ودّع لبنان ظهر امس الشاعر اللبناني سعيد عقل، في مأتم رسمي وشعبي اقيم له في كاتدرائية مارجرجس بوسط بيروت، والتي شهدت قبل ايام قليلة وداع الفنانة صباح.
وكان جثمان صاحب قول "وان فلّيت اترك عطر بهالكون"، قد سجي ليوم كامل (الاثنين الماضي) في جامعة سيدة اللويزة، حيث قدّمت الصلوات والتراتيل على راحة نفسه.
حضر مراسم الجنازة التي ترأسها بطريرك لبنان وانطاكية للموارنة بشارة بطرس الراعي ولفيف من المطارنة والرجال الروحيين، حشد من الشعراء والفنانين والسياسيين الذين توافدوا الى الكاتدرائية منذ العاشرة والنصف صباحا، اي قبيل موعد اقامة جنازته بساعة واحدة.
ومثّل رئيس الحكومة تمام سلام وزير الثقافة روني عريجي، فيما مثّل رئيس مجلس النواب نبيه بري زميله الأسبق الرئيس حسين الحسيني. كما حضر مراسم الجنازة رئيسا جمهورية لبنان السابقان ميشال سليمان وامين الجميل، والنائب ميشال عون(رئيس كتلة التغيير والاصلاح)، اضافة الى ممثل عن قيادة الجيش وعدد من النواب والوزراء الذين يمثلون كافة التيارات والاحزاب السياسية في لبنان. كما حضرت في الصفوف الامامية ماري روز اميدي رفيقة الشاعر الراحل والتي اعتنت به مدة 37 عاما، والتي كان يصفها الشاعر الراحل بأمّه الثانية.
وتقدّمت الفنانة ماجدة الرومي بتعازيها لأسرة الشاعر الراحل واصفة اياه بالانسان الذي لن يتكرر، وبأنه كتب عظمة لبنان في ابداعات باقية الى الابد، فيما نقل عنه الشاعر هنري زغيب بانه اوصاهم في المحافظة على نصوصه.
دخل نعش الراحل المصنوع من الصخر وخشب الارز، الى الكنيسة وسط تصفيق الحضور حوالى الحادية عشرة صباحا، وهو محمول على الاكفّ من قبل طلاب جامعة اللويزة التي عمل فيها الشاعر الراحل كاستاذ جامعي لأكثر من ربع قرن. كما وضع الجميع شالات حمراء تحمل اسم عقل، كانت قد وزّعتها الجامعة المذكورة على الحضور وعلى كل من زار حرمها ما قبل البارحة اثناء تسجية جثمانه فيها.
وفي المناسبة ألقى بطريرك الموارنة بشارة بطرس الراعي كلمة وصف فيها الشاعر الراحل بعملاق الادب والشعر، وبأنه كان شعر لبنان الحلم والعنفوان والجمال. وبعد ان تلا اهم المحطات من مشوار حياته الطويل ذاكرا اهم اعماله الشعرية والنثرية والمسرحية قال:" لقد احبّ لبنان واعلاه الى قمم الاوطان، وهو القائل احب لبنان اكثر من نفسي، احبه محبتي لأمي فاعتبره وطنا غير عادي." وأضاف:"سعيد عقل هو هذا الفنان الذي قضى حياته الطويلة في بحث دائم عن المعنى العميق للاشياء، وعن رغبته الحارة في التعبير عن العالم الفائق الوصف".
وعلى عكس غيره من رجالات لبنان، لم يغادر سعيد عقل هذا العالم ملفوفا بعلم لبنان، بل راقدا في نعش ابيض على شكل ناووس حجري، مصنوع من خشب ارز لبنان الذي يعود عمره لاكثر من 3000 عام، استطاع ان يحصل عليه ناحته رودي رحمة من إحدى أشجار الأرز التي اقتلعت نتيجة عواصف شتاء عام 1983، وقد شكّل هذا الخشب القاعدة التي تحمل النعش المؤلف من صخرة رخام مجوّفة.
وجاءت الصخرة وكأنها كف لبنان الذي عشقه سعيد عقل، وعند فتح غطاء النعش يلاحظ المرء ان المشهد أشبه بالسفينة الاولى التي سافرت الى العالم ايام الفينيقيين وحملت على متنها حروف الابجدية. وتجسيداً لرحلته الطويلة بين الحروف نحت رحمة كما ذكر لنا أسماء مؤلفات العملاق ليحضنها معه في مشواره الى العالم الآخر. وكان النحات اللبناني قد اتخذ قراره في صنع نعش "المعلّم" (لقب الشاعر الراحل)، والذي سيندرج ضمن لائحة مقتنيات جامعة اللويزي التاريخية، في عيد الميلاد المئوي للشاعر الراحل (عام 2012)، اذ وجد انه من غير اللائق به ان يحضنه في مشواره الاخير تابوت عادي. وقال في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: "انتهيت من العمل فيه منذ حوالى الستة اشهر، وخبّأته خجلا لئلا اكشف عن المفاجأة هذه واصبح فأل شرّ على المعلّم".
يزن نعش عقل 200 كلغ (مع وزن الجثمان) وقد حفر عليه بعض اسماء مؤلفاته مثل"رندلى" و"الصخرة المعلّقة" ولبنان ان حكى" وغيرها.
وبعد انتهاء مراسم تشييعه تقبّلت اسرته والشخصيات الفنية والسياسية الحاضرة، واجب التعازي فيه على انغام تراتيل وصلوات لجوقة كنيسة مارجرجس الموسيقية. ومن ثم اكمل موكب الراحل سعيد عقل مشواره، الى مثواه الاخير في مسقط رأسه مدينة زحلة، وهناك اقيم له استقبال حافل ألقيت فيه كلمات تكريمية في المناسبة.
رحل سعيد عقل الذي كان يتمنى ان يكون مهندسا معماريا كونه ملما بمادة الرياضيات، هو الذي كان يعدّ نفسه فيلسوف عصره، على غرار فلاسفة التاريخ "دانتي" و"غوتيه" و"ميروس" و"شكسبير"، بفارق واحد وهو ان معظم افكاره وفلسفته استوحاها من لبنان وفي التحديد من نهر البردوني الذي يمرّ في مدينته زحلة.
10:43 دقيقه
لبنان ودع سعيد عقل راقدا في نعش منحوت من صخر وغصون شجر الأرز
https://aawsat.com/home/article/235401/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86-%D9%88%D8%AF%D8%B9-%D8%B3%D8%B9%D9%8A%D8%AF-%D8%B9%D9%82%D9%84-%D8%B1%D8%A7%D9%82%D8%AF%D8%A7-%D9%81%D9%8A-%D9%86%D8%B9%D8%B4-%D9%85%D9%86%D8%AD%D9%88%D8%AA-%D9%85%D9%86-%D8%B5%D8%AE%D8%B1-%D9%88%D8%BA%D8%B5%D9%88%D9%86-%D8%B4%D8%AC%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D8%B2
لبنان ودع سعيد عقل راقدا في نعش منحوت من صخر وغصون شجر الأرز
مشواره الأخير بدأ من وسط بيروت لينتهي في مسقط رأسه زحلة
لبنان ودع سعيد عقل راقدا في نعش منحوت من صخر وغصون شجر الأرز
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

