الجزائر.. التغيير المؤجل

وعود بوتفليقة.. لا تصدقها المعارضة المطالبة بتنازلات على صعيد تدوير السلطة

الجزائر.. التغيير المؤجل
TT

الجزائر.. التغيير المؤجل

الجزائر.. التغيير المؤجل

تجمع المعارضة في الجزائر بمختلف ألوانها، على أن ساعة التغيير قد حانت وأن النظام بقيادة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة مطالب بتقديم تنازلات على صعيد تدوير السلطة والتداول على منصب رئيس الجمهورية، لتفادي سيناريوهات شبيهة بالفوضى الجارية في ليبيا وسوريا. في المقابل ترفض «أحزاب الموالاة» أي مسعى يطعن في شرعية الرئيس بحجة أنه منتخب لمدة 5 سنوات، وأن أي حديث عن خليفة له ينبغي له انتظار انتخابات 2019. وترى «الموالاة» أيضا، أن استمرار بوتفليقة في الحكم «ضمانة للاستقرار في محيط إقليمي مليء بالأهوال». ورحيله عن الحكم يهدد، حسبها، بسيناريوهات شبيهة بما يجري في الجارة ليبيا وفي اليمن وسوريا. وجاء نجاح تجربة التغيير ليضع رافضي التغيير في حرج كبير.
يعاني النظام حاليا من ضعف غير مسبوق بسبب مرض الرئيس بوتفليقة، الذي نادرا ما يظهر إلى العلن. فهو يحدث الجزائريين في المناسبات الكبيرة بواسطة رسائل يقرأها نيابة عنه، مستشاره الخاص المكلف بقراءة خطبه، وزير البحث العلمي سابقا محمد علي بوغازي، المنتمي تنظيميا لحزب إسلامي معارض هو «حركة النهضة». وآخر مرة «تحدث» فيها الرئيس كانت الثلاثاء الماضي، عندما ذكر أنه لا يزال متمسكا بتعديل الدستور. جاء ذلك في وقت احتدم فيه جدل كبير حول «تخلي الرئيس عن دستوره».
ووعد بوتفليقة بإحداث التغيير المنشود في دستوره، الذي لا يعرف متى يتم. بينما لا تثق المعارضة في وعده وترى فيه «مناورة لربح الوقت» وتطالب بتنظيم انتخابات رئاسية مسبقة، على أن يعهد تنظيمها لـ«هيئة مستقلة» تضم شخصيات نزيهة. وتقول إن موافقة النظام على المطلبين، اختبار له لمعرفة مدى استعداده لإحداث التغيير. ويعارض عمار سعداني أمين عام حزب الأغلبية (جبهة التحرير الوطني)، وأحد أكبر الموالين للرئيس، فكرة تنحي بوتفليقة عن الحكم أو تنظيم انتخابات مسبقة، إذ يقول لـ«الشرق الأوسط»: «الرئيس باق في الحكم وشرعيته خط أحمر لا يمكن الاقتراب منه». وتساءل مستغربا: «كيف لهذه المعارضة أن تندد بما تسميه انقلابا على شرعية محمد مرسي في مصر، وتسعى إلى الانقلاب على شرعية الرئيس بوتفليقة؟!».
ودعا سعداني، المدافع بشراسة عن الرئيس في صراعه مع جهاز المخابرات، المعارضة إلى الحوار «لتثبيت حالة الاستقرار والأمن التي تنعم بها البلاد، بدل تخريب الوطن في ظل الوضع الأمني المتدهور بدول الجوار». وثارت ثائرة سعداني الأسبوع الماضي، عندما نظمت «تنسيقية الحريات والانتقال الديمقراطي»، التي تضم كل أحزاب المعارضة تقريبا، مع وفد من الاتحاد الأوروبي للتعاطي في موضوع التغيير في الجزائر، فقد اتهمها بـ«العمالة للخارج والاستقواء بالأجنبي لفرض التغيير في الجزائر». وقد وجدت المعارضة في سفريات الرئيس إلى فرنسا بغرض العلاج، فرصة لتجديد مطلبها بـ«إعلان حالة شغور السلطة». وحتى يتحقق ذلك لا بد، دستوريا، أن يلتئم «المجلس الدستوري» ليلاحظ حالة «المانع الصحي بسبب مرض مزمن وخطير». لكن الدستور لا يوضح الجهة الرسمية في البلاد التي ينبغي أن تطلب من «المجلس» أن يجتمع ليطلق ترتيبات إعلان شغور منصب الرئيس. زيادة على أن رئيسها من أهم المدافعين عن «شرعية» بوتفليقة، وهو مراد مدلسي وزير الخارجية السابق، لذلك لا يمكن تصور أن يقبل على هذه الخطوة.
ومع استمرار انسحاب الرئيس من المشهد السياسي، بسبب المرض، يقفز إلى ساحة النقاش السؤال التالي: من يحكم البلاد حاليا؟. هل هم طبقة رجال الأعمال المحيطين به التي كانت وراء تمويل حملاته الانتخابية طيلة فترة حكمه؟. هل هو قائد أركان الجيش ونائب وزير الدفاع الفريق أحمد قايد صالح؟ أم هو شقيقه وكبير مستشاريه السعيد بوتفليقة؟ أو هو مدير «دائرة الاستعلام والأمن» (المخابرات العسكرية)، الذي يشاع أنه يعارض استمرار بوتفليقة في الحكم؟.
فلورانس بوجي، الصحافية الفرنسية، هي واحدة من أهم الصحافيين الغربيين المهتمين بالشأن الجزائري والتي تتعامل السلطات الجزائرية معها بحساسية كبيرة. كتبت الأسبوع الماضي في صحيفة «لوموند» عن الوضع في الجزائر وعن مرض بوتفليقة وعن المعارضة التي تنادي بالتغيير، فقالت: «إن الجمود الّذي يضرب اليوم هذه الأمّة المكوّنة من 39 مليون مواطن، لا يشهد على أي استقرار كما يسوّق النظام الجزائري. على العكس: هو مصدر كلّ المخاطر. علي بن فليس - الذراع الأيمن السابق لبوتفليقة والذي أصبح واحدا من أشد خصومه - لم يخطئ عندما قال في أبريل (نيسان) إنّ النظام الجزائري لم يستفت (الشعب) (على رئيس ولكن على شغور منصب)».
وقالت أيضا: «للمرّة الرابعة على التوالي، انتخب عبد العزيز بوتفليقة لرئاسة الجمهورية. تزوير واسع أو نسبي: المسألة لا تكمن هنا. الحزب الأوّل يمثّله المقاطعون. مستاؤون من النظام الذي يعاني منذ الاستقلال وعفا عليه الزمن شيئا فشيئا، عزف الجزائريون منذ زمن طويل عن السياسة بعد أن أنهكوا وتمّ استغلالهم كثيرا. وبوتفليقة هو في عقولهم غير قادر على تحمّل مسؤولياتهم، ولم تعد لديه السلطة، اليوم في الجزائر العاصمة. فليس هناك سوى بقايا سلطة تتقاسمها طبقة من العسكر ورجال الأعمال بداية من القوي جدا علي حدّاد، الرئيس الجديد لمنظمة أرباب العمل في الجزائر والمقرّب من الزمرة الرئاسية. وسعيد بوتفليقة الشقيق الثاني لرئيس الجمهورية، يتمّ اعتباره كالرجل الجديد القوّي في هذا البلد المنجرف، حيث الافتقار للحكم والرؤية السياسية وانتشار الفساد. وتدور البلاد في حلقة مفرغة من خلال القوّة الوحيدة لبيروقراطيتها. الشرق والجنوب يشعران بالتهميش في حين أن الغرب (وخاصة تلمسان معقل زمرة بوتفليقة وأصدقائه) يحظى بالأهمية بلا خجل. وفي غرداية يسوء الوضع أكثر كل يوم؛ ففي هذه المدينة الجنوبية، يغذّي زعماء المخدّرات التوتّرات بين القبائل على خلفيّة تفكّك الدولة».
وترى الصحافية أن الجزائر «في حالة يرثى لها منذ 25 عاما، يستمرّ الوضع في التدهور والمجتمع تفكّك والمناخ الاقتصادي بعيد عن أن يكون مطمئنا، والنظام يفرغ خزائن الدولة بسرعة عالية في حين أنّ عائدات المحروقات تتراجع كتأثير مزدوج لتراجع الطلب الدولي، وانهيار سعر البرميل. وقد أطلق الخبراء الكثير من التحذيرات، والنظام يستمر في شراء السلم الاجتماعي بدعم الكثير من المنتجات، في إطار سياسة على مدى قصير جدّا».
ومن المؤكد أن «الوصف السوداوي» الذي أطلقته الصحافية الفرنسية على أوضاع البلاد، سيحرمها من تأشيرة الدخول إلى الجزائر إذا أرادت زيارتها!.
ويبدي الناشط السياسي والمعارض المحامي مقران آيت العربي، تحفظا على مطلب «تنسيقية الانتقال الديمقراطي» تنظيم انتخابات رئاسية مبكَرة، إذ يقول: «يبدو أن هيئة التشاور (قيادة التنسيقية) تخلت عن مطلب تفعيل المادة 88 من الدستور (تتعلق بشغور منصب الرئيس) لتطالب بتنظيم انتخابات رئاسية مبكرة. ولكن مرة أخرى لم تبين هذه الهيئة كيف تتم هذه العملية. إذا كان إعلان شغور منصب رئيس الجمهورية يتعلق من الناحية النظرية، بالمجلس الدستوري والبرلمان دون حاجة إلى موافقة الرئيس، فكيف يمكن تنظيم هذه الانتخابات من دون قرار من الرئيس؟ فالرئيس من الناحية الدستورية هو الوحيد الذي يمكنه أن يقرر ذلك، كما فعل الرئيس اليمين زروال عندما قرر تقليص ولايته (عام 1998) مع البقاء في المنصب لغاية تنظيم الانتخابات الرئاسية (أبريل 1999) حفاظا على استمرارية الدولة. إن تنظيم هذه الانتخابات قد يكون مخرجا للسلطة والمعارضة، ولكن هذه العملية تحتاج إلى إقناع الرئيس بأنها في صالح البلاد وفي صالحه شخصيا نظرا لحالته الصحية (المتدهورة) وما يمكن أن ينجر إذا تحرك الشارع. والجهة الوحيدة، في اعتقادي، التي تستطيع أن تعمل في هذا الاتجاه هي قيادة الجيش. وما دامت هيئة التشاور متمسّكة ببقاء الجيش في الثكنات، وفي غياب تجنيد الشعب، سنبقى في قاعة الانتظار».
وهاجم عبد القادر بن صالح أمين عام «التجمع الوطني الديمقراطي»، وهو من أشدَ الموالين لبوتفليقة، المعارضة في موضوع تنحيه عن الحكم، وقال: «هناك أطراف تعمل على رسكلة نفسها تحت شعارات تحاول من خلالها تبرير انقلابها على الشرعية، على نحو يعكس ارتباكا واضحا وعدم قدرة على الإقناع». وأضاف: «لقد تخطت الجزائر أصعب المراحل، وهي تواصل تكريس مسارها الديمقراطي التعددي وترسيخ الحريات وقيم التداول الديمقراطي على مستوى كل المؤسسات، وبناء منظومتها الاقتصادية التنافسية وتأمين المصالح الحيوية للشعب الجزائري، في ظروف إقليمية ودولية صعبة ومعقدة تتطلب وعيا عميقا بالتأثيرات المحتملة والتهديدات الماثلة». مشيرا إلى أنه «يسخر ممن يقول إن فخامة الرئيس عاجز عن القيام بمهامه. فهو يستقبل السفراء الأجانب ويرأس اجتماعات مجلس الوزراء، ويصدر توجيهات للحكومة ورأيه مطلوب من طرف الأجانب في الأزمات الدولية». وبن صالح هو رئيس «مجلس الأمة» (الغرفة بالبرلمانية الثانية)، وهو بحسب الدستور الرجل الثاني في الدولة.
ويدافع الدكتور عبد الرزاق مقري، رئيس الحزب الإسلامي «حركة مجتمع السلم»، وهو قاطرة «تنسيقية الانتقال الديمقراطي»، عن مواقف المعارضة فيقول: «نريد من الشعب أن يساهم معنا في الضغط السلمي على السلطة بكل الوسائل السياسية التي ندعو إلى استعمالها من أجل التغيير، والشعب حر في أن يثق بنا أم لا، أن يتبعنا أم لا. والحقيقة أنه لحد الآن لم يصل تجنيد الشعب إلى الحد الكافي للتغيير السلمي. ونحن كأحزاب علينا أن نصبر على ذلك ونستمر في توعية الناس حتى يتحقق الحد الكافي للتغيير، وسيتحقق ذلك لا محالة وسنصنع تجربة متميزة على هذا الدرب، متى؟ لا أدري. ومهما طال الزمن لن ننجر للتغيير العنيف لأن ذلك هي أمنية قوى الظلام والفساد والاستبداد والشر والعمالة».
وأضاف مقري الذي كان حزبه شريكا لبوتفليقة طيلة 14 سنة قبل أن ينضم إلى المعارضة: «إذا أراد الشعب أن يتجاوزنا فخرج للشارع لا للاحتجاج ولكن ليقلب الطاولة على الجميع (وهو أمر آت إن فشل مشروعنا السياسي السلمي واستمر النظام السياسي في سلوكه) فسيكون الفضل للشعب وحده عندئذ وليس لنا في ذلك شيء، وإنما واجبنا عند ذلك كأحزاب أن نقدم الخبرة والعون لكي لا تنفلت الأوضاع ولا يقسم البلد ويكون الانتقال إيجابيا ووطنيا وأصيلا. وعند ذلك يكون الشعب كذلك حرا في أن يثق فينا أم لا، يكون حرا في أن يضع ثقته في قيادات جديدة يفرزها الواقع، وفي كل الأحوال ستكون ضمائرنا مرتاحة لأننا لم نفرط في واجباتنا طيلة حياتنا فخيارنا إذن ليس ثوريا، ولكن إن وقعت الثورة بغير إرادتنا فلن نكون مكتوفي الأيادي، سنكون مع الشعب وسنتدخل من أجل بلدنا. فالذي يأمل في أن نعلن نحن الثورة لكي يكون التغيير سريعا عليه ألا يتوقع منا ذلك».
من جهته يدعو علي بن فليس رئيس الحكومة سابقا إلى «تغيير طبيعة النظام السياسي، لنقل البلاد من سلطة الشخص إلى سلطة ديمقراطية. أعلم أن ذلك سيأخذ وقتا طويلا». ويقول أيضا: «لا يكفي أن نغيَر الدستور حتى ننتقل إلى نظام سياسي جديد، ينبغي البحث عن ثقافة سياسية جديدة وممارسة سياسية جديدة.. ينبغي توسيع فضاءات المبادرة والحريات، يجب أن تتعلم السلطة كيف تقبل التعامل مع المعارضة كلاعب أساسي في الحياة الديمقراطية، بدل النظر إليها كخصم ينبغي محاربته. ينبغي التحضير لبناء مجتمع مدني حقيقي والعمل على أن يقبل النظام العيش مع السلطات المضادة».
ويذكر محمد ذويبي أمين عام «حركة النهضة» أن «مشروع السلطة هو إطالة عمر سياستها الإقصائية المنتهجة منذ الاستقلال (1962)، وهي سياسة تتنافى والعمل الجماعي الذي قدمه الشعب الجزائري إبان الثورة التحريرية. وتتمثل هذه السياسة أيضا في الانقلاب على خيار الشعب وتضحياته، إبان ثورة التحرير المباركة. وكل ما تقدمه السلطة من مبادرات ومناورات، لا يخرج عن هذا الخيار وهو ما نستخلصه من غلق العملية السياسية بإحكام».
وأضاف: «تريد السلطة مغالطة الرأي العام واستمرار المشهد الدراماتيكي المؤلم للشعب الجزائري، الذي كان بطلا حينما حرر البلاد وطرد العدو الاستعماري الفرنسي، واليوم يوصف بأنه شعب غير راشد وقاصر ويجب ممارسة الوصاية عليه بأبشع صورها. وللأسف، في هذا المشهد، الكل كان ينتظر أن تقوم السلطة بحلحلة الأزمة وإذا بها تعمل على تعقيدها وهو ما جاء في رسالة رئيس الجمهورية في مغالطات كثيرة. فقد ذكر أن المشاورات حول الدستور كانت واسعة، والحقيقية التي يعلمها العام والخاص، أن السلطة حاورت نفسها وتشاورت مع أعضاء من جسمها».

* أهم محطات بوتفليقة في الحكم
* يعتزم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إحداث تغيير في الدستور، مطلع العام المقبل يعود بموجبه إلى ما قبل التعديل الدستوري 2008 عندما فتح لنفسه باب الترشح للرئاسة مدى الحياة.
* في 2002 عدل الرئيس الدستور فجعل من الأمازيغية لغة وطنية بجانب اللغة العربية، غير أن سكان منطقة القبائل (شرق البلاد) كانوا يأملون في أن ترتقي لغتهم إلى صف «لغة رسمية». وفاز بوتفليقة في أول انتخابات خاضها (1999) بأغلبية مريحة، لكنه دخل السباق بمفرده بعدما انسحب 6 مترشحين احتجاجا على دعم الجيش «مرشح النظام».
* في نهاية نفس العام، نظم الرئيس استفتاء سمي بـ«الوئام المدني» كان بمثابة مشروع سياسي لفائدة المسلحين الإسلاميين. وشارك الجزائريون بكثافة في الاستفتاء الذي أفضى إلى تخلي 6 آلاف إسلامي عن السلاح، كلهم أعضاء في «الجيش الإسلامي للإنقاذ»، الذراع المسلحة لـ«الجبهة الإسلامية للإنقاذ» المحظورة. وعد هذا الاستفتاء «تأييدا شعبيا للرئيس بوتفليقة»، كان بحاجة ماسة إليه ليسكت خصومه الذين عابوا عليه أنه «رئيس ناقص شرعية» بسبب انسحاب المترشحين الـ6 من السباق نحو الرئاسة.
* ترشح بوتفليقة لولاية ثانية في انتخابات 2004. أمام رئيس حكومته السابق علي بن فليس وفاز عليه بأغلبية كبيرة. وانقسمت المؤسسة في تلك الانتخابات، بين مؤيد للرئيس ومساند لبن فليس. وكانت من نتائجها إقالة قائد أركان الجيش الفريق محمد العماري الذي توفي لاحقا.
* نظم بوتفليقة استفتاء آخر يتعلق بالأزمة الأمنية، وذلك في خريف 2005 سمي بـ«السلم والمصالحة الوطنية». ومكَن هذا المشروع من تحصين الجيش وأجهزة الأمن من احتمال التعرض للمتابعة، في سياق ما عرف بـ«تجاوزات قوات الأمن خلال فترة الاقتتال الدامي مع الجماعات الإرهابية».
* ترشح بوتفليقة لولاية ثالثة عام 2009. في انتخابات غابت عنها «الأوزان الثقيلة» مستفيدا فيه من دعم قوي للجيش وجهاز المخابرات. وأصيب الرئيس في أبريل 2013 بجلطة دماغية أقعدته على كرسي متحرك، ومع ذلك ترشح لولاية رابعة في أبريل الماضي خلافا لكل التوقعات، وفاز بنتيجة عريضة رغم غيابه عن الحملة الانتخابية.



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.