سيوران... صانع العزلة

كان يرى أن جميع الطرق تؤدي إلى ذواتنا

إيميل سيوران
إيميل سيوران
TT

سيوران... صانع العزلة

إيميل سيوران
إيميل سيوران

لعل أبرز هؤلاء الكتّاب والفلاسفة الذين لم يعيشوا العزلة فحسب، بل نظروا لها، الفيلسوف الروماني الأصل، الفرنسي الجنسية، إيميل سيوران. ولو جرّبنا أن نقرأ هذا الفيلسوف بعناية، نجد أن جل أعماله تدور حول عزلة الإنسان. جان بول سارتر قال بعبارة شعبية: «الآخرون هم الجحيم». ولكن حالة سيوران تختلف، فهو يعطي العزلة تقديساً من نوع آخر، بل إنه تحدث كثيراً عن كون الإنسان في نهاية المطاف كائناً منعزلاً. والعزلة التي يقصدها سيوران هي صُنع العزلة من خلال الإبداع الخلاّق.
اكتشف سيوران الفراغ في الحياة اليومية وغرف الفنادق في باريس منذ عام 1937، مما دفع الفيلسوف في صيف عام 1946 إلى اتخاذ قرار حاسم، وهو: عدم الكتابة إلا باللغة الفرنسية، والتخلي عن أعماله التي كتبها بلغته الأصلية الرومانية. إلا أن مكتبة جاك دوسيه الأدبية في باريس قررت الاحتفاظ بها، لتكون أرشيفاً توثيقياً، في عام 1949. وقام نيكولاس كافيليس، محرر أعمال سيوران الكاملة في سلسلة «غاليمار» الشهيرة «لابلياد»، بترجمتها ونشرها في عملين، هما: «نافذة على العدم» و«المتناقضات»، في أواخر 2019. وهما يمثلان سيوران الشاب، حيثُ نرى فيهما احتفاءً بما نطلق عليه التجربة والخطأ. ولم يكتمل البحث الفلسفي العميق عند سيوران في هذين الكتابين. وقد أكّد فيهما على حقيقة أن «كل واحد منا يمكن أن يغرق في هاجسه الذاتي من الفجر حتى منتصف الليل، حتى يتجاوز نفسه ووعيه، وهو في مواجهة السعي لحّل الألغاز والأسرار التي تكتنف الشمس والأرض والسماء، إنها تأخذنا إلى عزلة النجوم أو عزلة الخرف أو اضطراب الذاكرة. ومهما يكن الاتجاه الفكري أو الفلسفي الذي يتبناه المرء، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ذواتنا، كما لو أن هذه الذات هي روما في التاريخ».
ومن خلال الأمثال والاستطرادات التي يوردها الفيلسوف سيوران في كتابيه، نتعرف على الفيلسوف الذي يجنح نحو الغنائية المتخيلة، معتبراً أن الالتزام بالذات الفردية شكل من أشكال مركز الجاذبية، التي تفضي إلى الذاتية الموضوعية في نهاية المطاف. ويبرر سيوران كتابته هذه بأنها عفوية صادقة بعيدة عن النمطية الجاهزة؛ إنها نوع من أنواع القناع والهروب، وزعزعة الاستقرار على تفكير أحادي. ويقول سيوران في كتابه «المتناقضات»: «عندما أنظر إلى العيون والسماء والأزهار، فإنني أرى أن انسجام الكون مثل سوناته شعرية لا يمكن فك ألغازها وأسرارها وشيفرتها». ويضيف في لحظة تساؤل: «إن العالم المتقدم لم يتعرض للانهيار حتى الآن، ونحن فقدنا حساسيتنا إزاء السخرية». ومن خلال كتابه الثاني «نافذة على العدم»، يظهر سيوران المحب العاشق: «لقد عرفت النساء اللواتي لا يملكن الفخامة بالضرورة». وعند قراءة سيوران الشاب، يظهر التجلي الحاد للذات التي تكشفها رسائله. وفي الحقيقة، إن القارئ ليشعر في أثناء قراءة هذين الكتابين بأنه أقل عزلة مع سيوران.
وتتجلى عزلة الكتابة عند سيوران بطريقة فريدة من نوعها، وهي تنفتح على عناصر الشعور، والإحساس، والهوس، والصورة، والرمز، والفكرة، والمفهوم... إنها نوع من الاستبصار عبر الوجود والوعي. العزلة مع الذات، والإحساس بها إزاء الآخرين والأشياء. وتتجلى قوة الاستقلالية بأسمى صورها، ساعية إلى معالجة المحن التي يواجهها الإنسان المعاصر. وهذا الشعور بالعزلة غير قابل للذوبان أو الزوال، بل ينفتح على ذروة داخلية مأساوية ذات أبعاد كونية، وهي فلسفة الانفصال عن الآخرين، والصفاء مع الذات. ويتفق سيوران مع بيكيت في أن مارسيل بروست هو أول كاتب جعل «الفن يقدّس العزلة». ولعل هذه العزلة تجعل سيوران يبحث في تصوره عن الصداقة والآخرين، ومواجهة العزلة بأفكار أخرى، مثل استجواب كل من كيركغارد وشوبنهاور ونيتشه وسارتر وهايدغر، وإلقاء الضوء على أفكارهم في العزلة.
كيف نفهم عزلة الكاتب وأفعاله؟ وهل يتجاوز الكاتب هذه العزلة ليبحر في عزلة أكثر حدة؟ لا تزال جملة سيوران الشاب حاضرة: «على الإنسان أن يتعوّد على أن يكون بمفرده أكثر مما يتعوّد على الاختلاط بالآخرين»، وهذا هو جوهر فكرة سيوران عن العزلة. إنها بالأحرى التأملات التي تثيرها العزلة، وتلقي بظلالها على فضاءات فلسفية، وأدبية، وشعرية، ولغوية، ونفسية، وتاريخية. وتُجبرنا هذه العزلة على إدراك حدودنا، وماهية الموت الذي ينتظرنا، لأن الموت يحوّل الحياة إلى سؤال، وقلق، ومعنى. والروح تختنق في الجسد لأنه صغير جداً، ولا يقدر على استيعابها، كما يؤكد سيوران. ومن هنا يفرض القيد الزماني والمكاني شروطه على جوهر دراما الإنسان.
يكتب سيوران أن الإنسان لا يمكن أن يوجد إلا في الأنا، من خلال تأمل الفراغ الذي يقوده إلى أن يعيش كبرياء العزلة حتى النهاية، إذ لا يوجد أمام الإنسان سوى التفكير فيما يتعلق بذاته، فالحياة تجربة مؤلمة، لكنها الوحيدة التي تضع الكائن الإنساني في مواجه الإله. الهواجس هي شياطين عالم بلا إيمان، ولا يمكن إخفاء معاناة الإنسان إلا من خلال السخرية فقط. عندما تكون بمفردك، فإنك غير محدود، بل مُطلق. وبمجرد أن يدخل إنسان آخر في حياتك، فأنت تواجه حدوداً، وسرعان ما يحل العدم. لذا يجب الاتكاء على الذات، وليس على الآخرين. عندما أفكر بالعزلة، كما يقول سيوران، ترتسم صورة الصحراء في ذهني تلقائياً، فقد ظل القديس أنطونيوس منفصلاً عن العالم طيلة عشرين عاماً لكي يتأمل ويكتب. هل يمكن أن نتحمل هذه العزلة من دون مساعدة الإيمان؟ سؤال يطرحه سيوران: ليس أمام الإنسان سوى الشك أو الصحراء، ولا يمكن له أن يعيشهما معاً وفي آن واحد.
ما معنى المنفى في نظره؟ إنها لحظات العزلة القصوى. وسيوران لم يبدع أعماله الفلسفية المتميّزة إلا في صلب العزلة، حتى تحوّل إلى ناسك باريس. والمكان المناسب لتجربة العزلة في نظره هو «الجزيرة» و«الصحراء». فالعودة إلى الذات، تجعل الإنسان يخلقُ عزلة الذاتية لنفسه. وهو لا يعني أن يبقى محبوساً، لأنه يحب الشارع والحوار مع يوجين يونيسكو وهنري ميشو وصموئيل بيكيت، ولا يغفل حضور المؤتمرات والحفلات الموسيقية والمسارح، وهو يقول بهذا الصدد: «إنا مؤنس - ضد نفسي، عن طريق العقاب الذاتي»، والليل يثير في نفسه «روح التناقض»، حساسيته شبيهة بروحية الرومانسيين، روح قلقة تنجذب إلى «العزلة المطلقة». يقول سيوران أيضاً إنه «رومانسي متخلّف أنقذته السخرية». وهو مع بودلير، يعدُ نفسه «الغريب» بين البشر، وهو يعيش هوس الوقت: «الزمن يحفظني»، ويقول: «الشيخوخة هي اندحاري الوحيد». ويفترض سيوران أن ثمن المعاناة هي وجود الآخر، لكن فعل الكتابة يخفف من هذه الوطأة. لذا ثمة علاقة بين العزلة الفردية والعزلة الكونية، وهما يؤديان إلى العزلة الإبداعية، والتجربة الجمالية، وعظمة الروح.
اختفى سيوران في يونيو (حزيران) 1995، وتوّج القول المأثور، حيث ولد فقيراً وتوفي فقيراً، وكان يزدري المجد والشهرة. على أي حال، اشتهر سيوران بمديح العزلة، وتأثر بنيتشه والموسيقى. ونصوصه في عام 1931 كانت أكثر تشاؤمية، وامتدت إلى أعماله اللاحقة. وكان سيوران في العشرين من عمره، عندما نشر مقالاته في الصحف الرومانية، وكان مغرماً كبيراً بالفلاسفة الألمان، وهو القائل: «لا يمكنني الحديث عن الرأسمالية دون ذكر الموت». وجمل سيوران وعباراته مؤثرة، تشبه إلى حد ما قصائد الهايكو، في تكثيفها واختزالها للمشاعر والأحاسيس. وقد قال في عام 1934: «إننا لا يمكن أن نحقق السعادة لو استأثرنا بأنفسنا، فالتعاسة خطيئة ضد الحياة، لكنها تعبّر عن أعماقنا، إذ لا مصير إلا في إدراك مصيبتنا». وقد ثار سيوران ضد الذين قاموا بطرد زميله ومواطنه الفيلسوف ميرسيا إلياد من الجامعة عام 1937، لكنه لا يحمل الكراهية في أعماقه، وظل يحتفل بالمناظر البافارية وموسيقى موزارت وأحاديث عن غريتا غاربو. ونصوصه في العزلة ثمينة للغاية لأنها تجسّد وجوه سيوران المتنوعة؛ ذوقه للمفارقة، ورومانسيته الكئيبة، وكراهته للآيديولوجيات والأفكار الجاهزة وطائفته، ويقف بكل سخرية فولتيرية وجهاً لوجه ضد الأبدية، ويتساءل: كيف يمكن أن يعيش بعض الناس غير مبالين في هذا العالم؟ وكيف يمكن أن توجد قلوب لا تحترق بالألم والمعاناة؟



نجم «بيبي شارك» يطرق أبواب الـ«كي بوب» بأول أغنية منفردة

حقق فيديو «رقصة بيبي شارك» الذي يؤديه بارك غون رونغ 17.2 مليار مشاهدة منذ ظهوره لأول مرة على «يوتيوب» عام 2016 (لقطة شاشة من شركة بينكفونغ/ يوتيوب)
حقق فيديو «رقصة بيبي شارك» الذي يؤديه بارك غون رونغ 17.2 مليار مشاهدة منذ ظهوره لأول مرة على «يوتيوب» عام 2016 (لقطة شاشة من شركة بينكفونغ/ يوتيوب)
TT

نجم «بيبي شارك» يطرق أبواب الـ«كي بوب» بأول أغنية منفردة

حقق فيديو «رقصة بيبي شارك» الذي يؤديه بارك غون رونغ 17.2 مليار مشاهدة منذ ظهوره لأول مرة على «يوتيوب» عام 2016 (لقطة شاشة من شركة بينكفونغ/ يوتيوب)
حقق فيديو «رقصة بيبي شارك» الذي يؤديه بارك غون رونغ 17.2 مليار مشاهدة منذ ظهوره لأول مرة على «يوتيوب» عام 2016 (لقطة شاشة من شركة بينكفونغ/ يوتيوب)

أعلنت شركة «بينكفونغ» أن الطفل الذي ظهر في الفيديو الأكثر مشاهدة على «يوتيوب» على الإطلاق، والمعروف باسم «بيبي شارك بوي» في كوريا الجنوبية، سيُطلق أول أغنية منفردة له في عالم الـ«كي بوب» في 20 أغسطس (آب).

وكانت الشركة العالمية المتخصصة في الترفيه العائلي، والمالكة لعلامتي «بينكفونغ» و«بيبي شارك»، قد أعلنت في 10 أغسطس أن «بيبي شارك بوي» سيُصدر أول أغنية رقمية له بعنوان «ويف» (WAVE)، وهي أغنية باللغة الكورية شارك في كتابة كلماتها، ويشاركه فيها جوهوني من فرقة «مونستا إكس»، وفق ما أفادت صحيفة «ذا ستريت تايمز».

يُذكر أن «بيبي شارك بوي» اسمه الحقيقي بارك غون رونغ، ويبلغ من العمر 17 عاماً، وقد ظهر لأول مرة في فيديو «بيبي شارك دانس» عام 2016. ومنذ ذلك الحين، تجاوزت مشاهدات الفيديو 17.2 مليار مشاهدة، وحافظ على صدارة «يوتيوب» العالمية لمدة 69 شهراً متتالياً.

وعاد بارك بشكل مفاجئ في عام 2025 من خلال مقاطع فيديو قصيرة بمناسبة الذكرى العاشرة للأغنية، والتي حصدت 22 مليون مشاهدة.

وقال بارك في بيان: «قبل عشر سنوات، كنت أرقص بجانب (بيبي شارك). الآن، أريد أن أشارككم صوتي وقصتي التي كتبتها بنفسي. يسعدني أن أبدأ شيئاً جديداً مع من تذكروني طوال هذه المدة، وأريد أن أواصل إظهار تطوري من هنا».
من جانبه قال ممثل الشركة: «نشأ صبي (بيبي شارك) جنباً إلى جنب مع بيبي شارك، وربطته علاقة مميزة مع المعجبين حول العالم. الأمر لا يقتصر على إعادة الطفل من الفيديو فحسب، بل يتعلق بروايته لقصته الخاصة».

وتشير هذه الخطوة إلى طموح الشركة لتوسيع نطاق علامة «بيبي شارك» التجارية، لتشمل ما هو أبعد من محتوى الأطفال، وصولاً إلى سوق موسيقى البوب ​​الكورية الأوسع.


بين البترون وبيروت... الفنّ التصويري والتشكيلي في تحية ومبادرة

ماهر عطّار وموريال واكد في معرض «خارج الإطار» للمصوّرين الناشئين (أرت ديستريكت)
ماهر عطّار وموريال واكد في معرض «خارج الإطار» للمصوّرين الناشئين (أرت ديستريكت)
TT

بين البترون وبيروت... الفنّ التصويري والتشكيلي في تحية ومبادرة

ماهر عطّار وموريال واكد في معرض «خارج الإطار» للمصوّرين الناشئين (أرت ديستريكت)
ماهر عطّار وموريال واكد في معرض «خارج الإطار» للمصوّرين الناشئين (أرت ديستريكت)

كما العاصمة، تنبض بعض المناطق اللبنانية أيضاً بنشاطات ثقافية وفنية تعيد لبنان إلى موقع الريادة في هذين المجالين. فإلى جانب المهرجانات والحفلات الفنية التي أُحييت في بيروت وجونية وفقرا وغيرها، أُقيمت بالتوازي معها معارض تشكيلية تُعلن اختتام موسم الصيف، ومن المقرّر أن تعود إلى الواجهة مع انطلاق موسم جديد في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

واللافت أنّ بعض صالات العرض اتّبعت خططاً مختلفة لدعم هذه الفنون وتشجيع انتشارها، فاختارت الانتقال إلى خارج العاصمة، لتتيح لأكبر عدد ممكن من السياح وأهالي المناطق المضيفة فرصة الاطلاع على أعمال فنية تتنوّع بين الرسم والنحت والتصوير الفوتوغرافي.

وكان هذا التقليد قد غاب مدةً بسبب الأوضاع غير المستقرّة؛ إذ كان تنظيم معارض في بلدات حمانا وصوفر وبرمانا يجري سنوياً، في إطار تشجيع الفنون وتنشيط الحركة السياحية الداخلية.

ومؤخراً، أخذ غاليري «آرت ديستريكت» على عاتقه إقامة معرض له في «فيلا باراديزو» في البترون. وتحت عنوان «Summer Frequency» (التردّد الصيفي)، جمع المعرض أعمال نحو 15 رساماً ومصوّراً فوتوغرافياً، قدموها وسط ديكورات ريفية تستحضر هوية لبنان التراثية.

تحية تكريمية للفنّ الفوتوغرافي في منطقة الجميزة البيروتية (آرت ديستريكت)

ويشير صاحب غاليري «آرت ديستريكت» ماهر عطّار إلى أن هذه المبادرة جاءت في إطار السعي إلى توسيع البقعة الثقافية للفنون على اختلافها. ويضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «في ظلّ الحروب التي مرّ بها لبنان، كانت تراودني فكرة إقامة معارض في مناطق آمنة خارج العاصمة، ولكنني هذه السنة، ووسط هدوء حذر نشهده، قرّرت ترجمة الفكرة على أرض الواقع، فاخترت بلدة البترون لاستضافتها، لأنها محطة سياحية مشهورة يقصدها اللبنانيون. كما يزور المدينة السياح العرب والأجانب للتعرّف إلى بحرها، أو الإقامة في أحد فنادقها، والسهر في مقاهيها».

وبالفعل، لم يتردّد عدد من الفنانين، وبينهم ميراي مرهج، وجوسلين غناجة، وميشلين نهرا، وجوزف هيكل، وجمال عالية، وغيرهم، في تلبية دعوة عطّار، الذي يشارك بدوره في المعرض.

ويستدرك: «رغبتُ في أن أستحدث بقعة فنية راقية تبرز فن الرسم والنحت والتصوير الفوتوغرافي الأصيل. فهناك محلات كثيرة في البترون تعرض أعمالاً فنية تصلح هدايا تذكارية. لكن (ديستريكت) البترون فتح الباب أمام أعمال تشكيلية حقيقية تسهم في تلبية أذواق هواة الفن التشكيلي. وقد لاقت هذه المبادرة تشجيعاً من أهالي البترون وضيوفها».

ويرى عطّار أنّ المبادرة وُلدت من مبدأ بسيط: «إذا كنتَ لا تستطيع أن تزورنا، فنحن نزورك». فتبادل الثقافات، من خلال اختصار المسافات، لا بد أن ينعكس إيجاباً على المجال الثقافي.

وعما إذا كان سيُبقي على هذا التقليد سنوياً، يردّ: «ربما سنجول في مناطق أخرى مثل فقرا، ولكنني أتوق إلى إقامة هذا النوع من المعارض في جنوب لبنان، عندما يعمه الهدوء والأمان».

وفي الموازاة، يحافظ غاليري «آرت ديستريكت» على تقليد سنوي يتبعه منذ 5 أعوام في مركزه بشارع الجميزة. وهو تحية تكريمية للتصوير الفوتوغرافي، من خلال الاحتفاء بمواهب فنية ناشئة، فيختار عدداً من المصوّرين الشباب بهدف تشجيع الجيل الجديد على ممارسة هذه المهنة وفق أصولها.

ماهر عطّار وموريال واكد في معرض «خارج الإطار» للمصوّرين الناشئين (آرت ديستريكت)

وتحت عنوان «خارج الإطار»، اجتمع أنهل رحمة، وآنا كريستينا نوفل، وكريس نصّار، إضافة إلى موريال واكد، وروجيه عاجور، ويوسف بو خالد، وقدّموا أعمالهم التصويرية التي تُحاكي العصرية وتعكس تقنيات جديدة في عالم التصوير الفوتوغرافي. وتبدو بعض الصور كأنها مرسومة بالريشة، كتلك التي توقّعها موريال واكد.

ويوضح عطّار: «لكل موهبة ناشئة خصوصيتها وأسلوبها في التصوير، وهذا يبدو واضحاً في أعمالهم. فصور موريال تعكس شخصيتها الهادئة والناعمة، فيما تنقل عين روجيه عاجور الثاقبة المشهد بإضاءة معروفة في الاستوديوهات».

نلاحظ النفحة السينمائية في بعض الأعمال، فيما تفرض أعمال أنهل رحمة في فن البورتريه على ناظرها التأمّل فيها، لاكتشاف علاقتها بقصائد شعرية يرفقها مكتوبة عليها. ويروي ماهر عطّار قصة إحدى المواهب الناشئة، كريستيان نصّار: «هذا الشاب أبهرني بأعماله، ولم أتنبه إلى أنها مأخوذة بعدسة الهاتف الجوال. وهو أمر أمنعه في الغاليري. فإحيائي لهذا التقليد السنوي يقوم على قاعدة التمسّك بأصول الصورة الفوتوغرافية الثابتة، والمأخوذة بعدسة كاميرا محترفة. ولكن شغف كريس بالتصوير دفعه إلى تعلّم التصوير الفوتوغرافي وفق الأصول، فاشترى كاميرا خاصة لتنفيذ أعماله الجديدة. وعندما عرض معي العام الماضي، لاقت صوره إقبالاً كبيراً. وهذه السنة أيضاً استطاع لفت انتباه الزوار. فهو يصوّر بإحساس عالٍ، وبعين تتقن التقاط اللحظة لتحويلها إلى صورة مميّزة».


مصر: اكتشاف بقايا طريق «عسيلة» على الدرب السلطاني في شمال سيناء

جانب من الكشف الأثري (وزارة السياحة والآثار)
جانب من الكشف الأثري (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر: اكتشاف بقايا طريق «عسيلة» على الدرب السلطاني في شمال سيناء

جانب من الكشف الأثري (وزارة السياحة والآثار)
جانب من الكشف الأثري (وزارة السياحة والآثار)

يأتي الكشف عن بقايا خان طريق «عسيلة» بشمال سيناء على الدرب السلطان ليلقي المزيد من الضوء على تاريخ سيناء وطرقها التاريخية، ويرجح الأثريون أنه كان أحد خانات الطريق التي خدمت القوافل التجارية وقوافل الحجاج المصريين والمسافرين على الدرب السلطاني، المعروف باسم «درب الحاج المصري»، الذي كان يربط مصر بشبه الجزيرة العربية وبلاد الشام.

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، الكشف، «إضافة مهمة إلى سلسلة الاكتشافات الأثرية التي تسهم في إعادة قراءة تاريخ سيناء وإلقاء الضوء على الحضارات والمجتمعات التي ازدهرت على أرضها»، مشيراً في بيان للوزارة، الثلاثاء، إلى أن «الموقع ظل مطموراً تحت الرمال لقرون، قبل أن تبدأ أعمال الحفائر العام الماضي في الكشف عن ملامحه وإعادة إحياء تاريخه».

ويفتح الاكتشاف نافذة على شبكة الطرق التاريخية التي ربطت مصر بالمشرق العربي، وفقما أوضح الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، مؤكداً أن أعمال الحفائر كشفت عن بقايا جدران مشيدة من الطوب اللبن والطوب الأحمر، ومدعمة في أساساتها بأحجار كلسية كبيرة، وهو أسلوب معماري كان شائعاً في تشييد وتدعيم المنشآت الكبرى خلال العصور الإسلامية.

وأضاف أن «الجدران المكتشفة تمتد في اتجاهات الشمال والشرق والجنوب، وتضم تشكيلات معمارية داخلية تشير إلى وجود عدد من الحجرات، يرجح أن يكون بعضها قد استخدم كحوانيت ملحقة بخان الطريق، ويتشابه التخطيط العام للموقع إلى حد كبير مع تخطيط خان الخوينات، إحدى المحطات التجارية المهمة بشمال سيناء، وإن كان موقع عسيلة أصغر مساحة، بما يدعم فرضية استخدامه كمحطة لاستراحة الحجاج والتجار على الدرب السلطاني».

الخان القديم يرجح أنه كان على طريق الحجاج (وزارة السياحة والآثار)

وأسفرت أعمال الحفائر عن العثور على مجموعة من اللقى الأثرية التي تعكس طبيعة الحياة اليومية بالموقع، من بينها كميات من الفخار كبير الحجم المستخدم في تخزين المياه والمؤن، إلى جانب أوانٍ ذات طلاء أخضر زيتوني، وأخرى باللونين الأحمر والأبيض، فضلاً عن أجزاء من مسارج كانت تستخدم للإضاءة.

ويسهم الكشف، حسب محمد خليل وصدام حسين، رئيسي البعثة الأثرية، «في فهم طبيعة البنية التحتية التي دعمت حركة التجارة والحج والتحركات العسكرية في العصور الإسلامية، كما يساعد على دراسة شبكة المحطات الاستراتيجية التي أقيمت على طرق سيناء لخدمة المسافرين والقوافل، أما عن اللقى الأثرية المكتشفة فترجح تأريخ الموقع إلى العصر المملوكي، ومن بينها أوانٍ ذات طلاء أخضر زيتوني مميزة لهذه الفترة، بالإضافة إلى كسر من الفخار المزجج تحمل عناصر زخرفية يمكن نسبتها إلى فترة السلطان الناصر محمد بن قلاوون في العصر المملوكي البحري».

وتشير الدراسات التاريخية إلى أن الطريق ظل مستخدماً لقرون إلى أن توقف استخدامه وتحول مسار حركة الحج إلى الطريق الجنوبي عبر عيذاب - جدة.

وقال الدكتور محمد حلمي، مدير عام آثار سيناء، إن الاكتشاف يأتي في إطار خطة لإعادة إحياء الحواضر المندثرة، ومكملاً لاكتشافات أخرى تعمل على مشروع إحياء حصون الشرق، ويختص بالمناطق الدفاعية على الحدود المصرية الشرقية. وقال حلمي لـ«الشرق الأوسط»، إن «البعثات الاستكشافية سعت للقيام بمشروع مكمل هدفه إحياء الحواضر وتتمثل في المدن التي كان يقيم بها المصريون في العصور الإسلامية المختلفة، وهذه المدن تتغير تبعاً للظروف الاقتصادية والاجتماعية والبيئة التي تؤثر على محيطها، ما يجعلها تزدهر فترة ثم تختفي وتندثر تماماً، مثل منطقة الفرما وكانت مزدهرة خلال العصر الروماني وبداية العصر الإسلامي، وحتى العصر الفاطمي، بعدها جرت كثير من المتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية هناك أدت لهجرة السكان منها واندثارها، بعد ردم فرع النيل الذي كان يصب في البحر، وهكذا فقدت المدينة أهميتها وبدأت الناس تهجرها، وظهرت حواضر أخرى بديلة محيطة بها».

إحدى اللقى الأثرية بالموقع (وزارة السياحة والآثار)

وأضاف حلمي أن «علماء الأثار عملوا على هذا الخط على منطقة قاطيا، الفلوسيات، وخلال استقصائهم ومسح للمساحة محل البحث اكتشفوا طريقين؛ الأول شمالي والثاني جنوبي، طريق بحري يمر بالبحر مباشرة، وهو طريق حورس الحربي الذي كانت تمر من خلاله الحملات العسكرية، وطريق جنوبي يبعد عنه نحو 5 كيلومترات، وهو معروف بطريق الجفار، أو (الدرب السلطاني) وقد ازدهر خلال الفترة الإسلامية، وعليه تكونت مجموعة من الحواضر».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended