«الخُمس الحوثي» يشعل غضباً يمنياً... والشرعية تقدم شكوى لغريفيث

الجماعة عاقبت السكان بأزمة وقود جديدة للمزايدة بها إنسانياً

سائق ينظر إلى عداد التعبئة بمحطة وقود في صنعاء (رويترز)
سائق ينظر إلى عداد التعبئة بمحطة وقود في صنعاء (رويترز)
TT

«الخُمس الحوثي» يشعل غضباً يمنياً... والشرعية تقدم شكوى لغريفيث

سائق ينظر إلى عداد التعبئة بمحطة وقود في صنعاء (رويترز)
سائق ينظر إلى عداد التعبئة بمحطة وقود في صنعاء (رويترز)

لم يكد الشارع اليمني يفيق من صدمة قيام الجماعة الحوثية بشرعنة لائحة تجيز لها نهب 20 في المائة من أموال اليمنيين وثرواتهم تحت مسمى «الخمس» لمصلحة المنتمين إلى سلالة زعيمها، حتى عاقبتهم بأزمة وقود جديدة للمزايدة بها إنسانياً وتحقيق أرباح مضاعفة من بيع المشتقات النفطية في السوق السوداء.
وفي الوقت الذي أثارت اللائحة الحوثية الخاصة بشرعنة «الخمس» موجة من الغضب المتواصل في أوساط اليمنيين عامة، امتد السخط إلى قيادات موالين للجماعة وصفوا اللائحة بـ«العنصرية».
وفي مسعى للتعبير عن الغضب العارم، طالب الناشطون اليمنيون على مواقع التواصل الاجتماعي الحكومة الشرعية والبرلمان بسرعة إقرار قانون يجرم الجماعة الحوثية ويعدها «جماعة إرهابية عنصرية».
وفيما يبدو أن قادة الميليشيات الحوثية يحاولون من خلال افتعال الأزمة إلهاء الشارع الغاضب عن «اللائحة العنصرية» وصرف الأنظار عن موجة السخط التي بدأت تتشكل في صنعاء، أمروا منذ ليل الثلاثاء بإغلاق محطات الوقود في صنعاء وبقية المحافظات الخاضعة لهم.
وبينما أكد لـ«الشرق الأوسط» عاملون في شركة النفط اليمنية الخاضعة للجماعة في صنعاء أن كميات الوقود الموجودة في المحطات وفي الخزانات التابعة للشركة تكفي لأسابيع، بررت الجماعة سلوكها التعسفي بتأخر وصول شحنات الوقود إلى ميناء الحديدة.
وعادت على الفور - بعد القرار الانقلابي - طوابير السيارات إلى المحطات بالتزامن مع قيام مسلحي الجماعة بالانتشار لإغلاقها ومنع بيع الكميات الموجودة فيها بمزاعم محاولة ترشيد الاستهلاك وتحديد حصص معينة لكل سيارة.
وأكد السكان في العاصمة أن القرار الحوثي الذي يحرم في صنعاء وحدها أكثر من 3 ملايين شخص من الحصول على الوقود، أعاد الانتعاش مجدداً للسوق السوداء حيث ارتفع سعر بيع المشتقات النفطية في بعض المناطق والأحياء إلى 3 أضعاف السعر السابق.
ومنذ انقلابها تتحكم الجماعة في مناطق سيطرتها بتجارة الوقود، وتبيع المواد بأسعار لا تتوافق مع الأسعار العالمية، بخاصة في ظل الانخفاض العالمي في أسعار النفط، وهو الأمر الذي مكّنها من جنى أرباح ضخمة تتراوح - بحسب تقديرات اقتصادية - بين مليوني دولار و5 ملايين يومياً.
وكان قادة الجماعة أقروا أخيراً لائحة خاصة بهيئة الزكاة التي أنشأوها قبل نحو عامين، نصّت على تخصيص 20 في المائة من ثروات البلاد للمنتمين إلى السلالة الحوثية، باعتبارهم فئة متميزة عن بقية الفئات اليمنية.
وأعطت اللائحة المنتمين إلى السلالة الحوثية الحق في الحصول على خمس مبيعات النفط والغاز والمعادن، وصولاً إلى بيض الدجاج وأسماك البحر ومواد البناء من حجارة ورمل وإسمنت، وانتهاء بمياه الآبار وعسل النحل.
وإذ لم يستثنِ الاستياء في الشارع اليمني أحداً من مناهضي الجماعة، اعترف قادة موالون لها من جهتهم بأن «لائحة الخمس» تنظر إلى اليمنيين وكأنهم «غنيمة حرب»، كما غرّد بذلك القيادي محمد المقالح، وهو عضو فيما تسمى «اللجنة الثورية العليا».
وعلى وقع موجة الغضب المتصاعدة في الشارع اليمني سارعت الحكومة الشرعية للتنديد باللائحة الحوثية، قبل أن تقوم أخيراً بشكل رسمي بتوجيه خطاب إلى مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن مارتن غريفيث تشكو فيه من السلوك العنصري للجماعة الرامي إلى تمزيق وحدة اليمنيين ونسف قيم العدالة والمساواة بين المواطنين.
وذكرت المصادر الرسمية، أمس (الأربعاء)، أن وزير الخارجية محمد الحضرمي بعث خطاباً إلى غريفيث «بشأن قيام ميليشيا الحوثي الانقلابية مؤخراً بإعلان ما أسموه اللائحة التنفيذية لقانون الزكاة».
وأشار الحضرمي في خطابه إلى أن اللائحة الحوثية تضمنت بنوداً تؤكد الطابع العنصري للجماعة وعدم مراعاتها لظروف المجتمع اليمني ووضعه المعيشي الصعب بسبب الحرب التي تسببت بها وعدم اكتراثها بالكارثة الإنسانية التي أنتجتها.
وبيّن الخطاب الحكومي جملة من المخاطر التي تكتنف العمل بهذه اللائحة، منوهاً إلى أن هذه اللائحة وإن كانت منعدمة الأثر قانونياً، باعتبارها صادرة عن غير ذي صفة، إلا أن لها دلالة سياسية واضحة، مفادها أن الحوثيين غير راغبين في السلام ولا يسعون إليه، كما أنها تؤكد على استمرار الحوثيين في انتهاك حقوق المواطنين في المناطق التي ما زالت خاضعة لسيطرتهم من خلال قوانين ولوائح غير شرعية.
وأوضح الحضرمي، بحسب وكالة «سبأ»، أن هذه اللائحة تحمل دلالات عنصرية وجزءاً من سعي الحوثيين لتمزيق النسيج الاجتماعي في اليمن من خلال فصل فئة بعينها عن المجتمع اليمني بمنحهم امتيازات تستند إلى أسس عنصرية مجرّمة بموجب القوانين الوطنية للجمهورية اليمنية والقوانين الدولية.
واعتبر أن الأثر المباشر لهذه اللائحة هو تحميل الغالبية من المجتمع اليمني وهم البسطاء العاملون في مجال الزراعة والصيد أعباء إضافية، وهو ما يساهم في إرهاق كاهل هذه الشريحة، في ظل أوضاع معيشية صعبة.
وأشار وزير الخارجية اليمني إلى أن هذه اللائحة «تشجع فئة من أبناء الشعب اليمني على الاستمرار في الحرب والعدوان لجني المكاسب والاستيلاء على موارد الدولة الأساسية من النفط والغاز، وهو ما سيؤدي إلى مزيد من التصعيد العسكري في مناطق مختلفة من اليمن وخاصة مأرب والجوف».
وأكد أن اللائحة الحوثية تؤصل لأفكار قائمة على التفوق العنصري وتحرض على التمييز العرقي، وهو ما يعد جريمة بناء على الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، وتعتبر الجمهورية اليمنية أحد أطرافها.
ودعا الوزير اليمني منظمة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي لاتخاذ موقف حازم وإدانة سعي الحوثيين لتغيير قيم المساواة ومبادئ المواطنة المتساوية التي ضحّى من أجلها الشعب اليمني طويلاً، وأيّد في سبيل ذلك التوجهات الأممية لإنهاء التمييز والعنصرية.
يشار إلى أن الجماعة الحوثية منذ انقلابها على الشرعية أتاحت لأتباعها وكبار قادتها نهب موارد المؤسسات كافة، بما في ذلك الضرائب ورسوم الجمارك والزكاة، وسخّرت أغلب ذلك لمجهودها الحربي.
ويقوم خطاب الجماعة الفكري والعقائدي على فكر الاستعلاء والتميز، إذ تدعي في أدبياتها أن سلالة الحوثي هي المخولة بالحكم بأمر الله، وأن لها حقاً إلهياً كما تزعم في التسلط على اليمنيين.


مقالات ذات صلة

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: اليمن لن يبقى ساحة مفتوحة لمشروع عابر للحدود

خاص أكد رئيس الوزراء أن اليمن لن يبقى ساحة مفتوحة لمشروع عابر للحدود (تصوير تركي العقيلي)

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: اليمن لن يبقى ساحة مفتوحة لمشروع عابر للحدود

حذّر رئيس الوزراء اليمني د. شائع الزنداني من أن بلاده لن تبقى ساحة مفتوحة أمام مشروع عابر للحدود، مؤكداً أن الدولة ستواصل بناء قدراتها لحماية شعبها.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص اليمن بحاجة إلى مراجعة تشريعية شاملة لمعالجة آثار الحرب والانقلاب والانقسام وفق المقطري (سبأ)

خاص المقطري لـ«الشرق الأوسط»: نوثق اعتداءات الحوثيين... ولا حصانة لمرتكبي الجرائم الجسيمة في أي تسوية

أكدت وزيرة الشؤون القانونية اليمنية، القاضية إشراق المقطري، أن أي تسوية سياسية مقبلة لن تمنح حصانة لمرتكبي الجرائم الجسيمة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
تحليل إخباري وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي خلال اجتماع مع قيادات عسكرية في مأرب (سبأ) p-circle

تحليل إخباري خبراء لـ«الشرق الأوسط»: توسيع الجيش اليمني عمليات الردع يمهّد لمعركة واسعة

يعتقد خبراء عسكريون أنَّ توسيع الجيش اليمني عمليات الردع يمهِّد لمعركة واسعة ضد الجماعة الحوثية المدعومة من إيران.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
المشرق العربي الدكتور رشاد محمد العليمي يرأس اجتماع مجلس الدفاع الوطني (سبأنت)

«مجلس الدفاع اليمني» يجدد تقديره لما تقدمه المملكة من دعم ثابت للشعب اليمني

أعرب مجلس الدفاع الوطني في اجتماعه اليوم برئاسة الرئيس الدكتور رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، عن اعتزازه بأداء القوات المسلحة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج القيادات الأمنية في وزارة الداخلية اليمنية خلال اجتماعهم (الشرق الأوسط)

الداخلية اليمنية تطيح بخلية تخريبية في مأرب

أطاحت وزارة الداخلية اليمنية بعناصر متهمة بالتخطيط لأعمال تخريبية في مأرب، بحسب مسؤول أمني رفيع أكد لـ«الشرق الأوسط» إصابة مساعد القائد والقبض على زعيم الخلية.

سعيد الأبيض (جدة)

مصر تدعم «عملية سياسية دون تدخلات خارجية» في السودان

وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني خلال لقاء سابق في القاهرة (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني خلال لقاء سابق في القاهرة (الخارجية المصرية)
TT

مصر تدعم «عملية سياسية دون تدخلات خارجية» في السودان

وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني خلال لقاء سابق في القاهرة (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني خلال لقاء سابق في القاهرة (الخارجية المصرية)

أكدت مصر دعمها تدشين «عملية سياسية ذات ملكية سودانية ودون تدخلات خارجية»، بما يُسهم في إنهاء الأزمة الراهنة واستعادة الأمن والاستقرار.

وأجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالَين هاتفيين، الجمعة، مع نظيره السوداني محيي الدين سالم، وكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، تناولا الأوضاع الجارية في السودان وسبل إنهاء الأزمة، حسب بيانين منفصلين لـ«الخارجية المصرية».

وجاء اتصال عبد العاطي وسالم، في إطار «متابعة تطورات العلاقات الثنائية في مختلف المجالات، وتطورات الأوضاع الميدانية في السودان»، وجدّد عبد العاطي تأكيد دعم وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية.

وذكر البيان أن وزير الخارجية المصري أكد أهمية «وجود عملية سياسية ذات ملكية سودانية ودون تدخلات خارجية، بما يُسهم في إنهاء الأزمة واستعادة الأمن والاستقرار في السودان».

كما تبادل الوزيران الرؤى بشأن التطورات في منطقة القرن الأفريقي وأمن البحر الأحمر، وأكدا أهمية تعزيز التنسيق بين الدول المشاطئة، وضرورة الحفاظ على أمن وسلامة الملاحة البحرية، فضلاً عن دعم الجهود الرامية إلى ترسيخ السلم والأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، بما يحفظ مصالح دول المنطقة وشعوبها.

بينما تناول اتصال عبد العاطي وبولس «الجهود الإقليمية والدولية المبذولة لدعم الأمن والاستقرار في السودان الشقيق، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود لدعم سيادته، والتوصل إلى حل سياسي يضمن إنهاء معاناة المدنيين ويصون للسودان وحدته وسلامة أراضيه»، وفقاً لبيان «الخارجية المصرية».

وكان رئيس مجلس السيادة والقائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، قد وافق على مبادرة تقدمت بها مجموعة من السودانيين لتشكيل آلية وطنية مستقلة تتولى التمهيد لحوار شامل. وتعهد البرهان بعدم تدخل الدولة في تنظيم الحوار، أو تحديد أطرافه، وأجندته، ومخرجاته.


اليمن يعزز تدابيره الدفاعية في مواجهة تهديد الحوثيين

جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)
جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)
TT

اليمن يعزز تدابيره الدفاعية في مواجهة تهديد الحوثيين

جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)
جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)

لم يعد التهديد الحوثي المتصاعد مقتصراً على خطوط التماس أو الهجمات ذات الطابع العسكري المباشر، بل بات يضغط في اتجاه يشمل الموانئ والمنشآت الاقتصادية والممرات البحرية، في وقت تحاول فيه الحكومة اليمنية إعادة ترتيب أدوات الدولة للتعامل مع تهديد ترى أنه يتجاوز حدود الصراع الداخلي إلى أمن الملاحة والتجارة الدولية.

ويأتي هذا التحرك الحكومي في ظل تصعيد على الساحل الغربي والبحر الأحمر، شمل في أحدث تطوراته خلال الساعات الماضية إطلاق صواريخ باليستية باتجاه الجزر المحررة ومناطق قريبة من خطوط الملاحة الدولية، إلى جانب محاولة استخدام مسيرة انتحارية، بالتزامن مع إحباط البحرية اليمنية محاولة زوارق حوثية الاقتراب من جزر محررة، وفق ما أفاد به الإعلام العسكري.

وتضع هذه التطورات الحكومة اليمنية أمام معادلة معقدة؛ إذ لا تقتصر مهمة مؤسساتها على احتواء الهجمات العسكرية، وإنما تمتد إلى حماية المنشآت المدنية والتجارية، وتأمين سلاسل الإمداد، والحفاظ على قدرة الاقتصاد على العمل، في بلد أنهكته سنوات الحرب التي أشعلها الحوثيون والانقسام المالي والنقدي.

صاروخ أطلقه الحوثيون في وقت سابق لاستهداف مدينة المخا ومينائها (أ.ف.ب)

وتعامل مجلس الوزراء اليمني، خلال أحدث اجتماع له في عدن، مع التصعيد الحوثي باعتباره جزءاً من مسار يستهدف مقومات الدولة وليس مجرد عمليات عسكرية متفرقة. وركز على استهداف الحوثيين للبنية الاقتصادية والمنشآت المدنية والتجارية، وفي مقدمتها ميناء المخا، باعتباره محاولة لإعاقة حركة التجارة والملاحة والإمدادات.

وتكتسب المخا أهمية تتجاوز موقعها المحلي، بالنظر إلى قربها من واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. ولذلك فإن أي تهديد للميناء أو للمناطق الساحلية المحيطة به لا ينعكس على الاقتصاد اليمني وحده، بل يضيف طبقة جديدة من المخاطر إلى أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.

توسيع معركة المواجهة

في حين تسعى الحكومة اليمنية إلى تقديم نفسها بوصفها قادرة على إدارة المواجهة عبر مجموعة متوازية من المسارات العسكرية والأمنية والاقتصادية، وجه مجلس الوزراء بإبقاء الجاهزية في أعلى مستوياتها، وتعزيز منظومات الرصد والإنذار والاستجابة، ورفع التنسيق بين الأجهزة العسكرية والأمنية والمدنية، بما يسمح بالتعامل السريع مع التهديدات وحماية المؤسسات والمنشآت والمصالح الوطنية.

يمني يتلقى الرعاية في المستشفى إثر إصابته في هجوم حوثي (أ.ب)

لكن الإجراءات لم تتوقف عند الجانب الأمني، فقد ناقش المجلس أوضاع الكهرباء والغاز، واختناقات الإمداد، والرقابة على الأسواق وسلاسل التوريد، إلى جانب تشديد الرقابة على المنافذ والإيرادات ومكافحة التهريب وتمويل الأنشطة غير المشروعة.

وتكشف هذه الحزمة عن محاولة لربط الأمن الاقتصادي بالأمن العسكري؛ فالحكومة ترى أن قدرة الدولة على الصمود أمام التصعيد تتطلب منع اضطراب الأسواق والإمدادات، وفي الوقت نفسه تجفيف الموارد التي يمكن أن يستفيد منها الحوثيون في تمويل عملياتهم العسكرية.

ويعكس ذلك أيضاً إدراكاً رسمياً بأن أي تصعيد طويل الأمد في البحر الأحمر يمكن أن يضاعف الضغوط على اقتصاد هش أصلاً، خصوصاً إذا أدى إلى تعطيل الموانئ أو التأثير في حركة السلع والغذاء والدواء.

أشخاص يبحرون بقاربهم بمحاذاة سفن حاويات بالقرب من مضيق باب المندب (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، شدد مجلس الوزراء اليمني على ضرورة عدم تحول إجراءات مكافحة التهريب إلى عائق أمام التجارة المشروعة، في محاولة لتحقيق معادلة تجمع بين تجفيف مصادر التمويل غير المشروع والحفاظ على تدفق الاحتياجات الأساسية للسكان.

شراكة دولية

بالتوازي مع تحركات الحكومة، برزت دعوة يمنية إلى توسيع الشراكة مع المجتمع الدولي، خصوصاً مع الولايات المتحدة، للتعامل مع المخاطر التي لم تعد محصورة داخل الحدود اليمنية.

وفي لقاء عبر الاتصال المرئي مع القائم بأعمال السفير الأميركي لدى اليمن نيل هوب، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي سلطان العرادة على أن أمن البحر الأحمر وباب المندب مسؤولية مشتركة، وأن حماية حرية الملاحة وخطوط التجارة العالمية تتطلب ضغوطاً سياسية واقتصادية أكبر على الحوثيين، إلى جانب تجفيف مصادر تمويلهم وتسليحهم.

وتحاول القيادة اليمنية من خلال هذا الخطاب نقل النقاش من إطار الحرب اليمنية إلى إطار أوسع يتعلق بأمن الممرات البحرية الدولية، مستندة إلى أن استمرار عدم الاستقرار في اليمن ينعكس مباشرة على أمن المنطقة وحركة التجارة العالمية.

وأكد الجانب الأميركي، وفق الإعلام الرسمي اليمني، دعمه لمجلس القيادة الرئاسي والحكومة، واستعداده لمواصلة دعم مؤسسات الدولة وتعزيز قدراتها في مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية والإنسانية، مع التركيز على الحد من مصادر تمويل وتسليح الحوثيين.


بين الزنزانة والقبر... سجون الحوثيين توسّع ملف التعذيب

عناصر حوثيون يحرسون أحد تجمعات الجماعة المؤيدة للتصعيد العسكري (غيتي)
عناصر حوثيون يحرسون أحد تجمعات الجماعة المؤيدة للتصعيد العسكري (غيتي)
TT

بين الزنزانة والقبر... سجون الحوثيين توسّع ملف التعذيب

عناصر حوثيون يحرسون أحد تجمعات الجماعة المؤيدة للتصعيد العسكري (غيتي)
عناصر حوثيون يحرسون أحد تجمعات الجماعة المؤيدة للتصعيد العسكري (غيتي)

تراكمت وقائع التعذيب وسوء المعاملة والإخفاء القسري والحرمان من الرعاية الطبية في السجون ومقرات الاحتجاز التابعة للجماعة الحوثية، وخلال الأسابيع الأخيرة كُشف الستار عن وقائع لانتزاع الاعترافات القسرية في التحقيقات، وآلت بعض حالات الاحتجاز إلى الوفاة أو إصابات وآثار صحية خطيرة تلازم الضحايا بعد الإفراج عنهم.

وتأتي هذه الوقائع في وقت يشهد فيه اليمن تصعيداً عسكرياً متزايداً بدأته الجماعة المدعومة من إيران، ما يثير سؤالاً أوسع بشأن انعكاس مناخ الحرب والتعبئة الأمنية على التعامل مع المدنيين والمحتجزين في مناطق سيطرتها، وبرغم عدم وجود ارتباط سببي مباشرة بين التصعيد والتعذيب، لكنه يكشف عن تزامن بين تشدد الخطاب العسكري والأمني واتساع دائرة الاعتقالات والاتهامات ذات الطابع السياسي والأمني.

ونقلت قضية اعتقال الطبيب علي أحمد المضواحي الملف إلى مستوى أكثر حساسية يتمثل في الاعتقال الطويل والضغط لانتزاع اعترافات ذات مضمون سياسي وأمني.

سكان مناطق سيطرة الحوثيين يواجهون مخاوف التعرض للاعتقال (رويترز)

فبحسب ما نقلته زوجته عنه، أمضى المضواحي أكثر من 16 شهراً في زنزانة تحت الأرض، وتعرض للتعذيب والضغط لإجباره على الاعتراف بأنه «جاسوس» جندته منظمة الصحة العالمية. وقال، وفق روايتها، إن المحققين طالبوه أيضاً بالاعتراف بأن لقاحات الأطفال أدوات للتجسس، قبل أن يواجه تهديداً بإبقائه عقوداً في الاحتجاز إذا رفض التعاون.

واتهمت منظمة «هيومن رايتس ووتش» ورابطة أمهات المختطفين الجماعة بإحالة معتقلين، بينهم المضواحي وموظف أممي وعاملون في منظمات مدنية، إلى المحكمة الجزائية المتخصصة، وأشارت الأولى إلى تقارير عن التعذيب وانتزاع اعترافات قسرية، في حين نوّهت الثانية بإحالة موظف أممي آخر إلى النيابة رغم إصابته بالسرطان وحاجته إلى رعاية طبية مستمرة.

وتتبنى الجماعة الحوثية موقفاً سلبياً ومقيداً تجاه اللقاحات وحملات التحصين، وتصنّفها في أدبياتها وخطابها الإعلامي بـ«مؤامرة صهيونية» وأدوات للتجسس، وتمنع تنظيم حملات التطعيم الوطنية الجماعية في مناطق سيطرتها، وتفرض قيوداً صارمة على حركة الفرق الطبية وأنشطة المنظمات الدولية الإنسانية.

تصعيد داخل السجون

شهد الشهر الحالي عدداً من حالات التعذيب الحوثية المؤدية إلى الوفاة أو تدهور خطير في الصحة، فمنذ أيام ظهر ماجد صادق طه، من أهالي مديرية ذي السفال بمحافظة إبّ (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، بحالة صحية متدهورة بعد نحو ستة أشهر من احتجازه في مدينة القاعدة جنوب المحافظة.

وتحدثت والدته عن تعرضه للحرق والحرمان من الطعام والنوم أثناء احتجازه، واتهمت أشخاصاً ينتمون للجماعة بالوقوف وراء اختطافه وتعذيبه.

اتهامات للحوثيين بإفشال اتفاق تبادل الأسرى الأخير وسط مخاوف على المحتجزين (أ.ف.ب)

وشهدت المحافظة أيضاً دخول شخص آخر العناية المركزة في إبّ بعد محاولة انتحار داخل زنزانته في سجن محكمة المخادر، وبينت مصادر محلية أنه احتُجز لنحو شهر للضغط على أسرته على خلفية قضية أمنية مرتبطة بأحد أبنائه.

وبحسب المصادر، فإن عبد الله الشرماني يعيش ظروفاً نفسية وصحية قاهرة بعد أن قضى نحو شهر كامل خلف القضبان كرهينة، للضغط على أسرته، ودون توجيه تهمة له، وسط استنكار الأهالي ومطالبتهم بالكشف عن ملابسات محاولته الانتحار، ومدى قسوة الظروف التي يتعرض لها داخل المعتقل.

وفي يوليو (تموز) الماضي، طالب أهالي محافظة البيضاء (242 كيلومتراً جنوب شرق صنعاء)، ومعهم مركز «رصد للحقوق والتنمية»، بالإفراج عن جثة محمد أحمد حسين الهدار الذي تُوفي داخل السجن المركزي في المحافظة والكشف عن سبب وفاته.

القبضة الأمنية للحوثيين تشتدّ بالتوازي مع التصعيد العسكري في الجبهات (أ.ف.ب)

وبحسب الأهالي والمركز، فإن الهدار اعتُقل من صنعاء في مايو (أيار) الماضي، دون مذكرة قضائية، قبل نقله إلى البيضاء، وظهرت على جثته آثار تشير إلى تعرضه للتعذيب والاعتداء الجسدي، بالتزامن مع حرمانه من الرعاية الطبية.

انتهاكات ممنهجة

سبق تلك الواقعة وفاة معتقل سابق بعد مضاعفات صحية قال مقربون من أسرته إنها نتجت عن التعذيب والإهمال الطبي اللذين تعرض لهما خلال سنوات اختطافه لدى الجماعة؛ إذ ظل عبد المجيد الشرفي يعاني من تدهور مستمر في حالته الصحية منذ الإفراج عنه، نتيجة الآثار الجسدية والنفسية التي خلفتها سنوات الاعتقال، قبل أن تنتهي معاناته بوفاته.

وعدّ فهمي الزبيري، مدير مكتب حقوق الإنسان في صنعاء، التابع للحكومة الشرعية، وفاة الشرفي دليلاً إضافياً على التداعيات الخطيرة للتعذيب والإهمال الطبي داخل السجون الحوثية التي يغادرها المحتجزون وهم يعانون أمراضاً وإصابات مزمنة قد تستمر معهم لسنوات، وقد تؤدي في بعض الحالات إلى الوفاة.

عربة أمنية حوثية أمام مقر أممي في صنعاء حيث اعتُقل العشرات من موظفي المنظمات الدولية (رويترز)

ووثّق مكتب حقوق الإنسان في صنعاء 3219 انتهاكاً بحق المدنيين خلال عامَي 2024 و2025، بينها 135 حالة تعذيب، و483 حالة اختطاف وإخفاء قسري، و307 محاكمات سياسية، شملت 39 حكماً بالإعدام. وارتفع إجمالي الانتهاكات من 1537 حالة في 2024 إلى 1682 في 2025، بزيادة بلغت 9.4 في المائة.

وتسود مخاوف على سلامة الناشطة سحر الخولاني وسط مطالب عائلتها بالكشف عن ظروف احتجازها والإفراج عنها، بعد أن أعيد اعتقالها مطلع هذا العام ووضعها في زنزانة انفرادية. ولم تكن قد أكملت عاماً منذ الإفراج عنها بعد اعتقال سابق دام 5 أشهر.

ومع اتساع التصعيد العسكري الحوثي، تبدو هذه الوقائع جزءاً من سؤال أكبر عن طبيعة العلاقة بين الحرب والقبضة الأمنية؛ إذ دائماً ما تقوم الجماعة بتشديد أعمال القمع وتوسيع الاعتقالات بالتزامن مع أي تصعيد عسكري جديد.