الرواية في غزة وعنها كما يراها نقّاد وروائيون فلسطينيون

نضالية توثيقية متّهمة بالضعف لا يقترب منها الناشرون ولا تحظى بالانتشار.. لكنها بخير

الرواية في غزة وعنها كما يراها نقّاد وروائيون فلسطينيون
TT

الرواية في غزة وعنها كما يراها نقّاد وروائيون فلسطينيون

الرواية في غزة وعنها كما يراها نقّاد وروائيون فلسطينيون

البحث عن غزة في الرواية يقود صاحبه إلى متاهة، وقليل من الإجابات، بعضها واضح ومحدد ودقيق، وبعضها الآخر يشبه بيانات الفصائل الفلسطينية ويتمثل خطابها. فغزة المحاصرة منذ أكثر من 7 سنوات، تبدو مغلقة على أدبائها. لم يساعدهم نشر أعمالهم محليا على اجتياز الحدود. وسعوا، في زمن الاحتلال الإسرائيلي المباشر، إلى «تهريب» بعض إنتاجهم، من القصة القصيرة غالبا، إلى الخارج سعيا وراء نشره أو توزيعه. لكنه لم يصل إلى الخارج المتاخم لغزة، أو البعيد عنها وراء البحار. وفي هذا المجال، يشير الدكتور عادل الأسطة، أستاذ الأدب الحديث والنقد في جامعة النجاح الوطنية، وهو متابع دؤوب لما يصدر من أعمال روائية في فلسطين وخارجها، إلى صعوبة متابعة الأدب الصادر في قطاع غزة، وبخاصة الرواية، منذ انقطاع الاتصال بين القطاع والضفة الغربية، في السنوات الـ14 الأخيرة؟
غير أن انتشار الرواية «الغزاوية» لم يتحقق، حتى في زمن الانفجار التكنولوجي واتساع شبكات التواصل الاجتماعي. إذ تباطأت الرواية المكتوبة في غزة، وعنها، في اللحاق بروايات كتبها فلسطينيون آخرون في الضفة الغربية، وفي الأردن، وفي الشتات أيضا، نافست الرواية العربية على غير مستوى. لم تصل الرواية «الغزاوية» إلى الناشر في الخارج، ولم يتقدم منها الناشر خطوة واحدة، مع أن «إيميلاً» واحدًا يحمل ملفًّا، قادر على اختراق الحدود وتجاوز الحصار.
وباستثناء 3 روايات كانت غزة مسرح أحداثها، أو جانبا من مسرحها، لم تتوفر في الخارج، روايات عن غزة. والروايات الـ3، كتب اثنتين منها فلسطينيا الأصل، والثالثة إنجليزي، وهي: «Out of It» أو «خارجها»، أي غزة، لسلمى دباغ، الفلسطينية الأصل، المولودة في اسكوتلندا، وصدرت بالإنجليزية عن دار «بلومزبري، في ديسمبر (كانون الأول) 2011. و«السيدة من تل أبيب» لكاتب هذه السطور، وهي الرواية الفلسطينية الوحيدة عن غزة، المترجمة من العربية إلى الإنجليزية. و«Grave in Gaza»، أو «قبر في غزة»، للبريطاني مات بينون ريس، الذي فاجأ الفلسطينيين قبل أن يفاجئ الغرب بثلاث روايات «فلسطينية بوليسية، تدور أحداث اثنتين منها في الضفة الغربية، وواحدة في غزة».
فأي شوط قطعه الروائيون الفلسطينيين المقيمون في غزة في الكتابة عنها؟ وماذا كتبوا؟ وما سمات ما كتبوه؟ ولماذا بقيت كتاباتهم بعيدة كل هذه المسافة عن القراء في الضفة والبلاد العربية والعالم؟

* القصة القصيرة أولا
في يوليو (تموز) الماضي، صدر عن دار «كوما برس»، بالإنجليزية، كتاب «ذي بوك أُف غازا»، وضم 10 قصص قصيرة مترجمة، لكتاب من غزة من أجيال مختلفة. بعدها، زار لندن الروائي والقاص عاطف أبو سيف، الذي حرّر الكتاب. في مقابلة خاصة معه أجرتها {كوما برس}, تحدّث أبو سيف عن تطور الأشكال الأدبية في كتابات غزة خلال القرن الماضي. وأجاب عن بعض ما طرح هنا من أسئلة. ومما قاله أنقله بتصرف: إن الكتّاب ومنذ مطلع سبعينات القرن الماضي كتبوا القصة القصيرة، «فالرواية كبيرة وتهريبها إلى الخارج (في ظروف الاحتلال) صعب». أما الروايات التي كتبت في السبعينات والثمانينات فلم تكن تزيد على 70 صفحة، وحتى 55 أحيانا. بمعنى آخر، هي «قصص قصيرة» طويلة. ولم تكن سمات شخصياتها واضحة، بل غالبا متشابهة ومكررة. «شخصيات لا تمثل ذاتها أو تعبر عنها، بل تمثل أفكارا». أما الروايات، فهي روايات ذاكرة، تحاول استعادة الماضي بإعادة إحياء ما جرى تدميره خلال النكبة. أي استحضار المكان الذي غاب منذ نكبة 1948. فسعى أحمد عمر شاهين مثلا، إلى استعادة صورة يافا. وجعل جبرا إبراهيم جبرا من السفينة مكانا. وذهب غسان كنفاني إلى حيفا في «عائد إلى حيفا». يقول أبو سيف: الرواية تحتاج إلى استقرار، ومجتمع مستقر، وعلاقات اجتماعية واضحة. وقد تحقق شيء من هذا بعد عام 1995 حين تشكلت سلطة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، حقّقت بعض الاستقرار. فظهرت سمات أوضح لشخصيات روائية، وظهر المكان الذي غاب في أعمال ما قبل هذا التاريخ.

* شعارات سياسية
أما الدكتور عادل الأسطة، فقال لـ«الشرق الأوسط»: لم تصدر في غزة، في القرن العشرين، روايات كثيرة. وما صدر منها تحت الاحتلال وفي ظل السلطة الفلسطينية، ظل ضعيفا إلى حد ما. والذين كتبوا روايات كانوا حقا من كتاب القصة القصيرة، أولهم وأبرزهم كان غريب عسقلاني، وعبد الله تايه، ومحمد أيوب. ونادرا ما تجاوز أي من رواياتهم الـ140 صفحة. وقد كتب هؤلاء عن معاناة الناس تحت الاحتلال، كما في رواية غريب عسقلاني «الطوق»، وهي من أولى الروايات، وكما في رواية محمد أيوب «الكف تلاطم المخرز» التي حضر فيها الشعار السياسي أكثر من الجانب الفني. ورأي الأسطة أن الرواية تحت الاحتلال، والأدب بشكل عام، ظلا ضعيفين، وظلت الرواية أقرب إلى القصة الطويلة منها إلى الرواية. ومع انقطاع الاتصال بين الضفة وغزة، في السنوات الـ14 الأخيرة، أصبحت متابعة الأدب الصادر هناك، بخاصة الرواية، أمرا صعبا. لقد تمكنا من قراءة «السيدة من تل أبيب»، وهي عن غزة، قبل أن نتمكن من قراءة روايات لروائيين جدد، مثل خضر محجز، وعاطف أبو سيف. ورواياتهم لم تحقق الانتشار الذي حققته «السيدة من تل أبيب» التي بقيت الأكثر حضورا وتمثيلا لصورة غزة في الرواية. ويضيف: «أعتقد أن مأساة غزة كبيرة جدا، وقد لامست الروايات الصادرة هناك الجرح ومعاناة الناس. لكن الجرح كبير وعميق بحيث يحتاج إلى عشرات الروايات لتعبر عنه. ونظرا لأن الرواية ليست كالشعر، وتحتاج إلى فترة طويلة لتمثل الحدث، فإن الأيام المقبلة قد تأتي لنا بروايات أخرى».
وذكّر الدكتور عادل بثلاثية السبعاوي، التي قال إنها «لم تصور معاناة غزة في اللحظة الراهنة، إذ عاد (الكاتب) إلى فترات زمنية سابقة ليكتب عنها، وبقيت رواياته ضعيفة إلى حد ما، ولم ترق إلى جرح المدينة».

* مضامين نضالية
ويميل الروائي عبد الله تايه، إلى تأكيد «الدور النضالي» للرواية «التي وثّقت متغيرات المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة وتحولاته في مراحله النضالية المختلفة، من خلال إبداعات كتابها. فكانت الذاكرة وحفظها من أهم وسائل التصدي للمحتل، فالرواية تتحمل كل التفاصيل، وتعتبر (...) من المصادر الهامة والصادقة والصادمة، لكل راغب في دراسة تحولات المجتمع في غزة». ويقول تايه إن جيل السبعينات من الكتاب اعتمد على التثقيف الذاتي، ورصد ما يدور من تحولات في القطاع. ويلتقي مع الأسطة وأبو سيف في تأكيد أسبقية القصة القصيرة، عند الجميع، على الرواية التي تحولوا إلى كتابتها لاحقا، «نظرا لاتساع فضائها وإمكاناتها في استيعاب ما يودون التعبير عنه». وقد كانت مخيمات قطاع غزة وأحياء المدينة الفقيرة، المكان الجغرافي لروايات تلك الفترة، و«مادتها التي سجلت المتغيرات والتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وصورت المقاومة وألوانها، والنماذج الإنسانية وتنوعاتها، بفقرها وبؤسها في أزقة المخيمات، حيث المتطلعين إلى الحرية، بكل تشابك علاقاتهم وصراعهم مع المحتل ومع الحياة نفسها».
ويشير تايه إلى الروائيين الطليعيين، فيذكر شخصه وروايته «الذين يبحثون عن الشمس» 1979، كأول رواية صدرت بعد الاحتلال، و«العربة والليل» 1982، و«التين الشوكي ينضج قريبا» 1983، و«وجوه في الماء الساخن» 1996، و«قمر في بيت دراس» 2001. ثم الروائي غريب عسقلاني وروايته «الطوق» 1979، و«زمن الانتباه» 1983، و«زمن دحموس الأغبر» 1996، التي أتت على النماذج الإنسانية السلبية في التنظيمات الثورية والدينية، ورواية «نجمة النواتي» 1996 التي تحدثت عن الحالة السياسية في غزة ومخيماتها في الستينات وانعكاسها على الشرائح الاجتماعية، خصوصا البرجوازية المثقفة، ورواية «جفاف الحلق» 1998، عن تهجير أهل المجدل عسقلان إلى غزة، ورواية «عودة منصور اللداوي» 2003، وتبحث في التطورات الوجدانية والسياسية للمقاومة المسلحة من بداياتها حتى قيام السلطة، ورواية «ليالي الأشهر القمرية» 2005، وتحكي عن العودة المنقوصة لبطلها الذي لم تعده اتفاقيات أوسلو إلا للمخيم الذي خرج منه. تلا ذلك بعض الكتاب الذين قدموا نماذج في هذا السياق منهم، حسب تايه، محمد أيوب في روايته «الأحزان تأتي في حزيران»، وعلي عودة في رواية «بكاء العزيزة»، ومحمد نصار في رواية «سوق الدير».

* من قلب المعاناة
ويرى الباحث والناقد ناهض زقوت أن إنتاج الرواية في قطاع غزة تأخر بسبب الظروف السياسية التي مر بها القطاع، «فقد كان القطاع هو الحاضنة الأكبر لجموع اللاجئين الفلسطينيين عام 1948، وهؤلاء هم الذين أنتجوا الرواية في نهاية السبعينات بعد أن استقرت أوضاعهم المعيشية، وهذا ما تحتاج إليه الرواية لكي تنمو وتنتعش وتعبر عن الواقع».
ويتفق زقوت مع تايه وآخرين في أن «واقع الاحتلال وممارساته العدوانية والعنصرية يكاد يكون من أكثر القضايا التي ألح الروائيون على تناولها في قطاع غزة، بالإضافة إلى النكبة وتداعياتها وواقع اللاجئين وأحوالهم في المخيمات، والعمليات النضالية، والأوضاع الاجتماعية والمعيشية». ويري أن الروائي في قطاع غزة «استطاع أن يخلق لغته ووسائل للتعبير تحمل بصمته أو رؤيته الفردية (...) فهو لم يكتب الرواية من الخارج تصويرا أو تعبيرا أو تخيلا، إنما كتب من الداخل من قلب المعاناة ومن العيش على أرض الواقع أو من خلال الاكتواء بنارها».
ويؤكد زقوت على أن ما يزيد عن مائة رواية لنحو 50 كاتبا كتبت في غزة في الفترة من عام 1975 حتى عام 2003، إلا أنه ونتيجة لافتقار غزة إلى دور النشر فقد كان أغلب هذه الروايات يطبع في القدس، وما طبع في غزة كان قليلا، وطُبع على نفقة مؤلّفه.
ويضيف زقوت أن كتّاب غزة تناولوا واقع السلطة الوطنية وما أفرزته من إيجابيات وسلبيات، ويقول إنهم «كانوا سباقين في تناول هذا الواقع بعدد لا يستهان به من الروايات، حيث صدر في فترة من 1996 وحتى 2005 نحو 55 رواية لـ26 روائيا.



رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات
TT

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات

غيَّب الموت أول من أمس (الاثنين) الكاتب الروائي المصري رضا البهات عن عمر ناهز 71 عاماً، بعد معاناة طويلة مع المرض. وبرحيله تفقد الثقافة المصرية واحداً من أكثر مبدعيها خصوصية وأصالة وزهداً في الأضواء، حيث عاش في مدينته المنصورة بعيداً عن صخب العاصمة ولم ينشغل بصراعات أدبائها، أو ينخرط في خلافاتهم ومعاركهم الجانبية؛ بحثاً عن مجد شخصي.

ولم تكن مبالغة أن يرثيه الشاعر دكتور عيد صالح عبر صفحته بموقع «فيسبوك» بقوله: «مرّ بحياتنا كالملائكة وأصحاب الرؤى النورانيين الملهمين»، في حين وصفه الناقد شعبان يوسف بأنه «واحد من أنبل وأجمل كُتابنا، فلم يزاحم أحداً وكان وجوده مفرطاً في الرقة والعذوبة».

ونعتته الكاتبة غادة كمال، ابنة شقيقته، بأنه «معلمها الأول الذي كان وسيظل حاضراً في كل حرف كتبته»، ومن جهته عدّ الكاتب إبراهيم عبد المجيد أننا «إزاء خبر مفجع للغاية؛ فالبهات لم يغب أبداً عن باله وكان يخطط منذ فترة طويلة لرؤيته، لكن دون جدوى».

وُلِد رضا البهات في محافظة الدقهلية عام 1955، وتخرج في كلية الطب بجامعة المنصورة، ثم عمل طبيباً، في حين واصل الكتابة والنشر في الصحف والمجلات المصرية والعربية، وقد انعكست خبرته المهنية في مشروعه الأدبي صانعة علاقة شفيفة على المستويين الفني والجمالي؛ إذ كان يرى أن الطب منجم من الخبرات الإنسانية التي يمكن للكاتب أن يستفيد منها في فهم البشر ومراقبة تفاصيل حياتهم.

ولم يكن يرى إقامته في المنصورة ابتعاداً عن الحياة الثقافية، إنما اختار أن يظل قريباً من المكان الذي شكَّل مسرح طفولته وحياته، عاش فيه وعمل، وأن يستمد مادته من الواقع المحيط به. وتُعدّ البداية الحقيقية لمشروعه الأدبي عبر رواية «بشاير اليوسفي» الصادرة عام 1992، والتي تناولت تحولات المجتمع المصري، ولا سيما تأثيرات الهجرة للخارج بحثاً عن فرص عمل وما صاحبها من تغيرات منظومة القيم والسلوك وشكل القرية المصرية.

كانت «بشاير اليوسفي» أكثر من مجرد بداية روائية؛ فقد وضعت منذ البداية عدداً من القضايا التي ستظل حاضرة في عالم البهات، وعلى رأسها التحولات الاجتماعية والسياسية التي أصابت الإنسان المصري، كما رأى النقاد فيها إشارة مبكرة إلى التغيرات التي طرأت على المجتمع.

بعدها أصدر مجموعته القصصية «طقوس بشرية» عام 1995، ثم رواية «شمعة البحر» عام 2004، قبل أن يصدر روايته «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» عام 2014. وتشكل هذه الأعمال معاً جانباً أساسياً من مشروعه الأدبي الذي ظل يتابع من خلاله تحولات المجتمع المصري والريف والمدينة والصحافة والسياسة والعلاقات الإنسانية.

في «شمعة البحر» انتقل البهات إلى الريف المصري، مستفيداً من خبرته المباشرة به، حيث خدم بالفعل في القرى، واستلهم شخصية «الشيخ جلال» التي لها أصل واقعي؛ إذ عرف رجلاً عاش أكثر من تسعين عاماً وحضر عزاءه.

أما «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» فمثلت محطة بارزة في تجربته، وحصلت على جائزة ساويرس الثقافية في فرع الرواية، وتدور الأحداث في عوالم متعددة تشمل الصحافة والسياسة والسجن والعلاقات الاجتماعية، وتقدم شخصية مثقف يعيش وسط تناقضات المجتمع وأسئلته المتعلقة بالدين والسياسة والجنس والطبقات الاجتماعية.

وفي حديثه عن هذا العمل تحديداً، كشف البهات عن أن عمله في القسم الثقافي بإحدى الصحف أمدّه بخبرة مباشرة بعالم الصحافة، كما أكد أن الكاتب لا يستطيع دائماً التحكم في المسارات التي تأخذها أعماله، وأن التجربة الواقعية والخيال يتداخلان في أثناء الكتابة.

من هنا، كانت علاقة البهات بالواقع إحدى السمات الأساسية في كتابته، فهو يكتب عما يعيشه ويعرفه، ويحسه، كما أن خبرته في الطب قدمت له مادة إنسانية واسعة، في حين أتاحت له الكتابة تحويل هذه الخبرات عالماً روائياً وقصصياً. كما اتخذ من عالم الطب نافذة يرى من خلالها الإنسان في لحظات ضعفه وخوفه ومرضه؛ ولهذا ظهرت أجواء المستشفيات والعيادات والمرضى بصورة واضحة في مجموعته «حكايات شتوية»، التي استثمر فيها خبرته المهنية في بناء عالم فني له طابع إنساني.

ومن أبرز أعماله الأخرى «ليلة للغنا»، و«اختار ألا يموت»، إضافة إلى مجموعة من كتب الأطفال مثل: «جوز ولوز وبوز» و«حكاية السمكة وقطعة الخبز» و«الجميلة تتزوج الديك الشركسي».

وعلى رغم ذلك، يظل من السمات اللافتة في تجربته الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج أو يتلهف على النشر، حيث سبق أن برر تلك السمة بطبيعة ظروف حياته ومهنته؛ فهو لا يتعيش من الثقافة، ويكتب ببطء، ورغم أن روايته الأولى حظيت باهتمام نقدي وجماهيري واسع، لكنه لم يتعامل مع الكتابة بوصفها وظيفة تفرض عليه الإنتاج المتواصل.

من السمات اللافتة في تجربة البهات الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج كما كان مقلاً في النشر


قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
TT

قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء

يحتل قصر الحلابات موقعاً خاصاً في خريطة العمائر التي شيدها الأمويون وسط البادية الأردنية، وتكمن هذه الخصوصية في السجال المتجدّد حول تاريخ بنائه ومراحل تكوينه. خرج هذا الموقع الأثري من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي، في عهد استكشاف علماء الآثار للعمائر الأموية المدنية التي عُرفت بقصور البادية، وأعيد استكشافه بعد عقود من الزمن تعرض خلالها لإهمال كبير، وانكبّ عدد من كبار العلماء إلى دراسته من جديد، وخرجوا بأبحاث أعادت قراءة تاريخه بشكل جذري.

يقع قصر الحلابات في منتصف الطريق بين عمّان والزرقاء، على بعد 12 كيلومتراً، شرق «طريق ترايانا نوفا» الذي شيّده الرومان قديماً فيما عُرف بمقاطعة «العربية البتارائية». تحيط بهذا القصر مجموعة من الأبنية والمنشآت تتوزع على مساحة واسعة، تضمّ مسجداً صغيراً، وخزاناً كبيراً، إضافة إلى ثمانية خزانات محفورة في الصخر. يحمل هذا المجمع الاسم الذي عُرف به محلياً، وهو الاسم الذي أثار حيرة علماء الآثار الذين سلّطوا الضوء عليه في العقود الأولى من القرن العشرين؛ إذ رأى البعض أن هذا الاسم يشير إلى حلبة الخيل، فيما رأى البعض الآخر أن هذه التسمية تشير إلى خربة مهجورة كانت النساء تقصدها لحلب الماعز والأبقار.

كانت هذه الخربة ماثلة للعين، غير أن أهميّتها التاريخية لم تتضح إلا في مطلع القرن العشرين، حين قصدها العالم الأميركي هوارد كروسبي بتلر للمرة الأولى في فبراير (شباط) 1904 على رأس بعثة من جامعة برنستون الأميركية، وقصدها ثانية في مارس (آذار) 1909، وأنجز مخطّطاً توثيقياً للموقع، كما نشر نقوشاً كتابية محفورة على صخوره، واستند العلماء على هذه الوثائق في تحديد مراحل بنائه المتعدّدة. تتمثّل هذه النقوش في ثلاث كتابات اعتُمدت لتأريخ هذا البناء، الأولى لاتينية، وتذكر «قصراً جديداً» شُيّد في عام 213. النقش الثاني يوناني بيزنطي، ويعود إلى عهد الإمبراطور يوستينيانوس، وإلى عام 529 بالتحديد، ويشير إلى بناء حصن في الموقع. أما النقش الثالث، فيوناني كذلك، وهو مبعثر على عشرات الأحجار التي استخدمت في بناء القصر، وتظهر دراساتها أنها تنقل مرسوماً وُضع في عهد الإمبراطور أنسطاس الذي حكم من عام 491 إلى عام 518، وقد أثارت هذه الكتابة نقاشاً واسعاً، ورأى البعض أنها دخيلة على القصر، ولا تمت إليه بأي شكل في الأصل، فيما ربط البعض الآخر بينها وبين البناء، واعتبر أنها تشكّل مصدراً من المصادر التي يجب الأخذ بها لتحديد مراحل تكوينه.

اتّفق البحاثة على تحديد ثلاث مراحل لبناء هذا القصر، واعتمد هذا التحديد على النقوش الكتابية من جهة، وعلى مخطط البناء وطرازه من جهة أخرى. في المرحلة الأولى، شُيّد البناء من الزاوية الشمالية الغربية خلال القرن الأول، وشكّل برجاً لمراقبة «طريق ترايانا نوفا». في المرحلة الثانية، أُحيط المبنى بسور خارجي تحده أبراج مربّعة في الزوايا الأربع خلال العقود الأولى من القرن الثالث. في تلك المرحلة، جمع البناء بين الحجارة الكلسية والحجارة البازلتية، وبقي عامراً في القرون التالية. تُنسب المرحلة الثالثة إلى عهد يوستينيانوس، وتمثّل الحقبة الأخيرة من تاريخ البناء القديم الذي تحوّل إلى حصن هُجر في نهاية العهد البيزنطي، وتساقطت أجزاء كبيرة منه. أعيد بناء هذا الموقع بشكل جديد في العهد الأموي، واستخدم بناؤه كتلاً حجرية كلسية وبازلتية كانت قد تساقطت منه، كما استخدموا قطعاً تعود إلى مرسوم أنسطاس، وحافظوا على الأبراج المربعة والتقسيمات الداخلية المتوازية، على خلاف ما نراه في القصور الأموية الكبرى، مثل قصر الطوبة وقصر المشتى، حيث يتكون المجمع السكني من قاعة مركزية، تحيط بها غرف جانبية، وتحدّها أبراج نصف دائرية. نسب هوارد كروسبي بتلر هذا البناء إلى هشام بن عبد الملك، الخليفة الذي شيّد ما يُعرف بـ«حمّام الصرح»، وهو حمّام يضم ملحقات عدة، أُقيم في منطقة سهلية تعود إلى مدينة الزرقاء، ويُعرف كذلك بقصر الحلابات الشرقي.

في عام 1978، زار عالم الآثار البريطاني ديفيد كندي الموقع لدراسته، وقدّم قراءة جديدة له اعتمدت بشكل كبير القراءة الأولى. في العام التالي، شرعت دائرة الآثار العامة في الأردن في سلسلة تنقيبات في الموقع، بالتعاون مع جامعة مدينة ليون الفرنسية، واستمرت هذه الحملات التي ترأسها عالم الآثار الأردني غازي بيشه حتى عام 1984. بدوره، قدّم غازي بيشه خلال حملات المسح التي قادها سلسلة من المقالات اعتمدت التأريخ المعهود، غير أنه عاد ونشر في عام 1993 مقالة علمية رأى فيها أن النقوش الكتابية التي شكّلت أساساً لتأريخ مراحل بناء الموقع لا يُمكن الأخذ بها.

في الواقع، خرج البحاثة في هذه الحقبة برأي يقول بأن هذه النقوش دخيلة على القصر، وقد جرى استخدامها بعد نقلها إليه. وأظهرت الدراسات أن البناء شُيّد كحصن في أيام البيزنطيين، وهو بناء محلّي يعود على الأرجح إلى قبائل الغساسنة التي استقرّت في بلاد الشام، وكانت لملوكها ديار «باليرموك والجولان وغيرهما، من غُوطَة دمشق وعمالها، ومنهم من نزل الأردن من أرض الشام»، كما ذكر المسعودي في «مروج الذهب». في الحقبة الأموية المبكرة، تحوّل هذا الحصن إلى منتجع ملكي، وتم تشييده من جديد مع تعديلات جذرية في تكوينه، غير أنه حافظ على أسسه الهندسية الأولى المتمثلة في مسقط مربع الشكل، تحدّ زواياه أربعة أبراج.

تحوّل قصر الحلابات إلى موقع أثري سياحي، وأنشئ متحف خاص به، افتتح في عام 2008، وحوى نحو 150 قطعة أثرية متنوعة، منها النقوش المصنوعة من الجص، والتيجان الرخامية، ومجموعة من ألواح الفسيفساء المجتزأة، وبقايا بسيطة من الرسوم الجدارية. تجمع نقوش قصر الحلابات بين التكوينات الهندسية والعناصر التصويرية المحوّرة، وتماثل من حيث الأسلوب والتنفيذ النقوش التي خرجت من القصور الأموية الكبرى. في المقابل، تبرز الأرضيات الفسيفسائية وتتميّز بتنوّع تقاسيمها، وتشكّل هذه الألواح مادة أساسية لدراسة استمرارية هذا الفن وتطوّره خلال العهد الأموي.


صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي
TT

صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي

في روايتها «غداً غداً» الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، وترجمة علا محمود، ترسم الكاتبة الإيطالية فرانشيسكا جانونيه صورة مؤثرة لصراعات اجتماعية وإنسانية تنطلق من قلب ريف «سالنتو» في أواخر خمسينات القرن العشرين بإيطاليا، حيث يعيش الشقيقان «لورينسو» و«أنييزيه» داخل عالمهما الصغير الذي تديره عائلتهم المعروفة بصناعة الصابون.

يتجلى المصنع الذي أسسه الجد والممتلئ برائحة الزيوت العطرية والزهور رمزاً للاستمرارية والأمان في بقعة تجمع بين الماضي والمستقبل وبين الحلم العائلي والحياة اليومية البسيطة، لكن حين يقرر والدهما بيع المصنع فجأة ينقلب التوازن العائلي رأساً على عقب.

يغادر «لورينسو» البيت مدفوعاً بالغضب والرغبة في استعادة إرثه الضائع في حين تبقى «أنييزيه» الهادئة لتواجه التغير وحدها وتنقذ ما يمكن إنقاذه، وهكذا على مر السنين يسير الشقيقان في طريقين متوازيين لا يلتقيان، أحدهما في مواجهة العالم والآخر في مواجهة الذات.

وفي خلفية الأحداث، تتحول إيطاليا من بلد ريفي تقليدي إلى وطن جديد تنبض شوارعه بالأمل والصراعات والطموح، في نص مدهش عن الأسرة والاختيارات والحنين، فضلاً عن الغضب الذي يورّث والإخلاص الذي يبقى رغم المسافات.

اللافت، أن المؤلفة فرانشيسكا جانونيه تعود أصولها إلى منطقة «سالنتو» في جنوب إيطاليا، كما درست علوم الاتصالات ودرست في المركز التجريبي للتصوير السينمائي.

من أجواء الرواية نقرأ:

«كانت غرفة لورينسو بسيطة وشبه خالية، الآثار الباقية من وجوده انحصرت في عدة ملصقات سينمائية معلقة على الجدران كلها لأفلام لم يشاهدها «ماركو» من قبل، مع حامل للرسم وأنابيب ألوان قديمة وفُرش جفت شعيراتها وتصلبت. ومن حافظة أوراق موضوعة على المكتب برزت بضع رسومات فاقترب الفتى وتصفح بعضها فانتبه إلى أن كل الرسومات تصور الفتاة ذاتها، فتاة رائعة الجمال ولها شعر أشقر طويل.

تفرَّس الشاب في ملامحها قليلاً وسأل نفسه: هذه الفتاة تشبه شخصاً أعرفه، أظن أنني رأيتها من قبل... لكن أين؟... وبينما راح يعصر ذهنه محاولاً التذكر، قال ماريو فجأة يا فتى عليّ أن أذهب الآن، حان موعد تناول أدويتي، لكن إن أردت البقاء فلا بأس سأترك لك المفاتيح على أن تعيدها لاحقاً.

حالما بقى ماركو وحيداً أعاد وضع السماعات على أذنيه وشرع يدندن وهو يسير عبر الطريق الترابية مع صوت «فابريتسيو ديه أندره» الذي راح يقول: «ما لا أملكه هو أن أنجو بلا ثمن... ما لا أملكه هو ذاك الشيء الذي لا أفتقده في الغياب...».

وفجأة لمح اللافتة التي كتب عليها: «كازا ريتسو»، مصنع الصابون العريق منذ عام 1920، واصل سيره وبعد فترة وجيزة بلغ الفضاء الفسيح الواقع أمام المصنع بينما كان فابرتسيو يتابع غناءه: «ما لا أملكه... هو قطار صدئ يعيدني من حيث بدأت طريقي».

توقف ماركو ورفع بصره نحو مبنى المصنع المهجور، تأمل الواجهة التي اسوّدت بفعل الزمن وشجر اللبلاب الذي تسلق جدرانها حتى أخفى جزءا منها وزجاج النوافذ المعتم وخشب الباب المتآكل. استعاد في ذهنه ما رآه في غرفة والدته القديمة وتلك التفاصيل الكثيرة التي تخص ذلك المكان وأدرك أن المصنع لابد أنه كان يعني لهما الكثير.