مبادرة أوروبية لجمع 8 مليارات دولار لمكافحة «كوفيد ـ 19»

رفع مشروط للقيود في 15 دولة... ومواطنون متخوفون من عودة سريعة للحجر

إسبان يمارسون الرياضة بعد تخفيف القيود في مدريد أمس  (أ.ب)
إسبان يمارسون الرياضة بعد تخفيف القيود في مدريد أمس (أ.ب)
TT

مبادرة أوروبية لجمع 8 مليارات دولار لمكافحة «كوفيد ـ 19»

إسبان يمارسون الرياضة بعد تخفيف القيود في مدريد أمس  (أ.ب)
إسبان يمارسون الرياضة بعد تخفيف القيود في مدريد أمس (أ.ب)

يدعم قادة أوروبيون مبادرة من بروكسل لجمع 7.5 مليار يورو (8.3 مليار دولار) لدعم البحث العلمي لإيجاد لقاح لمواجهة جائحة فيروس «كورونا» المستجدّ المتفشي في العالم. وقدّمت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، الجمعة، خطة جمع الأموال لجهود دولية لإيجاد لقاح وعلاج لفيروس (كوفيد - 19)، وسيعقد مؤتمر لجمع التبرعات عبر الإنترنت اليوم الاثنين لسد العجز في تمويل البحث العلمي في هذا المضمار.
وقدم رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل دعمهم للخطة الطموحة في خطاب مفتوح نشر في الصحف في عطلة نهاية الأسبوع. كما وقع على الخطاب أيضا رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال ورئيسة الوزراء النرويجية إيرنا سولبرغ. وأعرب جميع الموقعين على الخطاب عن دعمهم لمنظمة الصحة العالمية في مواجهة الانتقادات الأميركية بشأن تعاملها مع الأزمة التي تعصف بالعالم، كما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية.
وقال القادة الأوروبيون إن الأموال التي سيتم جمعها «ستطلق تعاونا عالميا غير مسبوق بين العلماء والمنظمين والقطاع الطبي والحكومات والمنظمات الدولية والمؤسسات والمتخصصين في الرعاية الصحية». لكنهم حذروا من أنه لا تزال هناك حاجة إلى المزيد من الأموال لتصنيع وتسليم أدوية «متاحة وسهلة الوصول وبأسعار معقولة» في جميع أنحاء العالم. وأضافوا «إذا استطعنا تطوير لقاح ينتجه العالم للعالم كله، فسيكون ذلك منفعة عامة عالمية فريدة في القرن الحادي والعشرين».
في غضون ذلك، تواصل أوروبا تخفيف إجراءات العزل التي فرضت على سكانها للحد من انتشار وباء (كوفيد - 19) بقرارات جديدة يفترض أن تطبق اعتبارا من بداية الأسبوع في نحو 15 بلدا، بينها إسبانيا وإيطاليا التي تخضع لحجر منذ شهرين وتنتظر بتوتر الرفع الجزئي للقيود اليوم.
حماس حذر في إيطاليا
وقال بييترو غارلانتي (53 عاما) الذي كان يضع قناعا على وجهه ويرتدي قفازين من البلاستيك: «أريد أن أقود أمي المسنة إلى الشاطئ، هل يمكنني القيام بذلك؟». وأضاف الرجل الذي كان يشتري صحيفة في وسط روما «آمل أن تقول لنا صحف الصباح ما نستطيع، وما لا نستطيع أن نفعله»، كما نقلت عنه وكالة الصحافة الفرنسية.
وصباح أمس الأحد وكما هو الحال منذ شهرين تقريبا، كانت الجادات التاريخية الكبرى في وسط روما خالية من المارة، باستثناء بعض هواة رياضة الجري الذين يركضون حول مجموعة من المنازل ويبقون على مسافة بينهم، أو بعض محبي الرياضة على شرفاتهم. ويستعد الإيطاليون الذين يخضعون لإجراءات حجر صارمة منذ التاسع من مارس (آذار)، لدخول سلسلة من إجراءات تخفيف العزل اليوم بعدما دفعوا ثمنا باهظا للوباء الذي أودى بحياة نحو 29 ألف شخص في البلاد وخصوصا في منطقة لومبارديا (شمال).
وناشد مسؤول الخلية المكلفة مكافحة الوباء دومينيكو أركوري مواطنيه التزام الحذر مع بدء الإجراءات. وقال: «لا تتهاونوا (...) الاثنين تبدأ المرحلة الثانية، وعلينا أن ندرك أنها ستكون بداية تحد أكبر»، مذكرا بأن «الحرية النسبية» التي ستمنح للإيطاليين اليوم سيعاد النظر فيها إذا انتشر الوباء مجددا. وينتظر الإيطاليون بفارغ الصبر القواعد الجديدة من إعادة فتح المنتزهات مع الإبقاء على مسافات بين روادها، إلى إمكانية القيام بزيارات عائلية والاجتماع بأعداد محدودة، وتنقلات تقتصر على حي السكن ولغرضي العمل والصحة فقط، والبيع دون جلوس في المقاهي والمطاعم. وهذه الإجراءات متفاوتة بين المناطق العشرين في البلاد، ما يؤدي إلى بعض الالتباس. فكالابريا وفينيتو خففتا القيود من قبل، وسمحتا بفتح المطاعم لكن بلا شرفات.
من جهة أخرى، استأنفت بعض قطاعات الاقتصاد العمل (البناء والسيارات والمنتجات الفاخرة...) في 27 أبريل (نيسان) على المستوى الوطني، أما المدارس فستبقى مغلقة حتى سبتمبر (أيلول).
تروٍّ فرنسي وانتعاش إسباني
في فرنسا المجاورة والمتضررة جدا بالوباء أيضا بأكثر من 24 ألف وفاة، قررت الحكومة تمديد حالة الطوارئ الصحية السارية منذ 24 مارس (آذار) حتى 24 يوليو (تموز)، معتبرة أن رفعها سيكون «سابقا لأوانه».
لكن إجراءات تخفيف العزل ستبدأ في 11 مايو (أيار) بحذر كبير وبوتيرة متفاوتة حسب المناطق.
من جهة أخرى، استمتع سكان إسبانيا البالغ عددهم 47 مليون نسمة وهم الخاضعون لعزل صارم منذ منتصف مارس، من جديد السبت بممارسة الرياضة والتنزه في الهواء الطلق. فخرج العديد من السكان في مدريد وبرشلونة وغيرهما من المدن لممارسة رياضة الجري، أحياناً في مجموعات. وروى ماركوس أبيتوا (42 عاما) المستشار المالي في حيّ شويكا أنه استيقظ بشكل استثنائي عند الساعة السابعة صباحاً، وقال: «بعد أسابيع من العزل، كنت أرغب كثيراً في الخروج والركض ورؤية العالم. (الجمعة) كنت كطفل عشية عيد الميلاد». لكن المتقاعد خوسيه أنطونيو البالغ 65 عاما من برشلونة كان أكثر قلقاً. وقال: «إذا أراد الناس أن يصابوا بالفيروس، فليصابوا. لكن النتيجة هي أنه في غضون 15 إلى 20 يوما سيرغموننا على العزل مجددا».
أما في ألمانيا حيث بات رفع القيود في مرحلة متقدمة، تفتح المدارس بدءاً من اليوم في بعض المقاطعات. وفي النمسا، عادت الحياة للشوارع التجارية في فيينا مع فتح بعض المتاجر، بينما يتواصل تخفيف العزل في الدول الاسكندنافية التي لا تزال تفرض قيوداً وتباعداً اجتماعياً. وفي مؤشر آخر إلى تطبيع الوضع، قال وزير الداخلية والرياضة الألماني هورست سيهوفر في مقابلة مع صحيفة «بيلد» الألمانية الأحد إنه يؤيد استئناف دوري كرة القدم (بوندسليغا). وجاءت تصريحات سيهوفر قبل ثلاثة أيام من اجتماع للسلطات الألمانية للبت في مصير دوري بوندسليغا.
قبرص واليونان تعودان للحياة الطبيعية
تبدأ اليونان التي سجلت حتى الآن 143 وفاة بفيروس «كوفيد - 19» و2620 إصابة، اليوم الاثنين الرفع التدريجي لتدابير الإغلاق. وأعلن رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس أن بلاده ستباشر الرفع التدريجي لتدابير الإغلاق بدءاً بالمتاجر الصغيرة ومحلات الأدوات الكهربائية والمكتبات والمشاتل وشركات صيانة السيارات وصالونات تصفيف الشعر والتجميل ومحلات بيع الأدوات الرياضية. وكانت اليونان قد فرضت الإغلاق التام في 23 مارس الماضي، مما أدى إلى شلل اقتصادي في البلاد. وقال ميتسوتاكيس إن بلاده تستعد للانتقال إلى المرحلة الثانية عبر هذا الرفع التدريجي للإغلاق، بعدما تمكنت من احتواء الموجة الأولى من الفيروس. وأضاف أن اليونان ستلغي القيود المفروضة على تنقلات المواطنين، لكنه حذّر من أن الأزمة مستمرة ولم تنته بعد، و«على الجميع الالتزام بالتعليمات».
بدوره، أعلن الرئيس القبرصي نيقولاس أناستاسياديس أن بلاده ستباشر التخفيف التدريجي للقيود التي كانت فرضتها للحد من تفشي فيروس «كورونا»، موضحا أنه اعتبارا من اليوم (الاثنين) ستبدأ العودة تدريجيا للحياة الطبيعية، على مراحل. وأكد أن تخفيف الإجراءات سوف يستمر ما دام كان هناك التزام صارم بالنظافة والإجراءات الصحية.


مقالات ذات صلة

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟