قصة رامي مخلوف من الصعود إلى السيطرة... والاختبار

خبراء سوريون يقارنون ظهوره بقصة رفعت الأسد في الثمانينات

مكتب تابع لشركة «سيريتل» في سوريا (رويترز)
مكتب تابع لشركة «سيريتل» في سوريا (رويترز)
TT

قصة رامي مخلوف من الصعود إلى السيطرة... والاختبار

مكتب تابع لشركة «سيريتل» في سوريا (رويترز)
مكتب تابع لشركة «سيريتل» في سوريا (رويترز)

تحمل الإطلالة التلفزيونية لرامي مخلوف، ابن خال الرئيس السوري بشار الأسد، الكثير من الرمزية المبطنة، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، من حيث الشكل والمضمون والتوقيت... والسياق التاريخي القريب والبعيد.
الظهور في تسجيلين مدتهما 25 دقيقة، لا يحيد عن سياق الدور المعلن والمضمر خلال 25 سنة. قاعدة الانطلاق كانت أنه ابن محمد مخلوف «أبو رامي»، شقيق أنيسة زوجة الرئيس الراحل حافظ الأسد. ثم، دخل في مرحلة «المهندس رامي» بعد تخرجه في الجامعة. أما الصعود الاقتصادي، فبدأ نهاية التسعينات. وخلال العقد الماضي، عُرف بـ«الاستاذ رامي». كان رجل الظل والصفقات الكبرى. لم يكن مغرماً بالشاشة والواجهات العلنية.
ما الذي استدعى أن يغيّر رامي طقوسه ليطلّ تلفزيونياً «نصيراً للفقراء» ويناشد «سيادة الرئيس» التدخل لإنصاف «الذين كانوا موالين... وما زالوا»، منتقداً «الآخرين»؟

- الصعود
كان لمحمد مخلوف، شقيق أنيسة زوجة الرئيس الراحل حافظ الأسد، دور محوري غير مرئي في الاقتصاد السوري. انطلق من «مؤسسة التبغ - ريجي» الحكومية ليتجذر في رعاية صفقات اقتصادية كبرى خصوصاً في قطاع النفط من الإنتاج والتصدير في منتصف الثمانينات. كان «العرّاب الخفي» للاقتصاد وغيره، فيما ركز الأسد على البعدين العسكري والسياسي الأمني في بنية النظام.
مع التغير البيولوجي - الجيلي في الأسرة والنخبة الحاكمة، انتقل دور الجيل الجديد لأبناء المسؤولين من «الشراكات» في الشركات إلى قيادة قطاع الأعمال الخاص في النصف الثاني. كان أبرزهم «المهندس رامي»، فبدأ في «راماك» المختصة في «السوق الحرة» على البوابات الحدودية البرية والجوية.
بالتزامن مع وفاة الرئيس الأسد وانتقال الحكم إلى الرئيس بشار الأسد، اتجه رامي إلى قطاع الاتصالات الواعد. وبعد مفاوضات ومحاكمات واختبارات، حازت «سيريتل» وشركة أخرى منافسة هي «إم تي إن» من الحكومة السورية، على ترخيص «بي أو تي» في 2001، وباتت الشركتان تحتكران قطاع الاتصالات وعائداته. وقتذاك، تعرض باحثون ونواب سابقون، بينهم رياض سيف، لضغوط يعتقد معارضون أنها بسبب إثارة هذا العقد والاقتراب من «الخط الأحمر». كان عقد «سيريتل»، القاعدة التي اتسعت منها مجالات عمل واهتمام شركات مخلوف، لتشمل معظم قطاعات النفط والمال والمصارف والسياحة والتجارة، في مواكبة لمرحلة الانفتاح الاقتصادي الانتقائي في البلاد في بداية الألفية. الانفتاح، الذي يعتقد خبراء أنه ضَيّق حجم الطبقة الوسطى وركّز الثروة لدى عدد قليل وخصوصاً شركات مخلوف، كأنه أكل من القاعدة الشعبية التقليدية للنظام وأربك «العقد الاجتماعي» القائم خلال ثلاثة عقود من حكم الرئيس الأسد. ويذهب بعضهم إلى اعتبار هذا سبباً رئيسياً في احتجاجات 2011.

- أول اختبار
أطلق عليه منافسوه ومعارضون سياسيون «الوكيل الحصري لسوريا». حسده من أراد «حصة في الكعكة». انتقده من أراد طريقاً آخر للبلاد، سياسياً واقتصادياً. وكان أبرز المعارضين للمفاوضات التي كانت تجريها الحكومة مع الاتحاد الأوروبي لتوقيع «اتفاق شراكة» تضع قيوداً لمنع «الاحتكار الاقتصادي». تراكمت انتقادات وملاحظات وتحذيرات إزاء اتساع دوره، من قطاعات عائلية وطبقية وسياسية واقتصادية، فكان أول اختبار يحصل معه. وفي 2004 غادر إلى الإمارات وبقي هناك بضعة أشهر. وقال مسؤول اقتصادي سابق: «تلك السنة كانت الأفضل على صعيد تدفق الاستثمارات الخارجية إلى سوريا».
رامي قابل الاختبار بالصمت. حاول الاستثمار في الإمارات من دون ضجة. حصلت موجة أخرى من الضغوط الاقتصادية ودخلت سوريا في عزلة بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، في 2005. توفرت شروط، داخلية وخارجية، استدعت عودته إلى البلاد وتوسيع دوره الاقتصادي. الهدف، كان نسخ «التجربة اللبنانية» في سوريا بما فيها المصارف التي كانت رئة الاقتصاد السوري. وبرز مصطلح «بيرتة (بيروت) دمشق». أي، لدى خروج الجيش من لبنان، سعى البعض إلى صنع «لبنان سوريا» في سوريا لتعويض ما فقد جراء الانسحاب خصوصاً في القطاع الاقتصادي - المالي. أسس رامي مع «شركاء» آخرين شركة «شام القابضة» في 2006 للإشراف على إدارة التوسع الهائل للدور الاقتصادي. ويوضح المسؤول: «كان مخلوف يسيطر على نحو 7% من الناتج المحلي الإجمالي الذي كان نحو 62 مليار دولار أميركي. لكنّ دوره في القرار الاقتصادي كان أكبر من هذه النسبة بكثير».

- «اعتزال الغرام»
لدى اندلاع الاحتجاجات في 2011، ظهرت لافتات وشعارات ضد دور رامي، الاقتصادي وشركة «سيريتل»، ومطالبات للرئيس الأسد بتقييد ذلك أو محاسبته. ترددت روايات عدة من معارضين أو منشقين، حول دور بيت مخلوف في اختيار النظام «الحل الأمني» وخطاب الرئيس الأسد في نهاية مارس (آذار) من ذلك العام، فيما تحدث مسؤولون أن الاحتجاجات كانت منذ البداية «جزءاً من مؤامرة خارجية».
كانت هناك لقاءات غير علنية لمخلوف مع مسؤولين غربيين، منهم السفير الأميركي الأسبق روبرت فورد، وسفراء أوروبيون بينهم الفرنسي إريك شوفاليه. كان رامي ووالده قد استضافا جون كيري عندما كان رئيس لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس. وفجأة، في منتصف ذاك العام وعلى غير عادته، كانت لرامي إطلالتان: الأولى، في مقابلة مع الصحافي الراحل أنطوني شديد في «نيويورك تايمز»، قال فيها: «لن يكون هناك استقرار في إسرائيل إذا لم يكن هناك استقرار في سوريا»، أي ربط أمن إسرائيل باستقرار سوريا. الأخرى، إعلانه «اعتزال الغرام» والتنازل عن ممتلكاته لـ«أعمال خيرية»، في إطار استيعاب الاحتجاجات السلمية بعد تسميته في المظاهرات. لكن نشطاء ومعارضين تحدثوا عن استمرار دوره ومساهمته في دعم قوات الحكومة عبر وسائل عدة، بينها «جمعية البستان» برئاسة سامر درويش وتنظيمات قاتلت إلى جانب قوات الحكومة.

- الأخ الأصغر
لعب الشقيق الأصغر لرامي، العقيد حافظ مخلوف رئيس فرع أمن دمشق التابع لإدارة المخابرات العامة، دوراً محورياً في مواجهة الاحتجاجات والاعتقالات وترجيح «الخيار الأمني». هناك من اعتقد أنه كان من «الحلقة الضيقة» وأنه دفع مرات عدة ضد وجهات نظر مسؤولين في النظام، كانت تقترح حلاً سياسياً للأزمة. وفي 2014، أُعفي العقيد حافظ من منصبه. غادر بعد ذلك إلى روسيا لفترة ثم عاد «بعد سماح» إلى دمشق، لكنه بقي هو ووالده محمد يقضيان وقتاً واسعاً بين موسكو وكييف بفضل علاقات أمنية وسياسية واقتصادية مع متنفذين في روسيا. هناك من يعتقد بوجود صلة مع يفغيني بريغوزين المعروف بـ«طباخ بوتين»، المعروف بتأسيس مجموعة «فاغنر» التي قاتل عناصرها في أماكن الصراع والتدخل الروسي لتجنب انخراط الجيش مباشرة وتكرار تجربة أفغانستان. لم تُعرف الأسباب الحقيقية للانزعاج من حافظ مخلوف وعزله. تحدث معارضون عن سعيه للعب دور سياسي ما في دمشق بتنسيق مع أطراف روسية وقبول قوى غربية، ضمن «محاصصة طائفية» برعاية خارجية تتضمن توسيع صلاحيات رئيس الوزراء السُّني وتقليص صلاحيات الرئيس العلوي.

- لاعبون جدد
في 2015، نقل رامي مخلوف ترخيص «سيريتل» من «بي أو تي» إلى رخصة بالتعاقد مع «الهيئة العامة للاتصالات» الحكومية. ونقل موقع «روسيا اليوم» قبل أيام عن باحثة اقتصادية سورية أن تعديل صيغة العقود المبرمة مع شركتي الهاتف النقال في البلاد «فوّتت على الخزينة أكثر من 338 مليار ليرة (نحو 482 مليون دولار)».
وبين عامي 2015 و2020، ظهرت عوامل جديدة. من جهة، واصل مخلوف دوره الاقتصادي الخلفي ودعمه لـ«جمعية البستان» بتوفير رواتب مساعدات لمصابين في الحرب وأسر عائلات في الجيش والأمن وفقراء في الساحل السوري و«أحزمة الفقر» حول دمشق والمدن الأخرى التي تضم عائلات موظفي مؤسسات الدولة من جيش وأمن وغيرها وتقديم امتيازات مالية لرجال متنفذين، إضافة إلى تمويل تنظيمات عسكرية قاتلت إلى جانب قوات الحكومة. كما واصل دعمه لـ«الحزب السوري القومي الاجتماعي» الذي بات ممثلاً في الحكومة.
في الوقت نفسه، بدأ بروز دور لرجال أعمال جدد خصوصاً من لبّوا الحاجات الجديدة للنظام مع تراجع الدور المرئي لمخلوف. كان بين الصاعدين مجموعة قاطرجي ووسيم قطان وسامر الفوز الذي اشترى حصص فندق «فورسيزونز» من مخلوف وآخرين. وتركزت أعمال هؤلاء في استيراد مواد غذائية ومشتقات نفطية بتسهيلات إيرانية، وصفقات نقل النفط من مناطق سيطرة حلفاء أميركا شرق سوريا ومناطق الحكومة. كما برز دور رجال أعمال شباب، بينهم محيي الدين مهند دباغ ويسار إبراهيم، في عقود لعل أبرزها واحد لتشغيل الهاتف النقال في سوريا مع شركة إيرانية تابعة لـ«الحرس الثوري»، وعقد آخر يتعلق بـ«البطاقة الذكية» التي تضبط مشتريات المواطنين.
عندما تحدث رامي في إطلالته التلفزيونية الثانية عن «الآخرين»، ربما كان يشير إلى هؤلاء. وأمام بروز «أمراء الحرب»، أدرج الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة مخلوف والفوز وآخرين على قائمة العقوبات. وبعد غياب عن الضوء لسنوات، عاد مخلوف لعقد اجتماعات شركة «شام القابضة» في العام الماضي.

- تفكيك شبكات
في أغسطس (آب) الماضي، اتخذ الرئيس الأسد إجراءات صارمة ضد شبكات مخلوف وشركاته. شمل ذلك، «جمعية البستان» وحل جناحها العسكري، حيث كانت تعطي المقاتل راتباً يصل إلى 350 دولاراً، ما يعني أضعاف راتب الجندي النظامي. وقيل وقتذاك، إن «جمعية البستان» تستطيع الاستمرار في «العمل الخيري»، فيما أعلنت «الجمعية» أنها «كانت وما زالت وستبقى جزءاً من الشعب، في تقديم يد العون لكل محتاج ومريض، رديفةً للجهات الحكومية. فالجمعية نهضت بدعم ورعاية قائد الوطن السيد الرئيس، واشتد عودها فمدّت يد العون للآلاف من الأحبة وساعدتهم في محنهم».
إجراءات التفكيك، شملت الذراع السياسية. تبلغ عناصر في «الحزب السوري القومي الاجتماعي» تعليمات بفقدان مميزات كانت قد مُنحت لهم في الفترة الأخيرة، بسبب الدور البارز لآل مخلوف المعروف تاريخياً بتأييده أفكار الحزب ما أسهم في تمدده في مفاصل رئيسية وتكوين ميليشيات قاتلت إلى جانب قوات الحكومة، ذلك بعدما كان الحزب شبه محظور في السنوات السابقة، بسبب معارضة «البعث» الحاكم. وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أصدرت محكمة الاستئناف قراراً بحل «الحزب السوري - جناح الأمانة»، الذي كان قد أسسه رامي في 2011، وخاض انتخابات مجلس الشعب في 2012 بدعم من «جمعية البستان» وحصل على مقاعد في البرلمان.
في نهاية العام الماضي، أمام تراجع سعر الصرف جرى توجيه انتقادات إلى رامي لـ«عدم المساهمة في وقف التدهور» وسط اتهاماته له بتصريف مبالغ طائلة من عائدات «سيريتل» وغيرها في لبنان يومياً. طلب «المصرف المركزي» من رجال الأعمال تقديم دعم لإنقاذ الليرة، لكن المبالغ المحصلة كانت قليلة جداً لم تصل إلى طموح «التوجيه» بجمع نصف مليار دولار. فاستمر انخفاض سعر الصرف وزاد الانهيار بسبب العقوبات والأزمة المالية في لبنان.
عادت حملة مكافحة الفساد وملاحقة رجال أعمال. وتم فتح ملفات ضد رجال أعمال ومسؤولين سابقين وحاليين. وتحدّث الرئيس الأسد في مقابلة مع التلفزيون الرسمي في نهاية أكتوبر عن مكافحة الفساد في المؤسسات الرسمية والقطاع الخاص. وقال: «في القطاع الخاص، طلب من كل من هدر أموال الدولة أن يعيد الأموال (...) نريد أموال الدولة أولاً قبل أن نلاحق ونحوّل إلى القضاء». وفي 23 ديسمبر (كانون الأول)، صدرت سلسلة قرارات بالحجز الاحتياطي على الأموال المنقولة وغير المنقولة لعدد من كبار رجال الأعمال بينهم مخلوف وزوجته وشركاته. ووجهت لهم تهم التهرّب الضريبي والحصول على أرباح غير قانونية خلال سنوات الحرب. وأصدرت مديرية الجمارك قراراً بالحجز الاحتياطي على أموال مخلوف. وفي بداية العام، فتحت ملفات تتعلق بالفساد في شركة للنقل الجوي. وفي 17 مارس 2020 أصدرت وزارة المال قراراً بتجميد أمواله بسبب علاقته بشركة مختصة بالنفط.

- «رسائل فاغنر»
هبّت في منتصف أبريل (نيسان) رياح إعلامية قاسية من موسكو، حيث لكل كلمة معنى، على دمشق والرئيس الأسد. تضمنت مقالات واستبيان رأي جاءت من طرف مؤسسات تابعة لـ«مجموعة فاغنر» الذي يملك مقاتلين واستثمارات في سوريا ومعروف قربه من الرئيس فلاديمير بوتين، وجرى «تطعيمها» لاحقاً بمقالات حادة في صحيفة «برافدا» وعلى مواقع فكرية رصينة. الحملة جاءت بعد زيارة خاطفة لوزير الدفاع سيرغي شويغو، تضمنت نقل «رسائل قاسية» من الرئيس بوتين، تتعلق بضرورة التزام دمشق بالاتفاقات العسكرية الموقعة بين بوتين ورجب طيب إردوغان حول إدلب وألا تستجيب دمشق لتشجيع من دول عربية على فتح معركة مع الأتراك وفصائل موالية لهم في شمال غربي سوريا.
كما جاءت الحملة وسط انتقادات روسية لعدم التزام دمشق بالتفاهمات الروسية - الإسرائيلية - الأميركية، ورغبة موسكو بتقييد دور إيران في سوريا وتحديد ملامحه وسط استمرار الغارات الإسرائيلية وانتقال تل أبيب من «مرحلة احتواء إيران إلى إخراجها من سوريا». كما سربت وسائل إعلام روسية معلومات عن صراع اقتصادي في سوريا بين شركات روسية وأخرى تدعمها إيران واعتراض شركات روسية وتنظيمات بعضها تابع لـ«فاغنر»، بسبب عدم توفر عائدات مالية موازية للتدخل العسكري، خصوصاً في قطاعات حصص النفط والغاز والصفقات الاقتصادية.
وفي مقابل تمسك مواقع بحثية روسية وخبراء محسوبين على الخارجية ومؤسسات أخرى، بالحديث عن الأسد بوصفه «الرئيس الشرعي للبلاد وأسهم في الحفاظ على استقرار الدولة»، استمرت مراكز أخرى قريبة من «فاغنر» في توجيه انتقادات إلى الأسد.

- حملة وإطلالة
في منتصف أبريل، اتخذت الحملة على رامي بعداً جديداً. إذ إنه حصل حدث يتعلق بـشركة «ميلك مان» التابعة له، لدى إعلان السلطات المصرية أنها ضبطت شحنة حليب محملة على باخرة سورية متجهة إلى ليبيا وعلى متنها 4 أطنان من الحشيش المخدر. من جهته، أعلن رامي أنها «مؤامرة لتشويه السمعة». وكان لافتاً، عدم حصول تأثير على دور «سيريتل» الإعلاني خلال شهر رمضان وخدماتها التي تصل إلى نحو 11 مليون شخص.
وفي 27 أبريل الماضي، أعلنت «الهيئة الناظمة للاتصالات» مطالبة شركتي الهاتف النقال بدفع مبلغ 233 مليار ليرة سورية (منها 120 من «سيريتل») قبل 5 مايو (أيار) 2020. (334 مليون دولار بينها 178,5 مليون مطلوبة من شركة مخلوف).
في نهاية أبريل، أسس رامي صفحة على «فيسبوك» بهيئة جديدة، برزت فيها لحيته. بدايةً، أصدر بياناً خطياً تمسك فيه بـ«العمل الخيري» في «جمعية البستان» لمساعدة الفقراء. لكن في اليوم الثاني، رمى مفاجأة أخرى بأنه قام بخطوة غير متعارف عليها في دمشق ومن شخصيات نافذة، إذ إنه بث فيديو على صفحته في «فيسبوك»، ناشد فيه الأسد، التدخل لإنقاذ شركة الهاتف النقال.
وفي الفيديو، ومدته 15 دقيقة، قال: «لا نتهرّب من الضريبة ولا نتلاعب على البلد (...) ندفع ضرائبنا وندفع تقاسم العائدات» للحكومة. ورغم اعتباره أن «مطالب الدولة غير محقة» وأن «المبلغ ليس موجوداً تحت البلاطة»، توجّه إلى الأسد، قائلاً: «سألتزم بما وجهت به (...) أحترم أمرك وواجب عليّ أن أنفّذه. أرجوك ومن أجل استمرارية الشركة، ومن أجل استمرارية عملها ومن أجل المشتركين، لئلا تتأثر الخدمة من خلال قصّ المبلغ بطريقة مجحفة، أرجو أن تكون توجيهاتك وتعليماتك لجدولة (السداد) بطريقة مُرضية، بحيث لا تنهار الشركة مع هذا المبلغ». لكنه قال: «تعبت كثيراً من الطاقم الموجود الذي يضعني دائماً في دائرة الاتهام ويعتبرني أنا المخطئ وأنا السيئ».
في 1 مايو، ردت «الهيئة الناظمة للاتصالات» على رامي في بيان أصدرته في الساعة 11:30 ليلاً، قالت فيه إنها ترفض محاولات «التشويش» من رامي ومتمسكة بمطالبته بأن يسدد «مستحقات الدولة»، في وقت قامت أجهزة الأمن في اليوم التالي باعتقالات شخصيات مفتاحية في شركاته.

- «رسائل الحطب»
بعد ساعة من حملة اعتقالات انتقائية صباح الأحد، ظهر مخلوف ثانيةً في فيديو ثانٍ، تضمن خطوات دبلوماسية محسوبة بالشكل والمضمون. وإن كانت لغته الدينية ليست جديدة، فإنه كما في الفيديو الأول، حرص على الظهور كرجل عادي سواء من حيث اللباس أو تموضع الكاميرا والخلفية الخشبية وقطع الحطب. كما حرص على انتقاء كلماته بدقة لجهة مناشدة الرئيس الأسد ووصفه بأنه «صمام الأمان»، لكن مع تحذيرات مبطنة لدى حديثه عن «مرحلة مفصلية» تمر فيها البلاد وعن «آخرين» في البلاد، وأنه يدرك «حجم المخاطرة»، لكن «لن يتنازل» أمام «ظلم» أجهزة الأمن التي «رعاها ودعمها».
قال في الفيديو، ومدته عشر دقائق: «بدأت اليوم الضغوطات بطريقة غير مقبولة (...) وبدأت الأجهزة الأمنية تعتقل الموظفين الذين يعملون لديّ»، متسائلاً: «هل يتوقع أحد أن تأتي الأجهزة الأمنية على شركات رامي مخلوف، الذي كان أكبر داعم لهذه الأجهزة وأكبر راعٍ لها خلال الحرب؟». وأضاف رامي ويُعتقد أنه في يعفور قرب دمشق: «طُلب مني اليوم أن أبتعد عن الشركات وأن أنفذ تعليمات... وبدأت الضغوطات بسحب الموظفين والمديرين»، مشيراً إلى أنه تلقى تهديدات «إما أن تتنازل وإما أن نسجن كل جماعتك».
«رسائل الحطب» التي بعث بها، تضمنت التحدث باسم «الفقراء» و«الموالين» ضد «الآخرين». رد السلطات، كان بتوسيع دائرة الاعتقالات بما في ذلك مناطق الساحل. مالياً, ردة «هيئة الاتصالات» بالتمسك بسداد المبلغ.

- الحل... مالي أم سياسي؟
منذ ظهور رامي الثنائي، ظهرت سيناريوهات كثيرة في محاولة لتفسير ما حصل واستقرار الممكن. الواضح، هناك مستويان:
الأول، مالي، يتعلق بشركات مخلوف ومستحقات على «سيريتل» والإجراءات المتخذة ضد شبكاته بفعل المتغيرات في التوازنات الاقتصادية في دمشق. بالتالي، فإن حل هذا الملف، سيكون على أساس مالي، إما بتسوية ما وإما أن يسدد المستحقات ويسهم في تقديم كشف دعم كبير من أموال الخارج مع الاستمرار في تفكيك شبكاته. حصل هذا في السنوات السابقة مع رجال أعمال آخرين، وإن كان مخلوف في موقع مختلف تماماً. ويذهب بعض المحللين، إلى اعتبار حادثة رامي «مسرحية متفقاً عليها هدفها ترتيب البيت»... كأن شيئاً لم يكن.
الثاني، سياسي، سواء كان رامي «شُجع من أطراف خارجية» أن «أطرافاً خارجية تستغل رامي» لممارسة ضغوط على الأسد، أو أن رامي نفسه «ركب الموجة الروسية» في وقت تصل إلى دمشق رسائل ضغط من موسكو تخص أموراً مالية واقتصادية أكثر مما هي سياسية، خصوصاً أن والده وشقيقه هما في موسكو، ذات السلطة المركزية الدقيقة. هنا، قارن خبراء بين هذه الحادثة وقصص أخرى في العقود السابقة، صراع رفعت الأسد مع شقيقه الرئيس حافظ الأسد في الثمانينات الذي امتد عسكرياً واقتصادياً من دمشق إلى اللاذقية. وقتذاك، حرص رفعت على استعمال لغة اللباقة الدبلوماسية والأصول العسكرية في تعاطيه العلني مع شقيقه - الرئيس. حُسم الصراع برعاية سوفياتية ودعم أوروبي إقليمي. هناك من قارن «رسائل رامي» بمحاولات أخرى واغتيالات وانشقاقات جرت في السنوات الأخيرة و«انتهت بحسم من النظام لصالح الرئيس».
الرئيس الأسد، اختار إلى الآن التجاهل العلني لظهور رامي وترك الملف في الإطار الحكومي - الأمني - المالي. لم تكن صدفة إطلالته التلفزيونية لدى ترؤسه فريق التعاطي مع «كورونا» وإرساله إشارات غير مباشرة، محذراً من «كارثة حقيقية» تتجاوز إمكانيات سوريا في حال حصول ارتفاع كبير ومفاجئ بإصابات الوباء. وقال: «تسع سنوات من الحرب لا توازي إلا القليل من الأسابيع القليلة الماضية».
لموسكو، هذه المرة أيضاً، كلمة في دمشق. موسكو تغيرت. فالبعد المالي - الاقتصادي بات مهماً أكثر من الآيديولوجيا. ودمشق الراهنة، ليست ذاتها التي كانت في الثمانينات. شخصيات النظام تغيرت كثيراً، لكن بنيته لم تتغير في العمق. ظهرت مراكز تأثير في الأمن والجيش والاقتصاد و«أمراء الحرب»، لكن القرار لا يزال مركزياً.
سوريا أيضاً، ليست ذاتها. إيران موجودة في مناطق الحكومة، إلى جانب روسيا التي تتعرض لضغوط عسكرية وسياسية لتقييد - إخراج إيران. تركيا موجودة ومستقرة في منطقة نفوذها وفي توسع برضا روسي. أميركا، مقيمة في مناطق شرق الفرات حيث تضع مجموعة «فاغنر» عيونها على النفط والغاز والثروات التي فيها.
ربما، أعاد ظهور رامي، طرح الأسئلة وفتح باب البحث عن الإجابات في دمشق والعواصم الخارجية، المنخرطة في سوريا.



كيف دخلت طهران إلى الملف الفلسطيني؟

صورة نشرها موقع «نور نيوز» الإيراني للقاء سابق بين خامنئي والسنوار
صورة نشرها موقع «نور نيوز» الإيراني للقاء سابق بين خامنئي والسنوار
TT

كيف دخلت طهران إلى الملف الفلسطيني؟

صورة نشرها موقع «نور نيوز» الإيراني للقاء سابق بين خامنئي والسنوار
صورة نشرها موقع «نور نيوز» الإيراني للقاء سابق بين خامنئي والسنوار

تكفي قصة مثيرة لاستدراج الصحافي إلى البحث عن حاملها. ويزداد إلحاح البحث حين يكون الرجل حاملاً لقصتين مثيرتين. هذا ما حصل قبل سنوات طويلة. بدأت البحث عن أنيس النقاش. باكراً انتسب هذا الشاب اللبناني إلى «الكتيبة الطلابية» في حركة «فتح» وعمل لاحقاً تحت رعاية خليل الوزير «أبو جهاد» عضو اللجنة المركزية في الحركة.

شعرت بالفضول حين عرفت أن النقاش كان مساعد الفنزويلي الشهير كارلوس في عملية خطف وزراء «أوبك» في فيينا في 21 ديسمبر (كانون الأول) 1975. لم يسبق أن شهد العالم عملية من هذا النوع. تحول كارلوس نجماً عالمياً ما أثار غضب معلمه الذي أرسله في المهمة (وأقصد وديع حداد مسؤول «المجال الخارجي» في «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»). وراودني شعور أن التحدث إلى النقاش سيسهل أيضاً الوصول إلى كارلوس، وهذا ما حصل.

لم يكتف النقاش بدوره في عملية فيينا. حين اندلعت التظاهرات المعارضة في إيران في 1978 حصل من «أبو جهاد» على إذن بتدريب إيرانيين معارضين لنظام الشاه في مراكز أقامتها «فتح» في لبنان. سيذهب النقاش أبعد من ذلك. قال في الحوار الذي أجريته معه إن فكرة إنشاء «الحرس الثوري» ولدت في لقاء جمعه في شقة في بيروت بحفنة من الأشخاص، وأن الفكرة نقلت إلى قادة الثورة فتبنوها على قاعدة «عدم الوثوق بالجيوش النظامية».

بعد انتصار الثورة ذهب النقاش إلى طهران. ذات يوم وفي حلقة ضيقة ناقش المشاركون خطورة الدور الذي يمكن أن يلعبه شهبور بختيار آخر رئيس وزراء في عهد الشاه من منفاه. تحدث مشاركون عن احتمال لجوء جهات معادية للثورة إلى دعم بختيار لزعزعة النظام الجديد أو إطاحته. روى النقاش أن فكرة التخلص من بختيار طُرحت. وكشف أن محكمة كانت قضت بإعدامه وأن الخميني أقر حكم المحكمة من دون إعلان ذلك، ما جعل الحكم شبيها بفتوى تبيح القتل.

كان بختيار مقيماً في فرنسا ويحظى بحراسة وحماية. ولم تكن طهران في تلك الأيام استكملت إعداد فرق للعمليات الخارجية. يقول النقاش إنه تطوع للقيام بالمهمة مع فريق صغير. حصل النقاش على رقم مقر إقامة بختيار وزعم أنه صحافي يريد إجراء مقابلة وفوجئ بإعطائه موعداً. ذهب إلى العنوان وأجرى الحوار الصحافي واستطلع المكان ونقاط ضعف الحراسات.

رئيس الوزراء الإيراني الأسبق شابور بختيار يصل إلى وزارة الخارجية في باريس غداة محاولة اغتياله في 1980 (أ.ف.ب)

في 18 يوليو (تموز) 1980، توجه النقاش مع فريقه لاغتيال بختيار. حال الباب المصفح دون مقتل بختيار وأدت العملية إلى مقتل شرطيين وسيدة فرنسية وإصابة النقاش واعتقاله.

وفي عقد الثمانينات ستتداخل مطالبة إيران بالإفراج عن النقاش بإقدام «منظمات مجهولة» على خطف فرنسيين في لبنان بغرض مقايضتهم بالنقاش. وبعد عشر سنوات أمضاها في السجن ستبرم فرنسا صفقة يفرج بموجبها عن النقاش.

سألت النقاش يومها عمن كان يعرف في إيران بخطة الاغتيال، فأجاب: «أطلعت محسن رفيق دوست مسؤول الأركان الإداري في الحرس ومحسن رضائي عضو الأركان».

التداخل اللبناني - الفلسطيني - الإيراني سيظهر في حالات أخرى. فعماد مغنية المكنى «الحاج رضوان» الذي اتهم بالضلوع في هجمات ضد الإسرائيليين والأميركيين وجهات عربية مر لفترة في حراسة ياسر عرفات قبل أن ينتقل إلى «حزب الله»، صلب البرنامج الإيراني في لبنان والمنطقة. ويقول النقاش إنه تولى تدريب مغنية بناء على طلب الأخير.

كان النقاش يتحدث بانبهار وثقة عن المشروع الإيراني وكنت مهتماً بالاستماع إلى شهادة هذا الرجل. قال إن المنطقة ستشهد تغييرات كبرى وإن إيران الثورة تعتبر أن مسؤوليتها تبدأ بـ«تحرير الشرق الأوسط من الاحتلال الأميركي صريحاً كان أم مقنعاً». قال إن «قادة الحرس يعتقدون أن الخيط الأميركي هو الذي يضمن استقرار واستمرار كثير من أنظمة المنطقة، وأن قطع هذا الخيط سيغير ملامح المنطقة وتوازناتها».

سألته إن كان الجنرال قاسم سليماني من هؤلاء فأجاب بأنه في طليعتهم وهو يعمل على تقويض الحضور الأميركي في المنطقة. استوقفني قوله إن الثورة الإيرانية لم تخف رغبتها في طرد أميركا من إيران والمنطقة وإن «الرسالة الأولى كانت احتجاز الأميركيين في سفارة بلادهم في طهران. أما الرسالة الثانية فكانت تفجير مقر المارينز في بيروت، وساهم الحاج عماد (مغنية) في إيصال رسائل أخرى».

قال النقاش وقتها أيضاً إن برنامج الأنفاق والصواريخ والمسيّرات يرمي إلى «خفض القيمة الاستراتيجية لحلفاء أميركا في المنطقة بإظهار أن خرائطهم مهددة وأن التحالف مع أميركا لا يكفي لإنقاذها، بل هو السبب في تعرضها للأخطار». وأضاف: «إذا كانت إسرائيل حاملة طائرات أميركية فماذا يبقى من هيبتها حين يتبين أن كل شبر منها يمكن أن تصل إليه صواريخ محور المقاومة؟».

فلسطنيون في خان يونس أعلى مركبة عسكرية إسرائيلية تم الإستيلاء عليها ضمن عملية «طوفان الأقصى» (د.ب.أ)

وأشار إلى أن «شخصية حسن نصر الله أكسبته ثقة المرشد علي خامنئي وأعطته دور الشريك في رسم سياسات إيران حيال العرب، خصوصاً في الدول المتاخمة لفلسطين... نصر الله وسليماني هما الأقرب إلى قلب المرشد».

ولعل أهم ما سمعته من النقاش هو أن «الضربة الكبرى آتية مهما تأخرت. ستنهمر الصواريخ على إسرائيل من كل الجهات وسيندم عدد من الذين هاجروا إليها على قرارهم، وهذه الشكوك ستفتح الباب لنهاية هذا الكيان».

الكلام الذي سمعته من النقاش كان أكثر صراحة من الذي سمعته في مكاتب زعماء «الجهاد الإسلامي» و«حماس» و«حزب الله»، وإن كان يصب في الاتجاه نفسه. رمضان شلح الأمين العام لـ«الجهاد» كان واثقاً أن الضربة آتية، في حين كان خالد مشعل أكثر تحفظاً في الحديث عن الدور الإيراني. أما حسن نصر الله فلم يكن يشعر بالحاجة إلى إخفاء أن إيران هي مصدر تسليح «حزب الله» وتمويله وهي وسادته المضمونة.

إيران الثورة والهاجس الفلسطيني

كانت إيران الخميني تتطلع إلى الامساك بملفات عدة في المنطقة وكان الملف الفلسطيني هاجسها الأول.

لم يكن ياسر عرفات في وارد وضع القضية الفلسطينية في عهدة نظام الثورة الإيرانية. ولم يكن في وارد تسليم القرار الفلسطيني لأي قوة على وجه الأرض. من أجل إنقاذ استقلالية هذا القرار كان يحالف ويخاصم ويهاجر من عاصمة إلى أخرى هرباً من وطأة الذين يحاولون تحويل القضية الفلسطينية ورقة في مفاوضاتهم مع القوى الكبرى. معركته الطويلة مع الرئيس حافظ الأسد تندرج تحت هذا العنوان. وهو كان يردد: «فلسطين عندي قضية. أما عند الأسد فهي ورقة للاستخدام».

ياسر عرفات أول زائر رسمي لطهران بعد الثورة إلى جانب الخميني أمام حشد في جامعة طهران (غيتي)

لم يتأخر عرفات في إدراك أن الثورة الإيرانية تفتقر إلى «الواقعية والحسابات الدقيقة والكوابح»، على حد ما قال لبعض مساعديه. شعر أن أحلام بعض قادتها من قماشة الأوهام، خصوصاً لجهة إساءة تقدير قوة أميركا والاتحاد السوفياتي معاً. ولم يكن عرفات في وارد وضع «الثورة الفلسطينية» في عهدة «ثورة الخميني» لأنه شعر أن إيران الجديدة لن تتأخر في الاصطدام بجيرانها وبدول أبعد.

إطلالة عرفات من طهران بعد ستة أيام من انتصار ثورة الخميني كانت تاريخية، لكنها لن تدفع القائد الفلسطيني إلى مبايعة الخميني على غرار ما فعل آخرون. ابتعد عرفات عن التطابق. وحين احتجز الإيرانيون الأميركيين رهائن في سفارة بلادهم في طهران استكشف الزعيم الفلسطيني محاولات التوسط، لكن طهران لم توافق على دور له من هذا النوع. تماماً كما كان موقفها حين حاول التوسط بعد اندلاع الحرب مع العراق. ولهذا ستبحث إيران عن أصدقاء فلسطينيين آخرين وستقدم مساهمتها في تقويض سلطة عرفات.

لاحقاً كان المشهد أكبر من قدرة إيران الخمينية على الاحتمال. في 13 سبتمبر (أيلول) 1993 وقع اتفاق أوسلو وصافح ياسر عرفات رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين في حديقة البيت الأبيض وبرعاية الرئيس بيل كلينتون.

المصافحة التاريخية برعاية الرئيس الأميركي بيل كلينتون بين ياسر عرفات وإسحاق رابين بعد توقيع اتفاق «أوسلو» بواشنطن في سبتمبر 1993 (غيتي)

أطلق عرفات الزلزال الثاني وكان الرئيس أنور السادات أطلق الأول. كانت شرعية ياسر عرفات كاملة وصورته مرتبطة بالرصاصة الأولى التي أطلقتها «فتح» في منتصف الستينات معيدة إيقاظ القضية الفلسطينية.

شعرت إيران بتهديد جدي للجسر الذي كانت تراهن عليه لمخاطبة الشارع السني وتأليبه ضد «الشيطان الأكبر» وليس فقط ضد إسرائيل. ولهذا ضاعفت طهران رهانها على «الجهاد الإسلامي» و«حماس». افترقت حسابات عرفات عن حسابات أهل «الصمود والتصدي» وعن حسابات طهران أيضاً. بلغ الحقد على عرفات حد الرغبة العلنية في شطبه. كنت أحاور الأمين العام لـ«الجبهة الشعبية - القيادة العامة» أحمد جبريل في دمشق حين اتهم عرفات بالخيانة. سألته هل أرسلت أحداً لاغتياله فأجاب: «لا لكنني أفتح الإذاعة كل صباح آملاً أن تعلن ولادة إسلامبولي فلسطيني»، في إشارة إلى خالد الإسلامبولي الذي اغتال الرئيس المصري أنور السادات.

«عشت أكثر مما تصورت»

لم تستطع الثورة الإيرانية استدراج عرفات للإقامة تحت عباءتها لكنها لن تعدم فرصة العثور على حلفاء في وسط الإسلاميين الفلسطينيين. كان الدكتور فتحي الشقاقي الأمين العام لـ«الجهاد الإسلامي» في فلسطين أول من فتح النافذة. جاء جاهزاً إلى طهران التي احتاجت إلى جهود لإقناع «حماس» بالاندراج في برنامج الأنفاق والمسيّرات والصواريخ الذي هندسه قاسم سليماني.

كانوا حفنة طلاب في جامعة الزقازيق في مصر وكانوا يقيمون داخل تيار «الإخوان» أو على أطرافه. في 1978 راحت إيران تغلي بالتظاهرات والشعارات. تمنى أفراد المجموعة على الرجل الأبرز بينهم، أي الشقاقي، أن يعد عرضاً من عشر صفحات عن الثورة في إيران. استهوت المهمة الشقاقي فغاص في المراجع الإسلامية وتعاليم الخميني والفكر «الإخواني». عاد الشقاقي من بحثه باستنتاج قاطع مفاده أن الثورة في إيران ثورة إسلامية وليست شيعية. وهكذا بدلاً من ملخص من عشر صفحات طلبه رفاقه منه عاد الشقاقي بكتيب عنوانه «الخميني... الحل الإسلامي والبديل».

نزل الكتيب إلى الاسواق بعيد انتصار الثورة الإيرانية فاستدعى الأمن المصري الشقاقي وأدخله السجن. وسيدخل الشقاقي السجن المصري مرة أخرى، وفي 1981 سيغادر مصر سراً بعدما كان مطلوباً مجدداً. وسيعتقل الشقاقي هذه المرة في غزة في 1983 ومرة أخرى في 1986 قبل أن تبعده السلطات الإسرائيلية إلى خارج فلسطين في أول أغسطس (آب) 1988.

غاب عن بال أجهزة الأمن الإسرائيلية أن إبعاد الشقاقي من فلسطين سيمكنه من الذهاب أبعد في العلاقة مع إيران و«حزب الله» اللبناني. ولم تبخل طهران على الشقاقي بالاهتمام، فقد استقبله الخميني في 1988 وأبلغه التزاماً بدعم «الجهاد» تسليحاً وتمويلاً. وهكذا شكلت «الجهاد الإسلامي» أول اختراق إيراني فعلي للحالة الفلسطينية.

رئيس تحرير «الشرق الأوسط» غسان شربل خلال إحدى مقابلاته مع قائد «الجهاد الإسلامي» الراحل رمضان شلح في ديسمبر 2002 (الشرق الأوسط)

إثر مشهد عرفات ورابين حصل تواصل بين الشقاقي ورمضان عبد الله شلح الذي سيتولى قيادة التنظيم بعد مقتله. كان شلح في أميركا مرتدياً ثوب الأكاديمي وفهم من اتصال الشقاقي أن «الوقت قد حان». شرح لي العبارة بأنها تعبير عن قرار «بالذهاب أبعد في العمل الجهادي». وستدوي لاحقاً أصداء العمليات الانتحارية.

في 21 يناير (كانون الثاني) 1995 وجهت «الجهاد الإسلامي» بقيادة أمينها العام الشقاقي ضربة موجعة إلى إسرائيل. نفذت عملية انتحارية مزدوجة في بيت ليد قرب تل أبيب أسفرت عن مقتل 20 جندياً إسرائيلياً. ورداً على العملية تعهد رئيس الوزراء إسحق رابين بمعاقبة من يقف وراء العملية حتى وإن كان وراء الحدود. ولم يكن سراً أن رابين أمر باغتيال الشقاقي. بعد أيام فقط دخلت مكتب الشقاقي في شقة متواضعة في دمشق. سارع إلى القول: «أنا ما زلت شاباً ولم يحن وقتي بعد لسلسلة يتذكر. أمامنا الكثير من العمل».

سألت الشقاقي عن تهديدات رابين فأجاب: «على المستوى الشخصي لا تهمني هذه التهديدات. أنا اعتقدت بأنني عشت أكثر مما أتصور. دم الشهداء هو الذي ينجب المزيد من المقاتلين ويصعد المواجهة ضد الاحتلال. لذلك نحن لسنا قلقين من مثل هذه التهديدات. وأقول في النهاية ما قاله الإمام علي، كرم الله وجهه، حارس العمر الأجل».

سألت الشقاقي عن التمويل الإيراني للحركة فأجاب: «هناك مساعدة من أصدقاء من أكثر من جهة ولا داعي لتحديد الجهات». كررت السؤال فقال: «قبل نحو أربع سنوات أصدر مجلس الشورى الإيراني قراراً بنصرة الانتفاضة الفلسطينية وتقديم مساعدة إليها وإلى شهدائها».

استوقفتني عبارة «عشت أكثر مما تصورت»، ومثلها عبارة «حارس العمر الأجل». خالجني شعور أن الحوار الأول مع الشقاقي قد يكون الأخير. فإسرائيل لا تغفر لمن يستهدف جنودها ويد «الموساد» طويلة ورابين لن يفرط بصورته وأوسمته.

في 26 أكتوبر (تشرين الأول) 1995، سيتمكن رابين من تصفية حسابه مع الشقاقي. اصطاد «الموساد» الشقاقي في مالطا وخلال عودته من ليبيا التي دعته إلى مؤتمر وتمنت عليه تمديد إقامته. وقد سمعت لاحقاً من رمضان شلح أن الشقاقي اغتيل بسبب اختراق إسرائيلي للأجهزة الليبية أتاح لـ«الموساد» معرفة الاسم الذي يستخدمه، وهو إبراهيم الشاوش، الذي كان سراً مغلقاً بين الشقاقي وشلح.

«إذا عاش فسيكون خميني العرب»

في بيروت عرف الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله باغتيال الشقاقي فسارع إلى دمشق. التقى شلح «ونصحنا أن نختار أميناً عاماً كما فعل الحزب حين اغتالت إسرائيل أمينه العام عباس الموسوي وأن يعلن الاسم الجديد في بيان نعي الأمين العام السابق. وكانت حجة نصر الله المحافظة على معنويات بيئة المقاومة». لكن نصر الله «لم يتدخل في عملية الاختيار فهذه مسألة تخص (الجهاد)، وحلفاء الحركة يثقون بخياراتها».

حسن نصر الله إلى جانب علي خامنئي (مكتب المرشد الإيراني)

وروى شلح أن الشقاقي كان معجباً بنصر الله. يقول: «كنت في زيارة لبيروت في نهاية 1989، وكان الدكتور فتحي، رحمه الله، عائداً من احتفال لحزب الله خطب فيه نصر الله. كان الدكتور فتحي يتحدث عنه بانبهار شديد ولم يكن نصر الله يومها أميناً عاماً بل مسؤولاً في المقاومة. أبديت للشقاقي استغرابي لفرط إعجابه بنصر الله فقال وبحضور عدد من الإخوة إن هذا الرجل إذا قدر له أن يعيش فسيكون خميني العرب».

سألت شلح عن النموذج الذي استوحته الفصائل الفلسطينية حين بدأت تنفيذ عمليات انتحارية فأجاب أنها استوحت النموذج الذي بدأته المقاومة اللبنانية حين نفذ «أبو زينب» عملية تفجير مقر المارينز في بيروت.

«حماس» وطريق طهران

لكن رغم هذه الاختراقات في الملف الفلسطيني، لا مبالغة في القول إن النجاح الكبير الذي حققته إيران تمثل في اجتذابها حركة «حماس» إلى برنامجها الإقليمي مستفيدة من حاجة الحركة إلى التسليح والتمويل.

كانت إيران تبحث عن فرصة لبناء علاقة مع «حماس» وسترتكب إسرائيل خطأ يسهل مهمة طهران. في الشهر الأخير من عام 1992 وإثر قيام عناصر من «كتائب القسام» بخطف ضابط إسرائيلي وقتله، نفذت إسرائيل عملية إبعاد جماعي لناشطين فلسطينيين من غزة والضفة. شملت عملية الإبعاد نحو 415 شخصاً أكثريتهم الساحقة من «حماس» وبينهم أسماء ستتولى لاحقاً مناصب قيادية مثل عبد العزيز الرنتيسي وإسماعيل هنية.

رفضت السلطات اللبنانية بالتنسيق مع «حماس» استقبال المبعدين فأقاموا طويلاً في منطقة مرج الزهور الحدودية وحولوا خيامهم إلى أماكن للندوات والصلوات واستقبال المتضامنين.

مبعدو مرج الزهور بينهم إسماعيل هنية (المركز الوطني الفلسطيني للإعلام)

سارع «الحرس الثوري» الإيراني إلى التقاط الفرصة بالتعاون مع «حزب الله» وأمّن للمبعدين أغذية وأدوية وخياماً. وبعد بناء جسور التعارف تولى «الحرس» و«الحزب» تدريب عدد من المبعدين على صناعة المتفجرات والاتصالات الآمنة وتكتيكات قتالية.

في سبتمبر (أيلول) 1992 أعدت إيران استقبالاً لائقاً وعلى أرفع المستويات لوفد من المكتب السياسي لحركة «حماس» برئاسة موسى أبو مرزوق. رأى «الحرس الثوري» أن «حماس» تشكل فرصة لأن تمثيلها الشعبي أوسع بكثير من تمثيل «الجهاد». شابت العلاقة في البداية شكوك وحساسيات. لم تغب حساسيات سنية - شيعية عن ذهن أطراف في «حماس». وترددت «حماس» في البداية في قبول الدعم المالي خوفاً من أن يلزمها ذلك بالاندراج في البرنامج الإيراني الوافد من القاموس الشيعي. تراجعت الشكوك لاحقاً وانتظم الدعم الإيراني.

في 14 يونيو (حزيران) 2007 سيطرت «حماس» على قطاع غزة وطردت السلطة الفلسطينية منه. طرفان سيلتقطان الفرصة. إيران وتحديداً قائد «فيلق القدس» قاسم سليماني و«حزب الله» اللبناني بقيادة حسن نصر الله. استقلال غزة عن «سلطة أوسلو» فرصة لإدماج «حماس» في «وحدة الساحات» والرهان على إشراكها في «الضربة الكبرى» ساعة حدوثها.

ستمر علاقة «حماس» مع إيران باختبارات ليست بسيطة خصوصاً بعدما فضلت قيادة الحركة مغادرة سوريا على التجاوب مع ضغوط نظام الأسد الابن لاتخاذ موقف معاد للثورة. وحملت أوساط إيرانية وسورية في تلك المرحلة على رئيس المكتب السياسي لـ«حماس» خالد مشعل واتهمته بالسعي إلى الخروج من خط المقاومة الممانعة. خفضت إيران المساعدات لكنها لم تقطعها تماماً عن «كتائب القسام».

ظهر تباين آخر هو الدور الإيراني في اليمن وما قيل عن عمليات التشيع هناك. لكن حرص سليماني ونصر الله على الضلع الفلسطيني في «محور المقاومة» ساهم في عودة المياه إلى مجاريها. وكافأ سليماني الحركة ببرنامج تمويل وتسليح تضمن تصنيع أسلحة في قطاع غزة وعمليات تدريب مكثفة.

إيرانية تحمل ملصقاً يتصدره إسماعيل هنية خلال تشييعه في طهران وإلى جانبه قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس وفي طرفيه الأمين العام الراحل لـ«الجهاد الإسلامي» فتحي الشقاقي ومؤسس «حماس» الشيخ أحمد ياسين إضافة إلى القيادي الراحل في «حزب الله» عماد مغنية والعالم النووي الإيراني الراحل محسن فخري زاده (أ.ف.ب)

في 2012 انتخب يحيى السنوار الذي خرج قبل عام من السجن الإسرائيلي عضواً في القيادة السياسية في غزة. وبعد خمسة أعوام سيتولى رئاسة المكتب السياسي للحركة في القطاع. وفي العام نفسه (2017) تولى إسماعيل هنية رئاسة المكتب السياسي للحركة خلفاً لخالد مشعل الذي تولى هذا المنصب على مدى 21 عاماً. رجحت كفة الجناح العسكري خصوصاً في ضوء العلاقة التي ربطت السنوار بـ«كتائب القسام» وقائدها محمد الضيف.

«طوفان السنوار»

في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 سيحقق السنوار والضيف حلمهما. أطلقا ما سمياه «طوفان الأقصى». وفي اليوم التالي لم يجد زعيم «حزب الله» اللبناني خياراً غير التجاوب مع رسالة «قادة الطوفان» فانضم إلى «إسناد غزة». فوجئ العالم بهشاشة إسرائيل في الساعات الأولى خصوصاً بعدما تبين أن الهجوم أدى إلى سقوط أكثر من ألف قتيل إسرائيلي واحتجاز عدد من الرهائن.

لكن بعد ساعات من الضياع استيقظت آلة القتل الإسرائيلية لإطلاق حرب على جبهات متعددة. اعتبر بنيامين نتنياهو أن «الطوفان» يحمل بصمات إيرانية ولهذا كان الثأر شديداً من «حزب الله» اللبناني وصولاً إلى المرشد الإيراني نفسه.

غيرّ «طوفان السنوار» ملامح غزة ولبنان، وتسبب أيضاً في اقتلاع نظام بشار الأسد. وللمرة الأولى انهالت القذائف الأميركية على المنشآت النووية الإيرانية وسيطرت الطائرات الإسرائيلية على أجواء طهران فيما سقطت الصواريخ الإيرانية على أهداف في الدولة العبرية. تجمع الهدير الإيراني وتحول حرباً أقلقت المنطقة والاقتصاد العالمي ولا تزال ذيولها مفتوحة.


حين فتح حافظ الأسد بوابة لبنان أمام طهران

حافظ الأسد سهل لخامنئي إحكام السيطرة على لبنان عبر «حزب الله» (أ.ف.ب)
حافظ الأسد سهل لخامنئي إحكام السيطرة على لبنان عبر «حزب الله» (أ.ف.ب)
TT

حين فتح حافظ الأسد بوابة لبنان أمام طهران

حافظ الأسد سهل لخامنئي إحكام السيطرة على لبنان عبر «حزب الله» (أ.ف.ب)
حافظ الأسد سهل لخامنئي إحكام السيطرة على لبنان عبر «حزب الله» (أ.ف.ب)

بعد أسبوع من إعلان انتصار الثورة الإيرانية في 11 فبراير (شباط) 1979 ستطل من طهران صورتان تساعدان على فهم العواصف اللاحقة وصولاً إلى «طوفان السنوار» والبصمات الإيرانية عليه.

في الصورة الأولى يجلس على البساط رجلان لا يمكن كتابة قصة المنطقة من دون التوقف طويلاً عند قصتيهما. الأول مفجر الثورة الإيرانية آية الله الخميني، والثاني مفجر الثورة الفلسطينية الحديثة ياسر عرفات. وبين الواقفين قرب عرفات يمكن مشاهدة رجل الدين اللبناني السيد هاني فحص ورجل الدين الإيراني صادق خلخالي وأحمد الخميني نجل المرشد.

وبين من وقفوا قرب الخميني الجالس يمكن التعرف على محمود عباس (أبو مازن) رئيس السلطة الفلسطينية حالياً وهاني الحسن عضو اللجنة المركزية في حركة «فتح» وأول سفير فلسطيني لدى طهران الخمينية.

عرفات مع الخميني في بواكير الثورة ويبدو محمود عباس إلى جانب المرشد الإيراني

في الصورة الثانية يبدو عرفات وهو يلقي كلمة بعد رفع علم فلسطين على المبنى الذي كان يستضيف السفارة الإسرائيلية في طهران.

كان للصورتين وقع كبير في تلك الأيام. منذ إقامته الطويلة في النجف أدرك الخميني أن فلسطين هي الكلمة السحرية التي تسمح بالتسلل إلى ضمائر العرب والمسلمين. وقد يكون اعتقد أن الموقف من القضية الفلسطينية سيشكل جواز مرور للثورة الشيعية إلى البحر السني الواسع. كان من الطبيعي أن تحتفي طهران بالزائر الذي يحظى بشرعية كاملة بعدما تحول رمزاً لإيقاظ ثورة الحق الفلسطيني. وكان من الطبيعي أن يحتفي عرفات بانتقال دولة بأهمية إيران وحجمها وقدراتها من معسكر التأييد لإسرائيل والتعاون معها إلى معسكر الدعم الكامل للثورة الفلسطينية.

وكعادته لم يبخل عرفات بالثناء على مضيفه وبلاده. لكن التجربة أظهرت أن ثناء عرفات لا يدفعه أبداً إلى تسليم أوراقه. كان صاحب خبرة في التعامل مع الأقوياء الذين حاولوا الاتكاء على القضية الفلسطينية لترسيخ أنظمتهم أو لدفع أدوارهم إلى خارج خرائط بلدانهم.

لم تكن الجاذبية الفلسطينية ورقة عرفات الوحيدة. كان يقيم على حدود إسرائيل عبر جنوب لبنان الذي تحول حدوداً فلسطينية - إسرائيلية قبل أن يتحول لاحقاً إلى حدود إيرانية - إسرائيلية. وعلى رغم وقوع لبنان آنذاك في قبضة حافظ الأسد وجيشه وكراهيته لعرفات، كان الأخير يمسك بقرار الحرب والسلم في جنوب لبنان وهو قرار سينتقل لاحقاً إلى يد حسن نصر الله الأمين العام الراحل لـ«حزب الله».

صورة غير مؤرخة لنصر الله في شبابه (مكتب المرشد الإيراني)

باكراً أدرك عرفات حجم الحساسيات الكامنة في العلاقة مع إيران. ثورة شيعية في عالم سني. ثم إن الحديث عن «تصدير الثورة» يثير مخاوف دول قريبة وبعيدة. وحين اندلعت الحرب العراقية - الإيرانية حاول عرفات لعب دور الوسيط وأعاد ترتيب أوراقه وحساباته التي كانت تترك مجالاً واسعاً لعلاقات جيدة مع الدول العربية في الخليج التي لم تبخل عليه بالدعم.

في قراءة أحداث عام 1979 وصوره عنصر لا يجوز تناسيه. ففي تلك السنة كانت مصر تستكمل إجراءات خروجها من الشق العسكري من النزاع العربي - الإسرائيلي وهو ما سيترجم عملياً بتوقيع الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن اتفاق كامب ديفيد برعاية الرئيس الأميركي جيمي كارتر. وكان التوقيع عملية استكمال للزلزال الذي أحدثه السادات في 1977 حين اختار الذهاب «إلى عقر دار العدو» الإسرائيلي عارضاً السلام. أحدث خروج مصر وما تبعه حالة من الفراغ في المنطقة، ما سهّل لثورة الخميني التقدم في الإقليم.

تلقت إيران بدءاً من عام 1990 ثلاث هدايا غير مقصودة. الأولى من صدام حسين حين غزت قواته الكويت وانشغل العالم بـ«الخطر العراقي». والثانية حين أمر أسامة بن لادن بتنفيذ هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في نيويورك وواشنطن وانشغل العالم بإرهاب «القاعدة». والثالثة حين اقتلع الجيش الأميركي في 2003 نظام «البعث» العراقي ما أتاح للجمر الإيراني فرصة التدفق إلى داخل العراق والإقامة في مؤسساته وتركيبته.

وغاب عن بال كثيرين أن إيران كانت تلقت في الثمانينات هديتين بارزتين من الرئيس السوري حافظ الأسد. الهدية الأولى كانت حين وافق الأسد بعد الغزو الإسرائيلي لبيروت في 1982 على السماح لمئات العناصر من «الحرس الثوري» الإيراني بالدخول إلى البقاع اللبناني لتدريب مجموعات إسلامية شيعية لبنانية كانت تتطلع إلى تنظيم جسم مقاوم للاحتلال الإسرائيلي. ومن هذه المجموعات سيولد لاحقاً «حزب الله».

وفي منتصف الثمانينات قدم الأسد لإيران هدية ثمينة حين قرر إخضاع «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» (جمول) التي قادها الحزب الشيوعي اللبناني لمصلحة «المقاومة الاسلامية» بقيادة «حزب الله».

وكان منسق «جمول» إلياس عطالله روى لـ«الشرق الأوسط» قصة لقاء عاصف تبعته سلسلة اغتيالات استهدفت قياديين شيوعيين. قال عطالله إن مسؤول المخابرات السورية في لبنان اللواء غازي كنعان استدعاه والأمين العام للحزب الشيوعي جورج حاوي إلى لقاء عاجل في فندق في البقاع.

كان كنعان يتحدث باسم «السيد الرئيس»، وقال صراحة إن على «جمول» أن تنسق عملياتها مسبقاً مع المخابرات السورية. طالبها بأكثر من ذلك، وتحديداً بالتنسيق مع «حزب الله» حتى بالاندماج معه. لم يوافق الزائران على الطلب، فقد كان التوتر في ذروته بين الحزب الشيوعي و«حزب الله». سارع كنعان إلى إنهاء الاجتماع بعبارة تهديد هي «ستدفعون ثمناً غالياً». ردّ بحملة اغتيالات لم يخف توقيعه عليها بغض النظر عن أسماء منفذيها. وشارك ذات يوم في التعازي بأحد الذين اغتيلوا وقال لجماعة الحزب: «هل هكذا أفضل؟».

نجحت سوريا في توجيه ضربة قاصمة إلى نشاط «المقاومة اليسارية» فتفردت «المقاومة الإسلامية» بالمواجهة مع إسرائيل. وحصد «حزب الله» النتائج حين أرغمت القوات الإسرائيلية على الانسحاب في عام 2000 من جنوب لبنان تحت الرصاص ومن دون أن يقدم لبنان أي تنازلات. وهكذا صارت إيران موجودة على خط التماس مع إسرائيل عبر جنوب لبنان. وبعد اقتلاع نظام صدام فتحت الطريق بين طهران وبيروت عبر بغداد ودمشق، فولد ما سماه البعض «محور المقاومة» وسماه آخرون «الهلال الشيعي».

في بداية ثمانينات القرن الماضي ساد الاعتقاد أن حرب صدام حسين حاصرت جمر الثورة الخمينية داخل الخريطة الإيرانية. فجأة وفي يونيو (حزيران) 1982 ستفتح نافذة لن تتردد إيران في استغلالها. غزت القوات الإسرائيلية لبنان وحاصرت بيروت وأرغمت قوات منظمة التحرير الفلسطينية على مغادرة لبنان. كان مشهد العاصمة اللبنانية تودع ياسر عرفات قبل صعوده مع شارة النصر إلى سفينة أقلته إلى المنفى الجديد إيذاناً بنهاية مرحلة كاملة.

في ظل الاجتياح الإسرائيلي، اتفق جورج حاوي وإلياس عطاالله ومحسن إبراهيم الأمين العام لمنظمة العمل الشيوعي وحفنة من رفاقهم على إطلاق «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» ضد الاحتلال الإسرائيلي. وأرغمت عمليات الجبهة الجيش الإسرائيلي على الانسحاب سريعاً من بيروت. وفي الوقت نفسه تداعت 3 مجموعات إسلامية شيعية متعاطفة مع الثورة الإيرانية إلى حوار بحثاً عن إطار موحد لإطلاق مقاومة إسلامية ضد الاحتلال الإسرائيلي. انتهى الحوار إلى ما عرف بـ«وثيقة التسعة» التي حملت إلى طهران ونالت مباركة الخميني الذي أمر «الحرس الثوري» بدعم وحدة هذه المجموعات التي ستذوب لاحقاً في «حزب الله». وقد روى نعيم قاسم الأمين العام الحالي للحزب قصة التأسيس في كتابه «حزب الله: المنهج، التجربة، المستقبل». ويشير قاسم إلى أعمدة التوجه الجديد وهي «الإسلام كمنهج ومقاومة إسرائيل كأولوية والولي الفقيه كمرجعية».

كان حافظ الأسد يتحدث أمام زواره عن أهمية التغيير الإيراني كتعويض عن خسارة مصر. لكن بعض العارفين يشيرون إلى حسابات أخرى لديه بينها عداؤه لصدام حسين واعتقاده أن قلق الدول الخليجية من إيران الجديدة سيجعله حاجة دائمة لهذه الدول مع ما يمكن أن يعنيه الدور من فوائد. ويضيف هؤلاء أن سماح الأسد بتنامي حضور «حزب الله» اللبناني يصب في سياق الحسابات نفسها.

حسن نصر الله متوسطاً علي خامنئي وقاسم سليماني (مكتب المرشد الإيراني)

ولد «حزب الله» اللبناني تحت عباءة الولي الفقيه وعلى خط التماس مع إسرائيل وانتقل إلى خط التماس مع أميركا حين اقتحم انتحاري في 1983 مقر رجال المارينز في بيروت بشاحنة مفخخة وأرسل قافلة من الجثث إلى بلاد رونالد ريغان. لعبت سوريا دوراً بارزاً في استثناء «حزب الله» من قرار تسليم أسلحة الميليشيات بعد اتفاق الطائف. لم تبخل طهران بدعم الحزب، ما مكنه من بناء قوة متنامية ساعدته في التحول إلى اللاعب الأول على الساحة الشيعية في لبنان. ورعت عملياً مع دمشق ولادة «البيت الشيعي» اللبناني الذي يضم الحزب مع حركة «أمل» التي تولى رئيسها نبيه بري ومنذ عام 1992 رئاسة البرلمان. طوى الطرفان الصفحة القديمة بينهما وتحول بري إلى حاجة شبه دائمة للحزب تجنبه العزلة لكن من دون أن يتمكن من تعديل البرنامج العميق للحزب.

كان العقد الأول من القرن الحالي حافلاً بالمشاهد التي تتخطى آثارها مسرحها المباشر. في التاسع من أبريل (نيسان) 2003 اقتلعت مدرعة أميركية تمثال صدام حسين من ساحة الفردوس في بغداد. الرجل الذي كان العراقيون يشعرون بالرهبة لمجرد المرور قرب تماثيله لم تسمح له الآلة العسكرية الأميركية بخوض المنازلة التي كان يشتهيها. جيشه الذي قاتل إيران على مدى 8 سنوات تبخر سريعاً أمام الجيش الأميركي.

جنود بريطانيون يسيّرون دورية في البصرة 7 أبريل (نيسان) 2003 (أ.ف.ب)

كان صدام على مقربة من ساحة الفردوس حين تجرأ الجندي الأميركي على تمثاله. اختار السيد الرئيس طريق المقاومة مسيئاً تقدير حجم القوة الأميركية وحجم المعارضة العراقية لنظامه.

مشهد آخر سيطل من العراق. في 13 ديسمبر (كانون الأول) 2003 سيسقط صدام في يد الأميركيين. أخرجه الجنود من حفرة صغيرة في مزرعة بمنطقة الدور قرب تكريت. وستحتل صورة عسكري أميركي ينقب في فمه شاشات العالم. لم يقاوم. ولم تصدق الروايات أنه يحتفظ دائماً لنفسه برصاصة أخيرة ليطلقها على رأسه تفادياً لذل الاعتقال.

نجح صدام حسين المصاب بهاجس موقعه في التاريخ في رسم صورة لنفسه فيه. أنكر شرعية المحكمة وراح يذكر بأنه الرئيس الشرعي للعراق وأن الاحتلال هو من جاء بالمحكمة. وسمعت من القاضي رؤوف رشيد عبد الرحمن الذي ترأس الهيئة التي أصدرت حكم الإعدام بحقه أنه «كان صعباً ولم يطلب شيئاً لنفسه».

حافظ صدام على رباطة جأشه حين التف الحبل حول عنقه. ارتكبت السطات العراقية الجديدة خطأ فادحاً حين اختارت 30 ديسمبر (كانون الأول) 2006 موعداً لإعدام صدام وهو صادف اليوم الأول من أيام عيد الأضحى. خطأ كبير أعقب الإعدام فقد أخذ المنفذون جثة صدام وطرحوها أمام منزل رئيس الوزراء نوري المالكي في «المنطقة الخضراء» وألقى المالكي نظرة على الجثة وعاتب صاحبها كما أكد في حوار أجريته معه.

ساهمت مشاهد الاعتقال والمحاكمة والإعدام، إضافة إلى عوامل أخرى في إشعال خط التماس السني - الشيعي داخل العراق وتركت أصداء خارجه.

أيقظت ملابسات إعدام صدام حسين الحساسيات المذهبية في العراق ولبنان (أ.ف.ب)

وعلى رغم ارتكابات الرجل نظر قسم من العراقيين إلى الإعدام وكأنه عملية ثأر تنفيذاً لرغبة أميركا وإيران والمعارضة العراقية الموالية لها.

سيتولى قاسم سليماني مهمة زعزعة استقرار الوجود العسكري الأميركي، بمساعدة من بشار الأسد وحسن نصر الله. مشهد آخر سيطل هذه المرة من بيروت وسيترك آثاره على لبنان وتوازناته وعلى الدور السوري ومناخات المحور الذي بات يمتد من طهران إلى بيروت بعد المرور في بغداد ودمشق.

في 14 فبراير (شباط) 2005 كنت في زيارة لمسؤول سوري في دمشق. بعد اللقاء وجدت سيلاً من الرسائل على هاتفي. انفجار هائل في العاصمة اللبنانية أدى إلى تطاير جسد الرئيس رفيق الحريري. كان للأمر وقع الزلزال وتدفقت الحشود إلى الشارع مطالبة بانسحاب الجيش السوري المنتشر في لبنان منذ 1976. في آخر ذلك الشهر دخلت مكتب بشار الأسد ورحت أكرر سؤالي عن علاقة الأجهزة السورية بالحادث وكان يرد بصورة قاطعة أنه لا علاقة لسوريا من قريب أو بعيد. قلت له: لماذا تجزم، فقد تكون أجهزة استخبارات اخترقت الأمن السوري؟ فرد: لا علاقة لنا على الإطلاق. في طريق العودة إلى بيروت رحت أقلب أجوبته. هل يستخدم لهجة جازمة لأنه يعرف الطرف المنفذ؟

شكل اغتيال رفيق الحريري محطة أساسية في إدخال لبنان إلى القفص الإيراني (أ.ف.ب)

تاهت لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الحريري طويلاً بين التدخلات والتضليل و«شهود الزور». افتقرت أسئلة محققيها إلى الاحتراف الكامل وقد لمست ذلك حين استمعت إليّ بسبب حوارات أجريتها مع الأسد والحريري والمدير العام للأمن العام اللبناني اللواء جميل السيد. لكن المحكمة انتهت إلى اتهام أعضاء في «حزب الله» اللبناني. وهنا تزايدت الأسئلة. هل قتل الحريري على خط التماس السني - الشيعي؟ هل قتل على خط التوتر الإقليمي؟ هل اعتبر عقبة أمام ما يعد من دور للبنان في الصراع الواسع؟ هل عوقب لأنه حاول إعادة لبنان دولة عادية بدلاً من البقاء منصة صواريخ في الحرب ضد إسرائيل؟

غيّر زلزال اغتيال الحريري المشهد في لبنان وسوريا معاً. تجرع بشار الأسد سم سحب قواته من لبنان الذي أقام طويلاً في قبضة والده. نجح الأسد الأب في تطويع معظم الطبقة السياسية اللبنانية وأرسى قواعد الزمن السوري. صارت الحكومات تولد حاملة بصمات مسؤول المخابرات السورية المقيم في عنجر وصار المجلس النيابي يستدعى ويوافق. دفع الزمن السوري العماد ميشال عون إلى المنفى ودفع الدكتور سمير جعجع إلى السجن. بقي الرجل الثالث واسمه رفيق الحريري الذي ارتضى العمل تحت المظلة السورية لكنه لم يغادر حلمه بلملمة شيء من حضور الدولة اللبنانية. أقلق ثقل الحريري الداخلي والعربي والدولي الحلقة الفئوية المحيطة بالأسد وأقلق لاحقاً «حزب الله».

أفسح التعاون السوري مع طهران الطريق أمام «حزب الله» للتفرد بالمقاومة في لبنان (مكتب المرشد الإيراني)

خسرت سوريا شرفتها اللبنانية التي كانت وسيلة لتعزيز دورها وإثراء ضباطها. سيقيم نظام الأسد الثاني من الآن فصاعداً داخل حدوده مع القبضة الحديدية والفشل الاقتصادي. سيقيم بين التوتر المذهبي في العراق والانقسام الحاد في لبنان بين حركة استقلالية اسمها «14 آذار» وحركة مضادة اسمها «8 آذار» يقودها «حزب الله».

خرجت سوريا من لبنان وأحدقت بـ«حزب الله» حالة تشبه العزلة عن المكونات الأخرى. ثمة من يعتقد أن هذا المشهد السوري واللبناني كان من أبرز الأسباب التي أدت إلى حرب يوليو (تموز) 2006 في لبنان والتي رافقها الجنرال قاسم سليماني من مسرحها اللبناني. بعد الحرب سألت بشار الأسد عن دور سوريا فأكد على أهمية العمق السوري للمقاومة اللبنانية. ولم يتردد في القول إن جنوداً سوريين بثياب مدنية كانوا يتولون نقل الصواريخ إلى «حزب الله» وأحياناً إلى جنوب لبنان نفسه.

انتهت الحرب بصدور القرار 1701 لمجلس الأمن، الذي دعا إلى انتشار الجيش اللبناني في منطقة الحدود اللبنانية - الإسرائيلية إلى جانب قوات «اليونيفيل». أدخلت الحرب شيئاً من التعديل على المشهد الذي قام بعد اغتيال الحريري وعثر «حزب الله» على مبرر إضافي للاحتفاظ بسلاحه.

أخطأ عدد غير قليل من السياسيين اللبنانيين في فهم ظاهرة «حزب الله» وترسانته. اعتبروا أن انسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان يشكل سبباً كافياً لتخلي الحزب عن سلاحه أسوة بما فعلت الميليشيات اللبنانية بعد اتفاق الطائف.

لم يتوقفوا عند البعد الإقليمي لهذا السلاح وعلاقته بالمشروع الإيراني الكبير لتغيير المنطقة. في الأسبوع الأول من مايو (أيار) 2008 تجرأت حكومة الرئيس الرئيس فؤاد السنيورة واعتبرت شبكة اتصالات الحزب الهاتفية غير شرعية. وسرعان ما جاء الرد. استخدم الحزب سلاحه في الداخل وسيطر عملياً على بيروت وكأنه يبعث برسالة مفادها أن هذه الترسانة وجدت لتبقى. تسببت ممارسات الحزب في إحداث جرح عميق في علاقة الحزب وطائفته بالمكونات اللبنانية الأخرى.

حين اندلعت الشرارة الأولى لـ«الربيع العربي» في تونس في 17 ديسمبر (كانون الأول) 2010 لم يشعر بشار الأسد بالقلق. كان يعتقد أن «الوضع في سوريا مختلف وكذلك علاقة السلطة بالناس». أغلب الظن أن طمأنينته كانت نتاج شعوره أن أجهزة الأمن المتعددة والمفرطة القسوة لن تسمح لأحد برفع سبابته احتجاجاً. في 15 مارس (آذار) 2011، تصرفت أجهزة الأسد مع أطفال درعا انطلاقاً من قاموس القسوة المعتمد. انتشرت الاحتجاجات وتحولت ثورة عارمة. لم يحاول الأسد جدياً فتح نافذة للتسوية. واستحكمت عقدة الأقلية بسلوك جنرالاته. اعتبرت الاحتجاجات مؤامرة خارجية وبلغ عنف السلطة حد استخدام البراميل المتفجرة والغازات السامة.

حين اقتربت المعارضة من قصر الأسد الثاني سارع رجلان إلى إنقاذ نظامه. اسم الأول قاسم سليماني واسم الثاني حسن نصر الله. لم تكن إيران في وارد التسامح مع محاولة انتزاع الحلقة السورية من «محور المقاومة». نجح سليماني في إقناع الرئيس فلاديمير بوتين بإشراك سلاحه الجوي في عملية إنقاذ الأسد، وأرسل «حزب الله» في 2013 قواته إلى سوريا التي راحت تعج بالميليشيات التي يحركها سليماني.

حسن نصر الله متوسطاً علي خامنئي وقاسم سليماني (مكتب المرشد الإيراني)

نجحت عملية إنقاذ نظام الأسد ولكنها كانت باهظة التكاليف. تركت العملية جروحاً عميقة في العلاقات الشيعية - السنية، يمكن اليوم ملاحظتها من تعليقات السوريين على وسائل التواصل الاجتماعي.

في باريس التي لجأ إليها بعد انشقاقه عن نظام بشار، سيقول عبد الحليم خدام (نائب الرئيس السوري) إن حافظ الأسد لم يتوقع بالتأكيد أن يصل النفوذ الإيراني في لبنان إلى هذا الحد وأن يحتاج نجله إلى عملية إنقاذ على يد ميليشيات إيرانية الهوى بينها «حزب الله». راجت في تلك الأيام عبارة أن الحزب تحول قوة إقليمية لا تتسع لها المعادلة اللبنانية. وتذكرت ما سمعته من الرئيس اليمني علي عبد الله صالح قبل انقضاء العقد الأول من القرن. فخلال حوار معه وبأسلوبه المعروف سألني: «لماذا يأخذ (حزب الله) شباناً من الحوثيين إلى دمشق ويمررهم إلى لبنان من دون علامات على جوازاتهم ويتولى تدريبهم في معسكرات في البقاع؟».

حين أطلق «حزب الله» حرب إسناد «طوفان السنوار» وحديثاً حرب إسناد إيران، تذكر كثيرون أن لبنان يعيش منذ الثمانينات على الهدير الإيراني. وفي العقد الثاني من القرن الحالي راح يتردد في أروقة الممانعة حديث «الضربة الكبرى» التي يعتقد كثيرون أن يحيي السنوار حلم بتسديدها مع مطر من الصواريخ والمسيرات من خرائط عدة.


ثلاث هدايا ثمينة لطهران من صدام وبن لادن وبوش الابن

الخميني ينزل من طائرة تابعة لـ«إير فرانس» أقلّته إلى طهران في الأول من فبراير (شباط) 1979 بعد 15 عاماً في المنفى (غيتي)
الخميني ينزل من طائرة تابعة لـ«إير فرانس» أقلّته إلى طهران في الأول من فبراير (شباط) 1979 بعد 15 عاماً في المنفى (غيتي)
TT

ثلاث هدايا ثمينة لطهران من صدام وبن لادن وبوش الابن

الخميني ينزل من طائرة تابعة لـ«إير فرانس» أقلّته إلى طهران في الأول من فبراير (شباط) 1979 بعد 15 عاماً في المنفى (غيتي)
الخميني ينزل من طائرة تابعة لـ«إير فرانس» أقلّته إلى طهران في الأول من فبراير (شباط) 1979 بعد 15 عاماً في المنفى (غيتي)

معظم أهل الشرق الأوسط ولدوا بعد ذلك التاريخ. يغيب عن بالهم أنه ترك بصماته المكلفة على بلدانهم واستقرارهم وأيامهم. أنجب عواصف وحروباً وزعامات تجاوزت أحلامها وأخطارها حدود الخرائط التي أطلت منها. وثمة من يعتقد بوجود رابط حقيقي بين ذلك التاريخ وما يشهده مضيق هرمز حالياً بعد الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران وترسانتها.

إننا نتحدث عن عام 1979 الذي يصعب العثور بعده على عام ينافسه في أهميته أو خطورته. في ذلك العام نزلت طائرة الخميني في طهران آتية من باريس. لم يتأخر مفاعل الثورة الإيرانية في إرسال إشعاعاته خصوصاً بعد تكريس مبدأ «ولاية الفقيه».

وفيه أيضاً سقط قصر الرئاسة العراقي في يد الرجل القوي صدام حسين ودفع الرئيس أحمد حسن البكر إلى التقاعد تحت أوجاع الشيخوخة، وربما الندم.

وفي العام نفسه وقّع الرئيس المصري أنور السادات اتفاق كامب ديفيد مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن في واشنطن برعاية الرئيس جيمي كارتر.

وستختلط تلك التطورات بحدث دولي كبير. ارتكب القيصر الروسي ليونيد بريجنيف خطيئة غزو أفغانستان. وقع في الفخ ومن صفوف المقاتلين هناك سيخرج أسامة بن لادن الذي سيفتتح لاحقاً القرن الجديد بـ«غزوتي نيويورك وواشنطن» ممهداً الطريق من دون أن يقصد لاقتلاع نظام صدام حسين.

في 16 يناير (كانون الثاني) 1979 كان المشهد معبراً. على دوي الاحتجاجات والتظاهرات غادر الشاه محمد رضا بهلوي بلاده وتركها في عهدة حكومة شهبور بختيار. حاول المحيطون به تقديم المغادرة في صورة «إجازة» لكنها كانت في الواقع بطاقة سفر بلا عودة بعدما تخلى الحليف الأميركي عن حليفه.

الخميني مع قادة في المعارضة الإيرانية في مقر إقامته في بونتشارتران (غرب باريس) عام 1978(أ.ف.ب)

لن يتأخر المشهد - المنعطف في الحدوث. ففي اليوم الأول من فبراير (شباط) هبطت في مطار مهرباد طائرة آتية من باريس تحمل زائراً غير عادي هو آية الله روح الله الخميني بعد أربعة عشر عاماً في المنفى. كان الاستقبال الحاشد صريحاً في رسالته. سقط نظام الشاه وانتصرت الثورة.

راقب أصحاب القرار في المنطقة والعالم المشهد وكان أكثرهم قلقاً «السيد النائب» في عراق «البعث» واسمه صدام حسين. ستتسارع التطورات في طهران مع إعلان «الجمهورية الإسلامية» وتكريس مبدأ ولاية الفقيه وتضمين الدستور نصاً يؤكد «تصدير الثورة» بحجة «نصرة المستضعفين».

صدام يرفض اغتيال الخميني

كان يمكن لكل ذلك ألا يحدث أو أن يحدث بطريقة أخرى. خلال إقامته في النجف كان الخميني صعباً ويحاول دائماً التفلت من الضوابط التي تفرضها شروط الاستضافة. في 6 مارس (آذار) 1975 وقع محمد رضا بهلوي وصدام حسين اتفاق الجزائر برعاية الرئيس هواري بومدين. وكان مقرراً بعد التوقيع أن يمتنع كل طرف عن دعم معارضي الطرف الآخر.

راجعت الأجهزة العراقية الخميني لكنه كان يتنصل عملياً من التعهد بالامتناع عن أي نشاط ضد نظام الشاه. ذات يوم اقترحت الأجهزة على صدام ترتيب عملية اغتيال للخميني واتهام أجهزة الشاه بالوقوف وراءها. وكانت المفاجأة أن صدام استغرب العرض قائلاً: «ألا يعرف أصحاب هذا الاقتراح أن العراق لا يغدر بضيوفه». هكذا بقي الخميني حياً.

قنبلة في وسادة المرشد

تغيرت الأشياء بعد اندلاع الحرب العراقية - الإيرانية، وتحوّل اغتيال الخميني هاجساً يلازم مدير المخابرات العراقية برزان التكريتي. ولم يكن الوصول إلى الخميني سهلاً لكن إيران لم تكن في 1981 أحكمت بناء مؤسساتها الأمنية. أقامت المخابرات العراقية علاقات مع «الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني» و«مجاهدي خلق» ونسقت عملية تفجير كبرى لمجلس الشورى الإيراني قتلت عشرات القياديين وتبعها استهداف علي خامنئي بعبوة وضعت في آلة تسجيل وأدت إلى إصابته في يده.

ألح برزان على استهداف الخميني وتمكنت الأجهزة من الوصول إلى رجل دين مقرب منه وزرعت عبوة صغيرة في وسادة الوبر التي تخصه لكن العبوة انفجرت وهو بعيد عنها. وقد سمعتُ هذه الرواية من سالم الجميلي مدير شعبة أميركا في جهاز المخابرات العراقي في عهد صدام.

لعبت المصادفات دورها في رحلة الخميني. لم يكن أمامه غير الانصياع لرغبة الدولة العراقية بمغادرتها. في باريس وبعد انشقاقه عن نظام بشار الأسد، قال النائب السابق للرئيس السوري عبد الحليم خدام إن مقربين من الخميني حاولوا استمزاجه حول إمكان مجيء الخميني إلى سوريا. وأوضح خدام أن الرئيس حافظ الأسد لم يكن في وارد قبول زائر من هذا النوع يمكن أن تتسبب إقامته ليس فقط في أزمة بين العراق وسوريا بل ربما في حرب بينهما.

لهذا أسديت إلى المقربين نصيحة باستكشاف إمكان قبول الجزائر باستضافة الخميني. لم يتحمس الرجل المعني للفكرة معتبراً أن الجزائر بعيدة وأن القيود قد تكون شديدة. ويقول خدام إنه فوجئ بقبول فرنسا باستضافة الخميني وتوفير منبر دولي له. خلال إقامته في «نوفل لو شاتو» توافد كثيرون لزيارته.

حاولت السطات العراقية اختبار نوايا الرجل الذي أثبت قدرته على تحريك الشارع الإيراني عبر التسجيلات التي كان أنصاره يوزعونها سراً. كان علي باوه المسؤول في المخابرات العراقية عن العلاقة مع الخميني خلال إقامته في العراق وكان يقدم له التسهيلات. من هنا ولدت فكرة إرسال علي باوه إلى باريس.

ويقول رجال المخابرات في عهد صدام إن باوه اصطحب معه شخصاً آخر يرتدي ساعة قادرة على تسجيل المحادثة. استقبل الخميني الزائرين من دون أن يظهر أي مرونة. سأله الزائر عن برنامجه للمرحلة المقبلة فرد بعبارة تشبه القنبلة. قال إنه بعد إسقاط الشاه سيكون الهدف التالي «إسقاط نظام البعث الكافر».

هاجس صدام «ولاية الفقيه»

حين أطل الخميني من طهران محاطاً بحشود غير مسبوقة أدرك السيد النائب أن العاصفة لن تتأخر في الهبوب على العراق. قال أحد الذين عملوا في قصر الرئاسة العراقي إن المسألة التي استوقفت صدام طويلاً وأقلقته هي مسألة «ولاية الفقيه» التي بلورها الخميني.

صدام حسين يتفقد جنوداً في شمال العراق خلال الحرب مع إيران عام 1980 (غيتي)

اعتبر صدام أن «ولاية الفقيه» تعني أن من حق شخص غير عراقي أن يطالب العراقي الشيعي بالولاء له. ورأى في ذلك اختراقاً يهدد وحدة العراق. احتفظ صدام في مكتبه بكراس صغير عن الولي الفقيه وصلاحياته كما يفهمها الخميني. في سبتمبر (أيلول) 1980 استقبل وزير الدولة للشؤون الخارجية حامد الجبوري ودار الحديث عن إيران وأعطاه الكراس.

شعر صدام أن الحرب آتية وأن الخميني يريد فتح الطريق للتوغل في العالم العربي عبر إسقاط الجدار العراقي. اعتبر أنه إذا اختار الانتظار سيضطر إلى مقاتلة النظام الإيراني الجديد في شوارع بغداد إن لم يبادر إلى قتاله على الحدود بين البلدين وعبرها. وهناك من يعتقد أن الشعور باقتراب الحرب زاد قناعة صدام بأن العراق يحتاج في قصر الرئاسة إلى صانع القرار الكبير، وأن إحالة الرئيس أحمد حسن البكر إلى «التقاعد» صارت ضرورية.

بعد عودة «البعث» إلى السلطة في 1968 اختار صدام موقع «الرجل الثاني» للإفادة من شرعية البكر في الجيش والحزب وبانتظار استكمال إعادة صياغة المؤسسات العسكرية والمدنية تحت زعامة القائد الجديد. في 16 يوليو (تموز) 1979 سقط البكر كثمرة ناضجة بعدما كان تحول منذ سنوات أسيراً برتبة رئيس للجمهورية. بدأ عهد صدام.

ويروي الجبوري أن إشكالاً حصل بينه وبين صدام في 1974 فقصد قصر الرئاسة واستقبله البكر. قال للرئيس إنه جاء لتقديم استقالته وسأتركه يروي: نهض البكر وأشار إلى كرسيه قائلاً: «أبول على كرسي رئاسة الجمهورية التي لا تحفظ حتى كرامة الرئيس». عاد البكر إلى كرسيه وظهرت الدموع في عينيه، وقال: «الاستقالة شيلها من ذهنك. ليس باستطاعتي قبول استقالتك. من يقبل استقالتي أنا؟ نحن أسرى ولا نملك حق الاستقالة».

«سنكسر رؤوس الإيرانيين»

اتخذ صدام حسين قرار الحرب على إيران قبل توليه الرئاسة. كان صلاح عمر العلي إلى جانب صدام حين حاصر القياديون «البعثيون» قصر الرئيس عبد الرحمن عارف في 1968، وأرغموه على المغادرة. دخل مجلس قيادة الثورة والقيادة القطرية لحزب «البعث» وتولى مسؤوليات وزارية.

في سبتمبر 1979 شارك صدام الرئيس في قمة عدم الانحياز التي عقدت في العاصمة الكوبية. استقبل الرئيس العراقي وزير خارجية إيران الخمينية إبراهيم يزدي. كان الحديث بناء وإيجابياً على رغم الإشكالات المتكررة على حدود البلدين.

أسرى حرب إيرانيون ينتظرون دورهم للحصول على الطعام في معسكر اعتقال بالرمادي خلال الحرب العراقية - الإيرانية عام 1987 (غيتي)

يقول صلاح العلي إن رغبة راودته في تعميق المناخ الإيجابي فتحدث إلى صدام الذي خرج بعد الاجتماع إلى الحديقة. شدد العلي على أهمية الحلول السلمية للخلافات وضرورة التركيز على التنمية. استمع صدام بانتباه ثم رد قائلاً: «يا صلاح انتبه هذه الفرصة قد لا تتاح إلا مرة كل مائة سنة. الفرصة متاحة اليوم. سنكسر رؤوس الإيرانيين وسنعيد كل شبر احتلوه وسنعيد شط العرب». وأضاف بلهجة حازمة: «هذا الكلام عن حل سلمي وحل إنساني وتصفية المشاكل مع إيران لا أريده أن يتكرر على لسانك إطلاقاً. حضر نفسك في الأمم المتحدة. اسمع ما أقوله لك. سأكسر رؤوس الإيرانيين وأرجع كل شبر من المحمرة إلى شط العرب». وبعد عام من لقاء هافانا سيطلق صدام حربه على إيران.

شعر صدام حسين بالقلق من «ولاية الفقيه» والصدى الذي يمكن أن تتركه لدى الشيعة العراقيين. لاحظ أن ثورة الخميني وضعت أميركا في موقع العدو. وأن الاتحاد السوفياتي يقلق من امتداد الرياح الإيرانية إلى بعض جمهورياته الإسلامية. وأن دول الخليج العربي مستهدفة هي الأخرى من قبل الثورة الخمينية. رأى في الحرب على إيران مهمة قومية لا بد من أن تحظى بتعاطف عربي ودولي، وأن العراق وحده يستطيع كسر الموجة التي تهدد المنطقة واستقرارها.

رجل آخر شعر بأن ثورة الخميني ستهز المنطقة وخرائطها هو الملك حسين. اعتقد صدام أن تفكك الجيش الإيراني سيوفر له فرصة النصر السريع، خصوصاً وأن إيران كانت تعيش مرحلة مخاض واضطراب. أساء تقدير رد فعل الإيراني العادي على دخول الجيش العراقي الأراضي الإيرانية وامتزاج المشاعر القومية بالدينية.

في بدايات الحرب دعت وزارة الإعلام العراقية مؤسسات صحافية لمواكبة ما يجري. أوفدتني «النهار» اللبنانية. كان لا بد من التوجه إلى عمان ومنها براً إلى بغداد. نظمت وزارة الإعلام رحلة إلى البصرة. وخلال وجودنا هناك أغارت الطائرات الإيرانية على أطرافها. سمح لنا المنظمون بالدخول إلى الأراضي الإيرانية التي اجتاحها الجيش العراقي. وفي بلدة مهران الحدودية شاهدت جنديين عراقيين يقتادان رجلاً إيرانياً إلى «مكان آمن»، كما قالوا، بعدما بدت على وجهه أمارات الرعب. سألت نفسي في تلك اللحظة عما سيحدث للعراق حين يتيسر لإيران أن تثأر. وقد أتيحت لها الفرصة لاحقاً.

لم تتحقق أحلام صدام من الحرب التي شنها على إيران. فلا النظام سقط ولا البلاد تفككت. رسخ الخميني بلا رحمة نظام «الولي الفقيه» من دون أي شريك من كوكتيل القوى التي ساهمت في إسقاط نظام الشاه. كان أفضل ما حصل عليه صدام هو اتفاق لوقف النار. ابتهج لأنه عاش حتى سمع الخميني يتحدث عن تجرع السم. لكن حين بلغه نبأ وفاته أمر بعدم إبداء الابتهاج لأن «الشماتة ليست من عاداتنا».

وزير الدفاع ورئيس الأركان آخر من يعلم

في السنوات اللاحقة تلقت إيران سلسلة هدايا. أحياناً يكاد الصحافي لا يصدق ما يسمع. كان الفريق أول ركن نزار الخزرجي رئيساً لأركان الجيش العراقي وسأتركه يروي قليلاً عن الغزو العراقي للكويت في صيف 1990. قال: «كنت نائماً في منزلي ليلة الأحداث. اتصل بي في الصباح الباكر سكرتير عام القيادة العامة الفريق علاء الجنابي وطلب أن أذهب إلى القيادة العامة وحين دخلت مكتبه قال: أكملنا احتلال الكويت. سألته كيف؟ فرد: الحرس الجمهوري والقوة الجوية وطيران الجيش أنهوا احتلال الكويت. بعد ربع ساعة وصل وزير الدفاع عبد الجبار شنشل وتم إبلاغه بالطريقة نفسها. تصور أن الجيش يدفع في مغامرة من هذا النوع من دون علم وزير الدفاع ورئيس الأركان».

بعد ثلاثة أو أربعة أيام استدعى صدام كلاً من شنشل والخزرجي، وقال إنه لم يبلغهما كي تكون العملية مفاجئة ثم «إنني حررت الكويت بالقطعات التابعة لي مباشرة وليس قطعاتكم».

بئر نفطية أحرقتها القوات العراقية أثناء انسحابها من الكويت في فبراير (شباط) 1991 (غيتي)

اعتبر الخزرجي خطوة صدام سلوكاً متهوراً قاده إليه غرور الاعتقاد أنه خرج منتصراً من حربه مع إيران. جيش كبير يشعر بالانتصار وبلاد مثقلة بالديون وقائد يخطئ في قراءة موازين القوى. توهم صدام أن الغرب لن يعارض أن يكون قسم كبير من نفط المنطقة في يد رئيس قادر على صناعة الاستقرار وضمان تدفق النفط. ويقول الخزرجي إن صدام الذي كان معجباً بصلاح الدين وستالين قد يكون توهم أن أميركا ربما تقبل به شريكاً في شؤون المنطقة.

كانت الهدية كبيرة لورثة الخميني. انشغل العالم ومعه دول المنطقة بـ«الخطر العراقي» وتراجع اهتمامه بـ«الخطر الإيراني». أخرجت «عاصفة الصحراء» صدام من الكويت فأقام جريحاً ومحاصراً في حين كانت إيران تلتقط أنفاسها وتستعد لاستئناف مشروعها الكبير في الإقليم.

هدية أسامة بن لادن وجورج بوش

في 1979 بدأت قصص كثيرة وتشابكت. اجتاح «الجيش الأحمر» أفغانستان بذريعة إنقاذ النظام الموالي له. كانت المرة الأولى التي يخرج فيها الاتحاد السوفياتي جيشه في تدخل خارج مجال الكتلة الاشتراكية. دقت أجراس الإنذار في العواصم الغربية الكبرى. اتخذت أميركا قراراً صارماً بتدفيع الاتحاد السوفياتي ثمن ما فعل. توافد «المجاهدون» إلى أفغانستان من أنحاء مختلفة في العالم العربي والإسلامي. وستوظف أميركا التي شجعت «المجاهدين» وسلحت بعضهم مشاعر الغضب الإسلامي لاستهداف بلاد ستالين. وكان بين من توافدوا إلى أفغانستان شاب اسمه أسامة بن لادن ابن عائلة ثرية سعودية. وعلى أرض أفغانستان سيولد تنظيم «القاعدة».

في 11 سبتمبر (أيلول) 2001 سيهتز العالم. نقل بن لادن حربه إلى الأرض الأميركية نفسها عبر «غزوتي واشنطن ونيويورك». استخدمت الطائرات المدنية في تدمير برجي مركز التجارة العالمي وسقط آلاف القتلى والجرحى. مشهد أخطر بكثير من «طوفان يحيى السنوار» وعواقبه أشد.

الرئيس الأميركي جورج بوش الابن ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد يتفقدان الأضرار في مبنى البنتاغون غداة هجمات 11 سبتمبر 2001 (غيتي)

أصيبت أميركا في صميم رموز هيبتها ونجاحها. وانتظر العالم رد الإمبراطورية الجريحة. هندس الرئيس جورج بوش الابن وبنصائح المؤسسة العسكرية والأمنية وتشجيع «المحافظين الجدد» رداً بدأ بإسقاط نظام «طالبان» في أفغانستان ثم انتقل ليشمل غزو العراق وإسقاط نظام صدام حسين.

رأى جنرالات «الحرس الثوري» أنفسهم أمام مشهد يصعب تصديقه. النظام الأفغاني المعادي لإيران أسقط على يد الأميركيين، والأمر نفسه بالنسبة لنظام صدام الذي كانت إيران فشلت في إسقاطه. ولم تتردد إيران في تسهيل إسقاط النظامين أو عدم عرقلة عملية الإسقاط على الأقل.

ابتهج النظام الإيراني بتساقط الأعداء من حوله لكنه رأى قوات «الشيطان الأكبر» ترابط على حدوده من جهتين. هنا ستبدأ مرحلة جديدة في العلاقات الإيرانية - الأميركية. سيرعى ضباط من «فيلق القدس»، في مقدمهم قاسم سليماني، مهمة تقويض الوجود العسكري الأميركي خصوصاً في العراق ومن دون الانزلاق إلى صدام مباشر مع أميركا.

ومن دون أن يقصد قدم أسامة بن لادن لإيران هدية ثمينة. انشغل العالم بعد «غزوتي واشنطن ونيويورك» بخطر «القاعدة»، ثم اتجهت أنظاره إلى خطر صدام الذي قامت آلة الاعلام الغربية بتضخيمه والمبالغة في خطورته على المنطقة والعالم. وساهم بن لادن أيضاً ومن دون أن يقصد في تبرير إسقاط نظام صدام.

وجهت إدارة بوش الابن إلى نظام صدام حسين اتهامات كثيرة لتبرير عمل عسكري حاسم ضده. اتهمته بالاستمرار في اقتناء أسلحة دمار شامل وعرقلة عمل المفتشين الدوليين. اتهمته أيضاً بأنه لم يطَلّق الحلم النووي، ويبدو أن حسين كامل صهر صدام أوحى خلال فترة انشقاقه أن النظام لم يتغير في هذين الملفين. لكن أخطر ما حدث هو محاولة إيجاد علاقة بين النظام العراقي السابق و«القاعدة»، تحديداً بين صدام حسين وأسامة بن لادن.

لم يقم أي تعاون بين نظام صدام و«القاعدة»، لكن الرئيس العراقي ارتكب خطأ استطلاع إمكان التعاون. خلال وجود أسامة بن لادن في الخرطوم وبوساطة من الزعيم الإسلامي السوداني الدكتور حسن الترابي استقبل أسامة بن لادن مسؤولاً في المخابرات العراقية هو فاروق حجازي. كان النقاش طويلاً وصعباً. وبعد عودته نصح حجازي، صدام، بطي الصفحة وتوقفت الاتصالات. وقد سمعت هذه الرواية من سالم الجميلي مدير قسم أميركا في المخابرات العراقية آنذاك، وهو كان وراء أول محاولة اتصال مع بن لادن عبر وسيط سوري لكنها لم تنجح.

زيارة الأسد القلق

حدث آخر ترك بصماته على المرحلة اللاحقة. قبل أيام من الغزو الأميركي للعراق هبطت في طهران طائرة الرئيس السوري بشار الأسد. كان القلق من الحرب المقتربة العنوان الوحيد لمحادثاته مع الرئيس محمد خاتمي ولقائه المرشد علي خامنئي. اتفق الجانبان على أن أي استقرار للقوات الأميركية في العراق قد يشجعها على نقل التجربة إلى سوريا أو إيران. وهكذا اتفق على المسارعة إلى استنزاف الوجود الأميركي عبر «المقاومة». وشارك في بعض تلك اللقاءات الضابط الإيراني قاسم سليماني. واستناداً إلى ذلك الاتفاق راحت سوريا تسهل مرور «المجاهدين» والمقاومين إلى العراق، وراح سليماني يبني ببراعة شبكات المقاومة.

بشار الأسد مستقبلاً قاسم سليماني

راهنت إيران على الجغرافيا وربحت. وافقت على دخول حلفائها العراقيين مجلس الحكم والحكومات المتعاقبة خصوصاً بعد انتقال الصلاحيات إلى منصب رئيس الوزراء الذي بات بحكم العرف شيعياً. في ديسمبر (كانون الأول) 2011 انسحب آخر جندي أميركي من العراق، وتحولت إيران شريكاً لا بد منه في الشأن العراقي. ستحمل الحكومات العراقية بصمات سليماني وستحمل بصمات إسماعيل قاآني من بعده.

البغدادي والفتوى و«الحشد»

حدث آخر سيرسخ البصمات الإيرانية على المصير العراقي. في يوليو (تموز) 2014 أطل أبو بكر البغدادي زعيم «داعش» من الموصل التي كانت قد شهدت قبل أسابيع انهيار وحدات الجيش العراقي فيها. التقط قاسم سليماني الفرصة. أرسل فوراً شحنتي سلاح، واحدة إلى بغداد والأخرى إلى أربيل. أعلنت المرجعية العراقية ممثلة بآية الله السيستاني «الجهاد الكفائي»، ونجحت إيران في تحويله لاحقاً مبرراً لولادة «الحشد الشعبي» ثم تحويله مؤسسة شرعية تابعة لرئيس الوزراء بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة.

سليماني خلال إشرافه على عمليات في الموصل

وهكذا اكتمل تسرب إيران إلى البرلمان والحكومة والجيش و«الحشد». وقبل أسابيع أقدمت تنظيمات «ولائية» تقيم على أطراف «الحشد» على إطلاق صواريخها ومسيراتها في اتجاه الدول العربية في الخليج بذريعة تعرض إيران لهجوم أميركي - إسرائيلي. وبدا واضحاً أن إيران التي خسرت الجسر السوري بعد سقوط نظام بشار الأسد ازدادت تمسكاً بالجار العراقي وبلبنان «حزب الله» الذي يضمن لها وجوداً على حدود إسرائيل وإطلالة على المتوسط. غيرت إيران ملامح العراق. وغيرت ملامح لبنان. وغيرت المشهدين الفلسطيني واليمني أيضاً.