«روسٌ بيننا»... خلايا نائمة وقصص أشباح وبحثٌ عن جواسيس بوتين

طرق جديدة للتجسس أكثر انتهازية وسرعة

«روسٌ بيننا»... خلايا نائمة وقصص أشباح وبحثٌ عن جواسيس بوتين
TT

«روسٌ بيننا»... خلايا نائمة وقصص أشباح وبحثٌ عن جواسيس بوتين

«روسٌ بيننا»... خلايا نائمة وقصص أشباح وبحثٌ عن جواسيس بوتين

قد يكون التجسس مهنة قديمة قدم التاريخ، لكن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أعطاها بالتأكيد تحولاً جديداً. لإدراك الأسباب التي تقف وراء اتهام روسيا من قبل بعض الأطراف بالتدخل في الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2016 – ومخاوف تكرار هذا التدخل في انتخابات 2020– علينا العودة إلى فترة نهاية الحرب الباردة. كان فلاديمير بوتين حينها ضابطاً شاباً في المخابرات السوفياتية في مدينة دريسدن بألمانيا الشرقية، وبينما كان جدار برلين يتهاوى، سعى بوتين للحصول على توجيهات من موسكو حول ما يتوجب عليه القيام به في تلك الظروف التاريخية الحرجة. لكن الجواب كان: «موسكو صامتة».
صُعِقَ بوتين عندما انهارت الإمبراطورية السوفياتية، ورأى في ذلك «أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين»، حسب قوله. ولاستعادة ما تم فقدانه، ركز بوتين على صياغة صورة جديدة للمخابرات الروسية - وهو أمر قللت الولايات المتحدة من تقديره حتى آخر انتخابات رئاسية.
يقول غوردون كوريرا في كتابه الجديد «روسٌ بيننا»، إن «الجواسيس... سيكونون موضوعاً مهماً لفلاديمير بوتين... وقد لا تكون روسيا عملاقاً اقتصادياً، لكن التجسس هو أحد المجالات التي لا تزال فيها قوة من الدرجة الأولى، وسيضاعف بوتين اعتماده على أجهزة المخابرات الخاصة به كوسيلة لممارسة القوة والتأثير في جميع أنحاء العالم».
يقدم كوريرا تفاصيل غير عادية عن الجواسيس الروس مثل أندري بيزروكوف، الذي غير اسمه إلى دونالد هيثفيلد وعاش في أميركا الشمالية لمدة 23 عاماً، وهي رحلة نقلته من ممارسة أعمال عادية في كندا إلى الحصول على درجة الماجستير من جامعة هارفارد الأميركية العريقة. رفضت زوجته وزميلته في الجاسوسية، إيلينا فافيلوفا، التي أطلقت على نفسها اسم آن فولي، أن تخضع للتخدير أثناء الولادة؛ لأنها كانت تخشى من أن التخدير قد يحجب عقلها ويتسبب في أن تصرخ باللغة الروسية، وليس الإنجليزية.
الخلاصة الأساسية التي يريد كوريرا أن يصل إليها القارئ، هي أن روسيا في عهد الرئيس فلاديمير بوتين ابتعدت عن الأساليب التقليدية في استخدام جواسيس سريين غير شرعيين. كان الجواسيس سابقاً مواطنين روساً مثل بيزركوف وفافيلوفا، الذين حصلوا على الجنسية الأميركية وأصبحوا جزءاً من الطبقة الوسطى في عملية استغرقت وقتاً طويلاً لاختراق الولايات المتحدة تحت غطاء أسمائهم وشخصياتهم الجديدة. كما وفرت هذه الحكايات مادة دسمة للمسلسل التلفزيوني الترفيهي «الأميركيون».
أما الآن، في عهد بوتين، فيميل الروس إلى العمل من خلال أشخاص عاديين. قد يكونون طلاباً روساً أو مديري أعمال في الولايات المتحدة، لكنهم يتمتعون بوضع مناسب يمكنهم من تنمية علاقات مع الآخرين. هم يعيشون بشكل علني، بأسمائهم الحقيقية، ويحملون جوازات سفرهم الروسية الحقيقية، ولا يمتلكون أدوات تجسس، وقد يأتون إلى الولايات المتحدة فقط لزيارات قصيرة نسبياً.
يصف كوريرا الجواسيس الجدد بأنهم «من الروس الذين لم يتم تدريبهم كجواسيس على الإطلاق، لكن تم اختيارهم للمساعدة. في بعض الحالات، ربما لا يعرف هؤلاء الأشخاص أنهم يعملون لصالح المخابرات الروسية».
من الأمثلة النموذجية لهذا النوع من الجواسيس ماريا بوتينا، الناشطة الروسية في مجال حقوق امتلاك السلاح التي درست في الجامعة الأميركية وصادقت مجموعة من الشخصيات المحافظة. بعد اكتشاف أمرها، أقرت بوتينا بالذنب لعدم تسجيل نفسها كعميلة أجنبية وسُجنت لمدة 15 شهراً قبل ترحيلها إلى روسيا. لكنها لم تتهم مطلقاً بالتجسس. يقول كوريرا «مهما كان رأيك في ماريا بوتينا، فقد تمكنت من بناء مجموعة من الاتصالات السياسية الأميركية أكبر بكثير مما استطاع الجواسيس السريون غير الشرعيين وفي فترة زمنية أقصر بكثير».
في روسيا، في هذه الأثناء، قام ضباط المخابرات في عهد بوتين بتكييف مهاراتهم المضلِلة مع العصر الرقمي، مستغلين التكلفة المنخفضة والفوائد الكبيرة لقرصنة البريد الإلكتروني واستغلال وسائل التواصل الاجتماعي. ويقول كوريرا هنا «الطرق الجديدة للتجسس الروسي أكثر انتهازية، وأكثر سرعة، وحرة».
يبني كوريرا كتابه حول واقعة تبادل الجواسيس في عام 2010، حيث تم القبض على 10 جواسيس روس، معظمهم غير شرعيين، في الولايات المتحدة وتم إرسالهم إلى بلادهم. في المقابل، أفرجت روسيا عن أربعة جواسيس ضُبطوا يعملون لصالح الاستخبارات الغربية.
الشخصية الرئيسية في هذه الحادثة كانت ألكسندر بوتييف، عضو جهاز المخابرات الروسية الخارجية الذي كان يعمل في نيويورك. بسبب استيائه من إعادته إلى موسكو عام 1999، بدأ بوتييف العمل مع المخابرات الأميركية. كانت وظيفة بوتييف الرسمية الجديدة لدى عودته إلى موسكو هي نائب مدير المكتب المسؤول عن الجواسيس الروس السريين غير الشرعيين في الولايات المتحدة.
استمر هذا الترتيب لمدة عشر سنوات، حتى أعطاه الأميركيون إشارة الهرب من روسيا في عام 2010. بعد يوم من وصوله إلى الولايات المتحدة، اعتقل مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي الجواسيس الروس الذين كان بوتييف مسؤولاً عنهم وسرّب أسماءهم إلى السلطات الأميركية.
ذكرت وسائل الإعلام الروسية، أن بوتييف توفي في الولايات المتحدة في عام 2016، لكن وفقاً لكوريرا، فهو لا يزال على قيد الحياة، لكنه يعيش في مكان سري.
يقول كوريرا، إن مقايضة الجواسيس عام 2010 «بدت وكأنها نوع من العودة الغريبة إلى الوراء... آخر صيحة من أناس لم يكونوا يستطيعون التخلي عن الحرب الباردة».
أما بوتين فهو يصور ما حدث في 2010 كما يلي «تعرضت مجموعة من عملائنا السريين للخيانة. تخيلوا فقط ما يعنيه أن يتحدث المرء بلغة أجنبية كلغة أم، ويتخلى عن أقاربه ولا يتمكن من حضور جنازاتهم... يقضي المرء حياته في خدمة الوطن، ثم يخونه ابن حرام».
بوتين ليس من النوع الذي يسامح وينسى. في عام 2018، تم تسميم أحد الجواسيس الذين أطلقت روسيا سراحهم، سيرغي سكريبال، على مقعد حديقة في مدينة سالزبوري في إنجلترا. لكنه نجا من الحادثة بصعوبة، واتهمت بريطانيا روسيا بالوقوف وراء الحادثة.
يستشهد كوريرا بالكثير من اللحظات الرئيسية في تطور بوتين. في عام 2013، حدد الجنرال فاليري جراسيموف، رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الروسي، حقبة جديدة من أساليب الحرب باستخدام «تدابير سياسية واقتصادية وإعلامية وإنسانية وغيرها من الإجراءات غير العسكرية». حصل هذا الخليط من الأساليب الحربية على أول اختبار كبير له خلال الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2014.
يقول كوريرا «بحلول عام 2014، وجدت روسيا نفسها منخرطة في صراع مستمر مع الغرب - صراع لم يصل إلى درجة الحرب المباشرة - وخاضت الصراع باستخدام الجواسيس والقراصنة والمعلومات».
يعتقد كوريرا أن الأميركيين لم يدركوا مدى خطورة تلك الأساليب الحربية الروسية الحديثة إلا بعد فوات الأوان، بعد التدخل الروسي - في رأي كوريرا - في الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2016. ومع ذلك، ومن دون إدراك منهم، ساعد السياسيون ووسائل الإعلام والجمهور الأميركي المشروع الروسي في كل خطوة. توافد أنصار ترمب على حساب مزيف على «فيسبوك» كان يحمل اسم «فلوريدا لترمب» وحضروا بحماس تجمعات حقيقية. وغاصت وسائل الإعلام الأميركية بقوة في رسائل البريد الإلكتروني المسربة للحزب الديمقراطي.
كوريرا لا يخوض في رد فعل الرئيس ترمب على روسيا، لكنه ينتقد رد الفعل الجماعي للولايات المتحدة والغرب الذي كان مخيباً على مدى عقدين. ويعتقد كوريرا أن التدخل الروسي المزعوم في انتخابات 2016 سيجعل الأميركيين يرون اليد الخفية لروسيا في كل مكان في انتخابات 2020، وأن «الأشباح الروسية ستبدأ بمطاردة الجسد السياسي الأميركي».
ويعمل مؤلف الكتاب غوردون كوريرا مراسلاً أمنياً في «بي بي سي نيوز» منذ عام 2004، ويقدم تقارير من جميع أنحاء الولايات المتحدة وآسيا وأفريقيا والشرق الأوسط. تلقى تعليمه في جامعتي أكسفورد وهارفارد، ويعيش في إنجلترا.



إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني
TT

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، الصحافي والوزير السعودي السابق، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه، والبحث عن معنى انتمائه السعودي والعربي والإسلامي، في عالم تتنازعه الهويات والأفكار ومراكز القوة. إنها سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية، ومن الذاكرة الفردية وسيلة لفهم أسئلة جيل سعودي عاصر تغيرات كبرى في بلاده والعالم.

الكتاب، الذي صدر أولاً بالإنجليزية بعنوان «A Saudi Tale: Readings and Encounters in Search for Consciousness»، وترجمه إلى العربية الدكتور وليد بليهش العمري، يمثل امتداداً لتجربة مؤلفه الذي تنقل بين الصحافة والعمل العام. فقد تولى رئاسة تحرير «سعودي جازيت»، والإدارة العامة لمؤسسة «عكاظ»، ثم عضوية مجلس الشورى، ووزارتي الحج والثقافة والإعلام، وصولاً إلى الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي.

غير أن هذه المواقع لا تشكل محور الكتاب، وإنما الخلفية التي أتاحت لصاحبه اختبار أفكاره عن المجتمع والدولة والعالم.

من السيرة إلى سؤال الوعي

يبدأ مدني من مفهوم الوعي، الذي لا يختزله في المعرفة أو المواقف الفكرية، بل يراه تكويناً شاملاً يحدد علاقة الإنسان بذاته ومحيطه. ويقول في مقدمته: «يُقال إن الوعي ليس مجرد آراء أو معلومات أو منظومة قيم، بل هو حالة شاملة، تكوين متكامل يصوغ إدراكنا للواقع ويمنحنا رؤية متكاملة للعالم».

ثم يقول: «هذه الصفحات جوهرها حوار مع الذات، عن معنى أن يكون المرء سعودياً، وأن يكون أيضاً عربياً ومسلماً».

ومن هذا المنطلق، يطرح السؤال الذي يحكم مشروعه: «هل بالإمكان أن تتصالح هذه الهويات مع معطيات الحداثة؟ ما الحداثة حقاً؟ وهل يمكن أن توجد حداثات متعددة؟ بل هل أصبحت الحداثة، في ذاتها، مفهوماً متقادماً؟».

ولا يدعي الكاتب امتلاك إجابات نهائية، بل يصف عمله بأنه «جولة تأملية في سيرة فكرية، تقف على منابع الوعي، ومجاريه».

يتوزع الكتاب على خمسة أقسام، تبدأ بـ«مكونات وأطر»، حيث يتناول نشأة الوعي وتجربته الصحافية وبروز النظام العالمي الجديد. ويناقش القسم الثاني: «منظومة مجتمعية مثلى» لقضايا الإرادة العامة والفرد والعلاقات الاجتماعية. ثم ينتقل في «الجنوب العالمي، في أثر الأصالة» إلى أسئلة التحرر والتمييز والهوية، قبل أن يبحث في «الآفاق اللصيقة» الرؤية الإسلامية للعالم ومعضلة العرب والسردية السعودية، وصولاً إلى قسم «الحصيلة».

المدينة المنورة... نقاش الحداثة

من أكثر صفحات الكتاب دلالة استعادة المؤلف أجواء المدينة المنورة في شبابه، حيث كانت النقاشات الفكرية والسياسية تتسع بين طلاب المدارس خلال الستينات ومطلع السبعينات. ويذكر أن مثل هذه النقاشات لم تكن أمراً مستهجناً أو نادراً، بل كانت «جزءاً من الحراك الفكري اليومي».

وهنا يستعيد أسماء مثل محمد حسن عواد وعبد الله القصيمي وأحمد السباعي وحمزة شحاتة وعبد الله عبد الجبار، بوصفهم من رموز ذلك الحراك. ويتوقف عند كتاب «خواطر مصرحة» للعواد، الذي يرى أنه أسهم في كسر الجمود وفتح الطريق أمام الحداثة، وعند التحولات الفكرية لعبد الله القصيمي، الذي انتقل من الدفاع عن التقليد إلى نقد الموروث والدعوة إلى التحرر من سلطة التاريخ والعقائد الجامدة.

ولم تتوقف اهتمامات الشباب عند الفكر العربي. فقد حضرت الوجودية من خلال جان بول سارتر، وألبير كامو، وسيمون دي بوفوار، إلى جانب دوستويفسكي، وآرثر ميلر، وإميلي برونتي، كما حضرت قضايا القومية والتحرر من الاستعمار والاشتراكية العلمية، وأفكار محمد إقبال، وعلي شريعتي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ومالك بن نبي.

ويستحضر المؤلف صورة من الحياة الثقافية في المدينة، حين كانت أم كلثوم تصل بصوتها عبر الإذاعة المصرية إلى تجمعات الشباب تحت النخيل، في مشهد تتداخل فيه الموسيقى مع القراءة والنقاش.

ولا يبالغ مدني في تصوير نضج تلك التجربة، إذ يعترف بأن النقاشات لم تكن دائماً عميقة، لكنها جاءت ضمن «محاولات دؤوبة لخلق شعور داخلي بفهم الذات، وفي الوقت نفسه الانتماء إلى عالم أوسع، تتقاطع فيه الأفكار والهويات وتتشابك الأسئلة».

وتقدم هذه الشهادة جانباً من تاريخ الثقافة السعودية، يكشف أن أسئلة الحرية والحداثة والهوية كانت حاضرة في أوساط شبابية قبل عقود.معنى أن تكون سعودياً

تحتل الهوية السعودية موقعاً محورياً في الكتاب. ويرفض مدني اختزال السعوديين في هويتهم العربية أو الإسلامية وحدها، داعياً إلى فهم خصوصية تجربتهم التاريخية والثقافية، «لا بوصف السعوديين مجرد مسلمين أو عرب، بل بوصفهم سعوديين بهويتهم المتفردة وتجربتهم الخاصة».

ويشير إلى أن السعوديين لم يخضعوا للاستعمار الغربي، لكنهم لم يكونوا بمعزل عن تأثيراته الثقافية والمعرفية. ولذلك لا يرى أن مواجهة الصور النمطية تتحقق بالرفض، وإنما بامتلاك المعرفة وأدوات البحث والتطوير، والقدرة على إنتاج تصور مستقل للتقدم.

يقول: «ليست الهُويّة السعودية محض قشرة تحمل قيماً دخيلة، كما أنّ السعوديين لم يخضعوا يوماً لاستعمار أو استعباد الرجل الأبيض. ومع هذا، لا ينكر وجود صراع، صراع مع غرب يُعد متفوقاً. وتفوقه هذا لا ينبع من الهيمنة العسكرية فحسب، بل من امتلاكه لأدوات المعرفة والتقنية والخبرة، ومن قدرته عبر البحث والتطوير والإعلام الجماهيري العابر للحدود، على فرض تصور معياري للنجاح، وتبني أنماطه الثقافية» (ص 39).

ويطرح سؤالاً: «وإذا لم يعِ السعوديون معنى (سعوديتهم)، فكيف يمكن لهم أن يعرّفوا شعورهم بالانتماء؟ وكيف يصيغون إدراكهم لهوية وطنية مدنية متفردة؟».

وهنا ينتقل الكتاب من نقد نظرة الآخرين إلى السعوديين، إلى مساءلة الطريقة التي يفهم بها السعوديون أنفسهم، ومدى قدرتهم على صياغة سرديتهم الوطنية.

سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية

الهوية والسرديات المهيمنة

يمتد البحث عن الهوية إلى الانتماءين الإسلامي والعربي. ففي الأول، يميز المؤلف بين الإسلام بوصفه تجربة إيمانية وحضارية، وبين توظيف الدين لتبرير الهيمنة والعنف. ويناقش ظاهرة «الإسلاموفوبيا»، التي اختزلت الإسلام في التطرف وأغفلت إسهاماته الفكرية والحضارية.

أما في هويته العربية، فيستحضر أثر الاستعمار والروايات الغربية عن التاريخ العربي، ويناقش الرواية الصهيونية للتاريخ الفلسطيني، بوصفها أحد مظاهر الصراع على الذاكرة والهوية.

ويضع مدني هذه الأسئلة ضمن نقد أوسع للسردية الغربية التي تجمع الليبرالية والديمقراطية والرأسمالية والفردانية في نموذج واحد للتقدم، متسائلاً عن قدرة المجتمعات خارج الغرب على إنتاج رؤيتها الخاصة دون الانغلاق أو التبعية.

الحصيلة... مراجعة المسلمات

في خاتمة الكتاب، يعود مدني إلى السؤال الذي انطلق منه: كيف يتشكل الوعي؟ وما علاقة الفرد بمجتمعه والعالم؟

ويؤكد أن الحقوق الإنسانية ليست امتيازاً ثقافياً غربياً، قائلاً: «كانت قناعة أساسية لا تبرحني بأن مبدأ امتلاك كل إنسان لحقوق أساسية ليست حكراً على الثقافة الغربية».

كما يرفض الانغلاق بوصفه وسيلة لحماية الهوية، مؤكداً أن المملكة «لا يمكن أن تغلق أبوابها وتكتفي على ذاتها أو أن تنعزل عن العالم الخارجي».

وتبدو خلاصة تجربته أقرب إلى الدعوة إلى هوية واعية بذاتها، لا تتخلى عن جذورها، ولا تجعل منها عائقاً أمام التقدم. هوية تقبل الحوار وتراجع المسلمات، وتمنح الفرد حق المشاركة في تشكيل مستقبله.

وتكمن أهمية «حكاية سعودية» في أنه لا يقدم الهوية بوصفها إجابة مكتملة، وإنما سؤالاً يستدعي المراجعة. كما يقدم شهادة عن جيل سعودي عاش التحولات الكبرى، وحاول أن يفهم موقعه فيها.

ومن هذه الزاوية، فإن الكتاب ليس حكاية رجل فحسب، بل قراءة في تشكل الوعي السعودي، وفي العلاقة بين الخصوصية الوطنية والانتماء الإنساني، وبين الذاكرة والحداثة، وبين ما ورثه الإنسان من أفكار وما يختار أن يكون عليه.


الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي
TT

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

هل يمكن لمكالمة هاتفية واحدة أن تريح قلباً محطماً يعتصره الألم، وتسحقه مشاعر الذنب؟... تطرح الكاتبة الكورية لي سو يون هذا التساؤل على قرائها في روايتها «هاتف الوداعات الأخيرة» التي تصدرت قوائم «الأكثر مبيعاً»، وصدرت ترجمتها إلى العربية عن دار «الكرمة» بالقاهرة، بتوقيع محمد نجيب.

تتمتع الرواية بلغة شديدة الرهافة، وحوارات مثيرة للشجن، ومشاهد تمزج بين الواقع والفانتازيا، وتدور درامياً حول الموت، والفقد، ولماذا لا نعرف قيمة من نحب إلا بعد أن يرحلوا عنا، وكيف نتعايش مع موجات الندم التي تلاحقنا بعد الرحيل، لكن النص يقطع شوطاً أبعد ليسأل: ماذا يمكن أن يقال إذا أتيحت لنا فرصة أخيرة لنلقاهم بعد رحيلهم؟

تدور الحبكة حول فكرة غريبة ومؤثرة تتمثل في مقصورة هاتف عمومي غامض يتيح للأحياء فرصة التواصل مع أحبائهم الذين رحلوا، والبداية تنطلق في الحكاية مع جي - آن، التي فقدت والدها في طفولتها، وظلت تحمل في داخلها أسئلة كثيرة عن رحيله.

وعندما تعثر على الهاتف، تتمكن للمرة الأولى من سماع صوته، في تجربة تهز عالمها، وتدفعها إلى البحث عن سر المقصورة، ومساعدة أشخاص آخرين يعيشون ألم الفقد، يساعدها في ذلك أنها تعمل بمركز متخصص في «التشريح النفسي»، حيث يسعى إلى فهم الظروف النفسية والاجتماعية التي أحاطت بأشخاص أنهوا حياتهم، خصوصاً حالات الانتحار.

ومن خلال عملها يتقاطع مصيرها مع ستة أشخاص، يحمل كل منهم قصة فقد مختلفة لشخص عزيز، وأسئلة لم يجدوا لها إجابات، ومشاعر من الذنب، والندم، والغضب، والحيرة، عبر مشاهد تجمع بين أجواء الأدب النفسي ودراما المشاعر المؤثرة، حتى تتحول المقصورة تدريجياً إلى رمز للوداع الأخير.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في زمن كانت أعمدة الإنارة لا تزال نادرة، بدا الحي في النهار مشرقاً بفضل الجداريات التي رُسمت بحجة تطوير المنطقة، ولكن حين يُسدل الليل ستاره كانت تلك الرسوم تتحول إلى أشكال باهتة تشبه سراباً، أو حيوانات غامضة، فتزيد المكان عزلة، ووحشة.

في هذا الحي كان جي - وو يربي طفليه، وكان قلقه يزداد، لأن ابنته جي - آن تصر على الخروج، وانتظاره في كل مساء، فتاة في الرابعة عشرة من عمرها أنهت لتوها المرحلة الابتدائية، ذات وجه شاحب، وابتسامتها تتسع كلما رأت ملامح والدها، فيتوهج وجهها أكثر من ضوء النهار، ولأجل تلك الابتسامة كانت خطوات جي - وو تتسارع كلما تأخر في العودة إلى المنزل.

أبي!

كانت جي - آن تنتظره دائماً في المكان نفسه أمام مقصورة هاتف عمومي يقع في زاوية زقاق مظلم يعلوه مصباح صغير نُصب خصيصاً لمستخدمي مقصورة الهاتف، وتحت الضوء الباهت كانت ابنته تبتسم ببراءة صافية كلما رأته يقترب. وحين اقترب أسرع الخطى حتى لم تعد تفصله عنها سوى لمسة يد، فخشي أن تفلت من بين يديه كما يفلت الحُلم».


الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع
TT

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

أصدر قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية بعنوان «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر» للباحثة ومصممة الجرافيك الدكتورة بهية شهاب، مؤسسة برنامج التصميم الغرافيكي بالجامعة.

تقوم فكرة الكتاب على استخدام الإعلانات التجارية عبر 100 عام بوصفها أداة مسكوتاً عنها من أدوات كتابة التاريخ الشعبي، غير الرسمي، بما فيه من جوانب مجتمعية واقتصادية وسياسية وثقافية، فالإعلانات تقدم رؤية شيقة وغير تقليدية لتطور المجتمعات على مستويات مختلفة.

ويستند الكتاب إلى أكثر من 350 إعلاناً منشوراً في الصحف والمجلات المصرية في الفترة من 1880 إلى 1980، حيث يكشف عن كيف عكست الأفكار الترويجية ملامح مجتمع كان يتغير باستمرار، وفي الوقت نفسه أسهمت في تشكيل أفكاره وتطلعاته.

واعتمدت المؤلفة في إعداد العمل على بحث أرشيفي واسع شمل آلاف الإعلانات المحفوظة في مكتبة الكتب النادرة والمجموعات الخاصة بالجامعة، انطلاقاً من رغبتها في أن يفهم أبناء الجيل الجديد تطور مجتمعهم من زاوية تاريخية مختلفة تتسم بالحيوية والطرافة.

يرصد الكتاب رحلة الإعلان المصري عبر خمس مراحل رئيسية، تبدأ بما قبل عام 1920، حين لعبت الصحف والمطبوعات المختلفة دوراً في وضع الأسس الأولى لصناعة الإعلان في مصر، ثم ينتقل إلى عشرينات وثلاثينات القرن العشرين، وهي الفترة التي شهدت ازدهاراً ملحوظاً في حركة النشر، وانعكس ذلك بصورة واضحة على شكل الإعلانات ومضامينها.

وفي أربعينات القرن العشرين، توقفت المؤلفة أمام مرحلة «التمصير»، وما صاحبها من تغير في الطريقة التي قدمت بها الإعلانات، وشيوع مفاهيم مثل الرفاهية والترفيه والصحة والنظافة، ثم تأتي ثورة 1952 لتحدث تحولاً عميقاً في المشهد الاقتصادي والصناعي، خاصة مع سياسات التأميم والتوسع في الصناعات المملوكة للدولة، وهو ما ترك أثره بدوره على سوق الإعلان والرسائل التي يقدمها.

ومع السبعينات، دخلت مصر مرحلة مختلفة مع الاتجاه نحو اقتصاد السوق والانفتاح، فتبدلت طبيعة المنتجات المطروحة في السوق، وظهرت معها تطلعات ورغبات جديدة لدى الناس وأنماط مختلفة للحياة والاستهلاك، قبل أن يصل البحث إلى الثمانينات، متابعاً التحول الذي أحدثه انتشار الإعلان التلفزيوني، وكيف بدأ هذا الوافد الجديد في تغيير موقع الإعلان المطبوع وطريقة حضوره وتأثيره.

واللافت أن قراءة الإعلانات المصرية على امتداد مائة عام لم تكن وسيلة للتعرف على المنتجات التي كانت رائجة في كل فترة زمنية فحسب، وإنما كشفت أيضاً عن الكثير من ملامح الحياة السياسية والاجتماعية في تلك الفترات.

وعلى سبيل المثال، في الخمسينات والستينات حضر جمال عبد الناصر بقوة في الإعلانات، سواء من خلال إعلانات التهنئة والدعم، أو تلك التي روجت لأفكار المرحلة وتوجهاتها، إلى جانب الإعلان عن المنتجات نفسها، كما برز في الوقت ذاته الاهتمام المتزايد بالصناعات الوطنية، مع انتشار الإعلانات التي تروج للمنتجات المصرية.

ومع تغير المرحلة السياسية، ظهر أنور السادات أيضاً في سياقات إعلانية تعكس طبيعة الحقبة وتوجهاتها الجديدة من حيث الانفتاح على الغرب والولايات المتحدة، كما سبق أن ظهرت صور زعماء سياسيين مثل سعد زغلول ومصطفى النحاس باشا في إعلانات لبعض المنتجات الوطنية في مرحلة ما قبل عبد الناصر وثورة يوليو (تموز).