كيف تنتهي الأوبئة؟... جولة تاريخية على جائحات طبعت البشرية

عوامل اجتماعية سرّعت التحرر من القيود رغم استمرار العدوى

جانب من تعقيم طاولة تشريح في مستشفى يعالج مرضى الطاعون في الصين عام 1910 (غيتي)
جانب من تعقيم طاولة تشريح في مستشفى يعالج مرضى الطاعون في الصين عام 1910 (غيتي)
TT

كيف تنتهي الأوبئة؟... جولة تاريخية على جائحات طبعت البشرية

جانب من تعقيم طاولة تشريح في مستشفى يعالج مرضى الطاعون في الصين عام 1910 (غيتي)
جانب من تعقيم طاولة تشريح في مستشفى يعالج مرضى الطاعون في الصين عام 1910 (غيتي)

وفقاً للمؤرخين، فإن للأوبئة نهايتين: طبية، وهي تحدث عندما تنخفض معدلات الإصابة والوفيات. والثانية اجتماعية، وتحدث عندما يتلاشى الخوف من المرض. وأفاد الدكتور جيريمي غرين، المؤرخ الطبي بجامعة «جونز هوبكنز» بأنه «عندما يسأل الناس متى سينتهي الوباء، فإنهم يقصدون النهاية الاجتماعية».
وبعبارة أخرى، يمكن أن تحدث النهاية ليس بسبب النجاح في قهر المرض، بل لأن الناس تعبوا من حالة الذعر وتعلموا التعايش مع المرض. وفي هذا المعنى، ذكر ألان برانت، المؤرخ بجامعة هارفارد، أن «شيئاً مشابهاً يحدث مع فيروس كورونا كما رأينا في الجدل الدائر بشأن إعادة فتح الاقتصاد. ولذلك، فإن العديد من الأسئلة المتعلقة بالنهاية لا تجري الإجابة عنها من خلال البيانات الطبية وبيانات الصحة العامة، لكن من خلال المحيط الاجتماعي السياسي».

الطاعون الأسود والذكريات المظلمة
ضرب الطاعون الدملي العالم عدة مرات خلال الألفي عام الماضية، ليودي بحياة الملايين من البشر ويغير مسار التاريخ، لكنه ضاعف الخوف في كل مرة من الوباء التالي. وينجم المرض عن سلالة من البكتيريا تسمى «يرسينيا بيستيس» أو «اليرسينا الطاعونية»، تعيش على البراغيث التي تعيش بدورها على الفئران. لكن «الطاعون الدملي» الذي أصبح يعرف باسم «الطاعون الأسود» أو «الموت الأسود»، يمكن أيضاً أن ينتقل من شخص مصاب إلى شخص سليم من خلال قطرات الجهاز التنفسي، لذلك لا يمكن القضاء عليه ببساطة بمجرد قتل الفئران.
وفي هذا الصدد، قالت ماري فيسيل، المؤرخة بجامعة «جونز هوبكنز» إن المؤرخين يقسمون موجات الطاعون الكبيرة إلى ثلاث موجات عاتية: الأولى طاعون «جستنيان» الذي ظهر في القرن السادس، ووباء القرون الوسطى الذي ظهر في القرن الرابع عشر، والوباء الذي ظهر في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. وبدأت جائحة العصور الوسطى عام 1331 في الصين، وأدى المرض إلى جانب حرب أهلية كانت مستعرة في ذلك الوقت، إلى مقتل نصف سكان الصين. ومن هناك، انتقل الطاعون على طول الطرق التجارية إلى أوروبا وشمال أفريقيا والشرق الأوسط. وخلال الفترة بين 1347 و1351، قتل ما لا يقل عن ثلث سكان أوروبا، وتوفي نصف سكان مدينة سيينا الإيطالية.
وكتب المؤرخ أغنولو تورا في القرن الرابع عشر يقول إنه «من المستحيل للسان الإنسان أن يروي الحقيقة المروعة»، فقد كانت أكوام الموتى تدفن في الحفر. وكتب المؤرّخ جيوفاني بوكاتشيو من فلورنسا يقول: «لم يكن هناك احترام للموتى. فلم تكن الجثث تعامل بالاحترام الذي نعامل به الماعز الميتة الآن». اختبأ البعض في منازلهم، فيما رفض آخرون الانصياع وقبول تهديد المرض.
انتهى الوباء، لكن الطاعون تكرر. وبدأت واحدة من أسوأ الفاشيات في الصين عام 1855 وانتشر في جميع أنحاء العالم، ما أسفر عن مقتل أكثر من 12 مليوناً في الهند وحدها. وأحرقت السلطات الصحية في بومباي أحياء بأكملها محاولين تخليصها من الطاعون. وقال مؤرخ ييل فرانك سنودن معلقاً على الإحراق المتعمد: «لم يكن أحد يعرف ما إذا كان ذلك سيحدث فارقاً»، أم لا.
الأسباب التي أدت إلى نهاية الطاعون الدملي ليست معروفة. لكن الدكتور سنودن أشار إلى أن بعض العلماء جادلوا في أن الطقس البارد قتل البراغيث الناقلة للأمراض، لكن ذلك لم يكن ليعوق انتشاره عن طريق التنفس، أو ربما أن تغييراً طرأ على الفئران. فبحلول القرن التاسع عشر، لم يكن الطاعون تحمله الفئران السوداء ولكن الفئران البنية الأقوى والأكثر تحمّلاً، والأكثر قدرة على العيش بمعزل عن البشر. فرضية أخرى هي أن البكتيريا تطورت لتصبح أقل فتكاً، أو ربما أن تصرفات البشر، مثل حرق القرى، قد ساعدت في القضاء على الوباء.
لم يرحل الطاعون أبداً. فبحسب إفادة الأطباء، فإن العدوى تنتشر في الولايات المتحدة بين الكلاب البرية في الجنوب الغربي ويمكن أن تنتقل إلى الناس. وأفاد سنودن بأن أحد أصدقائه أصيب بالعدوى بعد إقامته في فندق في نيو مكسيكو، حيث تبين أن نزيلاً سابقاً في الغرفة ذاتها كان يصطحب كلباً يحمل براغيث تحمل الميكروب. مثل هذه الحالات نادرة ويمكن الآن علاجها بنجاح بالمضادات الحيوية، ولكن أي تقرير عن الطاعون يثير الهلع.

مرض انتهى بالفعل
من بين الأمراض التي أمكن إيجاد نهاية طبية لها؛ الجدري. لكن تلك النهاية كانت استثنائية لعدة أسباب؛ أهمها أنه أمكن إيجاد لقاح فعال يوفر حماية مدى الحياة وأن فيروس «فريولا» الذي يسبب المرض ليس لديه مضيف حيواني يحمله إلى البشر، لذا فإن القضاء على المرض في البشر يعني القضاء التام عليه. كذلك، فإن أعراضه غير عادية وواضحة، ما يسمح بالحجر الصحي الفعال وتتبع طرق المخالطة.
لكن وباء الجدري في حينه كان مروعاً، حيث استمر الوباء في اجتياح العالم طيلة 3000 عام على الأقل.
يصاب الأفراد المصابون بالفيروس بالحمى، ثم يتحول الطفح الجلدي إلى بقع مليئة بالصديد قبل أن تجف وتسقط، تاركة ندوباً. قتل المرض ثلاثة من كل عشرة من ضحاياه، غالباً بعد معاناة شديدة.
كان آخر شخص أصيب بالجدري بشكل طبيعي هو علي ماو مالين، طاهٍ بمستشفى في الصومال، عام 1977، وتعافى لكنه مات بسبب الملاريا عام 2013.

الإنفلونزا المنسية
لا يزال الناس يذكرون الإنفلونزا التي ضربت العالم عام 1918 كمثال للدمار الوبائي وقيمة الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي. فقبل أن تنتهي، قتلت الإنفلونزا ما بين 50 مليوناً و100 مليون شخص في جميع أنحاء العالم. كانت تفترس الصغار والكبار في منتصف العمر، ويتّمت الأطفال، وحرمت العائلات من معيليها، وقتلت الجنود في خضم الحرب العالمية الأولى.
وبعد اجتياح العالم، تلاشت الإنفلونزا، لكنها تطورت لتتخذ شكلاً مختلفاً من الإنفلونزا الأكثر اعتدالاً التي نراها كل عام. وقال الدكتور سنودن: «ربما كان الأمر أشبه بالحريق الذي يحرق الخشب المتاح، وكل ما يصل إليه اللهب بسهولة».
انتهى الوباء اجتماعياً أيضاً. فقد انتهت الحرب العالمية الأولى، وكان الناس مستعدين لبداية جديدة وعصر جديد وكانوا حريصين على ترك كابوس المرض والحرب وراءهم. ومنذ وقت قريب فقط، نسي الناس إنفلونزا 1918 إلى حد كبير. تلت ذلك أوبئة إنفلونزا أخرى، لكن لم يكن هناك شيء بالغ السوء. في إنفلونزا هونغ كونغ عام 1968، توفي مليون شخص في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك 100 ألف شخص في الولايات المتحدة، معظمهم من كبار السن الذين تجاوزوا 65 عاماً. ولا يزال هذا الفيروس ينتشر كإنفلونزا موسمية.

كيف سينتهي «كورونا»؟
يقول المؤرخون إن أحد الاحتمالات هو أن جائحة فيروس كورونا يمكن أن تنتهي اجتماعياً قبل أن تنتهي طبياً. قد يتعب الناس من القيود لدرجة أنهم يعلنون نهاية الوباء، حتى مع استمرار انتشار الفيروس بين السكان وقبل العثور على لقاح أو علاج فعال.
وبهذا المعنى، قالت المؤرخة ييل نعومي روجرز: «أعتقد أن هناك نوعاً من القضايا النفسية الاجتماعية الناجمة عن الإرهاق والإحباط. قد نصل إلى لحظة يقول الناس فيها: هذا يكفي. يجب أن أعود إلى حياتي العادية».
حدث هذا بالفعل. ففي بعض الولايات، رفع المحافظون القيود، مما سمح بإعادة فتح صالونات تصفيف الشعر وصالونات الأظافر والصالات الرياضية، في تحدٍ لتحذيرات مسؤولي الصحة العامة من أن هذه الخطوات سابقة لأوانها. ومع تزايد الكارثة الاقتصادية التي سببتها عمليات الإغلاق، قد نسمع المزيد والمزيد من الناس يقولون: «كفاية».
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

عدالة توزيع اللقاحات قد تنقذ حياة 3 ملايين شخص في الوباء المقبل

صحتك رجل يتلقى لقاحاً (رويترز)

عدالة توزيع اللقاحات قد تنقذ حياة 3 ملايين شخص في الوباء المقبل

خلصت دراسة جديدة إلى أنه يمكن إنقاذ حياة نحو 3 ملايين شخص في الجائحة المقبلة إذا تقاسمت الدول اللقاحات بطريقة عادلة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك  الفيروسات المسببة لنزلات البرد تزداد نشاطاً خلال الأشهر الباردة (رويترز)

عادات يومية قد تساعد في الوقاية من نزلات البرد والإنفلونزا

مع بداية شهر سبتمبر من كل عام، غالبا ما تنتشر الفيروسات المسببة لنزلات البرد الشائعة بكثافة، وفيروسات الإنفلونزا، وكورونا، والفيروس المخلوي التنفسي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك أطباء وممرضات يرتدون معدات الوقاية الشخصية يقومون برعاية مريض على جهاز التنفس الصناعي بوحدة العناية المركزة بمستشفى سانت لازلو الذي يعالج مرضى كورونا في بودابست 13 ديسمبر 2021 (أ.ب)

أبرز أطباء أميركا يقدّمون توصيات بشأن تطعيمات الإنفلونزا وكورونا

حثت أبرز المؤسسات الطبية في الولايات المتحدة السكان على الحصول على اللقاحات المحدَّثة ضد الإنفلونزا وكورونا، الخريف المقبل.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك اكتسب العمل عن بُعد زخماً منذ جائحة «كورونا» (أرشيفية-رويترز)

دراسة: العمل من المنزل يرتبط بتحسن الصحة النفسية للموظفين

أشارت دراسة جمعت إجابات من عاملين عن بُعد إلى أن العمل من المنزل يرتبط بتحسن الصحة النفسية، بل وقد يرتبط ببقاء الموظفين مع جهة عملهم لفترة أطول.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك ممرض يحضِّر جرعة من لقاح مضاد لفيروس «كوفيد-19» (رويترز)

سحب دراسة مثيرة للجدل حول الوفيات الزائدة خلال جائحة «كوفيد-19»

سُحبت دراسة مثيرة للجدل كانت تحلل الوفيات الزائدة خلال جائحة «كوفيد-19»، وكانت قد قوبلت بانتقادات واسعة النطاق؛ كونها عززت الشكوك بشأن اللقاحات.

«الشرق الأوسط» (باريس)

مقتل بحار هندي في هجوم على سفينة تجارية في هرمز

سفن في مضيق هرمز كما تظهر من مسندم في عُمان (رويترز)
سفن في مضيق هرمز كما تظهر من مسندم في عُمان (رويترز)
TT

مقتل بحار هندي في هجوم على سفينة تجارية في هرمز

سفن في مضيق هرمز كما تظهر من مسندم في عُمان (رويترز)
سفن في مضيق هرمز كما تظهر من مسندم في عُمان (رويترز)

أفادت السلطات العمانية والهندية بمقتل بحار هندي في الهجوم الذي استهدف سفينة تجارية في مضيق هرمز اليوم الأربعاء، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت البحرية العمانية في بيان أنها «أجلت 27 من أفراد طاقم السفينة كيب داو التي ترفع علم أنتيغوا... إثر تعرض السفينة لاستهداف على بُعد 2.5 ميل بحري من محافظة مسندم، أسفر عن اندلاع حريق في غرفة المحركات ووفاة أحد أفراد طاقمها».

وأوضحت وزارة الخارجية في نيودلهي أن الضحية بحار يحمل الجنسية الهندية.

وأكدت السفارة الهندية لدى سلطنة عمان اليوم ‌أن ‌مواطناً هندياً ‌قتل ⁠في هجوم استهدف السفينة «إم في ⁠كيب داو» في أثناء توجهها ⁠إلى ‌الهند، بحسب وكالة «رويترز».

وأضافت السفارة ‌أنها تنسق ‌بشكل ‌وثيق مع السلطات العمانية ‌بشأن سلامة جميع أفراد الطاقم ⁠على متن ⁠السفينة، ومنهم 19 مواطناً هندياً.


عراقجي يلتقي ويتكوف في نيويورك ويبلغه شروط طهران لإعادة فتح «هرمز»

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وهو يصل لحضور الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مدينة نيويورك 22 سبتمبر 2026 (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وهو يصل لحضور الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مدينة نيويورك 22 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

عراقجي يلتقي ويتكوف في نيويورك ويبلغه شروط طهران لإعادة فتح «هرمز»

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وهو يصل لحضور الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مدينة نيويورك 22 سبتمبر 2026 (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وهو يصل لحضور الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مدينة نيويورك 22 سبتمبر 2026 (رويترز)

التقى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، الثلاثاء، على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وأبلغه شروط طهران لإعادة فتح مضيق هرمز، وفق ما أفادت وسائل إعلام إيرانية.

ونقلت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية الرسمية عن عراقجي قوله لويتكوف إن مطالب طهران تشمل «الرفع الفوري للحصار البحري الأميركي، والسداد العاجل لجميع الأصول الإيرانية المجمدة، وإنهاء الحرب على كل جبهات المقاومة»، حسبما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

مبعوث ترمب ستيف ويتكوف (الثاني يميناً) خلال لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 22 سبتمبر 2026 في مقر المنظمة في نيويورك (أ.ب)

وفي السياق، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إن المسؤولين الأميركيين والإيرانيين اجتمعوا يوم الثلاثاء، بعد فترة وجيزة من تهديده في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بأنه قد «يبيد» إيران إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق قريباً لإنهاء الحرب المستمرة منذ ما يقرب من سبعة أشهر.

وقال ترمب للصحافيين إن الاجتماع تم، وانتهى «قبل حوالي ساعة»، لكنه لم يقدّم سوى القليل من التفاصيل حول المحادثات، وفق ما نقلته شبكة «سي بي إس» الأميركية.

وأوضح ترمب: «لقد كان اجتماعاً جيداً للغاية... لديهم موعد آخر مقرر في المستقبل القريب جداً».

وذكر أن الاجتماع استمر حوالي ثلاث ساعات، وشارك فيه صهره جاريد كوشنر والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف.

وأكد ويتكوف أن الاجتماع سار على ما يرام، قائلاً: «أشعر أنني بحالة جيدة جداً الآن»، لكنه لم يقدم مزيداً من التفاصيل.

Your Premium trial has ended


ترمب يهدّد إيران بـ«الدمار الشامل»... ويتوعّد كوبا بـ«السقوط»

الرئيس الأميركي يخاطب الجمعية العامة للأمم المتّحدة يوم 22 سبتمبر (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي يخاطب الجمعية العامة للأمم المتّحدة يوم 22 سبتمبر (أ.ف.ب)
TT

ترمب يهدّد إيران بـ«الدمار الشامل»... ويتوعّد كوبا بـ«السقوط»

الرئيس الأميركي يخاطب الجمعية العامة للأمم المتّحدة يوم 22 سبتمبر (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي يخاطب الجمعية العامة للأمم المتّحدة يوم 22 سبتمبر (أ.ف.ب)

دافع الرئيس الأميركي دونالد ترمب بقوة عن الحرب مع إيران، مخيراً نظامها بين التوصل إلى صفقة لتجريدها من قدراتها على صنع سلاح نووي، مخيراً نظامها بين التوصل إلى صفقة تنهي برنامجها النووي و«تنمرها» في الشرق الأوسط، أو التعرض لـ«الدمار الشامل»، مشيداً بما عدَّه «تقدماً» نحو السلام مع بناء «نظام عالمي يتماشى» أكثر فأكثر مع مصالح «أميركا أولاً».

وفي الخطاب السادس من نوعه كرئيس على المنصة الرخامية الخضراء للجمعية العامة، في دورتها السنوية الحادية والثمانين، تحدث الرئيس ترمب عن الذكرى السنوية الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة، معلناً عودتها القوية، وواصفاً إياها بأنها مهيمنة اقتصادياً وعسكرياً وتكنولوجياً. كما سلّط ترمب الضوء على التخفيضات الضريبية وإلغاء القيود، قائلاً إنها أسهمت في جذب استثمارات غير مسبوقة إلى بلاده. وأكد أن الحدود الأميركية - المكسيكية أصبحت الأكثر أماناً في التاريخ الأميركي.

الرئيس الأميركي يخاطب الجمعية العامة للأمم المتّحدة يوم 22 سبتمبر (أ.ب)

وفي ما يتعلق بالسياسة الخارجية، قدم ترمب إدارته على أنها إدارة فاعلة لا تكتفي بالتفاوض، وقال: «بينما اكتفى الآخرون بالكلام، بادرت أنا بالعمل» لمواجهة التهديدات واستخدام القوة لحل النزاعات الدولية طويلة الأمد.

وإذ وصف إيران بأنها «الراعي الرئيسي للإرهاب في العالم»، اتهم النظام الإيراني بعقود من العنف في كل أنحاء الشرق الأوسط، مضيفاً أنه «على مدى 51 عاماً، حكم النظام الإيراني المتعصب بالدماء والقتل الجماعي، ناشراً الموت والدمار والفوضى في كل أنحاء الشرق الأوسط وخارجه». وكرر: «لن أسمح أبداً لإيران بامتلاك سلاح نووي».

ووفقاً لترمب، سعت إدارته أولاً إلى التفاوض مع إيران، عارضة «تعاوناً اقتصادياً كاملاً» مقابل إنهاء برنامجها النووي ودعمها للإرهاب. ولكن إيران رفضت هذا المقترح. وإذ أشار إلى الضربات العسكرية الأميركية على المنشآت النووية والعسكرية الإيرانية، ذكر بأن تصرفات إيران هدّدت أيضاً الملاحة الدولية، لا سيما في مضيق هرمز وحوله.

لكن ترمب وضع إيران أمام ما وصفه بخيار مصيري. وتساءل: «هل سيتم التوصل إلى اتفاق مع إيران يسمح لها بإعادة البناء وإنشاء دولة أعظم كثيراً مما كانت عليه من قبل، ربما واحدة من أعظم دول الشرق الأوسط أو حتى العالم؟». وأضاف: «أم أنني سأمحو إيران، وبسرعة؟». ورغم هذا التهديد، عبر ترمب عن اعتقاده «أننا سنتوصل إلى اتفاق فور انتهاء الانتخابات، لأنه من غير المنطقي ألا يفعلوا ذلك».

الذخائر الأميركية

سعى ترمب إلى تبديد المخاوف بشأن المخزونات العسكرية الأميركية. وقال: «يرغب الجبناء والخونة في ادعاء أن الولايات المتحدة تعاني نقصاً في الذخائر، لكن هذا غير صحيح. لدينا من الذخائر ما يفوق حاجتنا بكثير». وكشف أنه يجري بناء 18 مصنعاً جديداً للذخائر، ودعا كل الدول إلى «الانضمام إلينا في فرض العزل الاقتصادي الكامل على إيران»، مطالباً طهران بوقف هجماتها على السفن التجارية، والتخلي عن طموحاتها النووية، وإنهاء دعمها للإرهاب.

وتحدث ترمب عن غزة أيضاً، مقدماً جهود إدارته هناك كمثال آخر على نهجه في التعامل مع النزاعات الدولية. وقال: «قبل عام، عندما خاطبت القادة العظام في هذه القاعة، كانت الحرب في غزة لا تزال مستعرة بوحشية. وكان الرهائن لا يزالون محاصرين في أنفاق (حماس)، ولم تكن هناك نهاية تلوح في الأفق». وأضاف: «لقد أنهينا الحرب في غزة، وأنقذنا آلاف الأرواح. كما أعدنا جميع الرهائن المتبقين، الأحياء منهم والأموات، جميعهم بلا استثناء». وأشاد أيضاً بموافقة مجلس الأمن على ما «خطة السلام لغزة»، وقال إن نحو 30 دولة انضمت إلى «مجلس السلام».

«سقوط» كوبا

وفي إطار حديثه عن سياسة بلاده الخارجية، قال الرئيس الأميركي إن كوبا الخاضعة لحصار أميركي «ستسقط»، مؤكداً رغبة إدارته في رؤية «تغيير جذري» في الجزيرة ذات الحكم الشيوعي. وقال ترمب إن «النظام الشيوعي يتعرّض لضغوط قوية، هي الأقوى التي عرفها على الإطلاق (...) سيسقط». وأضاف أن «الحرية ستصل إلى كوبا»، مشيراً إلى أن واشنطن تجري مفاوضات مع هافانا.

ورد وزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيز بغضب على تصريحات الرئيس الأميركي، ووصف كلامه بأنه «أكاذيب». وكتب رودريغيز، الذي غادر وفد بلاده القاعة خلال خطاب الرئيس الأميركي، إن «حكومة الولايات المتحدة غير قادرة على القبول بأن كوبا دولة مستقلة ذات سيادة كاملة ولها الحق في ذلك»، مضيفاً: «أي من الأكاذيب التي أطلقها الرئيس الأميركي أمام الأمم المتحدة لن يخفي هذه الحقيقة».

غادر الوفد الكوبي قاعة الجمعية العامة خلال خطاب الرئيس الأميركي يوم 22 سبتمبر (أ.ف.ب)

وكانت رسالة ترمب الأوسع نطاقاً إلى الأمم المتحدة واضحة لا لبس فيها: أكد أن القوة الأميركية تقود عهداً جديداً من الدبلوماسية والأمن. وكرر ترمب انتقاداته اللاذعة للأمم المتحدة، مشيراً إلى جهود إدارته لمنعها من «التعدي» على السيادة الأميركية أو الترويج لما يعده «أجندة يسارية».

إضافة إلى ذلك، عبر ترمب عن استيائه الشديد من استمرار الحرب الروسية - الأوكرانية، في نزاع توقع خلال حملته الانتخابية عام 2024 تسويته في اليوم الأول من ولايته الثانية. ولم يخف أن صبره ينفد من استهداف القوات الأوكرانية لمصافي الديزل الروسية، في قضية زادت من تقلبات أسواق النفط بسبب اعتداءات «الحرس الإيراني» ضد السفن التجارية وناقلات النفط في مضيق هرمز، وكذلك تهديدات جماعة الحوثي عند مضيق باب المندب، بالإضافة إلى استهداف روسيا لشبكة الطاقة الأوكرانية.

في سياق متّصل، رفض الرئيس الأميركي بشدة الدعوات المطالبة بإشراف دولي على الذكاء الاصطناعي، ووصفها بأنها «مشروع عالمي» للسيطرة على التكنولوجيا الجديدة. وأعلن في كلمته أن الحكومة الأميركية ستستخدم من الآن فصاعداً مصطلح «الذكاء الفائق» بدلاً من «الذكاء الاصطناعي» في البيانات الصادرة عنها، على أمل أن يحذو العالم حذوها.

مغادرة الجنائية الدولية

دعا الرئيس الأميركي كل الدول إلى الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية، واصفاً إياها بأنّها «خارجة عن السيطرة». وقال ترمب في كلمته إنّ «الولايات المتحدة تعارض المؤسسة الخارجة عن السيطرة المعروفة باسم المحكمة الجنائية الدولية»، داعياً «كل الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية إلى الانسحاب من هذه المؤسسة المارقة على الفور». وتشنّ الولايات المتحدة حملة شرسة ضد المحكمة الجنائية الدولية، وفرضت في الآونة الأخيرة سلسلة من العقوبات على مسؤولين فيها، من بينهم رئيستها والمدعي العام الحالي، على خلفية إصدار الهيئة القضائية في لاهاي مذكرة توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بسبب الحرب في قطاع غزة. وتوعد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بتفكيك المحكمة، ورأى أنها تشكّل «تهديداً» للسيادة الأميركية. وأُنشئت المحكمة الجنائية الدولية عام 1998، وبدأت عملها في 2002، وهي هيئة قضائية جنائية دولية دائمة مُكلَّفة بمحاكمة الأشخاص المتهمين بأخطر الجرائم، مثل الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجريمة العدوان، وجرائم الحرب.

«شلل مجلس الأمن»

وأتى خطاب ترمب للأمم المتحدة في وقت بات فيه نهجه في السياسة الخارجية، ولا سيما قراره شن حرب على إيران، يعوق آمال حزبه الجمهوري في الاحتفاظ بالسيطرة على مجلسي النواب والشيوخ في الانتخابات النصفية للكونغرس بعد 40 يوماً فحسب.

وبالإضافة إلى خطاب الرئيس ترمب، انشغل زعماء العالم في البحث عن طرق لإيجاد مخرج مما سماه دبلوماسيون «لحظة عصيبة يمر بها العالم»، بما في ذلك بسبب الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، والتي أدت إلى اهتزاز الاقتصاد العالمي، بالإضافة إلى ازدياد القلق في شأن تداعيات الذكاء الاصطناعي، فضلاً عن التساؤلات في شأن مستقبل الأمم المتحدة نفسها في ظل تقليص الرئيس ترمب للدعم المالي الأميركي لها.

غوتيريش يلقي كلمته الأخيرة أمام الجمعية العامة قبل انتهاء ولايته كأمين عام للأمم المتّحدة يوم 22 سبتمبر (أ.ف.ب)

وسبق ترمب إلى المنصة الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الذي رأى أن العالم «رهينة» شِلل مجلس الأمن، الأداة الأقوى على الإطلاق في منظومة الأمم المتحدة. وقال: «نحن جميعاً رهائن لتقاعس مجلس الأمن عن أداء دوره».

وفي خطاب هو الأخير له كأمين عام أمام الجمعية العامة، قال أنطونيو غوتيريش، الذي تنتهي ولايته بعد 100 يوم فقط، لمئات من قادة العالم المجتمعين تحت قبة المنظمة الدولية إن أزمات العقد الماضي ما هي إلا «فصول من قصة واحدة، قصة القوة». وأضاف: «تتسع الصدوع في عالمنا، وتتحول الشقوق إلى أودية سحيقة»، مشيراً إلى الحروب التي «تستمر بوحشية شنيعة».

ولفت غوتيريش إلى أن القوة تنتقل في 3 اتجاهات: بين الدول، من الحكومات إلى «حفنة من الشركات الخاصة والأفراد»، ومن البشر إلى الآلات «مع خروج أنظمة الذكاء الاصطناعي عن السيطرة». ورأى أن الاستقرار الحقيقي يتطلب من القوى العظمى أن تدرك أن «قوتها ليست بتلك العظمة».

وفي ما يتعلق بالشرق الأوسط، قال غوتيريش إن غزة شهدت «مستوى من القتل والدمار لم أشهد مثله من قبل»، محذراً من أن التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية «ينذر بخطر التطهير العرقي». ووصف غزو روسيا لأوكرانيا بأنه «انتهاك صارخ لميثاق» المنظمة الدولية. وقال إن السودان «يمزَّق إرباً بينما يغض العالم الطرف».

وإذ كرر تحذيراته في ما يتعلق بتغير المناخ، نبه من «القدرة من دون رقابة» على الذكاء الاصطناعي الخارق، مشدداً على أن «الروبوتات القاتلة يجب ألا يكون لها مكان في مستقبلنا».

ورأى رئيس الدورة الحالية للجمعية العامة خليل الرحمن أن الاختبار الأساسي للأمم المتحدة اليوم ليس البقاء، بل الأداء. وقال: «خارج هذه الجدران، لا يسأل الناس عما إذا كانت الأمم المتحدة لا تزال موجودة، بل عما إذا كانت تعمل». ودعا إلى إصلاحات على 3 محاور: الشفافية في شأن الإخفاقات، وتغيير هيكلي أعمق يتجاوز مبادرة الأمم المتحدة لعام 1980، وزيادة مشاركة قطاع الأعمال والمجتمع المدني.

مبادرة السلام العربية

وألقى الملك عبد الله الثاني بن الحسين خطاباً دعا فيه إلى الانتباه للأوضاع الجيوسياسية في المنطقة والعام. وقال إن «انتباهنا أصبح مورداً نادراً، وأصبح اختيار ما نمنحه انتباهنا أكثر أهمية من أي وقت مضى».

وخصّص جزءاً كبيراً من خطابه لغزة والضفة الغربية، محذراً من أن «أصبح المؤقت دائماً، وأصبح الدائم نهجاً»، موضحاً أنه «في أول 300 يوم مما سمي بوقف إطلاق النار، استشهد ما لا يقل عن 300 طفل فلسطيني». وإذ أشاد بجهود الرئيس ترمب لتحقيق السلام، اتهم الحكومة الإسرائيلية بمواصلة «تجاهل الاتفاق».

جانب من كلمة ملك الأردن أمام الجمعية العامة يوم 22 سبتمبر (أ.ف.ب)

ووصف ما يجري في الضفة الغربية بأنه «تحول جذري»، مُنبّهاً إلى أن «هدم منازل الفلسطينيين لتوسيع المستوطنات غير القانونية ليس تنفيذا للقانون، بل هو ترحيل قسري»، يرقى إلى «جريمة حرب».

كما رفض العاهل الأردني «أوهام» حلّ الصراع، مؤكداً أن ما يحصل في غزة والضفة الغربية «وجهان لنفس الاستراتيجية الإسرائيلية»، وأن مبادرة السلام العربية لعام 2002 ظلّت قائمة «لأكثر من 20 عاماً»، وأن «العقبة لم تكن يوماً غياب شريك من أجل تحقيق السلام، بل عدم وجود حكومة إسرائيلية مستعدة لقبوله».

كما حذر الملك عبد الله الثاني من امتداد الأطماع الإسرائيلية إلى سوريا، مؤكداً أن «أي تهديد لحدودنا الشمالية أو أمننا المائي هو تهديد لأمننا القومي».

وشدّد على أن «القوة العسكرية لا تطعم الجياع، ولا تضمن عودة المهجرين، ولا تبني السلام».