توافق دولي على إجراء «تقييم مستقل» للاستجابة الأممية لـ«كورونا»

الصين وروسيا وأوروبا ترفض تهديدات ترمب للمنظمة

الاجتماع السنوي لمنظمة الصحة العالمية
الاجتماع السنوي لمنظمة الصحة العالمية
TT

توافق دولي على إجراء «تقييم مستقل» للاستجابة الأممية لـ«كورونا»

الاجتماع السنوي لمنظمة الصحة العالمية
الاجتماع السنوي لمنظمة الصحة العالمية

تلقت منظمة الصحة العالمية دعما دوليا مقابل الحملة التي شنها عليها الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي هدد بانسحاب بلاده منها وقطع تمويلها نهائياً إذا لم تلتزم المنظمة الأممية بـ«إدخال تحسينات جوهرية» خلال مهلة 30 يوماً. وانتقد ترمب المنظمة بسبب إدارتها لأزمة فيروس كورونا المستجدّ وتساهلها مع الصين، فيما توافقت الدول الأعضاء في المنظمة أمس (الثلاثاء) على إجراء تقييم مستقل لاستجابتها للوباء.
وتبنّت الدول التي شاركت في الاجتماع السنوي لمنظمة الصحة العالمية، الذي انعقد عبر الإنترنت للمرة الأولى، قرارا بالإجماع يدعو لاستجابة مشتركة للأزمة.
ودعا القرار الذي قدّمه الاتحاد الأوروبي إلى «تقييم محايد ومستقل وشامل» للاستجابة الدولية للوباء الذي أصاب أكثر من 4.8 مليون شخص حول العالم وأودى بأكثر من 318 ألفا.
ونص القرار على وجوب التحقيق في الخطوات التي قامت بها المنظمة و«إطاراتها الزمنية فيما يتعلّق بوباء كوفيد - 19».
ولم تنأ الولايات المتحدة بنفسها من الإجماع كما كان يخشى البعض بعدما انتقدت منظمة الصحة العالمية في اليوم الأول من الاجتماع الاثنين، وهاجمت الصين على خلفية دورها في تفشي الوباء.
وأكد وزير الصحة الياباني أنه يجب على منظمة الصحة العالمية أن تقدم تقييما «محايدا» و«مستقلا» لمراجعة استجابتها لأزمة فيروس كورونا المستجد، وتحديد مصدره وطريقة انتقاله، وذلك بحسب ما أوردته هيئة الإذاعة والتلفزيون اليابانية (إن. إتش. كيه) أمس الثلاثاء.
وأوضح وزير الصحة الياباني كاتو كاتسونوبو، أثناء الاجتماع السنوي لمنظمة الصحة العالمية، والذي عُقد عبر تقنية الفيديو، الجهود التي تبذلها بلاده لمكافحة الفيروس.
وقال: «من الآن فصاعدا، تعتقد اليابان أنه سيكون من الضروري تطبيق استراتيجية خروج قوية، وتعزيز إجراءات الاختبار وأنظمة الرعاية الصحية، وتطوير الأدوية العلاجية والتطعيمات وتقديمها». وكشف كاتو أثناء الاجتماع السنوي الذي انطلق أول من أمس الاثنين ولمدة يومين، أن اليابان ستساهم بمبلغ 280 مليون دولار لمنظمة الصحة العالمية والمنظمات المعنية، للتعامل مع الوباء.
وقال المتحدث باسم الخارجية الصينية تشاو ليجيان إن ترمب، الذي هدد بتجميد مساهمة بلاده المالية في منظمة الصحة العالمية بشكل دائم ما لم تثبت استقلاليتها عن بكين، يهدف إلى «تشويه صورة الصين» و«التهرّب من مسؤولياته» المرتبطة بالتزاماته حيال المنظمة.
وكذلك، أعلنت المفوضية الأوروبية دعمها للمنظمة. وقالت المتحدثة باسم المفوضية الأوروبية فيرجيني باتو ردا على سؤال حول تصريحات ترمب الأخيرة بشأن منظمة الصحة: «هذا وقت إظهار التضامن بدلا من توجيه أصابع الاتهام أو تقويض التعاون متعدد الأطراف». وأضافت في مؤتمر صحافي: «الاتحاد الأوروبي يدعم التعاون الدولي خلال هذه الأزمة»، مشيرة إلى أن «الجهود متعددة الأطراف هي الخيارات الوحيدة القابلة للتطبيق للفوز في هذه المعركة».
وفي موسكو، أعربت مسؤولة روسية رفيعة المستوى عن دعم بلادها لمنظمة الصحة العالمية والصين، وسط الخلاف الدائر مع ترمب.
وقالت فالنتينا ماتفيينكو رئيسة مجلس الاتحاد الروسي، في مقابلة مع وكالة «إنترفاكس» الروسية نشرتها أمس (الثلاثاء) إن «روسيا تعارض مثل هذه التحقيقات الملفقة والاتهامات التي لا أساس لها. نحن ضدها بشكل قاطع».
ويتهم ترمب الصين بالسعي للتستر على وباء فيروس كورونا عندما كان محصورا داخل البلاد. كما يتهم منظمة الصحة العالمية بمساعدة الصين في تضليل الرأي العام.
وشددت ماتفيينكو، التي وصفت منظمة الصحة العالمية بأنها واحدة من أهم الهيئات التابعة للأمم المتحدة، على أن الوقت ليس ملائما بالتأكيد الآن «لبدء محاكمة استعراضية»، بينما يكافح العالم ضد فيروس كورونا.
وأضافت ماتفيينكو: «بالتأكيد ليس هناك سبب اليوم لإجراء محاكمة استعراضية أو نوع من التحقيق لتدمير هذا الشيء المفيد (منظمة الصحة العالمية) الذي تطوره البشرية منذ عقود».

- سجال الصين وأستراليا
وفي سياق السجال نفسه، تبادلت أستراليا والصين انتقادات وعبارات لاذعة أمس وسط خلاف دبلوماسي محتدم بسبب تأييد أستراليا فتح تحقيق عالمي في منشأ فيروس كورونا المستجد، في الوقت الذي سجلت فيه مائة حالة وفاة بمرض كوفيد - 19 الناتج عن الإصابة بالفيروس.
وطغى الخلاف على نجاح أستراليا النسبي في احتواء تفشي الجائحة بعد احتدامه مع الصين، أكبر شريك تجاري لها، إثر قرار جمعية الصحة العالمية تأييد فتح التحقيق.
وفي بيان اتسم بخشونة غير معهودة وصدر في نفس اليوم الذي فرضت فيه الصين تعريفات عالية على صادرات أستراليا من الشعير، قالت السفارة الصينية في كانبيرا إن ادعاء أستراليا أن القرار بمثابة تأييد لمسعاها من أجل مراجعة عالمية «ليس سوى مزحة».
وقال المتحدث باسم السفارة الصينية في بيان بالبريد الإلكتروني: «مشروع القرار الخاص بكوفيد - 19 الذي ستعتمده جمعية الصحة العالمية يختلف تماما عن اقتراح أستراليا بمراجعة دولية مستقلة».
وقال وزير التجارة الأسترالي سايمون برمنجهام لشبكة سكاي نيوز عندما سئل التعليق على هذا التصريح: «أستراليا لن تدخل في تسييس رخيص لمسألة بقدر أهمية كوفيد - 19».
وأضاف «كنت أتصور أن يكون الرد المناسب من سفير الصين لدى أستراليا هو الترحيب بهذه النتائج والترحيب بفرصة أن نعمل جميعا سويا على هذه القضية المهمة».
وقال الرئيس الصيني شي جينبينغ لجمعية الصحة العالمية، وهي هيئة صنع القرار بمنظمة الصحة، إن الصين ستدعم مراجعة شاملة بعد السيطرة على تفشي الفيروس.
وكان السفير الصيني قد حذر في وقت سابق من إمكانية مقاطعة بضائع أستراليا مما دفعها لاتهام الصين «بالإكراه الاقتصادي».
واعتبر الكثيرون أن التعريفات على صادرات الشعير التي أعقبت ذلك وسحب تراخيص العديد من أكبر شركات تصنيع اللحوم الأسترالية بمثابة رد انتقامي.
والخلاف قد يقوض خطط أستراليا للسماح باستئناف مزيد من الأنشطة العامة هذا الأسبوع في إطار المرحلة الأولى من خطة من ثلاث مراحل تطبقها الحكومة لإعادة فتح الشركات والمدارس والمطاعم وغيرها من الأنشطة لدعم الاقتصاد.

- ترحيب أوروبي
ورحب الاتحاد الأوروبي بقيام الجمعية العامة لمنظمة الصحة العالمية بتبني مشروع القرار المقدم من دول ومؤسسات الاتحاد حول مواجهة وباء «كوفيد - 19». بعد توافق المشاركين في اجتماعها الافتراضي الثلاثاء في جنيف.
وأشار الاتحاد في بيان أمس، إلى أن توافق 195 دولة على مشروع القرار الأوروبي يدل على أن التعاون الدولي بات الآن أكثر أهمية من أي وقت مضى للتصدي لوباء كوفيد - 19 الذي لا يعرف الحدود.
وأثنى مسؤولان أوروبيان من خلال بيان مشترك، على الدور الريادي الذي لعبته منظمة الصحة العالمية في التعامل والاستجابة للوباء. ولفتا إلى أن الاتحاد الأوروبي قد نجح بجمع مبلغ 7.4 مليار يورو من مختلف الأطراف الدولية من أجل البحث عن علاجات ولقاحات للوباء، و«في المستقبل يتعين استخلاص الدروس من هذا الوباء».
وفي البيان، نوه جوزيب بوريل منسق السياسة الخارجية، ومفوضة شؤون الصحة ستيلا كيرياكيدس، بأهمية العمل، عندما يأتي الوقت المناسب، على إجراء تحقيق مستقل لمعرفة منشأ الوباء وكيفية انتشاره.
يذكر أن الاتحاد الأوروبي كان أكد في وقت سابق على ضرورة عدم لوم أي طرف والتركيز على حشد الجهود لمحاربة الفيروس، فـ«التعاون الدولي هو أفضل سبيل لمحاربة وباء كوفيد - 19 وباقي الأوبئة»، وفق تعبير مسؤوليه.


مقالات ذات صلة

دراسة: العمل من المنزل يرتبط بتحسن الصحة النفسية للموظفين

صحتك اكتسب العمل عن بُعد زخماً منذ جائحة «كورونا» (أرشيفية-رويترز)

دراسة: العمل من المنزل يرتبط بتحسن الصحة النفسية للموظفين

أشارت دراسة جمعت إجابات من عاملين عن بُعد إلى أن العمل من المنزل يرتبط بتحسن الصحة النفسية، بل وقد يرتبط ببقاء الموظفين مع جهة عملهم لفترة أطول.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك ممرض يحضِّر جرعة من لقاح مضاد لفيروس «كوفيد-19» (رويترز)

سحب دراسة مثيرة للجدل حول الوفيات الزائدة خلال جائحة «كوفيد-19»

سُحبت دراسة مثيرة للجدل كانت تحلل الوفيات الزائدة خلال جائحة «كوفيد-19»، وكانت قد قوبلت بانتقادات واسعة النطاق؛ كونها عززت الشكوك بشأن اللقاحات.

«الشرق الأوسط» (باريس)
صحتك سيدة مصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (رويترز)

«كوفيد طويل الأمد» قد يؤثر في إنتاج الدوبامين بالدماغ

أظهرت دراسة جديدة أن مرضى «كوفيد - 19» ذوي الأعراض طويلة الأمد يعانون نقصاً بنسبة 18 في المائة في النهايات العصبية الدوبامينية.

«الشرق الأوسط» (أوتاوا)
يوميات الشرق تشير نتائج الدراسة إلى أن تأثير العمل عن بُعد قد يختلف باختلاف الأشخاص وظروفهم (بيكسلز)

بعد سنوات من انتشاره... دراسة جديدة تكشف الوجه الآخر للعمل عن بُعد

دراسة أميركية حديثة كشفت أن العمل عن بُعد قد يحمل آثاراً غير متوقعة على الصحة النفسية مع مرور الوقت

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
أوروبا علما المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي أمام برج «بيغ بن» في لندن 9 سبتمبر 2017 (رويترز)

10 أعوام على «بريكست»... بين وعود استعادة السيادة وتكلفة الانفصال

بعد عقد على «بريكست»، تتباين التقييمات بين استعادة بريطانيا جزءاً من سيادتها، وتزايدت الأدلة على أن تكلفة الانفصال الاقتصادية والسياسية تجاوزت مكاسبه حتى الآن.

شادي عبد الساتر (بيروت)

سيول: كوريا الشمالية تستعد لإرسال المزيد من القوات إلى روسيا

أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
TT

سيول: كوريا الشمالية تستعد لإرسال المزيد من القوات إلى روسيا

أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)

ذكر مكتب أحد نواب البرلمان في كوريا الجنوبية أن وزارة الدفاع في سيول قالت إن كوريا الشمالية تواصل الاستعدادات لإرسال قوات إضافية إلى روسيا، لكن الوزارة لم ترصد أي مؤشرات على أن هذا النشر وشيك.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، فقد جاء هذا التقييم بعد أن نفت كيم يو جونغ، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، الأسبوع الماضي ما قاله الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن اعتزام بيونغ يانغ إرسال ما يصل إلى 50 ألف جندي إضافي إلى روسيا للقتال إلى جانب حليفتها.

وذكر المكتب أن وزارة الدفاع الكورية الجنوبية قالت، في بيان موجه إلى النائب يو يونغ-يون، إن كوريا الشمالية واصلت تزويد روسيا بأنظمة أسلحة، بما في ذلك صواريخ باليستية قصيرة المدى.

وعززت كوريا الشمالية وروسيا تعاونهما العسكري منذ غزو موسكو لأوكرانيا في عام 2022، إذ وردت بيونغ يانغ ذخيرة مدفعية وصواريخ منذ عام 2023 ونشرت قوات منذ عام 2024، وفقاً لتقييمات كورية جنوبية وأوكرانية وغربية.

ونقت موسكو وبيونغ يانغ في السابق عمليات نقل الأسلحة.


أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
TT

أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)

أكدت أستراليا، اليوم الأحد، أول حالة إصابة بإنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» لدى ​حيوان محلي من الثدييات، حيث تأكدت إصابة فقمة فراء ذات أنف طويل بولاية جنوب أستراليا.

وتواجه أستراليا زيادة في حالات الإصابة بإنفلونزا الطيور شديدة العدوى منذ وصول الفيروس إلى البلاد في يونيو (حزيران)، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأكَّدت سلطات جنوب ‌أستراليا اكتشاف ‌أول إصابة لحيوان ​ثديي في البلاد ‌بالفيروس، حيث ​تم العثور على الفقمة المصابة في بلدة بيتشبورت الساحلية، على بعد نحو 310 كيلومترات (192 ميلاً) جنوب أديليد عاصمة الولاية.

وقالت السلطات إن الفقمة، وهي واحدة من نحو 100 ألف فقمة في مياه الولاية، عُثر عليها نافقة دون ‌أي جروح. وذكرت ‌وزيرة الزراعة في الحكومة ​الاتحادية جولي كولينز، ‌في تصريحات نقلها التلفزيون، أنَّ نفوق ‌الفقمة «لا يبدو أنه مرتبط بثدييات بحرية مريضة أو نافقة أخرى».

وأضافت: «بمجرد أن ينتشر فيروس إنفلونزا الطيور (إتش 5) في البيئة الطبيعية، يصبح ‌من المستحيل تجنب خسائر كبيرة».

وسجَّلت أستراليا هذا الشهر أول حالة نفوق جماعي للطيور البحرية بسبب الفيروس، مما يشير إلى تفاقم في تفشي المرض الذي بدأ بعد اكتشاف الفيروس لأول مرة في الطيور البحرية المهاجرة قبل أن ينتشر إلى الأنواع المحلية.

ولم يظهر الفيروس بعد في قطاعي الدواجن أو الزراعة في أستراليا، وفقاً للحكومة الاتحادية التي ​ذكرت يوم ​الجمعة أنه تم حتى الآن تأكيد 297 حالة على مستوى البلاد.


شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
TT

شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)

لم يكن الثاني والعشرون من أغسطس (آب) مجرد ورقة تُطوى في تقويم التاريخ المعاصر، بل كان خيطاً ناظماً لدراما سياسية حبست أنفاس العالم شرقه وغربه.

في هذا اليوم تحديداً، وعلى فترتين زمنيتين تباعدتا بـ13 عاماً، تقاطع مصير رئيسين من أبرز قادة المعسكر الغربي، الفرنسي شارل ديغول، والأميركي جيرالد فورد.

كان الموت يتربص بكليهما في وضح النهار، وبين تفاصيل الهجومين الفاشلين تتكشف حكايات من الصدفة المحضة، والشجاعة اللحظية، والتحولات السياسية الكبرى التي كادت تعصف بفرنسا والولايات المتحدة لو سارت الرصاصات في مساراتها المرسومة.

اعتداء «بوتي-كلامار»: عندما حمت «السيتروين» جنرال فرنسا

في صيف عام 1962، كانت الدولة الفرنسية تعيش مخاضاً عسيراً بعد توقيع اتفاقيات «إيفيان» التي منحت الجزائر استقلالها.

هذا القرار التاريخي الذي اتخذه مؤسس الجمهورية الخامسة، الجنرال شارل ديغول، أشعل غضب المتطرفين القوميين داخل الجيش واليمين الفرنسي، الذين انضووا تحت لواء «منظمة الجيش السري» (OAS).

سيارة «سيتروين DS» التي كان على متنها الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال محاولة اغتياله عام 1962 (ويكيبيديا)

اعتبر هؤلاء ديغول خائناً لفرنسا العظمى، وصار التخلص منه جسدياً هدفهم الأسمى.

في مساء 22 أغسطس 1962، غادر ديغول ومعه زوجته إيفون، وصهره الكولونيل ألان دي بواسيو، قصر الإليزيه متوجهين إلى مطار «فيلكوبلاي» العسكري في طريقهم إلى قريتهم الوادعة «كولومبي دو ليزيغليز».

تحرك الموكب الرئاسي غير المدرع، المكون من سيارتي «سيتروين DS»، دون حراسة مشددة كعادة الجنرال الذي كان يزدري الإجراءات الأمنية المبالغ فيها.

عند ضاحية «بوتي-كلامار» الباريسية، كان كمين محكم بانتظارهم.

قاد العملية اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو، جان ماري باستيان ثيري، وهو مهندس صواريخ لامع تحول إلى متمرد عقائدي.

اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو جان ماري باستيان ثيري المتهم بمحاولة اغتيال الجنرال الفرنسي شارل ديغول (ويكيبيديا)

وزّع ثيري 12 مسلحاً مدججين بالأسلحة الرشاشة والقنابل على طول الطريق. ومع اقتراب السيارة الرئاسية في الغسق، أعطى ثيري الإشارة بجريدة صحافية.

انهمر الرصاص بغزارة، أكثر من 180 رصاصة أطلقت صوب السيارة، اخترقت عدة مقذوفات هيكل الـ«سيتروين» العادية وتطاير الزجاج المحطم داخل المقصورة.

الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال موكب رئاسي عام 1963 بعد عام على محاولة اغتياله (ويكيبيديا)

صرخ الصهر بواسيو: «انبطحوا!»، لكن ديغول رفض الانحناء بقامته الفارهة. ما أنقذ الموكب كان المهارة الفائقة للسائق العسكري، فرانسوا مارو، الذي حافظ على توازن السيارة رغم انفجار إطاريها، وضغط على دواسة الوقود لينجو بالرئيس وزوجته بأعجوبة.

نزل ديغول من السيارة ولم يقل سوى كلمته الشهيرة: «إنهم يطلقون النار كالأرانب!».

لاحقاً، تم القبض على باستيان ثيري وأُعدم في عام 1963، ليكون آخر من تنفذ فيه عقوبة الإعدام رمياً بالرصاص في فرنسا.

من باريس إلى ساكرامنتو: فورد في مرمى «عائلة مانسون»

دارت عجلة الزمن 13 عاماً، وانتقلت حمى الاغتيالات عبر المحيط الأطلسي إلى الولايات المتحدة التي كانت لا تزال تلملم جراحها بعد فضيحة «واترغيت» واستقالة ريتشارد نيكسون.

كان الرئيس الجديد، جيرالد فورد، يحاول إعادة الثقة إلى البيت الأبيض، لكن المجتمع الأميركي كان يغلي بالتيارات الفوضوية ومخلفات حرب فيتنام.

في صباح يوم 5 سبتمبر (أيلول) 1975، (الذي تلا نفس الذكرى السنوية لنجاة ديغول بأيام قليلة في ذات الحقبة الخريفية لعام 1975، التي شهدت محاولتين متتاليتين ضد فورد في شهر واحد)، كان الرئيس فورد يسير في حديقة «الكابيتول بارك» بمدينة ساكرامنتو بولاية كاليفورنيا، مصافحاً الحشود المتجمهرة.

الشرطة الأميركية خلال اعتقال لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس جيرالد فورد (ويكيبيديا)

من بين الجموع، برزت امرأة ترتدي رداءً أحمر قانياً. كانت تدعى لينيت فروم، وتُلقب بـ«سكيّكي»، وهي واحدة من أشد الأتباع إخلاصاً للمجرم الشهير تشارلز مانسون، زعيم الطائفة الدموية التي روّعت أميركا.

لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

اقتربت فروم من فورد حتى باتت على بعد خطوتين منه، وسحبت مسدساً من طراز «كولت عيار 45».

وجّهت فروم السلاح مباشرة نحو بطن الرئيس، سمع الحاضرون صوت «صدمة المعدن» (Click)، لكن الرصاصة لم تنطلق، إذ تبين لاحقاً أن مخزن السلاح كان يحتوي على الذخيرة، إلا أن فروم لم تقم بتلقيم الرصاصة في حجرة الانفجار (السبطانة).

السلاح الذي استعملته لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» خلال محاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

في أجزاء من الثانية، انقض عميل الخدمة السرية، لاري بوندورف، على المرأة وشلّ حركتها، بينما تم سحب فورد بسرعة إلى مكان آمن.

حكم على فروم بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها مشروطاً عام 2009، والمفارقة أن فورد نجا بعد 17 يوماً فقط من محاولة اغتيال ثانية وأكثر خطورة في سان فرانسيسكو.

وثيقة رسمية من المذكرات اليومية للبيت الأبيض توثق جدول أعمال الرئيس الأميركي جيرالد فورد يوم 5 سبتمبر 1975 وتتضمن تفاصيل الدقائق الحرجة لمحاولة اغتياله الفاشلة على يد «لينيت فروم» أثناء سيره نحو كابيتول ولاية كاليفورنيا

رصاصة «مور» القاتلة: المحاولة الثانية في سان فرانسيسكو

لم يكد الرئيس الأميركي جيرالد فورد يستوعب صدمة نجاة عنقه من مسدس لينيت فروم في ساكرامنتو، حتى عاد الموت ليتجسد له في سان فرانسيسكو بعد 17 يوماً فقط، وتحديداً في 22 سبتمبر (أيلول) 1975.

هذه المرة كانت المؤامرة أكثر خطورة وشراسة، إذ وقفت سارة جين مور، وهي امرأة ذات ميول يسارية راديكالية ومخبرة سابقة لمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، وسط الحشود خارج فندق «ستافورد بلاس».

سارة جين مور المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

أشهرت مور مسدساً من عيار 38، ووجّهته مباشرة نحو رأس الرئيس من مسافة لم تتجاوز 12 متراً.

أطلقت مور الرصاصة الأولى التي أخطأت رأس فورد ببضع سنتيمترات فقط بسبب خلل في ارتداد السلاح لم تحسب له حساباً.

وبينما كانت تحاول تدوير أسطوانة المسدس لإطلاق الرصاصة الثانية القاتلة، انقض عليها جندي سابق في مشاة البحرية الأميركية (المارينز) كان يقف بجوارها ويدعى أوليفر سيبيل، حيث أمسك بذراعها وحرّف مسار الرصاصة الثانية لتصيب جدار الفندق وتجرح أحد المارة.

فورد أثناء إجلائه من موقع محاولة اغتياله في سان فرانسيسكو (ويكيبيديا)

تم إجلاء فورد على عجل وسط حراسة مشددة، وأُلقي القبض على مور التي حُكم عليها بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها بشروط عام 2007، لتدخل هذه المحاولة التاريخ بوصفها المرة الأقرب التي واجه فيها فورد الموت الحقيقي خلال أسابيع جنون الخريف الأميركي.

تلازم المصائر وفلسفة النجاة

تُظهر المقارنة التاريخية بين الحادثتين كيف يتشابه المشهد السياسي العالمي في لحظات جنونه. في كلتا الحالتين، واجه الرئيسان خصوماً من الأطراف الراديكالية، ديغول واجه اليمين العسكري القومي المتطرف، بينما واجه فورد إرث التمرد الطائفي والفوضوي لـ«الهبيز» في كاليفورنيا.

كما لعبت «التفاصيل الصغيرة» الدور الأكبر في صياغة التاريخ، فلو امتلك قناصة «بوتي-كلامار» تنسيقاً أفضل ثانية واحدة، أو لو قامت لينيت فروم بسحب أقسام مسدسها بشكل صحيح، لتغيرت خريطة السياسة الدولية.

كانت نجاة ديغول تعني استمرار بناء فرنسا الحديثة وصياغة استقلالها عن الهيمنة الأميركية، وكانت نجاة فورد تعني استقرار مؤسسة الرئاسة الأميركية في مرحلة حرجة من الحرب الباردة.

بقي الثاني والعشرون من أغسطس، وما تلاه من أيام في ذلك الخريف السياسي، شاهداً على أن مصائر الدول العظمى قد تتوقف أحياناً على مهارة سائق سيارة، أو خطأ تقني في بندقية مهاجم.