العالم «يناور» الوباء بعلاجات مبتكرة وكمامات

موظفان في أحد مطاعم ميلانو يستعرضان تدابير الوقاية (إ.ب.أ)
موظفان في أحد مطاعم ميلانو يستعرضان تدابير الوقاية (إ.ب.أ)
TT

العالم «يناور» الوباء بعلاجات مبتكرة وكمامات

موظفان في أحد مطاعم ميلانو يستعرضان تدابير الوقاية (إ.ب.أ)
موظفان في أحد مطاعم ميلانو يستعرضان تدابير الوقاية (إ.ب.أ)

يسارع العالم للخروج من «سبات كورونا» بعلاجات مبتكرة، وإجراءات تباعد اجتماعي غير مسبوقة. ومع كل «علاج محتمل» جديد، ينطلق جدل علمي واسع حول جدواه وقدرته على تخفيف أكثر أعراض الفيروس شدة. وفي انتظار التوصل إلى لقاح فعال وآمن وإجماع الخبراء على علاج، تخفف الدول إجراءات العزل الصارمة بتدريج، فيما تميل غالبيتها إلى فرض ارتداء الكمامات في وسائل النقل العام والأماكن المكتظة وحتى أماكن العمل.

- دفعة للعلاج بـ«الخلايا الجذعية»
أعطى فيروس «كورونا المستجد»، دفعة جديدة لأبحاث العلاج بالخلايا الجذعية، والتي بدأت عام 1960 مع اكتشاف العالمين الكنديين، إرنست ماكولوتش، وجيمس تيل، أول نوع من الخلايا الجذعية التي تقوم بتكوين خلايا الدم.
ويوجد حاليا قائمة تضم أكثر من 40 مرضاً تعالج بالخلايا الجذعية منها أمراض الجهاز المناعي، وبعض الأمراض الجهاز العصبي، وأمراض شبكية العين وغضروف الركبة؛ ومع بداية جائحة كورونا المستجد، بدأت أكثر من فرقة بحثية حول العالم في العمل على تجارب سريرية تستخدم الخلايا الجذعية في العلاج، منها تجربة إماراتية تم الإعلان عنها، أول من أمس.
وتعرف الخلايا الجذعية بأنها الخلايا الأم في أجسامنا، وتقوم فكرة التجربة الإماراتية التي نفذها أطباء وباحثون في مركز أبوظبي للخلايا الجذعية، على «استخراج تلك الخلايا من دم المريض، وإعادة إدخالها بعد تنشيطها إلى الرئة عن طريق تحويلها إلى رذاذ ناعم يمكن استنشاقه».
و«التجربة الإماراتية في ضوء ما هو متوفر عنها من معلومات، تختلف في تقنياتها عن أكثر من 20 تجربة سريرية أخرى حول العالم تم تنفيذها لاستخدام الخلايا الجذعية في علاج كورونا المستجد» كما تقول د.نجوى البدري، مدير مركز التميز لأبحاث الخلايا الجذعية بمدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط». وتعتمد هذه التجارب السريرية التي نفذت في أكثر من دولة منها أميركا والصين والأردن، على أكثر من مصدر للخلايا الجذعية، ليس من بينها الخلايا الجذعية المستخلصة من دم المريض، كما في التجربة الإماراتية.
واستخدمت بعض التجارب الخلايا الجذعية الوسيطة من مصادر مختلفة مثل النخاع العظمي والحبل السري وجذر الأسنان، وجمعت تجارب أخرى بين الأدوية والخلايا الجذعية.
وتحقن الخلايا الجذعية بهذه التجارب السريرية في أوردة المرضى، بينما في التجربة الإماراتية «يتم إدخال العلاج إلى الرئتين من خلال استنشاقه بواسطة رذاذ ناعم، وهذه ميزة هامة جدا تضمن فاعلية أكبر باستهداف الرئة بشكل مباشر، بدلا من حقن الوريد لتوصيل الخلايا الجذعية للرئة، كما أنها أكثر راحة للمريض» بحسب د.نجوى البدري.
وإضافة لهذه الميزة، فإن التجربة الأحدث «تستخدم خلايا جذعية من دم المريض نفسه، وهذا يجعل احتمالات رفض الجسم لها ضعيفة، كما أن تنشيطها في الخارج قبل الاستخدام يجعلها أكثر فاعلية، حيث يدفعها ذلك لإفراز بعض العوامل التي تساعد في تخفيض ما يعرف باسم «عاصفة السيتوكين»، والتي توصف بأنها العدو الأساسي للمرضى الذين يكافحون داخل وحدات العناية المركزة من أجل البقاء على قيد الحياة.
وتشير «عاصفة السيتوكين» إلى حدوث رد فعل مناعي مفرط من السيتوكينات، وهي جزيئات ذات إشارات كيميائية توجه استجابة مناعية لمهاجمة الجزيئات الفيروسية في الجسم. وتعتقد د.البدري أن تحويل الخلايا الجذعية إلى رذاذ كما في التجربة الإماراتية، هو إشارة إلى استخدام مستخلص من الخلايا الجذعية، وليس الخلايا نفسها، وهذا يزيد في رأيها من فرص عدم رفض الجسم لها.
وإضافة إلى ذلك، فإن إحدى المزايا الهامة الأخرى التي لفتت انتباه البدري في التجربة الإماراتية هي أنها أجريت على عدد كبير من المرضى مقارنة بالتجارب الأخرى. وأجريت التجربة الإماراتية على 73 حالة، أصبحت نتائجهم سلبية بعد إدخال العلاج إلى الرئتين من خلال استنشاقه بواسطة رذاذ ناعم، بحسب ما يقول تقرير وكالة أنباء الإمارات، في حين أن التجارب الأخرى كانت أعدادها محدودة جدا، فلم تتجاوز مثلا الأعداد في التجارب التي أجريت بالصين حوالي 7 مرضى.
و«لا تزال التجربة الإماراتية رغم أن أعدادها أعلى بحاجة إلى فحوصات سريرية تجرى على عدد أكبر من المرضى للتأكد من فاعليتها»، كما تؤكد د.البدري.

- استخدام مُقنّن للبلازما
يعتزم مستشفى بريطاني رائد استخدام العلاج ببلازما الدم مع المصابين بمرض «كوفيد - 19». في إطار تجربة تشمل نقل البلازما من المتعافين من المرض إلى المصابين، لمنح أنظمتهم المناعية دفعة لمكافحة الفيروس. وسيجرب مستشفى «غايز آند سانت توماس» في لندن، الذي قال رئيس الوزراء بوريس جونسون إنه ساعده في إنقاذ حياته بعد أن اشتد مرضه عقب إصابته بـ«كوفيد - 19»، ما يسمى بالعلاج باستخدام «بلازما المتعافين» أو «بلازما النقاهة» في إطار تجربة دولية.
وقال الدكتور مانو شانكار - هاري الاستشاري في طب العناية الفائقة في المستشفى: «حتى هذه اللحظة ليس هناك علاج مثبت الفاعلية لكوفيد - 19... بلازما المتعافين علاج واعد يمكنه أن يساعد المرضى الذين لا تقدر أجسامهم على إنتاج ما يكفي من الأجسام المضادة»، كما نقلت عنه وكالة رويترز. وأضاف «ستساعدنا تلك التجربة على معرفة ما إذا كان يجب استخدام تلك الطريقة لعلاج كوفيد - 19 على نطاق أوسع».
من جهة أخرى، أعلنت الوكالة الفرنسية للأدوية الخميس الماضي أنها أجازت بشروط صارمة استخدام أمصال (بلازما) مرضى كورونا تماثلوا للشفاء لمعالجة مصابين بوباء كوفيد - 19 في حالة حرجة.
وكان السماح باستخدام البلازما في فرنسا يقتصر على التجارب الإكلينيكية، كتلك التي بدأت في 7 أبريل (نيسان) بإشراف المساعدة العامة - مستشفيات باريس والمؤسسة الفرنسية للدم والمعهد الوطني للصحة والأبحاث الطبية. لكن «نظرا إلى خطورة كوفيد - 19 ولزيادة فرص نجاة المصابين في حالة خطيرة»، قررت الوكالة الإشراف على «استخدام بلازما مرضى تعافوا استثنائيا وبصورة مؤقتة خارج إطار التجارب السريرية الجارية». وقالت الوكالة في بيان «سيحصل ذلك عندما لن يكون أو لم يعد ممكنا شمل مريض في تجربة»، كما نقلت عنها وكالة الصحافة الفرنسية.
وترمي التجارب السريرية الجارية إلى تقييم «فعالية وسلامة بلازما الأشخاص المتعافين» لمعالجة مرضى «أصابهم فيروس كورونا المستجد بأعراض مهددة للحياة». وتابع البيان أن «بعض المعطيات تدل على أن البلازما لدى المصابين بكوفيد - 19 يحتوي على أجسام مضادة ناشطة ضد الفيروس، ما قد يسمح بتحسين معدل شفاء المرضى المصابين بمتلازمة الالتهاب الرئوي الحاد».
وإلى هذا اليوم، لم تثبت فعالية البلازما في مكافحة كوفيد - 19 بحسب الوكالة الوطنية لسلامة الأدوية والمنتجات الصحية. وأضافت «لهذا السبب فإن استخدام البلازما يجب أن يتم أولا في إطار التجارب السريرية كلما كان الأمر متاحا».

- كمامات إلزامية
أعلن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، أمس، أنّ وضع الكمامة سيصير «واجبا» في وسائل النقل العام بدءاً من غد الاثنين في محاولة لتجنب ارتفاع الإصابات بكوفيد - 19 مجدداً، فيما تخفف البلاد إجراءات العزل تدريجيا. وقال سانشيز في كلمة متلفزة: «اعتبارا من الاثنين، أي شخص يستخدم وسائل النقل العام سيكون ملزما وضع كمامة». وحتى يوم أمس، اكتفت الحكومة الإسبانية بالتوصية «بشدة» بوضع الكمامات في وسائل النقل.
وليتمكن الإسبان من الحصول على الكمامات قبل الصعود إلى المترو أو الباص أو قطار الضواحي، ستوزع الحكومة ستة ملايين قناع في أرجاء البلاد كافة وستعطي سبعة ملايين للبلديات والمحافظات و1.5 مليون للهيئات الاجتماعية مثل الصليب الأحمر لتوزعها بدورها، وفق سانشيز. وبدأت إسبانيا، إحدى الدول الأكثر تضررا بتفشي كورونا المستجد مع أكثر من 25 ألف وفاة، تخفيف إجراءات الإغلاق نهاية الأسبوع الفائت بعدما فرضتها في 14 مارس (آذار).
وتبدأ المرحلة الأولى من الرفع التدريجي للعزل في 11 مايو (أيار)، باستثناء بضع جزر صغيرة ستباشره الاثنين في الرابع منه. وبناء عليه، ستتمكن المتاجر، باستثناء المراكز التجارية من استئناف نشاطها ومثلها الباحات الخارجية للمطاعم والحانات ولكن ضمن شروط محددة جدا. ومن المقرر أن تستمر هذه التدابير التدريجية حتى نهاية يونيو (حزيران) بحسب تطور مسار الوباء.
وكانت ألمانيا قد فرضت مطلع هذا الأسبوع ارتداء القناع الواقي في كافة أنحاء البلاد. وبعد فرضها وضع كمامات في وسائل النقل العام، قررت العاصمة الألمانية برلين فرض ذلك في المحلات التجارية أيضا، حسبما ذكر أندرياس غايزل مساعد رئيس البلدية للشؤون الداخلية. وكانت المناطق الـ15 الأخرى اتخذت قرارا مماثلا الأسبوع الماضي. وبذلك تصبح ألمانيا بأكملها تفرض ارتداء الكمامات الصحية في المحلات التجارية. ويتعلق القرار الذي تبناه مجلس شيوخ برلين بحماية الأنف والفم. وسمح بوضع مناديل.
أما في فرنسا، فسيكون وضع الكمامات إلزامياً في وسائل النقل العام. واعتبر رئيس الوزراء إدوار فيليب أن الكمامات ستصبح جزءا من استراتيجية التعايش مع الفيروس. وقال إنه سيعاد فتح المدارس على أساس طوعي اعتباراً من 11 مايو (أيار) لرياض الأطفال والابتدائي، و18 مايو (أيار) لطلاب المدارس الإعدادية حيث سيصبح ارتداء قناع الوقاية «إلزامياً».


مقالات ذات صلة

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)

عشرات القتلى والجرحى بإطلاق نار لدى مدرسة في غرب كندا

رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
TT

عشرات القتلى والجرحى بإطلاق نار لدى مدرسة في غرب كندا

رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)

أفادت شبكة «سي بي سي نيوز» بمقتل عشرة أشخاص، بينهم المشتبه به في إطلاق النار، إثر حادث إطلاق نار في منطقة تامبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية يوم الثلاثاء.

وعُثر على ستة جثث داخل مدرسة ثانوية، وجثتين أخريين في منزل تعتقد الشرطة أنه مرتبط بالحادث، وتوفي شخص آخر في طريقه إلى المستشفى، وفقًا لما ذكرته «سي بي سي نيوز»، مضيفةً أنه تم تأكيد وفاة المشتبه به في وقت سابق. وأفادت الشبكة نقلاً عن الشرطة، أن 25 شخصا آخرين يتلقون العلاج من إصابات في مركز طبي محلي.

يذكر أن حوادث إطلاق النار في المدارس نادرة في كندا.

وتقع بلدة تامبلر ريدج، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 2400 نسمة، على بعد أكثر من 1000 كيلومتر شمال فانكوفر، بالقرب من الحدود مع ألبرتا. وقالت الشرطة الملكية الكندية في بيان: «كجزء من الاستجابة الأولية لإطلاق النار، دخلت الشرطة المدرسة لتحديد مصدر التهديد. وأثناء البحث، عثر الضباط على عدة ضحايا. كما عثر على شخص يعتقد أنه مطلق النار ميتا بجروح يبدو أنها ناجمة عن إصابة ذاتية».


حكومة كيبيك تضع مصير آلاف المهاجرين على المحك

علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
TT

حكومة كيبيك تضع مصير آلاف المهاجرين على المحك

علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)

تخاطر الحكومة في مقاطعة كيبيك الكندية التي يقودها «حزب التحالف من أجل مستقبل كيبيك» بوضع آلاف المهاجرين الوافدين أمام مصير مجهول عبر إصلاح نظام الهجرة؛ ما يقلل فرصهم في البقاء والحصول على الإقامة الدائمة، وفق تقرير لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

ويجد كثير من الطلبة الأجانب والعمال الوافدين مع عائلاتهم من شمال أفريقيا ومن أنحاء العالم، أنفسهم اليوم عالقين في المفترق بعد أن خسروا ما يملكون في دولهم بحثاً عن فرص أفضل للعمل والحياة في المقاطعة الناطقة بالفرنسية.

وعلّقت حكومة المقاطعة رسمياً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 «برنامج الخبرة الكيبيكية» الذي يتيح للطلبة المتخرجين الجدد والعمال الوقتيين الذين يتقنون اللغة الفرنسية، مساراً واضحاً للتقدم بطلب الإقامة الدائمة بعد استيفاء معايير محددة.

وبدلاً من ذلك طرحت الحكومة البرنامج الجديد، «برنامج اختيار العمال الكيبيكيين المهرة» الذي يعتمد على نظام النقاط من بين معايير أخرى، كسبيل وحيد للتقدم بطلب الإقامة الدائمة.

ويعني هذا التحول في سياسات الهجرة أن مصير الآلاف من المهاجرين الذين وصلوا إلى كيبيك قبل سنوات قد بات على المحك مع حالة عدم اليقين بشأن إمكانية البقاء.

ولا يطرح البرنامج الجديد ضمانات فعلية للإقامة الدائمة لاحقاً، على الرغم من حاجة قطاعات حيوية في كيبيك إلى اليد العاملة، والزيادة المطردة في نسب التهرم السكاني.

ووفق موقع «كندا نيوز»، أُجبرت عائلة مكسيكية على مغادرة كيبيك بعد رفض منح الأم تصريح عمل لها بعد التخرج، إثر فشلها في اجتياز اختبار اللغة الفرنسية بفارق نقطة عن الحد الأدنى المطلوب.

مسافرون في أحد مطارات كندا (رويترز - أرشيفية)

وعززت تصريحات وزير الهجرة الكيبيكي جان فرانسوا روبرج مشاعر القلق مع وضعه سقفاً لعدد المهاجرين الذين سيتم قبولهم سنوياً، وفق الشروط الجديدة عند 45 ألف على أقصى تقدير.

وأوضح مكتب الوزير لراديو كندا أنه يتفهم «مخاوف البعض بشأن انتهاء برنامج الخبرة الكيبيكية، لكننا لا ندرس إضافة بند إضافي، وسنواصل معالجة الطلبات الواردة قبل تعليق البرنامج».

ويقابل هذا التصريح بشكوك واسعة، حيث نقلت تقارير إعلامية في كيبيك عن مصادر حكومية، أنه لن تتم معالجة جميع الطلبات.

وينظر معارضو الخطة على أنها تخلٍّ غير إنساني عن المهاجرين بعد سنوات من الانتظار والاستنزاف المالي لمدخراتهم.

ويشارك الآلاف من المتظاهرين من بينهم ممثلون عن المجتمع المدني، في مظاهرات يومية في مونتريال وكيبيك سيتي وشيربروك، للمطالبة بالإبقاء على «برنامج الخبرة الكيبييكية» وتطبيق المعايير الجديدة على من قدموا حديثاً إلى المقاطعة.

وقال المحامي والنائب في برلمان المقاطعة عن حزب «كيبيك سوليدار» جيوم كليش ريفار: «أمر سيئ أن يتم تغيير قواعد اللعبة في الوقت الذي بات فيه المهاجرون مؤهلون. هم هنا في كيبيك ومندمجون».

وتابع ريفار الذي أطلق عريضة لإسقاط برنامج الهجرة الجديد في مقطع فيديو نشره على حسابه: «تفتقد هذه الخطوة رؤية واضحة والاحترام، وتُخِلُّ بالتزامات كيبيك».

وفي حين تستقطب المظاهرات زخماً متزايداً في الشوارع، تتمسك الحكومة الإقليمية بالقطع نهائياً مع سياسات الهجرة السابقة.

وترى حكومة التحالف أن «برنامج الخبرة الكيبيكية» يهدد قدرة المقاطعة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الوافدين وانتشار اللغة الفرنسية، كما يضاعف الضغوط على الخدمات العامة بما في ذلك سوق السكن.

وفي المقابل، تشير منظمات المجتمع المدني إلى أن الأسباب المباشرة للأزمة الحالية تعود إلى تقاعس الحكومة في زيادة الاستثمار في مجالات الإسكان والتعليم والصحة.

ويقول فلوريان بيجيار الذي يعمل مستشاراً للمهاجرين الفرنكوفونيين في مونتريال في وقفة احتجاجية أمام مكتب الهجرة في الكيبيك «يمكن تفهم سياسات الهجرة التي تريد وضعها الحكومة في المقاطعة، لكن من غير المقبول عدم إخطار المهاجرين مسبقاً بهذه الخطوة، ووضع الآلاف من المهاجرين أمام الأمر المقضي».

وهدد فلوريان بتحريك دعوى قضائية ضد الحكومة في حال فشلت المحادثات مع وزير الهجرة في الكيبيك.

وتابع المستشار: «من المهم التعامل مع المهاجرين باحترام وحماية صورة كندا في العالم».


فرنسا: خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
TT

فرنسا: خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)

تعتزم الحكومة الفرنسية تشجيع جميع المواطنين البالغين من العمر 29 عاماً على الإنجاب «طالما لا يزال في استطاعتهم ذلك»، في خطوة تهدف إلى تفادي مشكلات الخصوبة في مراحل لاحقة من العمر، وما قد يرافقها من ندم لدى الأزواج بقولهم: «ليتنا كنا نعلم ذلك من قبل»، بحسب «سكاي نيوز».

ويقول مسؤولون صحيون إن الهدف من هذه الخطوة هو رفع الوعي بمخاطر تأجيل الإنجاب، في ظل تراجع معدلات الخصوبة في فرنسا، على غرار عدد من الدول الغربية الأخرى.

خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

وتندرج هذه المبادرة ضمن خطة وطنية من 16 بنداً تهدف إلى تعزيز معدل الخصوبة في فرنسا، في وقت تتراجع فيه أعداد المواليد بشكل مقلق في دول عدة، من بينها المملكة المتحدة.

وأثار هذا الاتجاه مخاوف حكومية بشأن القدرة على تمويل أنظمة التقاعد، والرعاية الصحية مستقبلاً، في ظل شيخوخة السكان، وتراجع أعداد دافعي الضرائب من الفئات العمرية الشابة.

غير أن تجارب دولية سابقة أظهرت أن السياسات الرامية إلى رفع معدلات الخصوبة حققت نتائج محدودة، فيما يرى منتقدو الخطة الفرنسية أن تحسين سياسات الإسكان، ودعم الأمومة قد يكونان أكثر فاعلية.

وتتضمن الخطة إرسال «معلومات مستهدفة ومتوازنة ومستندة إلى أسس علمية» إلى الشباب، تتناول قضايا الصحة الجنسية، ووسائل منع الحمل، وفق ما أفادت به وزارة الصحة الفرنسية.

وأكدت الوزارة أن هذه المواد «ستشدد أيضاً على أن الخصوبة مسؤولية مشتركة بين النساء والرجال».

توسيع مراكز تجميد البويضات وتعزيز البحث العلمي

وفي إطار الخطة، تسعى الحكومة إلى زيادة عدد مراكز تجميد البويضات من 40 إلى 70 مركزاً، مع طموح لجعل فرنسا رائدة في مجال أبحاث الخصوبة.

ويتيح النظام الصحي الفرنسي حالياً خدمة تجميد البويضات مجاناً للنساء بين 29 و37 عاماً، وهي خدمة تبلغ تكلفتها نحو 5 آلاف جنيه إسترليني للجولة الواحدة في المملكة المتحدة.

أرقام مقلقة... ولكن أفضل من دول أخرى

ويبلغ معدل الخصوبة في فرنسا حالياً 1.56 طفل لكل امرأة، وهو أقل بكثير من المعدل البالغ 2.1 اللازم للحفاظ على استقرار عدد السكان.

ومع ذلك، يبقى هذا المعدل أعلى من المعدلات المتدنية جداً في الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، وكذلك في المملكة المتحدة، حيث أظهرت أحدث البيانات أن المعدل انخفض إلى مستوى قياسي بلغ 1.41 في إنجلترا وويلز بحلول عام 2024.

صدمة ديموغرافية ونقاش سياسي أوسع

وقال البروفسور فرنسوا جيمين، المتخصص في قضايا الاستدامة والهجرة في كلية إدارة الأعمال بباريس، إن «الديموغرافيين كانوا على دراية بهذا الاتجاه منذ فترة، لكن تسجيل عدد وفيات يفوق عدد الولادات في فرنسا العام الماضي شكّل صدمة حقيقية».

وأضاف أن «القلق الديموغرافي» في فرنسا يتفاقم بفعل طبيعة نظام التقاعد، إلى جانب «الهوس بقضية الهجرة والخوف من الاستبدال السكاني».

حملات توعية

وتشمل الخطة أيضاً إطلاق حملة تواصل وطنية جديدة، وإنشاء موقع إلكتروني بعنوان «خصوبتي» يقدم إرشادات حول تأثير التدخين، والوزن، ونمط الحياة، إضافة إلى إدراج دروس مدرسية حول الصحة الإنجابية.

واعترفت وزارة الصحة بأن معدلات وفيات الأمهات والرضع في فرنسا أعلى من تلك المسجلة في دول مجاورة، مشيرة إلى بدء مراجعة شاملة لخدمات رعاية ما يتعلق بالولادة لمعالجة هذا الوضع «المقلق».

قرار تحكمه عوامل اجتماعية واقتصادية

من جانبه، قال تشانا جايسينا، أستاذ الغدد الصماء التناسلية في كلية إمبريال بلندن، إن تأخر سن الأمومة نتيجة التغيرات الاجتماعية يعد عاملاً أساسياً في تراجع الخصوبة لدى النساء.

وأشار إلى أن السمنة تمثل عاملاً خطيراً، إذ تزيد من مخاطر الإصابة بتكيس المبايض، وبطانة الرحم المهاجرة لدى النساء، كما تشكل عامل خطر رئيساً للرجال أيضاً.

بدوره، قال ألان بايسي، أستاذ علم الذكورة في جامعة مانشستر، إن قرار الإنجاب لدى معظم الناس «يرتبط بعوامل غير طبية، مثل التعليم، والفرص المهنية، والضرائب، والسكن، والتمويل»، مضيفاً أن «الطب لا يمكنه معالجة هذه الجوانب».