في غياب الجماهير... الحكام أقل تحيزاً لصالح أصحاب الأرض

عودة المباريات في ألمانيا من دون مشجعين هددت المزايا التي كانت تحصل عليها الأندية في ملاعبها

مباراة إينتراخت فرانكفورت ضد فرايبورغ الثلاثاء شهدت 6 أهداف (3 – 3) أمام مدرجات خاوية (إ.ب.أ)
مباراة إينتراخت فرانكفورت ضد فرايبورغ الثلاثاء شهدت 6 أهداف (3 – 3) أمام مدرجات خاوية (إ.ب.أ)
TT

في غياب الجماهير... الحكام أقل تحيزاً لصالح أصحاب الأرض

مباراة إينتراخت فرانكفورت ضد فرايبورغ الثلاثاء شهدت 6 أهداف (3 – 3) أمام مدرجات خاوية (إ.ب.أ)
مباراة إينتراخت فرانكفورت ضد فرايبورغ الثلاثاء شهدت 6 أهداف (3 – 3) أمام مدرجات خاوية (إ.ب.أ)

استأنف الدوري الألماني الممتاز «البوندسليغا» مبارياته وأعطانا لمحة عما سيكون عليه شكل كرة القدم في المستقبل القريب، فلا مصافحة بين اللاعبين، ولا بصق على أرض الملعب، ولا مشجعين في المدرجات، لكن كانت هناك بالطبع كرات مغموسة في المطهر قبل أن يسددها اللاعبون داخل أرض الملعب، كما كان البدلاء يجلسون بعيداً عن بعضهم بعضاً في المدرجات وهم يرتدون الأقنعة. وعلاوة على ذلك، خضع القليلون الذين سمح لهم بدخول الملاعب لفحص إلزامي لقياس درجة حرارتهم. لقد أقيمت المباريات في «أجواء معقمة» وكأنها تخضع لتجربة علمية.
لكن عندما شاهدنا «البوندسليغا» يستأنف مبارياته مرة أخرى، انتابنا شعور غامض بعض الشيء ينبهنا إلى أن المباريات لم تعد كما كانت عندما كان الجمهور يملأ جنبات الملاعب ويصرخ ويبث الحماس في نفوس اللاعبين. وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، قال البعض، إن المباريات كانت أشبه بالمباريات الودية التي تلعبها الأندية استعداداً للموسم الجديد، حيث ظهر اللاعبون أبطأ وأقل حماساً.
وأشار آخرون - مثل المدير الفني لنادي بوروسيا دورتموند، لوسيان فافر - إلى أن غياب الجماهير قد أفسد متعة المباراة. وقال فافر «لم يكن هناك ضجيج عندما تخلق فرصة للتهديف أو عندما تمرر تمريرة متقنة أو عندما تحرز هدفاً، أو عندما تقوم بأي شيء. إنه أمر غريب للغاية. إننا نفتقد جماهيرنا كثيراً. لقد كانت مباراة مختلفة تماماً عن المباريات التي نعرفها».
لكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: ما هو الاختلاف بين المباريات التي تلعب من دون جمهور والمباريات التي كنا نشاهدها من قبل؟ من المؤكد أن المباريات التي لعبت من دون جمهور في الدوري الألماني الممتاز بعد استئناف نشاطه ليست كافية للوصول إلى أي استنتاجات. ومع ذلك، تُظهر بيانات شركة «أوبتا» للإحصاءات الرياضية أنه كانت هناك بعض الاختلافات المثيرة للاهتمام في المباريات التي أقيمت حتى الآن مقارنة بتلك التي كانت تلعب قبل تفشي فيروس كورونا - بما في ذلك انخفاض كبير في التدخلات الثنائية بين اللاعبين (بمتوسط 60.7 مقارنة بـ71 قبل إيقاف مباريات الدوري). وعلاوة على ذلك، كان هناك انخفاض في عدد اللمسات في منطقة جزاء الفريق المنافس (35.5 لمسة في المتوسط مقارنة بـ44.9 قبل إيقاف مباريات الدوري)، في حين زاد عدد التمريرات في كل مباراة في المتوسط (940 تمريرة مقارنة بـ906)، وهو ما يشير إلى أن اللاعبين ربما كانوا أكثر حذراً قليلاً.
ومن المؤكد أن الصورة ستصبح أكثر وضوحاً خلال الأشهر المقبلة، عندما تلعب المزيد من المباريات وتكون هناك المزيد من البيانات الخاصة باللاعبين، لكن كان هناك عنصر آخر مثير للاهتمام في البيانات الصادرة عن شركة «أوبتا»، وهو ذلك الذي يتعلق بحكام المباريات، حيث تشير الإحصاءات إلى أنه خلال الـ224 مباراة التي لعبت في الدوري الألماني الممتاز هذا الموسم قبل التوقف، احتسب الحكام 151 خطأ إضافياً ضد الفرق التي تلعب خارج ملعبها وأشهرت في وجه لاعبيها 62 بطاقة صفراء أكثر من عدد البطاقات الصفراء التي منحتها للاعبي الأندية التي تلعب على ملاعبها. لكن بعد استئناف البطولة، اختفى هذا التناقض تماماً، لدرجة أن الأخطاء والبطاقات الصفراء التي احتسبت ضد لاعبي الأندية التي تلعب على ملاعبها كانت أكثر من تلك التي احتسبت ضد لاعبي الفرق التي تلعب خارج ملاعبها.
ويجب علينا أن نتوقع هذا، حيث يشير إغناسيو بالاسيوس هويرتا، الذي ترأس مجلس إدارة نادي أتليتك بلباو خلال الفترة بين عامي 2011 و2018، والذي يعمل أيضاً أستاذاً للإدارة والاقتصاد والاستراتيجية في كلية لندن للاقتصاد، إلى أن الحكام يتأثرون من دون أن يشعروا بالضغط الجماهيري. وكان هويرتا هو وزملاؤه الأكاديميون أول من درسوا كيفية تأثر حكام المباريات بالضغط الاجتماعي من خلال النظر في الوقت الضائع في مباريات الدوري الإسباني الممتاز.
ووجد هؤلاء الأكاديميون، أنه عندما يكون الفريق صاحب الملعب متقدماً بفارق هدف وحيد، فإن الوقت المحتسب بدلا من الضائع الذي يحتسبه الحكم يكون أقل بنسبة 30 في المائة تقريبا من المتوسط. لكن إذا كان الفريق صاحب الأرض متأخراً بفارق هدف وحيد، فإن الوقت المحتسب بدلاً من الضائع الذي يحتسبه الحكم يكون أكثر من المتوسط بـ35 في المائة. وعلاوة على ذلك، كلما يكون الحضور الجماهيري أكبر، يكون الحكم أكثر تحيزاً.
وكان هناك شيء آخر أيضاً، وهو أنه عندما يسجل الفريق الزائر هدفاً بعد نهاية الوقت الأصلي للمباراة، فإن الوقت المحتسب بدلاً من الضائع يزيد بنسبة 15 في المائة، مقارنة بما يكون عليه الأمر عندما يسجل الفريق صاحب الملعب هدفاً بعد نهاية الوقت الأصلي. وبعبارة أخرى، يكون الحكام أكثر ميلاً لإنهاء المباراة عندما يسجل الفريق صاحب الملعب هدفاً، وهو الأمر الذي لا يتيح للفريق الزائر وقتاً طويلاً للتعويض، على عكس ما يحدث عندما يسجل الفريق صاحب الملعب هدفاً.
وفي إسبانيا، يستفيد فريقان بشكل خاص من تحيز الحكام، وهما برشلونة وريال مدريد. وقد نظرت دراسة أجريت في وقت لاحق فيما حدث في الدوري الإيطالي الممتاز في عام 2007 بعد أن أجبرت أندية إيطالية عدة على اللعب من دون جمهور بعد وفاة شرطي في ديربي صقلية بين كاتانيا وباليرمو. ووجدت هذه الدراسة، أن الميزة التي تحصل عليها الأندية عندما تلعب على ملعبها – من حيث الأخطاء والبطاقات الصفراء والحمراء التي تحتسب ضد لاعبي الفريق الزائر – قد انخفضت بشكل كبير، كما وجدت أن الحكم نفسه قد تصرف بشكل مختلف تماماُ عندما أدار مباراة بين الفريقين نفسيهما في حالة وجود الجماهير.
ومع ذلك، وجد الباحثون أنه «ليس هناك ما يشير إلى أن اللاعبين يتأثرون في حال غياب الجمهور». ونظر بحث آخر في الكيفية التي يصدر فيها 40 حكماً مؤهلا أحكاما في 47 حالة تحكيمية من مباراة بين ليفربول وليستر سيتي. وقد شاهد نصف هؤلاء الحكام تلك الحالات وسط أصوات الجماهير وردود فعلهم، في حين شاهد النصف الآخر تلك الحالات من دون أصوات الجماهير. ووجدت الدراسة أن الحكام الذين شاهدوا الحالات وسط أصوات الجماهير قد احتسبوا أخطاء أقل بكثير (15.5 في المائة) ضد الفريق صاحب الملعب، مقارنة بالحكام الذين شاهدوا الحالات التحكيمية من دون أصوات الجماهير.
ويمكنك أن تفهم ذلك من خلال المثال التالي: إذا كان هناك 70 ألف مشجع سوف يصرخون في وجهك عندما تصدر قراراً ضد فريقهم، فإن هذا الأمر قد يجعل الحكام يقررون دون وعي عدم الالتفات إلى مطالب الجماهير. لذا؛ لم يكن من المستغرب أن تساعد تقنية حكم الفيديو المساعد (الفار) في تقليل الميزة التي كانت تحصل عليها الأندية عندما تلعب على ملعبها وبين جماهيرها.
وقبل أن يستعين الدوري الوطني لكرة القدم الأميركية بالإعادات الفورية داخل الملعب، على سبيل المثال، كانت الأندية التي تلعب على ملاعبها تحقق الفوز في 59.6 في المائة من المباريات. لكن هذه النسبة انخفضت بعد ذلك إلى 55.6 في المائة، قبل أن تنخفض خلال الموسم الماضي إلى 51.7 في المائة - وهو أدنى معدل منذ عام 1972. وفي الوقت نفسه، فإن الميزة التي كانت تحصل عليها الأندية التي تلعب على ملاعبها في الدوريات الخمسة الكبرى لكرة القدم في أوروبا قد تراجعت من 49 في المائة إلى نحو 45 في المائة - ربما بسبب الاستعانة بمجموعة أفضل من الحكام والاستعانة بتقنية حكم الفيديو المساعد، وقلة الصخب الجماهيري.
ومن يعرف إلى أي مدى ستنخفض هذه النسبة إذا اضطرت كرة القدم إلى الاستمرار في خوض المباريات من دون جمهور حتى العثور على لقاح لفيروس كورونا؟ وفي كلتا الحالتين، سنكون جميعاً جزءاً من تجربة سريرية غير مرغوب فيها لمعرفة مدى غرابة كرة القدم من دون جمهور – سواء داخل أو خارج الملعب – خلال الفترة المقبلة.


مقالات ذات صلة

البلجيكي فان دين بوش إلى يونيون برلين

رياضة عالمية المدافع البلجيكي زينو فان دين بوش (أ.ب)

البلجيكي فان دين بوش إلى يونيون برلين

واصل نادي يونيون برلين الألماني إعادة بناء خط دفاعه بالتعاقد مع المدافع البلجيكي زينو فان دين بوش من رويال أنتويرب.

«الشرق الأوسط» (برلين)
رياضة عالمية إسماعيل صيباري (د.ب.أ)

بايرن ميونيخ يتوصل لاتفاق مع المغربي إسماعيل صيباري

اقترب نادي بايرن ميونيخ الألماني لكرة القدم من التعاقد مع نجم المنتخب المغربي إسماعيل صيباري.

«الشرق الأوسط» (ميونيخ (ألمانيا))
رياضة عالمية الألماني الدولي ناثانيال برون يقترب من بايرن ميونيخ (أ.ف.ب)

ناثانيال براون لاعب فرانكفورت يقترب من بايرن ميونيخ

ذكرت تقارير صحافية أن نادي بايرن ميونيخ، بطل الدوري الألماني الممتاز لكرة القدم، اقترب من التعاقد مع المدافع الأيمن الألماني، ناثانيال برون.

«الشرق الأوسط» (ميونيخ)
رياضة عالمية مانويل نوير (د.ب.أ)

نوير يسترجع ذكريات الـ«ووكمان» ويعترف بفارق الأجيال

أكد مانويل نوير، حارس مرمى منتخب ألمانيا لكرة القدم، أنه بات يشعر بتقدمه في العمر، بعدما كشف الحارس الذي يبلغ 40 عاماً أنه كان يستخدم جهاز «ووكمان» في الماضي.

«الشرق الأوسط» (هيوستن)
رياضة عالمية كينيت آيشهورن (باير ليفركوزن)

باير ليفركوزن يتعاقد مع آيشهورن نجم هيرتا برلين الواعد

تعاقد نادي باير ليفركوزن الألماني، يوم الأربعاء، مع لاعب الوسط الواعد كينيت آيشهورن البالغ من العمر 16 عاماً قادماً من هيرتا برلين أحد فرق دوري الدرجة الثانية.

«الشرق الأوسط» (برلين)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.