الاتحاد الأوروبي يواجه الوباء بانقسام في الداخل وعجز في الخارج

الاتحاد الأوروبي يواجه الوباء  بانقسام في الداخل وعجز في الخارج
TT

الاتحاد الأوروبي يواجه الوباء بانقسام في الداخل وعجز في الخارج

الاتحاد الأوروبي يواجه الوباء  بانقسام في الداخل وعجز في الخارج

قد يكون من الصعب استشراف الوصف الذي سيتبناه المؤرخون لعام 2020 بالنسبة للاتحاد الأوروبي، لكن من المؤكد أن كلمة «كارثة» ستكون المفردة الرئيسية في قاموسهم. فهذا العام بدأ بكارثة عنوانها الزلزال الذي ضرب الاتحاد بخروج بريطانيا منه، بعد 47 عاماً من الحياة المشتركة. بريطانيا انضمت إليه في الأول من يناير (كانون الثاني) عام 1973، وخرجت منه في الأول من يناير 2020.
لكن كارثة أكبر كانت تنتظر الاتحاد. «عدو غير مرئي»، أعطي اسم «كوفيد-19»، قتل حتى أمس أكثر من 111 ألف شخص في 5 بلدان أوروبية فقط (إيطاليا، وإسبانيا، وبريطانيا، وفرنسا وألمانيا»، ناهيك من ضحايا البلدان الأخرى، وأصاب مئات الآلاف. وإلى الكارثة الإنسانية التي لم تعرف أوروبا مثيلاً لها منذ مائة عام، أي منذ «الإنفلونزا الإسبانية» عامي 1918 و1919، حلت كارثة اقتصادية ومالية واجتماعية حجزت مئات الملايين من الأوروبيين في بيوتهم بين 40 و60 يوماً، حيث تعطلت الحياة، وتوقفت الدورة الاقتصادية تماماً. وشبه كثير من الخبراء وضع أوروبا مالياً واقتصادياً بما عرفته في عام 1928، إبان الأزمة الاقتصادية الكبرى التي شهدت كساداً وانهياراً اقتصادياً واجتماعياً غير مسبوق.
بيد أن الصدمة الكبرى للمواطن الأوروبي تمثلت في عجز السلطات على المستويين الوطني والجماعي عن بلورة استراتيجية موحدة لمواجهة «كورونا» وتبعاته. وعندما طرحت إيطاليا، الضحية الأولى في أوروبا، الصوت طالبة دعم ومساندة الاتحاد، وقفت شريكاتها متفرجة إلى حد بعيد على آلامها. ولذا، فإن الانقسامات كانت السمة الطاغية على تعاطي الأوروبيين، بدل التضامن والتنسيق. وأكثر من ذلك، عادت إلى البروز ظاهرة الانقسام بين شمال أوروبا وجنوبها، عندما طرح موضوع المساعدات التي يتعين توفيرها للبلدان الأكثر تضرراً، ومنها إيطاليا وإسبانيا وفرنسا واليونان، لمواجهة الوباء والتفاهم على خطة لإعادة إطلاق العجلة الاقتصادية.
وإزاء هذه المجموعة برزت مجموعة «شمالية» معارضة تتهم «الجنوبيين» بالرغبة بتحميل بلدان الشمال تبعة ديونها واعتباطيتها في إدارة ميزانياتها. وقاد الحملة بلدان، هما ألمانيا وهولندا، بدعم من الدنمارك والنمسا ودول أخرى. ولم تكفِ 4 اجتماعات قمة «عن بعد»، آخرها في الـ23 من الشهر الماضي، وجهود رئيس الاتحاد شارل ميشال، ورئيسة المفوضية أورسولا فان دير لاين، للتوصل إلى اتفاق نهائي لإيجاد صندوق جماعي يتم منه تسليف الدول المحتاجة بضمانة الاتحاد. وجل ما تقرر تفعيل «آلية الاستقرار الاقتصادي» التي أطلقت في عامي 2012 و2013، وتسهيل شروط الاستفادة من القروض، وتوفير قروض أخرى بقيمة إجمالية تصل إلى 520 مليار يورو، فيما المطلوب صندوق من 1500 مليار يورو لإعادة إطلاق الاقتصاد.
أماطت كارثة الوباء هشاشة أوروبية على كل المستويات. وبات واضحاً أن أنجح تجمع إقليمي عالمي الذي هو الاتحاد الأوروبي، لا يفتقر فقط للوزن السياسي والعسكري، بل أيضاً للتجهيزات البسيطة لمواجهة وباء، وإن كان «مستجداً».
ودبلوماسياً، وقفت أوروبا متفرجة على التصعيد الأميركي - الصيني، والاتهامات المتبادلة. وباستثناء بريطانيا التي تميل تقليدياً إلى واشنطن، فإن الأوروبيين الآخرين وقفوا إلى حد بعيد على الحياد. والسبب في ذلك وضع التبعية الذي بدا منهم إزاء الصين إلى حد بعيد. ولقد رأى المواطن أن أوروبا تستورد منها الكمامات والأدوية وأجهزة التنفس الصناعي وما يلزم لإجراء الاختبارات والكشف عن الإصابة بالوباء. من هنا، راج مجدداً مفهوم «السيادة الصحية» على المستويين الوطني والأوروبي الذي دافع عنه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والذي يمر أولاً باستعادة إنتاج الأدوية محلياً، بدل نقل مصانع المختبرات والشركات المتخصصة إلى الصين، بحثاً عن اليد العاملة الرخيصة.
ثمة صورة انطبعت في الذهن الأوروبي، مفادها أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هو حامل لواء الدعوة لتتحول أوروبا إلى قوة سياسية ودبلوماسية على المسرح العالمي. والصحيح أن ماكرون صاحب مبادرات، وقد أثبت ذلك في السنوات الثلاث التي انقضت على رئاسته، متسلحاً بدعم أوروبي. وآخر مبادراته الدعوة إلى قمة افتراضية لمجموعة «P5»؛ أي الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي. وأكثر من مرة في الأيام الماضية، لمح ماكرون إلى قرب حصولها، ولغايتين اثنتين: الأولى، دعم نداء الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش لهدنة في النزاعات القائمة عبر العالم من أجل التكريس لمواجهة فيروس كورونا في المناطق الساخنة؛ وحشد الجهود الدولية لمحاربة الوباء والتغلب عليه. والحال أن هذه «القمة» التي «بشر» الرئيس الفرنسي بقرب انعقادها بفضل حصوله على موافقة نظيريه الرئيسين الأميركي والصيني ورئيس الوزراء البريطاني، وموافقة مبدئية من الرئيس الروسي الذي طرح مثلها في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي في القدس، لم ترَ النور بسبب التوتر الصيني - الأميركي بخصوص مصدر الوباء، ومصير منظمة الصحة الدولية من جهة، وبسبب الشروط التي وضعها الرئيسان بوتين وترمب. وحتى اليوم، ما زال مشروع قرار فرنسي - تونسي، في سياق مبادرة ماكرون، يواجه صعوبات في مجلس الأمن رغم التعديلات الكثيرة التي أدخلت عليه للأسباب ذاتها.
ويمثل الملف الليبي الانخراط الأوروبي الأكبر في أزمة وحرب مشتعلة على باب القارة القديمة. ورغم الجهود الأوروبية التي قامت بها فرنسا وإيطاليا وألمانيا في فترات متلاحقة، وتلك التي بذلها الاتحاد، لم تنجح أوروبا في وقف التصعيد، بل إن النزاع اتخذ وجهاً جديداً مع دخول لاعبين جديدين إليه، هما روسيا وتركيا.
ما يصح على الأزمة الليبية يصح أيضاً على الأزمة الأوكرانية المندلعة منذ 6 سنوات. والفرق بين الاثنتين أن الحرب شرق أوكرانيا جارية على أرض أوروبية. ويبدو للمتابعين لهذا الملف المعقد أن برلين وباريس لا تتمتعان بالوزن الكافي والأوراق اللازمة لفرض الحل، وإعادة الهدوء إلى شرق أوكرانيا المتمرد على السلطة المركزية المتمتع بدعم موسكو. واللغز أن الجميع يريد تنفيذ «اتفاقية مينسك» التي هي بمثابة خريطة طريق للحل السياسي، لكن الخلافات حول تفسير عدد من بنودها، والأجندات المرتبطة بها، تجعل الحل بعيد المنال، وتترك الباب مفتوحاً للمناورات من كل نوع.


مقالات ذات صلة

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)

الحلف الأطلسي يعلن إطلاق مهمته الدفاعية الجديدة في المنطقة القطبية الشمالية

أعلام الدول الأعضاء بـ«ناتو» أمام مقر الحلف في بروكسل (أ.ب)
أعلام الدول الأعضاء بـ«ناتو» أمام مقر الحلف في بروكسل (أ.ب)
TT

الحلف الأطلسي يعلن إطلاق مهمته الدفاعية الجديدة في المنطقة القطبية الشمالية

أعلام الدول الأعضاء بـ«ناتو» أمام مقر الحلف في بروكسل (أ.ب)
أعلام الدول الأعضاء بـ«ناتو» أمام مقر الحلف في بروكسل (أ.ب)

أعلن حلف شمال الأطلسي (ناتو)، الأربعاء، إطلاق مهمته الجديدة لتعزيز الأمن في المنطقة القطبية الشمالية؛ في خطوة تهدف إلى تهدئة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي تراجع عن تهديداته بضم غرينلاند.

ووفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أكد القائد الأعلى للقوات المتحالفة في أوروبا الجنرال الأميركي أليكسوس غرينكويتش في بيان أن هذه المهمة التي أُطلق عليها اسم «أركتيك سنتري» Arctic Sentry (حارس القطب الشمالي)، تُبرز التزام الحلف «بالحفاظ على الاستقرار في إحدى أهم المناطق الاستراتيجية».


موسكو ستطلب توضيحاً من واشنطن بشأن قيود فرضتها على النفط الفنزويلي

مضخات نفط مهجورة متضررة بمرور الوقت في حقل تابع لشركة النفط الحكومية الفنزويلية PDVSA على بحيرة ماراكايبو 27 يناير 2026 (رويترز)
مضخات نفط مهجورة متضررة بمرور الوقت في حقل تابع لشركة النفط الحكومية الفنزويلية PDVSA على بحيرة ماراكايبو 27 يناير 2026 (رويترز)
TT

موسكو ستطلب توضيحاً من واشنطن بشأن قيود فرضتها على النفط الفنزويلي

مضخات نفط مهجورة متضررة بمرور الوقت في حقل تابع لشركة النفط الحكومية الفنزويلية PDVSA على بحيرة ماراكايبو 27 يناير 2026 (رويترز)
مضخات نفط مهجورة متضررة بمرور الوقت في حقل تابع لشركة النفط الحكومية الفنزويلية PDVSA على بحيرة ماراكايبو 27 يناير 2026 (رويترز)

قال الكرملين، الأربعاء، إن روسيا تعتزم طلب توضيح من الولايات المتحدة بشأن قيود جديدة فرضتها على تجارة النفط الفنزويلية.

وأصدرت وزارة الخزانة الأميركية، الثلاثاء، ترخيصاً عاماً لتسهيل استكشاف وإنتاج النفط والغاز في فنزويلا. ولم يسمح الترخيص بإجراء معاملات تشمل مواطنين أو كيانات روسية أو صينية.

وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف لصحافيين، إن روسيا ستستوضح الأمر مع الولايات المتحدة من خلال قنوات الاتصال المتاحة، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضاف: «لدينا بالفعل استثمارات في فنزويلا، ولدينا مشاريع طويلة الأجل، وهناك اهتمام من جانب شركائنا الفنزويليين ومن جانبنا. وبالتالي، كل هذه أسباب لمناقشة الوضع مع الأميركيين».

منشآت في مصفاة إل باليتو التابعة لشركة النفط الحكومية الفنزويلية PDVSA مع مرافق شركة الكهرباء الوطنية Corpoelec بالخلفية في بويرتو كابيلو 22 يناير 2026 (رويترز)

وتحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب صراحة عن السيطرة على احتياطيات النفط الهائلة في فنزويلا، وهي الأكبر في العالم، بالاشتراك مع شركات نفط أميركية، وذلك بعد الإطاحة برئيس البلاد نيكولاس مادورو.

وأشارت شركة «روس زاروبيج نفت» الروسية للطاقة، التي تعمل في فنزويلا، الشهر الماضي، إلى أن كل أصولها في فنزويلا هي ملك لروسيا، وأنها ستلتزم بتعهداتها تجاه شركائها الدوليين هناك.

وتحافظ روسيا على علاقات وثيقة مع فنزويلا منذ فترة طويلة، وتعاونت معها في مجال الطاقة والروابط العسكرية والاتصالات السياسية رفيعة المستوى، ودعمتها دبلوماسياً لسنوات.


عشرات القتلى والجرحى بإطلاق نار لدى مدرسة في غرب كندا

رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
TT

عشرات القتلى والجرحى بإطلاق نار لدى مدرسة في غرب كندا

رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)

أفادت شبكة «سي بي سي نيوز» بمقتل عشرة أشخاص، بينهم المشتبه به في إطلاق النار، إثر حادث إطلاق نار في منطقة تامبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية يوم الثلاثاء.

وعُثر على ستة جثث داخل مدرسة ثانوية، وجثتين أخريين في منزل تعتقد الشرطة أنه مرتبط بالحادث، وتوفي شخص آخر في طريقه إلى المستشفى، وفقًا لما ذكرته «سي بي سي نيوز»، مضيفةً أنه تم تأكيد وفاة المشتبه به في وقت سابق. وأفادت الشبكة نقلاً عن الشرطة، أن 25 شخصا آخرين يتلقون العلاج من إصابات في مركز طبي محلي.

يذكر أن حوادث إطلاق النار في المدارس نادرة في كندا.

وتقع بلدة تامبلر ريدج، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 2400 نسمة، على بعد أكثر من 1000 كيلومتر شمال فانكوفر، بالقرب من الحدود مع ألبرتا. وقالت الشرطة الملكية الكندية في بيان: «كجزء من الاستجابة الأولية لإطلاق النار، دخلت الشرطة المدرسة لتحديد مصدر التهديد. وأثناء البحث، عثر الضباط على عدة ضحايا. كما عثر على شخص يعتقد أنه مطلق النار ميتا بجروح يبدو أنها ناجمة عن إصابة ذاتية».