الرواية في غزة وعنها كما يراها نقّاد وروائيون فلسطينيون

نضالية توثيقية متّهمة بالضعف لا يقترب منها الناشرون ولا تحظى بالانتشار.. لكنها بخير

الرواية في غزة وعنها كما يراها نقّاد وروائيون فلسطينيون
TT

الرواية في غزة وعنها كما يراها نقّاد وروائيون فلسطينيون

الرواية في غزة وعنها كما يراها نقّاد وروائيون فلسطينيون

البحث عن غزة في الرواية يقود صاحبه إلى متاهة، وقليل من الإجابات، بعضها واضح ومحدد ودقيق، وبعضها الآخر يشبه بيانات الفصائل الفلسطينية ويتمثل خطابها. فغزة المحاصرة منذ أكثر من 7 سنوات، تبدو مغلقة على أدبائها. لم يساعدهم نشر أعمالهم محليا على اجتياز الحدود. وسعوا، في زمن الاحتلال الإسرائيلي المباشر، إلى «تهريب» بعض إنتاجهم، من القصة القصيرة غالبا، إلى الخارج سعيا وراء نشره أو توزيعه. لكنه لم يصل إلى الخارج المتاخم لغزة، أو البعيد عنها وراء البحار. وفي هذا المجال، يشير الدكتور عادل الأسطة، أستاذ الأدب الحديث والنقد في جامعة النجاح الوطنية، وهو متابع دؤوب لما يصدر من أعمال روائية في فلسطين وخارجها، إلى صعوبة متابعة الأدب الصادر في قطاع غزة، وبخاصة الرواية، منذ انقطاع الاتصال بين القطاع والضفة الغربية، في السنوات الـ14 الأخيرة؟
غير أن انتشار الرواية «الغزاوية» لم يتحقق، حتى في زمن الانفجار التكنولوجي واتساع شبكات التواصل الاجتماعي. إذ تباطأت الرواية المكتوبة في غزة، وعنها، في اللحاق بروايات كتبها فلسطينيون آخرون في الضفة الغربية، وفي الأردن، وفي الشتات أيضا، نافست الرواية العربية على غير مستوى. لم تصل الرواية «الغزاوية» إلى الناشر في الخارج، ولم يتقدم منها الناشر خطوة واحدة، مع أن «إيميلاً» واحدًا يحمل ملفًّا، قادر على اختراق الحدود وتجاوز الحصار.
وباستثناء 3 روايات كانت غزة مسرح أحداثها، أو جانبا من مسرحها، لم تتوفر في الخارج، روايات عن غزة. والروايات الـ3، كتب اثنتين منها فلسطينيا الأصل، والثالثة إنجليزي، وهي: «Out of It» أو «خارجها»، أي غزة، لسلمى دباغ، الفلسطينية الأصل، المولودة في اسكوتلندا، وصدرت بالإنجليزية عن دار «بلومزبري، في ديسمبر (كانون الأول) 2011. و«السيدة من تل أبيب» لكاتب هذه السطور، وهي الرواية الفلسطينية الوحيدة عن غزة، المترجمة من العربية إلى الإنجليزية. و«Grave in Gaza»، أو «قبر في غزة»، للبريطاني مات بينون ريس، الذي فاجأ الفلسطينيين قبل أن يفاجئ الغرب بثلاث روايات «فلسطينية بوليسية، تدور أحداث اثنتين منها في الضفة الغربية، وواحدة في غزة».
فأي شوط قطعه الروائيون الفلسطينيين المقيمون في غزة في الكتابة عنها؟ وماذا كتبوا؟ وما سمات ما كتبوه؟ ولماذا بقيت كتاباتهم بعيدة كل هذه المسافة عن القراء في الضفة والبلاد العربية والعالم؟

* القصة القصيرة أولا
في يوليو (تموز) الماضي، صدر عن دار «كوما برس»، بالإنجليزية، كتاب «ذي بوك أُف غازا»، وضم 10 قصص قصيرة مترجمة، لكتاب من غزة من أجيال مختلفة. بعدها، زار لندن الروائي والقاص عاطف أبو سيف، الذي حرّر الكتاب. في مقابلة خاصة معه أجرتها {كوما برس}, تحدّث أبو سيف عن تطور الأشكال الأدبية في كتابات غزة خلال القرن الماضي. وأجاب عن بعض ما طرح هنا من أسئلة. ومما قاله أنقله بتصرف: إن الكتّاب ومنذ مطلع سبعينات القرن الماضي كتبوا القصة القصيرة، «فالرواية كبيرة وتهريبها إلى الخارج (في ظروف الاحتلال) صعب». أما الروايات التي كتبت في السبعينات والثمانينات فلم تكن تزيد على 70 صفحة، وحتى 55 أحيانا. بمعنى آخر، هي «قصص قصيرة» طويلة. ولم تكن سمات شخصياتها واضحة، بل غالبا متشابهة ومكررة. «شخصيات لا تمثل ذاتها أو تعبر عنها، بل تمثل أفكارا». أما الروايات، فهي روايات ذاكرة، تحاول استعادة الماضي بإعادة إحياء ما جرى تدميره خلال النكبة. أي استحضار المكان الذي غاب منذ نكبة 1948. فسعى أحمد عمر شاهين مثلا، إلى استعادة صورة يافا. وجعل جبرا إبراهيم جبرا من السفينة مكانا. وذهب غسان كنفاني إلى حيفا في «عائد إلى حيفا». يقول أبو سيف: الرواية تحتاج إلى استقرار، ومجتمع مستقر، وعلاقات اجتماعية واضحة. وقد تحقق شيء من هذا بعد عام 1995 حين تشكلت سلطة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، حقّقت بعض الاستقرار. فظهرت سمات أوضح لشخصيات روائية، وظهر المكان الذي غاب في أعمال ما قبل هذا التاريخ.

* شعارات سياسية
أما الدكتور عادل الأسطة، فقال لـ«الشرق الأوسط»: لم تصدر في غزة، في القرن العشرين، روايات كثيرة. وما صدر منها تحت الاحتلال وفي ظل السلطة الفلسطينية، ظل ضعيفا إلى حد ما. والذين كتبوا روايات كانوا حقا من كتاب القصة القصيرة، أولهم وأبرزهم كان غريب عسقلاني، وعبد الله تايه، ومحمد أيوب. ونادرا ما تجاوز أي من رواياتهم الـ140 صفحة. وقد كتب هؤلاء عن معاناة الناس تحت الاحتلال، كما في رواية غريب عسقلاني «الطوق»، وهي من أولى الروايات، وكما في رواية محمد أيوب «الكف تلاطم المخرز» التي حضر فيها الشعار السياسي أكثر من الجانب الفني. ورأي الأسطة أن الرواية تحت الاحتلال، والأدب بشكل عام، ظلا ضعيفين، وظلت الرواية أقرب إلى القصة الطويلة منها إلى الرواية. ومع انقطاع الاتصال بين الضفة وغزة، في السنوات الـ14 الأخيرة، أصبحت متابعة الأدب الصادر هناك، بخاصة الرواية، أمرا صعبا. لقد تمكنا من قراءة «السيدة من تل أبيب»، وهي عن غزة، قبل أن نتمكن من قراءة روايات لروائيين جدد، مثل خضر محجز، وعاطف أبو سيف. ورواياتهم لم تحقق الانتشار الذي حققته «السيدة من تل أبيب» التي بقيت الأكثر حضورا وتمثيلا لصورة غزة في الرواية. ويضيف: «أعتقد أن مأساة غزة كبيرة جدا، وقد لامست الروايات الصادرة هناك الجرح ومعاناة الناس. لكن الجرح كبير وعميق بحيث يحتاج إلى عشرات الروايات لتعبر عنه. ونظرا لأن الرواية ليست كالشعر، وتحتاج إلى فترة طويلة لتمثل الحدث، فإن الأيام المقبلة قد تأتي لنا بروايات أخرى».
وذكّر الدكتور عادل بثلاثية السبعاوي، التي قال إنها «لم تصور معاناة غزة في اللحظة الراهنة، إذ عاد (الكاتب) إلى فترات زمنية سابقة ليكتب عنها، وبقيت رواياته ضعيفة إلى حد ما، ولم ترق إلى جرح المدينة».

* مضامين نضالية
ويميل الروائي عبد الله تايه، إلى تأكيد «الدور النضالي» للرواية «التي وثّقت متغيرات المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة وتحولاته في مراحله النضالية المختلفة، من خلال إبداعات كتابها. فكانت الذاكرة وحفظها من أهم وسائل التصدي للمحتل، فالرواية تتحمل كل التفاصيل، وتعتبر (...) من المصادر الهامة والصادقة والصادمة، لكل راغب في دراسة تحولات المجتمع في غزة». ويقول تايه إن جيل السبعينات من الكتاب اعتمد على التثقيف الذاتي، ورصد ما يدور من تحولات في القطاع. ويلتقي مع الأسطة وأبو سيف في تأكيد أسبقية القصة القصيرة، عند الجميع، على الرواية التي تحولوا إلى كتابتها لاحقا، «نظرا لاتساع فضائها وإمكاناتها في استيعاب ما يودون التعبير عنه». وقد كانت مخيمات قطاع غزة وأحياء المدينة الفقيرة، المكان الجغرافي لروايات تلك الفترة، و«مادتها التي سجلت المتغيرات والتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وصورت المقاومة وألوانها، والنماذج الإنسانية وتنوعاتها، بفقرها وبؤسها في أزقة المخيمات، حيث المتطلعين إلى الحرية، بكل تشابك علاقاتهم وصراعهم مع المحتل ومع الحياة نفسها».
ويشير تايه إلى الروائيين الطليعيين، فيذكر شخصه وروايته «الذين يبحثون عن الشمس» 1979، كأول رواية صدرت بعد الاحتلال، و«العربة والليل» 1982، و«التين الشوكي ينضج قريبا» 1983، و«وجوه في الماء الساخن» 1996، و«قمر في بيت دراس» 2001. ثم الروائي غريب عسقلاني وروايته «الطوق» 1979، و«زمن الانتباه» 1983، و«زمن دحموس الأغبر» 1996، التي أتت على النماذج الإنسانية السلبية في التنظيمات الثورية والدينية، ورواية «نجمة النواتي» 1996 التي تحدثت عن الحالة السياسية في غزة ومخيماتها في الستينات وانعكاسها على الشرائح الاجتماعية، خصوصا البرجوازية المثقفة، ورواية «جفاف الحلق» 1998، عن تهجير أهل المجدل عسقلان إلى غزة، ورواية «عودة منصور اللداوي» 2003، وتبحث في التطورات الوجدانية والسياسية للمقاومة المسلحة من بداياتها حتى قيام السلطة، ورواية «ليالي الأشهر القمرية» 2005، وتحكي عن العودة المنقوصة لبطلها الذي لم تعده اتفاقيات أوسلو إلا للمخيم الذي خرج منه. تلا ذلك بعض الكتاب الذين قدموا نماذج في هذا السياق منهم، حسب تايه، محمد أيوب في روايته «الأحزان تأتي في حزيران»، وعلي عودة في رواية «بكاء العزيزة»، ومحمد نصار في رواية «سوق الدير».

* من قلب المعاناة
ويرى الباحث والناقد ناهض زقوت أن إنتاج الرواية في قطاع غزة تأخر بسبب الظروف السياسية التي مر بها القطاع، «فقد كان القطاع هو الحاضنة الأكبر لجموع اللاجئين الفلسطينيين عام 1948، وهؤلاء هم الذين أنتجوا الرواية في نهاية السبعينات بعد أن استقرت أوضاعهم المعيشية، وهذا ما تحتاج إليه الرواية لكي تنمو وتنتعش وتعبر عن الواقع».
ويتفق زقوت مع تايه وآخرين في أن «واقع الاحتلال وممارساته العدوانية والعنصرية يكاد يكون من أكثر القضايا التي ألح الروائيون على تناولها في قطاع غزة، بالإضافة إلى النكبة وتداعياتها وواقع اللاجئين وأحوالهم في المخيمات، والعمليات النضالية، والأوضاع الاجتماعية والمعيشية». ويري أن الروائي في قطاع غزة «استطاع أن يخلق لغته ووسائل للتعبير تحمل بصمته أو رؤيته الفردية (...) فهو لم يكتب الرواية من الخارج تصويرا أو تعبيرا أو تخيلا، إنما كتب من الداخل من قلب المعاناة ومن العيش على أرض الواقع أو من خلال الاكتواء بنارها».
ويؤكد زقوت على أن ما يزيد عن مائة رواية لنحو 50 كاتبا كتبت في غزة في الفترة من عام 1975 حتى عام 2003، إلا أنه ونتيجة لافتقار غزة إلى دور النشر فقد كان أغلب هذه الروايات يطبع في القدس، وما طبع في غزة كان قليلا، وطُبع على نفقة مؤلّفه.
ويضيف زقوت أن كتّاب غزة تناولوا واقع السلطة الوطنية وما أفرزته من إيجابيات وسلبيات، ويقول إنهم «كانوا سباقين في تناول هذا الواقع بعدد لا يستهان به من الروايات، حيث صدر في فترة من 1996 وحتى 2005 نحو 55 رواية لـ26 روائيا.



التين والزيتون في رؤية توماس مان

توماس مان
توماس مان
TT

التين والزيتون في رؤية توماس مان

توماس مان
توماس مان

نقع في المجلد الحادي عشر من الأعمال الكاملة للروائي الألماني الكبير توماس مان على نصٍّ بالغ الأهميَّة ظلّ خارج اهتمام الدارسين العرب والمسلمين، بعنوان: (أشجار الحديقة: خطابٌ من أجل أوروبا الجامعة). ويتخذ النصُّ رمزية شجرتي التين والزيتون مدخلاً إلى نقد تحولات موقع ألمانيا في الفضاء الأوروبي، وما يعتريه من توتر بين خصوصيتها الثقافيَّة العميقة وانخراطها في المشروع الأوروبي الحديث.

ألقى توماس مان هذا النص عام 1930 في برلين أمام جمعية (خطة أوروبا)، قبل أن يعيد توظيف بنيته الرمزية لاحقاً في روايته الكبرى «يوسف وإخوته»، التي صدرت بالعربية سنة 2024 في أربعة مجلدات. ومن أجل التحضير لهذه الرواية، انكبَّ على دراسة التاريخ المصري القديم والأساطير الشرقية حتى غدا مختصّاً فريداً بتلك الموضوعات، إلى درجة أن Jan Assmann خصَّص كتاباً للحديث عن معارف توماس مان ومعالجاته، عنوانه: Thomas Mann und Ägypten: Mythos und Monotheismus in den Josephsromanen ويعني بالعربية: توماس مان ومصر: الأسطورة والتوحيد في روايات يوسف.

وعلى الرغم من مرور قرابة قرن على نشر هذا النصِّ/الخطاب، فإنَّه ما زال بكراً في حقل الدراسات المقارنيَّة؛ إذ لم يُستثمر حتى الآن في ضوء النصِّ القرآني وتأويلاته التراثية الإسلامية.

يبدأ توماس مان خطابه بالقول: «تتكلم الأساطير الشرقيَّة عن شجرتين في حديقة العالم تُنسب إليهما دلالة كونيَّة أساسيَّة ومتعارضة جذرياً. الأولى شجرة الزيتون، التي يُدهن بزيتها الملوك ليحيَوا. فهي شجرة الحياة، المقدسة للشمس؛ فمبدأ الشمس، بما فيه من عقل ورجولة ووضوح، متصل بجوهرها. وما يصدر عنها هو القداسة والعزم والثقة. إنِّها عزاء للشعوب وباعث طمأنينة لها من الألم والمخاوف.

أما الثانية فشجرة التين، المملوءة ثمارها حلاوة، ومن يأكل منها يموت. فهي شجرة الموت، غير أن معناها يمتدُّ أيضاً إلى المعرفة والتمييز والنشاط الجنسي. إنَّها شجرة القمر، المتصلة بعالم قمري ساحر من الليل والخصب والعمق الحسي، وتهب العالم والروح أشياء كثيرة مما لا تدركه بركة شجرة الزيتون الملكية المشرقة.

في ظلِّ التضاد الكوني كما يتجلى في أسطورة هاتين الشجرتين في حديقة العالم، بقي طموح البشريَّة نحو الحقيقة وسعيها إلى غاياتها محكوماً عبر جميع العصور بهذا الانقسام الثنائي، إلى حدٍّ يمكن معه القول: إن التاريخ الفكري نفسه لا يعدو أن يكون سلسلة من الجدل والصراع بين هذين المبدأين المتقابلين»، (انظر: توماس مان، (Gesammelte Werke)، المجلد الحادي عشر، ص 861).

يتابع توماس مان تقريره بأنَّ العالم الغربي بنى جزءاً كبيراً من حضارته على قيم العقل والتنظيم والفعل السياسي وإرادة التقدم. أما ألمانيا فهي، في هذا السياق، تميل إلى تعميق الجانب الداخلي للحياة: التأمل والغموض واللاوعي الإبداعي والانغماس في التجربة الروحيَّة. وهذه الخصوصية ليست سلبية في ذاتها، بل هي مصدر غنى ثقافي وروحي، لكنَّها تصبح مؤذية عندما تنزلق نحو سياسية تغذّي الفاشيَّة واللاعقلانيَّة الجماعيَّة، فتعزل نفسها عن الفضاء الأوروبي المشترك.

بهذا المعنى، يصبح النصُّ دعوةً إلى مصالحة داخليَّة بين ما هو داخلي وما هو خارجي في الإنسان، بين التجربة الفردية العميقة والمسؤوليَّة العامة، بين الفن والسياسة، وبين الحياة كما تُعاش والحياة كما تُنظَّم.

فالتين والزيتون مبدآن متكاملان ومتعارضان في الوقت نفسه. والحضارة الإنسانيَّة تقوم على جدل دائم بين الروح والعقل من جهة، والنفس والليل والرغبة من جهة أخرى. والإنسان يحتاج إلى عالم الزيتون، لكنَّه لا يستطيع أن يعيش من دون عالم التين أيضاً. ومن هنا تأتي الطبيعة التراجيديَّة لرؤية مان، حيث يصبح التوتر بين الليل والنهار جزءاً من بنية الوجود نفسه.

ويبدو جليّاً أن توماس مان يضع هذا البناء الأسطوري منذ البداية ضمن أفقٍ قابلٍ للمقارنة الثقافيَّة والدينيَّة، ولذلك كان من الطبيعي أن يقفز ذهن المسلم إلى إجراء مقارنة بين ثنائيته الرمزيَّة (التين/الزيتون) والسورة القرآنيَّة (التين) وما تراكم حولها من شروح تراثيَّة، في إطار رؤية أوسع لتاريخ الرموز بوصفه حقلاً مشتركاً بين الحضارات، لا ملكيَّة حصريَّة لأيِّ تقليدٍ بعينه.

«وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ > وَطُورِ سِينِينَ > وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ > لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ > ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ > إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ > فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بالدِّينِ > أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ».

للوهلة الأولى يتبادر إلى الذهن أن التين والزيتون هما الثمرتان المعروفتان، وهذا ما يرجّحه إمام المفسرين الطبري، ولكن كثيراً من المفسرين، ومنهم ابن تيمية، يذهبون إلى أنَّ التين والزيتون يشيران إلى جغرافيا الوحي والتاريخ المقدَّس. يقول ابن تيمية: «والتين والزيتون، وطور سينين، وهذا البلد الأمين: إقسامٌ منه بالأمكنة الشريفة المعظَّمة الثلاثة التي ظهر فيها نوره وهداه، وأنزل فيها الكتب الثلاثة: التوراة والإنجيل والقرآن». وبهذا تصبح شجرتا التين والزيتون، أو ثمرتاهما، خريطة رمزية لمسار النبوُّة الإبراهيميَّة، حيث تتصل الطبيعة بالوحي، والأرض بالتاريخ الروحي للإنسان، في إطار رؤية توحيديَّة تجعل الكون كله علامات على الهداية الإلهيَّة ووحدة الرسالات السماويَّة.

ونحن هنا أمام تناول رمزي أيضاً لشجرتي التين والزيتون، لكنه لا يظهرهما قوتين متصارعتين علينا أن نجمع ونوفّق بينهما؛ ففي التأويل القرآني يدخلان في قَسَم إلهي واحد يسبق إعلان الحقيقة الوجوديَّة عن الإنسان: «لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات». فالحقيقة الوجوديَّة حول صراع القوى الكونيَّة لدى توماس مان هي، في القرآن الكريم، حقيقةٌ أخلاقيَّة وروحيَّة تتعلق بمصير الإنسان، وداخل الذات الإنسانيَّة نفسها.

وهكذا يتبدّى الفرق بين مشروعين تأويليين: أحدهما يجعل من الرموز ساحة لصراع حضاري مأساوي بين التين والزيتون، والشمس والقمر، والعقل والليل، والآخر يدمجها في أفق الهداية ووحدة المعنى الكوني.

لقد كان توماس مان النذير العريان الذي نفخ بالبوق في أجواء ألمانيا، منبِّهاً إياها إلى ضرورة التوازن وعدم الانزلاق من عالم الشمس إلى عالم القمر، أو من رمزيَّة الزيتون إلى رمزيَّة التين، حتى لا تهوي في درك النازيَّة المنغمسة في رومانسيتها المظلمة. وهذا ما جعل خطابه يتجاوز التنظير إلى التنبُّؤ التحذيري، لكنّه، في أثناء ذلك، لم يقف عند حدود التأويل الميتافيزيقي؛ إذ سرعان ما تحوّلت الرموز لديه إلى أداة تصنيف للحضارات على الطريقة الاستشراقيَّة الفجّة والتبسيطيَّة المشوِّهة، فنراه يقول في هذا الخطاب:

«ولا شكَّ في أنَّ قارتنا، وكلَّ ما يحمل بصمتها، أي العالم الغربي، منذ أيام الإغريق الذين عبدوا زيوس، ومنذ ظهور المسيحية، قد التزمت في جوهرها، بإيمانها وحياتها الدينيَّة، بالمبدأ الشمسي، عالم قدسية الإرادة والحرية والحكمة والعمل. نعم، إذا كنّا نتحدث هنا عن الوحدة الثقافيَّة لأوروبا والتجربة الأوروبيَّة الحاسمة، التي هي يونانيَّة، فمن الطبيعي أن نستند إلى هذين العنصرين المشتركين، وأن نعتبر الإيمان الروحي الرابط الأوروبي الحقيقي، بينما نُحيل تأليه المبدأ القمري، الأمومي والروحاني السلبي، إلى الشرق، إلى آسيا وطبيعتها الباهتة والهمجيَّة»، (انظر: توماس مان، الأعمال الكاملة (Gesammelte Werke)، المجلد الحادي عشر، ص 486).

وهكذا تتحول هذه الثنائيات إلى نموذج لتفسير التوتُّر الحضاري في أوروبا الحديثة، ثم يقترح حلّها بإقامة نوع من التركيب أو المصالحة بين الأضداد داخل وحدة ثقافيَّة أعلى، أما النصُّ القرآني فلا يقدّم هذه الثنائية بوصفها بنية أنطولوجية للعالم أو معادلة رمزية داخل الطبيعة، بل يدرجها ضمن سياق قَسَمي يُحيل إلى معنى توحيدي شامل يتعلق بالإنسان، الكائن المكرّم ابتداءً، ثم الممتحن باختبارٍ أخلاقيٍّ حرٍّ، فيه إمكان السقوط ابتداءً، وإمكان الارتقاء استمراراً وانتهاءً.

إنَّ هذه المقارنات الثقافيَّة قد تُغني أفق القراءة، وتكشف عن تشابكات رمزيَّة إنسانيَّة واسعة، لكنَّها تظلُّ أدواتٍ للفهم لا مصادرَ للمعنى النهائي.

أمَّا سؤال: إلى أي مدى يسمح النصُّ القرآني بأن يُقرأ عبر خرائط رمزيَّة عابرة للثقافات؟ فجوابه يظلُّ مفتوحاً بين حذر مناهج التفسير الكلاسيكيَّة، وخصوبة الدراسة المقارنيَّة.

* باحث سوري

على الرغم من مرور قرابة قرن على نشر نص/ خطاب توماس مان، فإنَّه ما زال بكراً في حقل الدراسات المقارنيَّة


التناقض محرك العالم

هيغل
هيغل
TT

التناقض محرك العالم

هيغل
هيغل

حين كتب هيغل أن «التناقض هو المبدأ المحرّك للعالم نفسه»، لم يكن يقصد مجرد لفظ قانوني في لعبة ذهنية داخل كتب المنطق، بل كان يرى أن التاريخ، كما نعرفه، يتحرك عبر صراعات لا تبقى ساكنة، وأن الأمم التي تتعامل مع التناقض بوصفه قدراً نهائياً تسقط في العجز، في حين الأمم التي تحوّله إلى لحظة عبور تخرج من الأزمة أكثر وعياً بقوتها وموقعها. لأنها أدركت أن الأزمة ليست سجناً مغلقاً، بل انكشاف لإمكانات كانت كامنة فيها، وفرصة لاختيار صورة جديدة لذاتها ومستقبلها. ولهذا يُضيف هيغل أن التناقض «ليس نهاية الأمر، بل إنه يلغي نفسه». فالفكر الحقيقي لا يقف عند الصدام، بل يبحث عمّا يتجاوز الصدام.

ولذلك كان هيغل يرفض النظر إلى التناقض بوصفه خطأً في التفكير أو عيباً ينبغي التخلص منه. فالتناقض عنده هو العلامة التي تكشف أن فكرة ما أو نظاماً ما قد بلغ حدوده الداخلية، وأنه لم يعد قادراً على الاستمرار بالصورة نفسها. ولهذا فإن كل مرحلة تاريخية تحمل في داخلها عناصر نفيها الخاص. فالدول، والمؤسسات، والأفكار، لا تواجه أزماتها بسبب ضغوط خارجية فقط، بل لأن تناقضاتها الداخلية تدفعها إلى مراجعة نفسها، والبحث عن صورة جديدة لوجودها.

ومن هنا تأتي أهمية ما يُسميه هيغل «الرفع»، أي الحركة التي لا تكتفي بإلغاء أحد الطرفين لصالح الآخر، بل تتجاوزهما معاً في مستوى أعلى. فالتاريخ لا يتقدم عبر الانتصار البسيط لأحد الأضداد، وإنما عبر نشوء وضع جديد يستوعب ما كان صحيحاً في الطرفين، ويتجاوز ما كان محدوداً فيهما. ولهذا لم يكن هيغل مفتوناً بالصراع لذاته، بل بما ينتجه الصراع من وعي جديد. فالأمم التي تنجح في تحويل الأزمات إلى فرصة لإعادة تعريف موقعها في العالم تخرج من التناقض أقوى مما دخلته، أما الأمم التي تبقى أسيرة ردود الفعل فإنها تظل تدور داخل الحلقة نفسها مهما تغيرت الظروف. ومن هنا كان التناقض ليس علامة انهيار بالضرورة، بل قد يكون بداية مرحلة أكثر نضجاً واتساعاً.

الحرب الأميركية الإيرانية، بما حملته من تهديد للممرات البحرية، واضطراب في مصير الطاقة، وتوتر في الخليج، وضعت المنطقة كلها داخل تناقض تاريخي حاد. فمن جهة، هناك مشروع إيراني يقوم على توسيع النفوذ عبر الأذرع المسلحة، وتحويل المنطقة إلى ساحات استنزاف مفتوحة. ومن جهة أخرى، هناك تدخل أميركي لا ينظر إلى المنطقة إلا من زاوية التوازنات الاستراتيجية والمصالح الكبرى. وبين هذين القطبين كان يمكن للمنطقة أن تتحول إلى مجرد مسرح لصراع الآخرين، وأن تُختزل دولها إلى ردود أفعال متوترة تعيش داخل التناقض دون القدرة على تجاوزه.

لكن الحكماء في السعودية تحركوا بطريقة مختلفة. لم تتعامل السعودية مع الحرب باعتبارها فرصة للانفعال الخطابي، ولا باعتبارها لحظة للاندفاع غير المحسوب، بل بوصفها اختباراً تاريخياً لوعي الدولة بنفسها. فالدول الصغيرة في التاريخ تذوب عادة داخل التناقضات الكبرى، أما الدول التي تمتلك رؤية فتبحث عن موقع يجعلها قادرة على عبور الصراع، لا الارتهان له.

هنا يظهر المعنى العميق لفكرة هيغل. التناقض ليس محطة أخيرة. والخطر الحقيقي ليس وجود الصراع، بل التحول إلى أسير له. المنطقة عاشت عقوداً طويلة داخل ثنائية مرهقة، إما الانخراط الكامل في المحاور، وإما الانهيار تحت ضغطها. أما السعودية الجديدة فبدأت تبحث عن شيء آخر، عن بناء مركز ثقل سياسي واقتصادي يجعلها قادرة على حماية مصالحها دون أن تتحول إلى تابع لهذا الطرف أو ذاك.

ولهذا لم يكن التركيز السعودي منصباً فقط على إدارة الأزمة الأمنية، بل على منع الحرب من ابتلاع المستقبل كله. ففي الوقت الذي كانت فيه المنطقة تتجه إلى لغة الصواريخ والردود المتبادلة، كانت السعودية تدفع باتجاه تثبيت الاقتصاد، وحماية أسواق الطاقة، واستمرار مشروعات التحول الكبرى، لأن الدولة التي تعيش داخل التناقض وحده تفقد قدرتها على رؤية ما بعده.

إن أخطر ما في الحروب ليس الدمار المباشر فقط، بل إنها تدفع المجتمعات إلى التفكير اللحظي، وتجعلها سجينة الخوف والانفعال. وهنا يمكن فهم جانب من التحول السعودي خلال السنوات الأخيرة. فالمملكة لم تعد تريد أن تُعرّف نفسها فقط عبر موقعها داخل الأزمات، بل عبر مشروعها الخاص. ولهذا أصبح الحديث عن المدن الجديدة، والاستثمار، والتقنية، والسياحة، والثقافة، جزءاً من الأمن القومي نفسه، لا مجرد ملفات منفصلة عنه.

لقد فهمت السعودية أن العالم لا يحترم الدول التي تعيش داخل رد الفعل الدائم، فالقوة الحقيقية ليست في رفع مستوى التوتر، بل في القدرة على منع التوتر من تدمير الداخل. ومن هذه الزاوية يمكن القول إن الموقف السعودي كان محاولة لتحويل التناقض إلى لحظة إعادة تموضع تاريخي، لا إلى هاوية مفتوحة.

لقد كان بإمكان المنطقة كلها أن تنزلق إلى ما يُشبه ما وصفه هيغل بـ«الليلة السلبية»، أي ذلك الظلام الذي يبتلع المعنى ولا يترك سوى التدمير المتبادل. لكن السياسة لا تُقاس فقط بما يُقال في لحظات الغضب، بل بما يُبنى أثناء هدير العاصفة. ولهذا بدت السعودية أكثر ميلاً إلى تثبيت التوازنات، ومنع الانهيار الشامل، والعمل على إبقاء الخليج فضاءً قابلاً للحياة الاقتصادية والسياسية، لا مجرد جبهة حرب مفتوحة.

إن التفكير في التناقض، وفق المعنى الهيغلي، ليس تمجيداً للصراع، بل رفضٌ لتحويله إلى قدر أبدي. والتاريخ لا يتقدم لأن الحروب تقع فقط، بل لأن بعض الدول تنجح في الخروج من الحروب وهي أكثر قدرة على فهم نفسها والعالم. وربما كانت هذه هي اللحظة التي سعت السعودية إلى أن تصنعها اليوم؛ أن تتحول من دولة تستهلكها تناقضات المنطقة إلى دولة تُعيد تشكيل معنى المنطقة نفسها.

* كاتب سعودي

الأمم التي تبقى أسيرة ردود الفعل تظل تدور داخل الحلقة نفسها مهما تغيرت الظروف


حائزة «نوبل» توكارتشوك تؤلّف مستعينة بالذكاء الاصطناعي

أولغا توكارتشوك
أولغا توكارتشوك
TT

حائزة «نوبل» توكارتشوك تؤلّف مستعينة بالذكاء الاصطناعي

أولغا توكارتشوك
أولغا توكارتشوك

أثارت الكاتبة البولندية أولغا توكارتشوك، الحاصلة على «جائزة نوبل» لعام 2018، موجة من الغضب بعد تصريح لها، خلال مشاركتها في «مؤتمر إمباكت 26» في مدينة بوزنان، الشهر الماضي، اعترفت خلاله أنها استخدمت الذكاء الاصطناعي، لإتمام بعض المهمات في كتابة روايتها الأخيرة. وصل السخط في البعض إلى حدّ المطالبة بسحب الجائزة العالمية من الأديبة. قالت توكارتشوك إنها اشتركت في نموذج متقدم للذكاء الاصطناعي، وانبهرت من النتائج التي حصلت عليها، ووصفته بأنه «يوسّع الآفاق ويعمق التفكير الإبداعي».

ومن بين ما قالته إنها بينما كانت تكتب روايتها التي تصدر الخريف المقبل، وتدور أحداثها في القرن التاسع عشر، لجأت إلى برنامجها الأثير وسألته عن الأغاني التي رقصت عليها شخصياتها في تلك الفترة من الزمن لإتمام مشهد تكتبه عن حفل راقص. وحسب الأديبة، فإن أسماء إحدى الأغنيات لم تكن صحيحة، لذلك تحذر من الهلوسة.

اعترافات مثيرة

زادت تورتشوك الطين بلة حين شرحت أنها أحياناً تعود إلى برنامج الدردشة، وتسأله: «كيف يمكنني يا عزيزي أن أطور هذه الفكرة بشكل جميل؟»، وهو ما يعني أنها تطلب المساعدة حتى في بناء الرواية. واعتبرت الأديبة أن هذه التقنية حسب ما اكتشفت «لها نتائج وأبعاد لا تصدق».

انتشر الخبر، وتسبب بنقاشات واسعة، خصوصاً حول أحقية استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة الروايات، وفي العمليات الإبداعية بشكل عام. اضطرت الأديبة النوبيلية لإصدار بيان توضح فيه أنها لا تلجا للذكاء الاصطناعي في الكتابة، إنما في البحث عن المعلومات والأرشفة. وأوضحت أن كتابها الجديد، لم تكتبه باستخدام الذكاء الاصطناعي ولا بمساعدة أي شخص آخر. «لقد كتبتُ بمفردي لعقود عديدة»، وهي تتعامل مع هذه التقنية الحديثة كأداة تسمح لها بتوثيق الحقائق والتحقق منها بشكل أسرع، مستعيضة عما كانت تفعله حين تبحث في الكتب والمراجع.

الذكاء الاصطناعي قدر محتوم

بصرف النظر عن مدى استفادة النوبيلية الشهيرة من إمكانات الذكاء الاصطناعي، وهي أديبة لها رواياتها وتاريخها ونتاجها المتميز، وهو ما يحمي نسبياً سمعتها الإبداعية. إلا أن الخطورة الفعلية هي في صعوبة مقاومة الأدباء لمهارات التطبيقات التوليدية. والسؤال المطروح، هل بقي للكاتب من وظيفة؟ وهل الإبداع عملية بشرية متجددة، أم قضية تقنية يمكن استنساخها وتقليدها؟ وإذا كان الأمر كذلك، هل الذكاء الآلي سيكون سبباً في موت الإبداع والتجدد الإنسانيين؟

للأسف أياً تكن الإجابة ثمة من يعتقد أن فرملة هذا التطور التقني هو أمر شبه مستحيل، بسبب التنافس التجاري المتوحش بين الشركات الكبرى التي بلغت اسثماراتها مئات مليارات الدولارات، وهي تتنافس كي تتمكن من تعويض ما استثمرته في أسرع ما يمكن، قبل أن تحل بها خسارة فادحة. بالتالي يصعب التمييز في كلام مسؤولي هذه الشركات الكبرى بين الوعود الترويجية المزيفة والواقع الفعلي. لكن علماء كثيرين، بعضهم حاصلون على «نوبل» وجوائز علمية، يعتبرون أن العقل البشري بتمايزه لا يزال إلى الآن العامل الأساسي في الابتكار والتحليل والتفسير العلمي.

جوائز للبشر أم للآلة

لكن في خضم هذه الفوضى، فازت الكاتبة اليابانية ري كودان بجائزة «أكوتاغاوا» المرموقة عام 2024 رغم اعترافها بأن نحو 5 في المائة من روايتها «برج التعاطف في طوكيو» أنشئ بواسطة الذكاء الاصطناعي، وأثارت جدلاً واسعاً. وبين من يريد أن يبيع الكتب ويربح المال بأي ثمن، ومن يود أن يستفيد من الأدوات المتوفرة ليدفع بإبداعه إلى الأمام، تختلف نوايا الكتاب وأهدافهم من استخدام التقنيات المتاحة. فقد خاض الكاتب الكندي المعروف ستيفن مارش مغامرته عام 2023 تحت اسم مستعار هو «أيدان مارشين»، وقام بإصدار رواية سماها «موت المؤلف». وقال إن 95 في المائة من النص تم توليده عبر الذكاء الاصطناعي. الرواية لم تكن بديعة، لكنها محاولة ووصفتها «نيويورك تايمز» بأنها «أول رواية ذكاء اصطناعي قابلة للقراءة إلى حدّ ما».

هناك من يعترف من الأدباء ومن لا يعترف بأن البرامج التوليدية باتت لا غنى عنها أثناء الكتابة، سواء في البحث أو الأرشفة. ومنهم من يبلغ به الحال حدّ المساعدة في تطوير الشخصيات والحبكات، أو البحث عن الاحتمالات الممكنة للأحداث، والاستخدامات تتوسع.

الأديبة أولغا توكارتشوك التي أثارت نقاشاً حساساً حول حدود إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي، هي واحدة من أبرز أدباء جيلها، إضافة إلى «نوبل» حاصلة على جائزة «بوكر مان». وهي ناشطة حقوقية وكتاباتها تعكس اهتمامها بالإنسان والهوية وسؤال الحرية والبيئة، وتحليل النفس البشرية. «عرفت بخصب خيالها السردي الذي يتميز بشغف موسوعي يجسّد عبور الحدود كوسيلة للحياة»، حسب لجنة «نوبل».

لذلك فإن رأيها في التحديات التي يتعرض لها الأدب، بسبب التطورات التقنية يجب أن يؤخذ على محمل الجد. وهو رأي انتشر كالنار في الهشيم لأنه تم تناقله بكثافة على وسائل التواصل عبر تسجيل مصور.

أصالة أم تزييف؟

تابعت توكارتشوك قائلةً: «على عكس ما يتردد، أعتقد أننا نحن الكُتّاب، بحكم خصوصية حرفتنا، سنكون الأكثر انسجاماً مع أدوات مثل الذكاء الاصطناعي». بالطبع لم يعتبر محبو توكارتشوك ما تقوله خبراً ساراً أو مطمئناً. وعلقت صحافية بولندية بالقول: «يجدر التذكير بأن هذه الجائزة تُؤكد على فردية الكتابة وأصالتها. ومن الصعب الحديث عن هذه الأصالة عندما يقوم الذكاء الاصطناعي بإنشاء الحبكات والجمل نيابةً عنا. كما أن نماذج اللغة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي تتعلم من أعمال الكُتّاب، بمن فيهم كُتّاب من بولندا، غالباً دون موافقتهم أو حتى علمهم».

لا روايات بعد اليوم

الأهم من اعتراف الأديبة باللجوء إلى النماذج التوليدية هو قولها إن روايتها التي تستعد لإصدارها ستكون الأخيرة من هذا الصنف الطويل الذي يحتاج جهد سنوات. «لأن العالم، يبدو وكأنه دخل في حالة جمود مدمر، ولم يعد يستحق روايات طويلة وشيقة. كما يتناقص عدد الراغبين في قراءة هذا النوع من الكتب باستمرار»، وتضيف أنه في الماضي، كانت هذه الكتب تحظى بشعبية كبيرة. «أما الآن، فبالنسبة للكثيرين، تُعد قراءة رواية تحدياً شاقاً». وهي تأسف لأن غالبية القراء يسعون لمعرفة نهاية روايتها التي قضت سبع سنوات في تأليفها «كتب يعقوب» وتقع في ألف صفحة باللجوء إلى ملخصات صغيرة، وهو ما يحرم العمل حقه والكاتب أن يرى مردوداً لجهده وصبره.

الخطير في الأمر أن نرى أديبة عالمية الصيت، بلغت 64 من عمرها، قضت عمرها كله في كتابة الروايات، نالت أعظم الجوائز، وتوجت متفوقة على كل أقرانها، تقول إن هذا الصنف من الكتابة لم يعد له من قراء، وتعبر عن يأسها ومرارتها وكأنما كل ما كتبته يفقد قيمته بسرعة. «أتألم حين أفكر في أن أعمالاً أدبية كلاسيكية، كرّس لها أفرادٌ ذوو وعي كامل حياتهم، تتلاشى. أشعر بأسف بالغ على بلزاك، وسيوران، ونابوكوف الفريد، لأنه على الرغم من حماسي، لا أعتقد أن أي غرفة دردشة حديثة قادرة على نقل مثل هذا المعنى الرائع».

الذكاء الاصطناعي في نظر توكارتشوك قد يكون وسيلةً لاختصار الوقت والجهد المبذول في البحث والتوثيق

ووسط يأس بلغ غايته تخبرنا توكارتشوك، وهي الأديبة التي اشتهرت بموسوعيتها، بأنها لن تكتب رواية طويلة بعد اليوم، وذلك «لأسباب مالية»، وتفضل أن تتفرغ لكتابة القصص القصيرة. «لا يستطيع أي ناشر في السوق الحالية تحمل عبء عمل ضخم بسعر معقول، ودفع أجر عادل. من جهة أخرى، بعد كل هذه السنوات، أرهقتني عملية الكتابة والطباعة جسدياً ونفسياً. لذلك، سأركز على القصص القصيرة».

الأدب لا يستحق التضحية

تقول: «إذا قارنا عدد الساعات التي قضيتها في تأليف (كتب يعقوب) بأجر عامل، فلن يشتريها أي ناشر». الذكاء الاصطناعي، في نظرها، قد يكون وسيلة لاختصار الوقت والجهد المبذول في البحث والتوثيق، مما يجعل إنتاج الروايات الطويلة مجدياً اقتصادياً. لكن هل حقاً بات الهدف الوحيد للكتّاب هو الربح المالي، ومن دون ذلك يتوقفون عن الكتابة. وإن كان الأمر كذلك فالأديبة البولندية حصدت من الأدب ما لم يحلم به غيرها. فإضافة إلى ما نالته من الجوائز، ترجمت إلى أكثر من 25 لغة وباعت ملايين النسخ. فهل حقاً لا يزال بمقدورها اعتبار نفسها مظلومة كأديبة وعليها أن تتوقف؟ ثم أليس هناك من عودة وحنين إلى كبار الكتاب الكلاسيكيين؟ وهناك طلب مستجد حتى على الكتب الورقية القديمة؟ فلماذا تستعجل أديبة بمستوى توكارتشوك وبحكمتها لاستخلاص النتائج؟

كتبت صحافية بولندية مرموقة رداً على الأديبة النوبلية تقول لها إن أي مجتمع يسعى باستمرار إلى إيجاد قدوة. وبالنسبة لكثيرين، كانت الحائزة البولندية على جائزة «نوبل» إحدى هذه القدوات. فهل ستظل كذلك بعد تصريحاتها الجريئة والمثيرة التي تستدعي إعادة التفكير في أمور عديدة حساسة ومفصلية؟

كلام توكارتشوك يكشف عن أزمة وجودية عميقة تواجه الأديب مهما بلغت مكانته، ومستواه الإبداعي وهو يعيش مزاحمة الآلة له، وتهميش دوره، ولجوء القراء لقرصنته، وتلخيص أعماله، والاكتفاء منها بما يختصره الذكاء الاصطناعي في جمل قليلة وسريعة.