رحلة تعافٍ شاقة من مضاعفات «كوفيد ـ 19»

معاناة المرضى تستمر لأسابيع بعد الخروج من وحدة العناية المركزة

مستشفى «ويل كورنيل» في مانهاتن عالج مئات المرضى (نيويورك تايمز)
مستشفى «ويل كورنيل» في مانهاتن عالج مئات المرضى (نيويورك تايمز)
TT

رحلة تعافٍ شاقة من مضاعفات «كوفيد ـ 19»

مستشفى «ويل كورنيل» في مانهاتن عالج مئات المرضى (نيويورك تايمز)
مستشفى «ويل كورنيل» في مانهاتن عالج مئات المرضى (نيويورك تايمز)

استيقظ تشارلي بلو ويس (33 عاما) معتقداً أنه في مستوصف سري في مطار ما، ربما في الصين. كان على يقين من أن أحداً يلاحقه، فيما استمرت رسائل التهديد في التواتر عبر الشاشات من حوله.
بعد تبدد حالة الارتباك التي لازمته، وهي حالة شائعة بين مرضى فيروس «كورونا» الذين قضوا فترة طويلة خاضعين لجهاز التنفس الصناعي، بدأ بلو ويس في إدراك حالته. فقد أدرك أنه كان في وحدة العناية المركزة في مستشفى «ويل كورنيل» بمانهاتن، وأن الشاشات التي تحيط به تعرض في الواقع علاماته الحيوية وتطورات حالته الصحية. وتسببت الأيام الخمسة عشر التي قضاها على جهاز التنفس الصناعي في قرحة على خده، وكان يعاني من ارتخاء في يده اليمنى، وكان أضعف من أن يتمكن من الجلوس. لم يستطع بلو ويس فتح هاتفه للاتصال بزوجته، بسبب تورم شديد في يديه. وعندما تمكن من الاتصال بها أخيرا، سارع بسؤالها: «متى سأعود إلى المنزل؟».
في 28 أبريل (نيسان)، نُقل بلو ويس على نقالة إلى الجناح الداخلي بمبنى كان مخصصا في السابق للطب النفسي بمستشفى «ويل كورنيل»، وجرى تحويله إلى جناح لعلاج مرضى فيروس «كورونا». ففي ذروة تفشي الوباء في مدينة نيويورك خلال الفترة الماضية، لم تعد المستشفيات وطواقمها الطبية تستقبل أعدادا كبيرة من المصابين بأمراض خطيرة أخرى بعد أن حل مكانهم مرضى «كورونا»، الذين تطلب وجودهم استخدام جميع أجهزة التنفس الصناعي، لتتراجع أعداد الأجهزة بدرجة خطيرة.
تحولت الخطوط الأمامية لمكافحة الفيروس من وحدات للعناية المركزة إلى أجنحة مخصصة للتعافي من مضاعفات الوباء، مثل الوحدة التي تحمل اسم «11 شمالي»، ووحدات مماثلة في مستشفيات أخرى. هنا يجد الأطباء أنه في الحالات الحرجة، يمكن أن تتحول رحلة التعافي إلى عملية طويلة وشاقة. في الأوقات العادية، فإن المرضى الذين يبقون لفترة طويلة في وحدة العناية المركزة، بعد جراحة القلب أو حوادث السيارات أو إطلاق النار أو تسمم الدم أو فشل الجهاز التنفسي، غالباً ما يحتاجون إلى فترات تعافٍ طويلة.
وفي هذه الحالات، يشتكي بعض المرضى من عجز في الإدراك ومن صعوبة في التركيز، فيما يعاني كثيرون للعودة إلى أعمالهم ووظائفهم. تقول الدكتورة ليندسي ليف، اختصاصية أمراض الرئة في «مستشفى ويل كورنيل»، إن حوالي الثلث يعانون من القلق أو الاكتئاب، أو أعراض اضطراب ما بعد الصدمة. وتابعت ليف: «في عصر كورونا، أعتقد أن هذا الأمر سيتضخم. وأشارت إلى أن مريض كورونا، بشكل عام، عادة ما يتواجد في وحدة العناية المركزة لفترات طويلة، لا تقل عن أسبوعين، وهذا يعني المزيد من فقدان العضلات وزيادة خطر حدوث مشاكل أخرى».
حتى أولئك الذين يتعافون وتشفى رئتهم في الغالب قد يكونون ضعفاء بعد فترة العجز الطويلة في وحدة العناية المركزة، حيث يتم إعطاؤهم جرعات عالية من المهدئات التي تصل بهم أحيانا إلى درجة الشلل. وقد يحتاج البعض لأن يتعلم البلع دون الشعور بالاختناق، فيما يعاني البعض الآخر من آلام في الأعصاب، أو عجز في الإدراك، بما في ذلك مشاكل في الكلام. فيما يعاني آخرون من الصدمة ويبدون غير مستعدين للعيش بمفردهم.
في هذا الإطار، قال الدكتور ألكا غوبتا، مدير وحدة «11 شمالي»: لقد «أخبرني الكثير من الناس أنهم شعروا بالضياع. كان الكثير منهم يعانون من كوابيس كل ليلة، ويخشون الوحدة». فلم تتمكن شابة في وحدة العناية المركزة من تذكر اسمها لأكثر من يوم، فيما فتح مهاجر في منتصف العمر عينيه وكان مقتنعا بأن حربا أهلية قد اندلعت في وطنه. ذكر بعض المرضى أنهم يخشون النوم وأنهم قلقون من أن يستيقظوا ويجدوا أنفسهم على جهاز التنفس الصناعي مجددا. استذكر الدكتور غوبتا مريضة في جناح «11 الشمالي» لم تعد بحاجة إلى الأكسجين الإضافي، ولكن بعد 10 دقائق من إيقاف تدفق الأكسجين، طالبت باستعادته، حيث كانت تخشى أن تفشل رئتاها مرة أخرى.
بالنسبة للأطباء، هؤلاء المرضى هم المحظوظون. فبحلول منتصف شهر مايو (أيار)، توفي أكثر من 220 مريضًا بسبب الفيروس في مستشفى «ويل كورنيل» وحده. ويقوم الأطباء المحبطون من ارتفاع حالات الوفاة بسبب الوباء بزيارات إلى جناح «11 الشمالي» لرؤية مرضاهم الناجين من الموت، إذ أصبحت وحدة التعافي المكان الأكثر أملاً في المستشفى.
وفي هذا الصدد، قالت الدكتورة لورا كولبي التي عالجت مرضى فيروس «كورونا» في ذروة تفشي المرض وتعمل الآن في جناح «11 الشمالي»: «أرى الجناح منارة حقيقية داخل المستشفى». يطل الجناح على جزيرة روزفلت وعلى محطة كهرباء «كوينز»، ولم يتبقى في الجناح اليوم سوى حوالي 30 مريضا بعد أن جرى تسريح 60 مريضا متعاف.
في هذا المكان، يمكن سماع أصوات مختلفة عن أي مكان آخر: فهنا، يمكنك أن تسمع أعلى سعال سمعته على الإطلاق، وصوت أقدام المرضى الذين يتعلمون المشي إلى أسفل الرواق، كما تسمع كلمات التشجيع من مات ديسكوفيتش، اختصاصي العلاج الطبيعي، وهو يحث المرضى على السير 10 أقدام أخرى، مذكرا إياهم بأنهم على طريق يؤدي بهم إلى المنزل.
لكن المنزل يمكن أن يكون بعيد المنال في الوقت الحالي. فالسيد بلو ويس كان يعتقد أنه إقامته في الوحدة ستستمر أسبوعا واحدا فقط. لكن في مقابلة في مايو (أيار)، في يومه الثاني عشر في الوحدة، قرر التوقف عن حساب الأيام والتخمين بعد أن أدرك، كمغني أوبرا يعمل الآن في شركة للتكنولوجيا المالية، أن «هناك أشياء معينة قد تستغرق بعض الوقت». فقد أبقته القرحة وألم الأعصاب مستيقظا طول الليل يشاهد التلفزيون ويحصل على قيلولة أثناء النهار.
كانت أهم لحظاته في هذا المكان فترة 90 دقيقة التي يقضيها في العلاج الطبيعي، عندما بدأ يتعلم المشي مرة أخرى. كان لديه القليل من الإحساس في قدمه اليمنى، مما أضعف توازنه. كانت قدمه تميل إلى الأسفل، مما يعرضه لخطر السقوط مع كل خطوة.
في أحد الأيام، كان بإمكانه المشي لمسافة ستة أقدام أو نحو ذلك في الممشى قبل أن يحتاج للراحة. سرعان ما أصبحت المسافة 50 قدماً، ثم 75 قدماً. كان يسير صعوداً ونزولاً في رواق «11 الشمالي»، متجاوزاً غرف المرضى الآخرين الأكبر منه سنا. لم يكن مهتما أو راغبا في الاختلاط بغيره من المرضى، ولم يكن الوحيد الذي تحاشى جلسات العلاج الجماعي.
اتضح أن ذلك الإحساس كان شائعاً بين المرضى، مما تسبب في خيبة أمل الأطباء، حيث قال الدكتور غوبتا: «أعتقد أن الناس يعيدون الاندماج بحذر نوعاً ما. لقد فوجئت بذلك». حتى بين الزملاء في غرف المستشفى، نشأت علاقات محدودة. ففي إحدى الغرف، كان رجل تركي الأصل يواجه صعوبات للإمساك بهاتفه المحمول. وكان زميله في الغرفة، وهو ممرض من الفلبين، يتحرك من سريره وينحني لاستعادة هاتف زميله، ليعاود كل منهم إلى الحديث في الهاتف مع عائلته.
كان هناك الكثير ليقال بين المتعافين، فغالبية المرضى لم يروا عائلاتهم منذ دخولهم في الجناح قبل ثلاثة أو أربعة أسابيع. عادة ما يسرد المرضى لعائلاتهم ما حدث في المستشفى، لكن في عصر «كورونا» يحدث العكس. فكثير من المرضى ليس لديهم فكرة عما حدث لهم أثناء دخولهم المستشفى. كانت هانا كيتس، زوجة بلو ويس تحتفظ بملاحظات دقيقة لتسردها له. وسمحت إدارة المستشفى للسيدة كيتس بزيارة زوجها بعد خمسة وثلاثين يوماً من دخوله المستشفى رغم حظر الزوار بشكل عام، لكنها حصلت على استثناء. احتاجت كيتس إلى معرفة كيفية الاعتناء بقرحة زوجها، والتي تضمنت ضمادة مصنوعة من الطحالب. كان عليها أن تقطعها إلى قطع صغيرة تضعها على الجرح. كانت ترتدي قناع الوجه عندما دخلت إلى غرفته بالمستشفى، مما جعل زوجها يعتقد بالخطأ أنها ممرضة.
استمرت الزوجة في الجناح لمدة 11 ساعة تعلمت خلالها العناية بقرحة زوجها، وقلمت أظافره وروت له أحداث الأسابيع الماضية. جلسا معا بهدوء وتحدثا عما سيحتاجه عندما يعود إلى المنزل، عصا وكرسي متحرك للمسافات الطويلة وممرضة زائرة ومعالج طبيعي زائر. في أواخر مايو (أيار)، خضع بلو ويس لعملية جراحية استمرت ست ساعات في ذراعه اليمنى لمحاولة إصلاح تلف الأعصاب. وفي 29 مايو، عادت كيتس إلى المستشفى لاصطحاب زوجها إلى المنزل، واصطف الأطباء والممرضات على جانبي الرواق ليهتفوا ويصفقوا له أثناء خروجه.

- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟