تردّي الرعاية الصحية والفساد يفاقمان معاناة مرضى «كوفيد ـ 19» في الهند

مستشفيات ترفض استقبال المصابين... وأخرى تطالبهم بمبالغ كبيرة

TT

تردّي الرعاية الصحية والفساد يفاقمان معاناة مرضى «كوفيد ـ 19» في الهند

توفي أستاذ اللغة العربية والي أختار، بعدما رفضت ستة مستشفيات خاصة في مدينتي نيودلهي ونويدا استقباله لأسباب مختلفة. وقد أصيب أختار بحمى قبل أسبوع، ورفضت ستة مستشفيات دخوله بسبب عدم وجود أسرّة، فيما أفاد آخرون أنهم لا يقبلون المرضى المصابين بالحمى. تمكنت عائلة أختار أخيراً من إدخاله أحد المستشفيات، حيث أكّدت الفحوصات إصابته بفيروس «كورونا» المستجد، ووافته المنية بعد ساعتين من اليوم نفسه بعد تفاقم أعراض الفيروس القاتل.
كذلك توفي زامير أحمد منى، وهو سياسي من منطقة «سيلامبور» شمال شرقي نيودلهي، جراء إصابته بفيروس «كورونا» في 11 يونيو (حزيران). ويزعم صهره «س.م» حسين أن مستشفى خاصا كبيرا رفض استقباله بسبب عدم وجود أسرة. ومع تخطي حالات الإصابة بالفيروس في الهند 400 ألف حالة ووفاة 13 ألف شخص، بدا الضغط على البنية التحتية للرعاية الصحية واضحا في المدن الكبيرة، مع تراجع قدرتها على فحص الحالات المشتبه بها، ومعاناتها لمواكبة الطلب المتزايد على أسرّة المستشفيات في مدن مثل مومباي وتشيناي وأحمد آباد وكولكاتا ونيودلهي، وهي المدن الأكثر تضرراً في الهند بسبب الفيروس، في وضع مشابه لما حدث في شمال إيطاليا ونيويورك خلال ذروة الوباء.

- إهمال في المستشفيات
في غضون تسعة أيام فقط، دمّر «كوفيد - 19» عائلة «نيهيتي»، كاشفا عن فجوات صارخة في نظام الرعاية الصحية العامة. بدأت المأساة عندما فقد هارشال نيهيتي والدته تيلا (60 عاما) بسبب الفيروس، حيث انتظرت الحصول على سرير في مستشفى لست ساعات. وبعد أسبوع من ذلك، عُثر على جثة جدته المتحللة جزئيا ممدّدة على أرضية دورة مياه بالمستشفى نفسه. وكان عاملون في المستشفى قد أكدوا للعائلة أن الجدة البالغة من العمر 82 عاما، والمصابة بـ«كوفيد - 19»، «غادرت المستشفى» من تلقاء نفسها قبل أسبوع. وعلى مدار ثمانية أيام كاملة، لم يذهب أي من العاملين في المستشفى لتفقد أو تنظيف دورة المياه، حيث عُثر على جسد الجدة مالاتي، ناهيك عن البحث عن امرأة مسنة «مفقودة». ولم يكسروا الباب إلا بعدما اشتكى المرضى الذين كانوا يستخدمون دورات المياه الأخرى من أنهم لم يعودوا قادرين على تحمل الرائحة الكريهة. حُرم هارشال وأسرته من حضور جنازتي الأم والجدة، كما أُصيبت زوجته الحامل وووالده.
وكشفت قناة «الهند تي. في» عن صور مروعة للإهمال وسوء الإدارة في أحد مستشفيات العاصمة. وأظهرت الصور جثة عارية ملقاة على الأرض في غياب الطاقم الطبي، فيما ظهر العديد من المرضى فاقدين للوعي ومستلقين على الأرض دون مراقبة طبية.
وفي حادثة مماثلة، اندلع الغضب في أرجاء البلاد بعد تداول صور على وسائل التواصل الاجتماعي لعدة جثث ملقاة في ممر مستشفى في مومباي. ودخلت المحكمة العليا في الهند على خط الجدل، مستندة إلى تقارير إعلامية أظهرت تراكم جثث ضحايا فيروس «كورونا» في نيودلهي، وأعربت عن قلقها بشأن الوضع في بعض الولايات الأخرى. وقالت المحكمة، إنه «عُثر على جثة في صندوق القمامة»، مضيفة باستنكار: «يعامل البشر أسوأ من الحيوانات». وقالت المحكمة إن «هذا الوضع مروع. انظروا إلى معاملة المرضى، فهم يبكون ولا أحد يعتني بهم. المرضى يركضون بحثا عن مكان في مستشفى، في حين أن عدداً كبيراً من الأسرة في المستشفيات الحكومية لا يزال شاغراً. الدولة ملزمة بتوفير موظفين لإدارة الأجنحة». وتابعت: «التقارير الإعلامية التي كشفت حالة المرضى المزرية، آلمت هذه المحكمة».

- «نهب» المرضى
وجهت تقارير عدة اتهامات إلى مستشفيات خاصة، بالفساد والتربح من الوباء، وبمطالبة المرضى وأسرهم بمبالغ ضخمة لقبول وعلاج مصابي «كورونا». ويزعم مرضى وأقاربهم أن المستشفيات تحاول تحقيق أقصى استفادة من السيناريو القاتم، دون الالتفات إلى الوضع المالي البائس للناس. وأُدخل عم صايمة فرقان، البالغ من العمر 60 عاما، إلى مستشفى خاص في نيودلهي، وتسلمت العائلة فاتورة من 122 صفحة بمبلغ إجمالي قدّر بـ 1.6 مليون روبية (21 ألف دولار أميركي). وما أذهل فرقان هو أن الفاتورة تضمّنت مبلغا ثابتا هو 10 آلاف روبية يوميا، نظير معدات الحماية الشخصية التي يرتديها الطاقم الطبي الذي يعالج عمها.
بدوره، يروي جولي أنتوني، أحد سكان مدينة أنديري، تجربة أحد أصدقائه الذي كان عليه أن يقضي 12 يومًا في مستشفى خاص معروف، حيث «تم تحصيل 1.8 مليون روبية، بما في ذلك 8000 روبية يوميا فقط مقابل مجموعات معدات الوقاية الشخصية التي يرتديها الموظفون. لكن العائلة كانت في حالة ميسورة جدا ولا تمانع في الدفع. لكن فكر في أولئك الذين لا يستطيعون تحمل هذه التكاليف وليس لديهم ما يدفعونه». وأضاف أن «التأمين الطبي عاجز عن المساعدة نظرا لعدم وجود أسرة متاحة في المستشفيات العامة». على نفس المنوال، تسلم موكيش بهاتيا، الذي أدخل والده في مستشفى معروف، فاتورة بمبلغ مليوني روبية على الرغم من وفاته بعد 13 يومًا من دخوله المستشفى. في المقابل، رفض يوجيش سارين، المدير العام والمالي في مستشفى «ماكس هيلثكير»، مزاعم التربح من الوباء، قائلا: «نحن اليوم ندير ما يقرب من 1000 سرير لمرضى فيروس (كورونا)، وقد عالجنا حتى الآن أكثر من 2000 مريض. لدينا 1970 عامل رعاية صحية يهتمون بهؤلاء المرضى على مدار الساعة. أصيب أكثر من 427 عاملا في مجال الرعاية الصحية بالمرض، وأدخلوا المستشفى ذاته. كان لدينا 3220 موظفا في الحجر الصحي، لكنهم انقطعوا عن العمل بشكل متقطع على مدى الشهرين ونصف الماضيين، ومع ذلك فإننا لا نزال نواصل الخدمة».

- معاناة الطاقم الصحي
وقامت الحكومة الهندية بتحويل بعض المستشفيات الخاصة وعربات السكك الحديدية وحتى مضمار السباق إلى عيادات مؤقتة. ومع ذلك، لا يزال هناك نقص كبير في الأسرة وأجهزة التنفس، وفقا لتقارير من نيودلهي ومومباي. وسلّطت عدة تقارير من ولايات مختلفة في الهند الضوء على المخاطر التي يتعرض لها العاملون في مجال الصحة أثناء علاجهم لمرضى «كورونا».
من الممكن أن تعزى هذه المخاطر إلى ضراوة العدوى وعدم استعداد المستشفيات للتعامل مع الوباء. لكن هناك العديد من الجوانب الهامة التي يتعين على المستشفيات مراعاتها، وتشمل إنشاء أجنحة عزل ومرافق العناية المركزة، وأجهزة تنفس وغيرها، وبروتوكولات للعلاج والسيطرة على العدوى ومعدات الحماية الشخصية للعاملين الصحيين. وجاءت نتائج تحاليل المئات من الممرضات والأطباء إيجابية حتى في المستشفيات الخاصة المعتمدة دوليا في مومباي ودلهي.
ومع ارتفاع عدد الوفيات الناجمة عن فيروس «كورونا»، تعمل الهند على تعزيز سعة المشارح في المستشفيات من خلال تركيب «حاويات مبردة» للحفاظ على جثث الموتى.


مقالات ذات صلة

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟