بالتزامن مع معرض بيروت الدولي للكتاب، الذي انطلقت فعالياته، أول من أمس، تصدرت الترجمة العربية لرواية «نداء الكوكو» لروبرت غالبريث*، عن دار «نوفل» – «هاشيت أنطوان»، وهي من ترجمة عمر سعيد الأيوبي. وقد خصت الدار جريدة «الشرق الأوسط» بهذه المقتطفات الموسعة من الرواية قبل صدورها للأسواق
كان الأزيز في الشارع شبيها بطنين الذباب. احتشد المصوّرون خلف الحواجز التي تحرسها الشرطة، وهم يتمنطقون بكاميراتهم ذات العدسات الطويلة، وأنفاسهم تتصاعد كالبخار. استمرّ الثلج يتساقط على القبّعات والأكتاف، والأصابع المستترة تحت القفّازات تمسح العدسات وتجلوها. وبين الحين والآخر، تنطلق الطقطقات العَرَضية عندما يشغل المصوّرون المنتظرون الوقت بالتقاط صوَر للخيمة البيضاء المنصوبة في منتصف الطريق، ومدخل المبنى السكني المرتفع ذي الطوب الأحمر، وشرفة الطابق الأخير الذي سقطت منه الجثّة.
خلف حشد المصوّرين (الباباراتزي) المرصوص، تقف شاحنات مقفلة بيضاء تحمل على أسقفها أطباق سواتل ضخمة، وصحافيّون يثرثرون، بعضهم بلغات أجنبية، في حين يجوب المكان فنّيّو الصوت واضعين السمّاعات على رؤوسهم. ولتمضية الوقت، يقوم المصوّرون التلفزيونيون بتصوير «الباباراتزي» من الخلف، والشرفة، والخيمة التي تخفي الجثّة، ثم يغيّرون مواضعهم لأخذ لقطات واسعة تُظهر الفوضى التي دبّت في شارع مايفير الهادئ والمثلج، الشارع الذي تمتدّ على جانبيه أبواب سوداء لامعة تحيط بها أروقة من الحجارة البيضاء وتحفّها الشجيرات المشذّبة. كان المدخل إلى المبنى رقم 18 محاطا بشريط، وفي الردهة وراءہ، يُلمح عناصر من الشرطة، بعضهم خبراء جنائيون يرتدون ملابس بيضاء.
كانت محطّات التلفزة قد تلقّت الخبر منذ عدّة ساعات، واحتشد عند طرفَي الشارع أشخاص من عامّة الناس، يصدّهم مزيد من أفراد الشرطة ويمنعونهم من الاقتراب، بعضهم جاء عمدا للتفرّج، وآخرون توقّفوا لبعض الوقت وهم في طريقهم إلى أعمالهم وقد رفع الكثير منهم هواتفهم المحمولة عاليا لالتقاط الصوَر قبل أن يتابعوا طريقهم. ثمّة شاب لم يكن يعرف الشرفة المعنيّة، فراح يصوّر كلا منها بدورها، مع أنّ الشرفة الوسطى كانت ممتلئة بصفّ من الشجيرات، 3 شجيرات مشذّبة على شكل كرات مورقة لا تترك متسعا لوقوف أي إنسان.
أحضرت مجموعة من الشابّات الأزهار، وصُوّرن وهنّ يقدّمنها إلى أفراد الشرطة الذين لم يكونوا قد قرّروا بعد في أي مكان يضعونها، فتركوها على استحياء في مؤخّرة شاحنة الشرطة المقفلة، وهم مدركون أنّ عدسات الكاميرات تتابع جميع خطواتهم.
في غضون ذلك، تابع المراسلون الذين أوفدتهم القنوات الإخبارية التي تبثّ على مدار الساعة، سيلَ التعليقات والتخمينات بشأن القليل من الوقائع المحرّكة للمشاعر التي عرفوها.
«... من شقّتها في الطابق الأخير عند الساعة الثانية صباحا تقريبا. وقد أبلغ حارس أمن المبنى الشرطة..».
«... ليس هناك ما يشير بعد إلى أنّهم سينقلون الجثّة، ما دفع بعضهم إلى التخمين..».
«... لم يُعرف إن كانت بمفردها عندما سقطت..».
«... دخلت فرق إلى المبنى وستجري بحثا شاملا».
ثمّة ضوء موحش يملأ الخيمة. جثم رجلان على جانبَي الجثّة استعدادا لنقلها، ووضعاها أخيرا في كيس للجثث. كان رأسها قد نزف قليلا على الثلج، وسُحق وجهها وتورّم. واستحالت إحدى عينيها إلى تغضّن على الوجه، وظهر بياض الثانية باهتا بين جفنين متورّمين. عندما التمع ملبسها العلوي المزيّن بالبَرَق مع التغيّر الطفيف في الضوء، أعطى انطباعا مربكا بالحركة، كما لو أنّها تنفّست ثانية، أو أنّها تشدّ عضلاتها استعدادا للنهوض. واستمرّ تساقط الثلج على الخيمة محدثا صوتا خفيفا كأنّه نقر أصابع.
«أين سيارة الإسعاف اللعينة؟»
استشاط المحقّق المفتّش روي كارفر غضبا بعد نفاد صبره. وهو رجل ضخم الكرش ذو وجه زهري بلون لحم البقر المملّح، تحيط حلقة من العرق بالإبطين في قمصانه عادة. حضر منذ أن سقطت الجثّة تقريبا، وقد تسرّب البرد الشديد إلى قدميه حتّى لم يعد يشعر بهما، واستبدّ به الجوع. دخل الخيمة المحقّق الرقيب إريك واردل وهاتفه المحمول مشدود إلى أذنه، وقال مجيبا من دون قصد عن سؤال مسؤوله: «ستصل سيّارة الإسعاف خلال دقيقتين. كنت أقوم للتوّ بإعداد مكان لتوقّفها».
تأفّف كارفر، وازداد غضبا لقناعته بأنّ واردل متحمّس لوجود المصوّرين، وأنّه تباطأ أمام اندفاعاتهم القليلة خارج الخيمة. بدا واردل وسيما بملامحه الصبيانية، وشعره المتماوج البنّي الكثيف الذي يغطّيه الثلج. قال وهو لا يزال ينظر إلى المصوّرين في الخارج: «سيتفرّق هذا الحشد على الأرجح عندما تُنقل الجثّة».
صاح كارفر غاضبا: «لن يذهبوا فيما لا نزال نتعامل مع المكان كمسرح جريمة قتل».
لم يردّ واردل على التحدّي غير المعلن. غير أنّ كارفر انفجر غاضبا على أي حال.
«لقد قفزت المرأة المسكينة، لم يكن هناك أحد سواها. ولا بدّ أنّ شاهدتك المزعومة كانت تحت تأثير المخدّرات».
«إنّها قادمة»، قال واردل، وأثار اشمئزاز كارفر عندما خرج من الخيمة ثانية لانتظار سيّارة الإسعاف على مرأى من الكاميرات.
أزاحت القصّة أخبار السياسة والحروب والكوارث جانبا، وبرزت كلّ رواية لهذه الحادثة وإلى جانبها صوَر لوجه المرأة الرائع الخالي من العيوب، وجسدها الرشيق المنحوت نحتا. وخلال ساعات، انتشرت الوقائع القليلة المعروفة كالنار في الهشيم: الشجار العلني مع صديقها الشهير، والعودة إلى البيت وحيدة، والصراخ المسموع، والسقوط النهائي القاتل.
هرب الصديق إلى منشأة لإعادة التأهيل، لكن الشرطة ظلّت حائرة. أمّا من كانوا معها في الليلة التي سبقت مقتلها فقد انشغلوا بالأخبار. امتلأت آلاف الأعمدة في الصحافة المطبوعة، وساعات من الأخبار التلفزيونية، وحظيت المرأة التي أقسمت أنّها سمعت مشادّة ثانية قبل أن تسقط الفتاة جثّة هامدة بالشهرة لمدّة وجيزة، وكوفئت بصوَر صغيرة الحجم لها إلى جانب صوَر الفتاة الجميلة القتيلة.
لكن، طرأ بعد ذلك ما أثار خيبة أمل وتحسّرا ملموسا، إذ ثبت أنّ الشاهدة كذبت، فانسحبت إلى مؤسّسة لإعادة التأهيل، وظهر المشتبه به الرئيس الشهير، كما لو أنهما «فتى وفتاة كوخ الطقس» اللذان لا يخرجان البتّة من المنزل في الوقت نفسه. في النهاية لا تعدو الحادثة أن تكون انتحارا. وبعد تبدّد لحظة المفاجأة، اكتسبت القصّة رواجا ثانيا ضعيفا. كتبوا أنّها كانت غير متّزنة، وغير مستقرّة، وغير جديرة بالنجومية الفائقة التي حملها إليها جمالها وجموحها؛ وأنّها رافقت طبقة ثريّة منحلّة الأخلاق فأفسدتها؛ وأنّ فساد حياتها الجديدة أحدث اضطرابا في شخصيّة هي في الأصل هشّة. وتحولّت إلى حكاية أخلاقية تبعث على ذلك الإحساس بالرضا الناشئ عن مأساة شخص آخر، لذا لمح الكثير من كتّاب الأعمدة إلى إيكاروس بحيث أفردت مجلّة «برايفت آي» عمودا خاصا لها.
أخيرا، تلاشت إثارة الحدث وخبت، ولم يعد هناك ما يُقال حتّى لدى الصحافيين، فقد سبق أن قيل الكثير.
مع أنّ سنوات عمر روبن إلاكوت الـ25 شهدت لحظات من الدراما والحوادث، فإنّها لم تستيقظ من قبل قط وهي على يقين من أنّها ستتذكّر اليوم التالي ما امتدّ بها العمر.
بعيد منتصف الليل، تقدّم منها ماثيو، صديقها منذ مدة طويلة، بعرض الزواج تحت تمثال إيروس وسط ميدان بيكاديلي. وفي غمرة الارتياح الشديد الذي أعقب موافقتها، اعترف أنّه كان يخطّط لتقديم الطلب في المطعم التايلندي حيث تناولا العشاء، لكنّه لم يحسب حساب الزوجين الصامتين إلى جانبهما اللذين تنصّتا إلى حديثهما بأكمله. لذا اقترح التجوّل في الشوارع المعتمة رغم احتجاجات روبن بأنّ عليهما أن يستيقظا باكرا، قبل أن يأتيه الإلهام ويقودها إلى درج التمثال وقد اعتلتها الدهشة. هناك، تخلّ للريح الباردة عن الحذر (على غير طريقة ماثيو المعهودة)، وطلب يدها راكعا على إحدى ركبتيه، أمام 3 مفلسين جاثمين على الدرج يتشاركون ما بدا أنّه قنينة كحول.
كان ذلك في نظر روبن أكثر عروض الخطبة كمالا في تاريخ الزواج. حتّى إنّه كان يحمل في جيبه خاتما من الصفير ذا ماستين، وضعته فبدا ملائما تماما وظلّت تحدّق به في يدها المستندة إلى حِجرها طوال الطريق إلى المدينة. أصبح لديهما الآن قصّة يرويانها، قصّة عائليّة مضحكة من النوع الذي يُروى للأطفال؛ حيث تعثّرت خطته (أعجبها أنّه خطّط للأمر)، وتحوّلت إلى أمر عفويّ. أحبّت المتشرّدين، والقمر، وركوع ماثيو خائفا ومرتبكا على إحدى ركبتيه؛ وأحبّت إيروس وميدان بيكاديلي القديم المتّسخ، وسيّارة الأجرة السوداء التي استقلّاها إلى البيت في كلابِهام. لم تكن في الواقع بعيدة عن أن تحبّ لندن بأكملها، مع أنّها لم تعجب بها حتّى بعد شهر على إقامتها فيها، بل إنّ الركّاب الباهتين والمشاكسين المحتشدين في عربة المترو حولها بدوا مذهّبين من فرط تألّق الخاتم. عندما خرجت في ذلك النهار البارد من شهر مارس (آذار)، في محطّة مترو توتنهام كورت رود، فركت الجانب السفلي من خاتم الذهب الأبيض بإبهامها، وأحسّت بسعادة غامرة حين فكّرت في احتمال أن تشتري بعض المجلّات التي تُعنى بالزفاف في وقت الغداء.
تابعتها نظرات الرجال عندما شقّت طريقها عبر أشغال الطرق في أعلى شارع أكسفورد، وهي تدقّق في قطعة ورق في يدها اليمنى. كانت روبن فتاة جميلة بكلّ المقاييس، طويلة ذات جسد رائع، وشعر طويل أشقر مائل إلى الحمرة يتماوج عندما تسير بسرعة، وقد أضاف الهواء البارد لونا إلى وجنتيها الباهتتين. هذا أوّل أيّام عملها بمثابة سكرتيرة لمدّة أسبوع، فهي تؤدّي أعمالا مؤقّتة منذ أن قدمت لتقيم مع ماثيو في لندن، وينتظرها الآن الكثير من المقابلات «المناسبة»، كما وصفتها.
كان إيجاد المكاتب الأمر الأكثر صعوبة في الغالب في هذه الأعمال الرتيبة. فقد بدت لندن، بعد أن غادرت بلدتها الصغيرة في يوركشاير، مدينة واسعة ومعقّدة وعصيّة على الفهم. وكان ماثيو قد طلب منها ألّا تتجوّل حاملة خريطة، مما يجعلها تبدو بمثابة سائحة ويعرّضها للاستهداف، لذا اعتمدت في الغالب على خرائط رديئة رسمها لها أحد الأشخاص في وكالة التشغيل المؤقّت، لكنّها لم تقتنع بأنّ ذلك يجعلها تبدو مثل اللندنيين من أهل المدينة.
الحواجز المعدنيّة والجدران البلاستيكية الزرقاء المحيطة بأشغال الطرق زادت من صعوبة معرفة الاتّجاه الذي يجب أن تسلكه، لأنّها تحجب نصف المعالم المهمّة المرسومة على الورقة التي تحملها في يدها. عبرت الطريق الممزّق أمام برج مكاتب يحمل في خريطتها اسم «سنتر بوينت»، وهو يشبه كعكة وافل عملاقة مصنوعة من الخرسانة وتتميّز بنوافذها المربّعة المنتظمة، وشقّت طريقها في اتّجاه شارع دنمرك. وجدته مصادفة تقريبا، عندما سلكت زقاقا ضيّقا يُدعى «دنمرك بليس» وخرجت منه إلى شارع قصير تنتشر فيه واجهات المتاجر الملوّنة: واجهات مليئة بالغيتارات، وأجهزة الكي بورد، وكلّ أنواع الآلات الموسيقية. كانت حواجز حمراء وبيضاء تحيط بحفرة أخرى مفتوحة في الطريق، فاستقبلها العمّال الذين يرتدون سترات فلورية بالصّفير، لكنّها تظاهرت بأنّها لم تسمعه.
نظرت إلى ساعتها. تبيّن لها أنّها وصلت قبل الموعد بربع ساعة، لأنّها منحت نفسها هامش الوقت المعتاد تحسّبا في حال ضلّت الطريق. كان مدخل المكتب الذي تبحث عنه غريب الشكل مدهونا بالأسود، ويقع إلى يسار «12 كافيه بار». وقد كُتب اسم شاغل المكتب على قطعة من الورق المسطّر الممزّق أُلصقت إلى جانب الجرس الخاصّ بالطابق الثاني. لو كان يوما عاديا، قبل أن تضع الخاتم الجديد الذي يتألّق في إصبعها، لربّما وجدت ذلك منفّرا، غير أنّ قطعة الورق المتّسخة والدهان المقشّر على الباب يشبهان المتشرّدين في الليلة الماضية، مجرّد تفاصيل مشهديّة على خلفيّة قصّة غرامها العظيمة. نظرت إلى ساعتها ثانية (التمع الصفّير وقفز قلبها، ستشاهد توهّج هذا الحجر ما تبقّى من عمرها)، وقرّرت منشرحة أن تصعد باكرا وتُظهر أنّها متحمّسة لعمل لا يثير أي اهتمام لديها.
* روبرت غالبريث هو الاسم المستعار للكاتبة البريطانية ج. ك. رولينغ، مؤلفة سلسلة «هاري بوتر» الشهيرة، ورواية «منصب شاغر»





