكمامات من منطلق الحفاظ على «مظهر القوة». وفي المقابل، التزم خصمه بايدن بالكمامة.
لكن، وسط تحذير المسؤولين الصحيين من أن الأوان قد يكون انقضى للسيطرة على الجائحة، بحسب وزير الصحة أليكس عازار، شنّ المشرعون الجمهوريون حملة ضغط عامة من أجل ارتداء الكمامات، مختلفين مع موقف ترمب. وقال كبير الجمهوريين في مجلس النواب كيفن مكارثي الاثنين الماضي إن «على كل أميركي مسؤولية اتباع التوصيات للمساعدة في إبطاء انتشار الفيروس»، وهذا، بعدما بدأت ولاية كاليفورنيا مسقط رأسه في التراجع عن جهودها لإعادة فتح الاقتصاد. كذلك حث السيناتور الجمهوري النافذ ريك سكوت من ولاية فلوريدا، وهي بؤرة تفش كبير، الإدارة على تقديم مزيد من المعلومات من دون دفعنا دفعاً لما ترى أن علينا فعله.
وبعد ساعات خرجت السكرتيرة الصحافية للبيت الأبيض كايلي ماكناني لتقول إن الرئيس «يعتقد بأن قرار وضع الكمامة لمنع انتشار الفيروس قرار شخصي». وأضافت أن وضع الكمامة في جاكسونفيل في فلوريدا، حيث سينعقد مؤتمر الترشيح الخاص بالحزب الجمهوري، «هو خيار شخصي لأي فرد، وإن الرئيس يشجع الناس على اتخاذ القرار الأفضل لسلامتهم، وليس لديه مشكلة مع ارتدائها كما تطلبه السلطات المحلية».
لكن آندرو كومو الحاكم الديمقراطي لولاية نيويورك، أكثر الولايات تضرّراً من الجائحة، قال إنه يتوجب على الرئيس ترمب إصدار أمر تنفيذي يلزم الناس بوضع الكمامات في الأماكن العامة. وأضاف أن «حكام الولايات التي كانت تعترض على وضع الكمامات، ها هم يغيرون موقفهم تماماً، وعلى الرئيس أن يفعل ذلك أيضاَ». وكرّر كومو انتقاد طريقة تعامل الإدارة مع الجائحة، قائلا إن البيت الأبيض «ظل في حالة إنكار في بداية الأزمة الصحية، ولم يفعل ما يكفي لمعالجة زيادة حالات الإصابة بالمرض في العديد من الولايات». وأشار إلى أن تركيز ترمب على إعادة فتح الاقتصاد كان «مضللاً وأدى إلى نتائج عكسية»، بحسب قوله.

تسييس التدابير الصحية

وبالفعل، اكتسبت مقاومة تدابير الصحة العامة صبغة حزبية، إذ كشفت دراسة لـ«رويترز إبسوس» في مايو (أيار) الماضي، أن ثلث الجمهوريين «قلقون للغاية» بشأن الفيروس مقابل نحو نصف الديمقراطيين. إلا أن الأمر بدأ يتغيّر بعدما سجلت ولايات يسيطر عليها الجمهوريون كفلوريدا وتكساس، وحتى أريزونا، التي أحيا فيها ترمب مهرجاناً انتخابياً الشهر الماضي، ارتفاعا كبيرا في عدد الإصابات. وهو ما دفع حكامها إلى إصدار أوامر بإعادة إغلاق الحانات وأماكن الاختلاط الكثيفة فيها. وشجّع نائب الرئيس مايك بنس الأميركيين على استخدام الكمامات إبّان زيارة إلى تكساس يوم الأحد.
كذلك، نقل عن جمهوريين في العديد من الولايات التي تصوّت لهم، وخصوصاً، في تكساس وفلوريدا اللتين تتمتعان بثقل انتخابي كبير - وقد تقرر نتائج انتخاباتها مصير رئاسة ترمب - تذمّرهم من أداء إدارته في التعامل مع الجائحة. وقارنوا ذلك بأداء العديد من الدول الأوروبية وحتى مع الصين، التي يواصل ترمب اتهامها ونقدها، في سياسة اعتبرها البعض محاولة لإضفاء طابع تآمري خارجي للتغطية على فشل إدارته، عبر تحميل الصين ومنظمة الصحة العالمية التي عاقبها عبر وقف التمويل عنها.

تفاؤل ديمقراطي

الديمقراطيون، من جهتهم، يشعرون عموماً بتفاؤل متزايد بشأن فرصهم، ليس فقط للفوز بالرئاسة بل واستعادة الغالبية في مجلس الشيوخ مطلع نوفمبر المقبل. وفي هذا المجلس يدافع الجمهوريون عن 23 مقعدا مقابل 12 مقعدا للديمقراطيين. وقال السيناتور الديمقراطي تيم كين الذي كان مرشحاً لمنصب نائب الرئيس في انتخابات 2016 «رغم أن الانتخابات بعد 4 أشهر، وقد تحصل العديد من التقلبات والتغييرات، فإنها إذا أجريت اليوم فسأشعر بالرضا». وقدّر كايل كونديك، مدير تحرير نشرة «ساباتو كريستال بول» الصادرة عن «مركز السياسات» في جامعة فيرجينيا، أن فرص الديمقراطيين في استعادة مجلس الشيوخ هي بنسبة 50 إلى 50 على الأقل.
وفي استطلاع لـ«ريل كلير بوليتيكس» تقدّم بايدن على ترمب بفارق 6 نقاط مئوية أو أكثر في ولايات فلوريدا وميشيغان وويسكونسن وبنسلفانيا، ومتقارب جدا في ولايات نورث كارولاينا وأريزونا، وهي ست ولايات فاز فيها ترمب عام 2016. أيضاً وجد استطلاع أجرته شبكة «فوكس نيوز» - المحسوبة على الجمهوريين - أن بايدن يتقدم في ولاية فلوريدا بـ9 نقاط مئوية، وإذا خسر ترمب هذه الولاية فقط فلن يبقى له أمل للفوز بالرئاسة. كذلك وجد الاستطلاع أن بايدن يتقدم الرئيس بـ20 نقطة أو أكثر بين النساء والمستقلين وغير البيض في فلوريدا، بينما يسجّل ترمب نتائج سيئة حتى مع قاعدته الأكثر ولاء، وهم الناخبون الأكبر سناً والبيض وأولئك الذين لا يحملون شهادات جامعية.
بل، وما زاد الطين بلة - بالنسبة للجمهوريين - الفوضى التي رافقت توزيع المساعدات المالية الحكومية سواء على الأفراد أو المؤسسات والتي بلغت نحو 3 تريليونات دولار، رغم حرص ترمب على «التوقيع على الشيكات» التي دفعت للأميركيين. ولقد تردد ترمب في الموافقة على حزمة مساعدات ثانية بالقيمة نفسها، كان قد اقترحها الديمقراطيون، وضعته أمام خيار صعب قد يعود ريعه السياسي لمنافسه بايدن، الذي لا يزال يلتزم الحذر في إطلالاته الانتخابية.

معضلة بايدن واليساريين

في المقابل، رغم كل ما سبق، تشير بعض التقديرات إلى أن تقدّم بايدن حالياً قد لا يؤدي بالضرورة إلى تغلبه على ترمب، خاصة، وأن قاعدة الحزب الديمقراطي منقسمة بحدة، في ظل تقدم كبير للتيار اليساري فيه. ولقد انعكس هذا أخيرا في بعض الانتخابات التمهيدية، حيث تقدم مرشحوه على «ليبراليي» الحزب. وللعلم، يتردد اليساريون حتى الآن في منح أصواتهم لبايدن، بينما يزيد «اختفاء» بيرني ساندرز وإحجامه حتى اللحظة عن تأكيد تأييده بايدن المزيد من الغموض. وهذه قضية يستغلها ترمب في الاتجاهين، وبشكل كبير، ويحرص في تصريحاته وتغريداته على «تويتر»، على الإيقاع بين الطرفين.
أيضاً، يعكس تأخر الحزب الديمقراطي في اختيار نائب الرئيس، وإعلان هويته وجنسه وعرقه، حجم الأزمة والمأزق الذي يعانيه، في ظل الانتقادات المكثفة لبايدن بسبب ضعف «كاريزميته» وأدائه الشخصي المثير للجدل. وهنا ثمة من يقول، إن موقع نائب الرئيس هذا العام قد يكون للمرة الأولى بأهمية موقع الرئيس - إن لم يكن أكثر - في قيادة الولايات المتحدة في السنوات الأربع المقبلة. وفي حين يؤكد الحزب الديمقراطي وبايدن أن نائب الرئيس سيكون امرأة، يدور الجدل حول ما إذا كان من المهم أن تكون من الأقلية السوداء، أو من التيار اليساري. وحقاً، تقلص هامش الاختيار إلى 3 أو 4 أسماء، بينهن السيناتورة البيضاء اليسارية إليزابيث وارين والسيناتورة السوداء كامالا هاريس والنائبة فال دامينغز مديرة شرطة مدينة أورلاندو سابقاً وكيشا لانس بوتومز عمدة مدينة أتلانتا.
وجاءت الأحداث التي شهدتها الولايات المتحدة ولقيت صدى دوليا، في أعقاب وفاة الرجل الأسود جورج فلويد تحت ركبة رجل شرطة أبيض في مدينة مينيابوليس، وما تلاها من أعمال عنف واحتجاجات ومطالبات بحل الشرطة ومهاجمة الرموز والتماثيل التي تمثل الحقبة العنصرية، لتفرض نفسها على المشهد السياسي والانتخابي لدى الحزبين. وبينما يرى الديمقراطيون أن هذه الأحداث تعزز فرص فوزهم، يرى الجمهوريون أنها فرصة لإعادة شدّ عصب قاعدتهم الحزبية والشعبية، وفعلاً، ترجمها ترمب في خطب وأوامر تنفيذية وصفت بالشعبوية، للرد والتشكيك وكيل الاتهامات على الإعلام واليسار والديمقراطيين.
من جانب، متصل، رغم عدم اتفاق الحزبين على قانون موحد لإصلاح الشرطة، فإنهما بقيا موحّدين على ضرورة تمويل الشرطة والامتناع عن حلها... وهو ما يطالب به «تقدميو» الحزب الديمقراطي وكذلك من اليساريين وبعض المستقلين الراديكاليين الذين ينتقدون «الثقافة» التي بنيت عليها أجهزة إنفاذ القانون تاريخياً في الولايات المتحدة.
ويذكر أن أعمال العنف والنهب في بدايات الاحتجاجات والمظاهرات المستمرة، وكذلك مظاهر حمل السلاح والتهديد به من بعض البيض والسود، كشفت عن عمق الانقسام الذي لا يزال يعتمل في المجتمع الأميركي. غير أن توسّع ظاهرة تدمير وإزالة التماثيل والرموز العنصرية، أظهر قوة وتأثير حملة الضغط التي شهدتها الولايات المتحدة أخيرا لوضع حد للتمييز العنصري. وكان من نتائج ذلك اضطرار ولاية ميسيسيبي (الجنوبية الجمهورية) آخر الولايات لاتخاذ قرار بإزالة شعار الكونفدرالية (الانفصال) عن علمها.
وبالمناسبة، لم ينجح أمر ترمب التنفيذي حول الشرطة، في إنهاء المطالبة بإصلاحها جدياً، كذلك فشل تأليبه للرأي العام ضد «الغوغائيين اليساريين» في تحميلهم مسؤولية ما جرى في الاحتجاجات، مع ظهور مسؤولية موازية للجماعات اليمينية المتطرفة.


مقالات ذات صلة

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

حصاد الأسبوع في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان

«الشرق الأوسط» (برلين (ألمانيا))
حصاد الأسبوع تظاهرة احتجاجية في تونس العاصمة (آ ف ب)

مشهد سياسي جديد في تونس... وهوّة آخذة في الاتّساع

بعد 15 سنة من اندلاع الثورة التونسية وسقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي، تمرّ تونس بـ«مرحلة مفصلية جديدة»، لا تقلّ تعقيداً عن تلك التي عرفتها إبان مرحلة

كمال بن يونس (تونس)
حصاد الأسبوع ترمب (آ ف ب/غيتي)

ترمب يعيد العلاقات مع العراق إلى المربّع الأول

سواءً بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب أو لمبعوثه إلى العراق مارك سافايا، تتجه علاقة الولايات المتحدة مع العراق إلى الحد الأقصى من الضغط على طبقته السياسية،

حمزة مصطفى (بغداد)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.