الهند والصين صراع النفوذ في جنوب آسيا

الاشتباكات الأخيرة أكبر من مجرد نزاع حدودي

الهند والصين صراع النفوذ في جنوب آسيا
TT

الهند والصين صراع النفوذ في جنوب آسيا

الهند والصين صراع النفوذ في جنوب آسيا

ثمة لعبة كبرى على الصعيد الجيوسياسي تجري حالياً داخل شبه القارة الهندية والصين، المنطقة الأكبر عالمياً من حيث عدد السكان مع تكدس 3.1 مليار نسمة في 9 دول فقط. ويتزامن هذا الحدث مع تفشي جائحة «كوفيد - 19» على مستوى العالم.
والواقع أنه من قلب الجائحة، اشتعلت حالة من تبادل الاتهامات وإلقاء اللوم عن المسؤولية في تفشيها بين الهند والصين اللتين تمثلان قوتين كبريين ومؤثرتين على مستوى آسيا والعالم. ومن جانب آخر، ثمة محاولات لتنفيذ مناورات سياسية داخل المنطقة من جانب قوى من خارجها مثل الولايات المتحدة واليابان.

خاضت الهند والصين خلال الأيام القليلة الماضي مواجهة عسكرية دامية وإن كانت محدودة داخل إقليم لاداخ، حيث يرابط الجيشان على طول ما يعرف باسم «خط السيطرة الفعلية»، وحتى هذه اللحظة، وبعد التقارير عن سقوط ما لا يقل عن 20 قتيلاً من القوات الهندية لم تعد الأوضاع إلى طبيعتها بعد.
الأمر الخطير هنا، إنه للمرة الأولى منذ عام 1962، يشهد الإقليم اشتعال توترات بين الجانبين، وذلك رغم أن «خط السيطرة الفعلية» محدد بوضوح ومتفق عليه من الطرفين. وكان بناء حشود عسكرية على طول الخط الحدودي قد بدأ في الأسبوع الأول من مايو (أيار) على امتداد منقطتي لاداخ (شمال كشمير) غرباً وسيكيم شرقاً (بين نيبال وبهوتان)، حيث وقعت مواجهات بين قوات هندية وأخرى صينية. وبعد ذلك، تفاقمت المواجهات بين الجانبين وامتدت إلى مناطق أخرى على طول خط السيطرة.
ومنذ منتصف الأسبوع تجرى مباحثات بين وفود عسكرية رفيعة المستوى من الهند والصين لتسوية حالة التأزم الراهنة على الحدود واحتوائها. وما يجدر ذكره أن مواجهات عنيفة كانت قد وقعت بين قوات الجانبين في 5 و6 مايو، وأعقبتها مواجهات أخرى في 8 و9 مايو. وما زالت المباحثات الدبلوماسية والعسكرية مستمرة بين المسؤولين الهنود والصينيين بهدف التوصل إلى تسوية عاجلة للأزمة الحدودية. ومن المنتظر عقد مزيد من المباحثات العسكرية بين الجانبين سعياً لتهدئة التوترات على الحدود.

حسابات سياسية
للعام، هذه ليست المرة الأولى التي تخوض الهند والصين فيها اشتباكات مباشرة عند المنطقة الحدودية. وكانت آخر المواجهات قد وقعت عام 2017 في دوكلام على الحدود الثلاثية بين الهند والصين وبهوتان واستمرت 83 يوماً. ويرى كثيرون من المراقبين - الهنود على الأخص - أن الانتكاسات التي عانت منها الصين جراء تفشي جائحة «كوفيد - 19» وانتكاسة أوضاعها الاقتصادية، ربما دفعت بكين نحو اللجوء إلى شن عدوانها الأخير في المناطق الحدودية مع الهند، سعياً لتشتيت الأنظار بعيداً عن مشاكل بكين الداخلية، وفي الوقت ذاته، استعراض قوة الصين أمام العالم. إلا أن بعض الخبراء المعنيين بشؤون جنوب آسيا يشيرون إلى «نظرية مؤامرة» مؤداها أن الأزمة الحالية قد تكون محاولة استباقية من جانب بكين لإحباط نوايا هندية مزعومة لتنفيذ مغامرة عسكرية في مناطق شمال باكستان (تحديداً غيلغيت وبالتيستان)، التي يمر من خلالها «الممر الاقتصادي» بين الصين وباكستان.
الخبير الهندي أبرانا باندي، من «معهد هدسون» الأميركي أعرب في تقرير وضع عن الوضع، عن اعتقاده بأن: «الصين تبعث برسالة قوة وعزيمة في لحظة تواجه فيها انتقادات حادة من الرأي العام العالمي. ولقد وجدت نفسها مضطرة إلى تبني مسار هجومي من أجل تشتيت الانتقادات والتهديدات التي تواجهها مكانتها، على الصعيدين الداخلي والخارجي. والمعروف أنه في أوقات كهذه، تتفاقم التوترات الاجتماعية، ومن الواضح أن الصين رأت أن تلقين الهند درساً السبيل الأمثل أمامها لدعم مكانتها الدولية وإعادة بناء شرعية نظامها في الداخل. على الجانب الآخر، فإن الهند القوية اقتصادياً وعسكرياً والمستقرة سياسياً واجتماعياً، تشكل منافساً محتملاً للصين داخل آسيا. والمؤكد هنا أنه كلما زادت قوة التحالفات والشراكات التي تشارك بها الهند مع دول في آسيا والغرب، تضاءلت احتمالات إقدام الصين على الضغط عليها. ومن أجل هذا، تدعم الصين باكستان، وسعت لتأليب جميع الدول المجاورة للهند ضدها».

الهند ونيبال
من جهة ثانية، شهدت الفترة الأخيرة اندلاع خلاف حدودي بين الهند ونيبال رغم العلاقات الوثيقة التي تجمع البلدين منذ قرون. واشتعل هذا الخلاف بسبب تدشين الهند طريقاً في جبال الهيمالايا قرب الحدود مع إقليم التيبت الذي يتبع الصين. وتحول الأمر إلى قضية سياسية مشتعلة داخل نيبال، مع أن الطريق لم تُشق بطبيعة الحال بين عشية وضحاها، وثمة من يؤكد أن الحكومة النيبالية على علم بجهود شق الطريق وبنائها، وكانت تتابعها على مر السنوات. من ناحيته، مرر البرلمان النيبالي، الأسبوع الماضي، تشريعاً يبدل شكل الخريطة السياسية للبلاد، ويضم ثلاثة مناطق هندية إلى البلاد هي: ليمبيادهورا وكالاباني وليبولكه.
وفي حادثة مختلفة على الحدود بين نيبال والهند، فتحت قوات الشرطة النيبالية المسلحة النار ليسقط شخص واحد قتيلاً على الجانب الهندي. وأشارت مصادر إلى أن قرويين يدّعون أن الشرطة النيبالية طلبت منهم عدم التجول حول الحدود لأنهم ينشرون فيروس «كوفيد - 19» داخل نيبال.
وسط هذه الأجواء، ينظر مراقبون سياسيون في شبه القارة الهندية إلى رئيس الوزراء النيبالي كيه. بي. شارما أولي على أنه يميل ناحية الصين. ولقد سبق أن اشتعلت خلافات بينه وبين الهند في الماضي، إذ اتهم أولي السلطات الهندية عام 2016 بالوقوف خلف إسقاط حكومته. وهنا، تجدر أنه نظراً لكون نيبال دولة حبيسة - لا تطل على البحار - فإنها اعتمدت لسنوات طويلة على الواردات الهندية، واضطلعت الهند في المقابل بدور نشط في الشؤون النيبالية. إلا أن الوضع تبدل خلال السنوات الأخيرة مع تحرك نيبال بعيداً عن دائرة النفوذ الهندي ودخول الصين وسدها الفجوة التي تركها الانحسار التدريجي للنفوذ الهندي - تحت حكم ناريندرا مودي رئيس الوزراء اليميني الهندوسي القومي الحالي - عبر استثمارات ومساعدات وقروض سخية.
من جهتها، تنظر الصين إلى نيبال باعتبارها شريكاً محورياً في «مبادرة الحزام والطريق»، وترغب في ضخ استثمارات بالبيئة التحتية النيبالية في إطار خطط كبرى لها لتعزيز نشاطاتها التجارية العالمية.
وما يستحق الذكر في هذا السياق أن الرئيس الصيني شي جينبينغ أصبح خلال العام الماضي أول رئيس صيني يزور نيبال منذ زيارة جيانغ زيمين عام 1996. وخلال زيارة شي، قرر البلدان رفع مستوى الروابط بينهما إلى «شراكة استراتيجية».

تقارب صيني - نيبالي
الدبلوماسي الهندي السابق كريشان سينغ يتساءل في تعليقه على التقارب الصيني - النيبالي «كيف يمكن التعامل مع الصين؟... نحن نتصدى لهم... لكن عندما يتعلق الأمر بمنطقة جوهرية داخل دائرة نفوذك، وهي نيبال، يصبح لزاماً عليك التخلص من (رئيس الوزراء) أولي».
ويضيف كريشان سينغ: «لدينا أصول كافية هناك، فهناك البرلمان النيبالي، بجانب وجود انقسامات داخل الحزب الشيوعي النيبالي الحاكم. كما أننا نعرف جميع العناصر الفاعلة... لذا، علينا أن نتحرك للتخلص من الدمية الصينية الموجودة بالجوار، ودعم حكومة موالية للهند في (العاصمة النيبالية) كاتماندو... ومن شأن هذه الصفعة الموجهة إلى الصين أن تبعث برسالة واضحة لجميع دول الجوار مفادها أنك إذا سعيت للحصول على حماية الصين، فإنها لن تتمكن من إنقاذك لأنها لا تعرف آلية عمل الأنظمة الديمقراطية. قد يظل سفيرك يجري من مكان لآخر دون جدوى، لكن إذا فقد رئيس الوزراء شعبيته وتفكّك حزبه، فإن هذه تحديداً الرسالة التي تبعث بها. إننا لا نلقي اللوم على الصين، ولا ينبغي لنا منحها أهمية تفوق حجمها بمناشدتنا النيباليين بأن يبعدوا عنها، وإنما علينا فقط أن ندفعهم فعلياً للبعد عنها».
في أي حال، الملاحظ أن هذه الانتكاسة التي منيت بها الهند مع نيبال جاءت في توقيت شديد السوء، في ظل وجود أزمة عالقة على الحدود المتنازع عليها مع الصين شرق لاداخ. ومن المحتمل أن تمضي الصين في مساندة محاولات باكستان تدويل نزاعها مع الهند حول جامو وكشمير (الولاية الهندية السابقة، والمنطقة التابعة للهند في كشمير الطبيعية)، كما فعلت في أعقاب قرار حكومة مودي بتجريد الولاية من وضعها الاستثنائي وإعادة تنظيمها لتصبح منطقتين اتحاديتين في الخامس من أغسطس (آب) 2019. وفي هذا الصدد، أوضح الصحافي الهندي أنيربان بهاوميك أن «تردي العلاقات مع نيبال جاء بمثابة انتكاسة للتحركات الهندية الأخيرة لإعادة التأكيد على دورها القيادي داخل «رابطة جنوب آسيا للتعاون الإقليمي». وقد سارعت إسلام آباد بالفعل لاستغلال تجدد الاهتمام بالأزمة الحدودية بين الهند من جهة والصين ونيبال من جهة، لاتهام نيودلهي بالسعي خلف أطماع توسعية».

الصين في مواجهة الحوار
الأمني الرباعي
يرى البعض الآن أن حلم الصين في تسيد العالم وحتى احتلال المرتبة الثانية في الهيمنة على العالم بعد الولايات المتحدة، يبدو بعيد المنال في ظل الأوضاع الجيوسياسية الراهنة. وما يدعم هذا الاعتقاد التكتل المناهض للصين الذي نجح الرئيس الأميركي دونالد ترمب في تكوينه رغم كل المصاعب التي يواجهها في الداخل الأميركي بسبب جائحة «كوفيد - 19» وتداعياتها. فاليوم، بدأت ألمانيا وبريطانيا وأستراليا في تقليص علاقاتها مع الصين، والعمل على إعادة ترتيب العلاقات الدبلوماسية معها، واضعة نصب أعينها اجتماع مجموعة «السبعة الكبار» المقبل، الأمر الذي زاد من شعور بكين بالإحباط.
وفي هذا الصدد، أوضح الكاتب الصحافي الهندي مانيش بانديا أن «الأزمة الصينية - الهندية على الحدود مرتبطة بتردي العلاقات الدبلوماسية بين بكين وواشنطن. ولا تبدو الهند الدولة الوحيدة التي وجدت نفسها محصورة في التوتر المشتعل بين الجانبين. إلى جانب ذلك، فإن ما تفعله بكين لقمع الاضطرابات في هونغ كونغ، وأصوات الاعتراض داخل تايوان، أو ما تفعله من أجل فرض الاحتلال الكامل للتيبت ليس بالأمر الجديد أو المفاجئ للكثيرين من مراقبي العلاقات الهندية - الصينية». وإضافة لذلك، عمدت الصين إلى توريط أستراليا في توتراتها الأمنية مع الهند بعد توقيع نيودلهي وكانبيرا اتفاقية دفاعية تتشارك القوات العسكرية بالبلدين في منشآت داخل مضايق بحرية تنافس بكين بحدة للسيطرة عليها.
ومع تعبئة الصين والهند للمزيد من القوات والمعدات على امتداد الحدود الجبلية في سلسلة جبال الهيمالايا، ذكرت صحيفة «غلوبال تايمز» المدعومة من الحزب الشيوعي الصيني أن بكين تنظر إلى الاتفاق الهندي - الأسترالي باعتباره تهديداً مباشرا لها.
وحول هذا الجانب، أشار الكاتب الصحافي الهندي إم. دي. نالابات إلى أن «لدى كل من ترمب ورئيس الوزراء الياباني شينزو آبي ورئيس وزراء أستراليا سكوت موريسون ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي خططه الخاصة لنظام عالمي جديد في القرن الـ21».
وأردف نالابات: «في عام 2020. «ثمة ميثاق لمنطقة الهند والمحيط الهادي» آخذ في التشكل سريعاً كخيار يكسب تأييد أعداد متزايدة، خاصة داخل الولايات المتحدة والهند وأستراليا واليابان. وفي الدول الأربعة، يدرس صانعو السياسة على نحو غير رسمي إمكانية العمل على الميثاق المقترح لمنطقة الهند والمحيط الهادي. وتبدو الدول الأربعة المشاركة في «الحوار الأمني الرباعي» (أستراليا واليابان والولايات المتحدة والهند) عناصر مثالية لإطلاق مثل هذا الخطوة، مثلما كانت بريطانيا والولايات المتحدة فيما يخص «الميثاق الأطلسي». وفي الوقت الذي تعتبر الدول الأربعة الأعضاء في «الحوار الأمني الرباعي» أنظمة ديمقراطية، فإن الميثاق المقترح يمكن بمرور الوقت أن يضم دولاً مثل فيتنام وجنوب أفريقيا.


مقالات ذات صلة

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

حصاد الأسبوع «تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات

ميشال أبونجم (باريس)
حصاد الأسبوع ميلونشون (رويترز)

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

«الشرق الأوسط» (باريس)
حصاد الأسبوع قناة السويس (رويترز)

مصر والصين بعد زيارة شي جينبينغ... من شراكة المشاريع إلى صناعة المستقبل

قبل زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى القاهرة، انشغل معظم القراءات بالسؤال عمّا يمكن أن تضيفه الزيارة إلى العلاقات المصرية - الصينية. أما بعد اختتامها،

وارف قميحة
حصاد الأسبوع تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)

رئيس الوزراء الإسرائيلي... ما بين «شمشون الجبّار» وجرافة الـ«دي 9»

قصة شمشون الجبار تُذكر كثيراً في السنوات الثلاث الأخيرة؛ فهذه الشخصية التاريخية لبني إسرائيل، اشتهرت في الحكاية التوراتية كمَن صاحب العبارة الشهيرة


«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.