مثقفون سعوديون: «الوباء» يحقق للأدباء أعزّ أمنياتهم... العزلة والفراغ

يتحدثون عن تجربة «الحَجْر الإلزامي» واستكمال مشاريعهم المؤجلة

عبد اللطيف المبارك  -  جبير المليحان  -  د. عبد الله الحيدري  -  إبراهيم زولي
عبد اللطيف المبارك - جبير المليحان - د. عبد الله الحيدري - إبراهيم زولي
TT

مثقفون سعوديون: «الوباء» يحقق للأدباء أعزّ أمنياتهم... العزلة والفراغ

عبد اللطيف المبارك  -  جبير المليحان  -  د. عبد الله الحيدري  -  إبراهيم زولي
عبد اللطيف المبارك - جبير المليحان - د. عبد الله الحيدري - إبراهيم زولي

لطالما تمنى المثقفون وقتاً ثميناً يقضونه مع الكتاب، أو فراغاً من زحمة الأعمال وصخب الحياة يؤدون فيه الواجبات المعلّقة، أو يستكملون المشاريع المؤجلة. فكثيرٌ من الأفكار بحاجة إلى تفرغ من هموم الزمان، وثمة كتبِ انحبست على الأرفف، علاها الغبار ولم تطلها الأيدي، تتطلع إلى فسحة من الوقت لتفيض ضياءً قبل أن يطويها النسيان.
أيها المثقفون؛ هذا الوباء قد غشيكم، فاتخذوه جملاً، يوصّلكم نحو أعزّ أحلامكم: العزلة والفراغ.
فالعزلة القسرية في ظل جائحة «كورونا» يمكن أن تفجّر أنهاراً من التأمل والإبداع، وتمنح الإنسان واحة لاستراحة الروح، على نحو ما يقوله إرنست همنغواي: «العزلة وطنٌ للأرواح المتعبة»، وهي مناسبة نادرة للتفكير والتأمل، كما يقول دستويفسكي: «العزلة زاوية صغيرة يقف فيها المرء أمام عقله».
قديماً، أفرد أبو سليمان الخطابي (931 – 998 ميلادية) الذي عاش في مدينة «بست» في ولاية هلمند بأفغانستان في عصر الدولة العباسية، كتاباً سماه «العزلة» (حققه ياسين السواس)، فيه دعوة إلى العزلة عن الناس وذكر فضائلها، والإقلال من الصحاب، ويورد في ذلك شعراً لسفيان الثوري (716 – 777 ميلادية)، يقول فيه:
ما العيشُ إلا القفلُ والمفتاحُ - وغرفة تصفقها الرياحُ - لا صخبٌ فيها ولا صياحُ. كما يورد لابن الرومي، أبياتاً، منها: عدوّك من صديقك مستفادُ - فلا تستكثرن من الصحابِ. أما أبو حامد محمد الغزالي (1058 - 1111 ميلادية)، الذي اعتزل الناس أحد عشر عاماً ألفّ خلالها كتابه الأهم «إحياء علوم الدين»، فقد خصص في هذا الكتاب فصلاً بعنوان «العزلة». الفيلسوف والشاعر أبو العلاء المعري (973 – 1058 ميلادية)، حبسه العمى مكرهاً وحبس نفسه في البيت مختاراً، فسُمّي «رهين المحبسين»، وظلّ ينظر إلى العالم برؤية فلسفية وجدانية، وهو القائل: أُولو الفضلِ، في أوطانهم، غرباءُ - تشِذّ وتنأى عنهمُ القُربَاءُ. هل تسبب العزلة الضجر؟ محمود درويش، يجيب:
«أمَّا أنا... فإنني أدمنتُ العُزلَة، ربَّيتُها وعقدتُ صداقة حميمة معها، العُزلَة هي أحدُ الاختِباراتِ الكُبرى، لقُدرة المَرءِ على التماسُك. وطَرْدُ الضَّجَرَ هوَ أيضاً قُوة روحيَّة عالِية جِداً».
هنا مثقفون سعوديون يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» عن تجاربهم في ظلّ الحَجْر الصحي الإلزامي.
- إبراهيم زولي (روائي): لستُ وحدي... المعري معي
هذه العزلة تربي آلامي، كسيدة بيت مجتهدة.
الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار في كتابه الأشهر «جماليات المكان»، ترجمة غالب هلسا، يقول: «البيت ركننا في العالم، إنه وكما قيل مراراً، كوننا الأول، كون حقيقي بكل ما للكلمة من معنى».
وبهذه المناسبة فهذا المفكر لا يفرّق في طرحه اللافت عن المكان، بين بيت غني وبيت فقير.
أيها الشاعر، ها هو العالم يخرج دائخاً من غفوته، وتبدأ فوضى النهايات، عالم لا وقت لديه لغد أبهى، لا وقت لديه لأراضٍ يؤرخ أخاديدها الاخضرار.
لا تهادن، ولا تسأل كيف تتلعثم زرقة البحر، اكتب فقط، اكتب عن المكائد، عن العتمة الأزلية، عن سواحل سادرة في عطشها، عن مدن تقارع الخيبة عزلاء، عن صحار تتعقّبنا بخطوات ثقيلة، عن امرأة يحاصرها الشغف والنسيان.
اكتب قبل أن تبدأ العاصفة.
بمجرد أن تذكر كلمة عزلة، يتبادر إلى الذهن الأدباء والشعراء وبعض الصالحين الذين اعتزلوا الناس، ولعل أشهر هؤلاء في تراثنا العربي، أبو العلاء المعري (973 - 1057م) هو أول من يقفز للذاكرة، ذلك الشاعر والفيلسوف الذي أقام في بيته طواعية إلى أن توفاه الله، ومن خلال تلك العزلة ألّف عدداً من الكتب التي أضحت من ذخائر الأدب العربي؛ مثل كتاب «رسالة الغفران»، و«سقط الزند»، و«لزوم ما لا يلزم»، ولم تمنعه محنة العمى، ومكوثه في البيت من أن يرى ببصيرته ما لا تراه آلاف العيون.
وحديثاً، كان الروائي المصري الكبير ألبير قصيري (1913 - 2008م) صاحب رواية «شحاذون ونبلاء»، الذي لزم غرفة في أحد الفنادق الباريسية من عام 1945 حتى وفاته في 2008. وقدم خلال اعتكافه الطوعي عدداً من الأعمال الأدبية، لعل آخرها «ألوان العار»، الذي ترجمته منار رشدي أنور، وصدر في القاهرة، عن المركز القومي للترجمة، وحصد عدداً من الجوائز، أهمها جائزة الأكاديمية الفرنسية الفرنكوفونية.
واليوم مع هذه الجائحة العالمية أكثر من نصف سكان العالم قاموا باجتراح العزلة، ومارسوا عوالمها، وأصبحت إقامتهم في منازلهم إقامة جبرية، خوفاً من تفشي هذا الوباء، ولم تعد العزلة والاعتكاف داخل أسوار المنازل حكراً على المثقفين والفنانين الذين كانوا يقومون بذلك بغية إنجاز عمل فني أو إبداعي بعيداً عن ضجيج العالم، وضوضاء الأمكنة. هذه العزلة ليست خياراً شخصياً، إنها ضرورة حتى لا ينتهي الكون، ويموت الناس نتيجة ذلك.
‏كثير من المحللين والمفكرين، توقعوا أن يشهد العالم حرباً عسكرية شاملة، أو اقتصادية، أو إلكترونية، أو نزاعاً على المياه، بيد أننا جوبهنا بعدو خفي اسمه ‎فيروس «كورونا»، لم يستعد له أحد، ووقفت أعتى الدول عاجزة عن مواجهته.
إن ما يُحمد لهذا الفيروس أنه وحّد العالم، وأثبت أننا في مشارق الأرض ومغاربها، إخوة في الإنسانية، وسخر من كل خلافاتنا القومية والدينية والإثنية، وبالعودة لتاريخ الأوبئة يبشرنا أن «كوفيد – 19» ليس الأسوأ حتى الآن، ففي القرن السادس الميلادي مات بسبب الطاعون نحو 50 مليون شخص، ما يعادل نصف سكان العالم آنذاك، وفي القرن الرابع عشر قضى الطاعون الأسود على 200 مليون، وفي عام 1918م أدت الإنفلونزا الإسبانية إلى وفاة نحو 50 مليون إنسان من مختلف أنحاء العالم.
ما يظهر لكثير من المراقبين أن العالم يشهد تحولات نوعية على مستوى الدول والأفراد، فالعولمة التي دعت العالم إلى فتح حدوده، وإلغاء الحواجز أمام الاقتصاد، والسماح بحرية التجارة والتنقل، يجيء فيروس «كورونا» ليقلب هذه الفكرة رأساً على عقب، ويوجّه إليها ضربة موجعة، ما جعل أغلب الدول تعود لإقفال حدودها، والمدن لغلق أسوارها، والبيوت أوصدت أبوابها.
على المستوى الشخصي فأنا رجل لا أحب الخروج كثيراً.
البيت ميلادي - وسقف العمر- صوت الصرخة الأولى - انتظار العائدين.
وأؤمن بمقولة جان بول سارتر: «إذا كنت تشعر بالوحدة عندما تكون وحدك، فأنت في صحبة سيئة».
ومن حسنات الإقامة في المنزل أنني أعدت ترتيب مكتبتي، والتي كانت أمنية مؤجلة منذ زمن ليس بالقريب. ومن الطريف أنني وجدت كتباً كانت في الصفوف الخلفية، ولم أكن أشاهدها، فكنت أشتري نسخاً ثانية منها دون أن أدري.
قمت في هذه الأيام بوضع كتب في غرفة النوم، وأخرى في المجلس، وبعض الكتب في الصالة حتى تكون حرساً شخصياً من الوحشة.
هكذا- يذرّع الطرقات بلا أصدقاء- كان كلما تقدم خطوة للباب- نهرته العزلة: لا تتأخر.
ليس سوى العزلة التي لا نأثم من سرقة ثمرها. وحسب توصيف الروائي المجري بيلا هامفاش، أنت تتعرف في البيت على العالم، وفي السفر على نفسك.
- جبير المليحان (قاص): أنا مستمتع بوقتي بالكامل
عند اجتياح «كورونا» العالم، أدركنا أنها جائحة لا تميّز بين البشر؛ لا في الجنسية أو المذهب أو اللون أو المكان. كان لزاماً علينا -في أسرتي- أن نتابع تعليمات الجهات الأمنية والصحية في بلادنا.
ونحن نرى انتشار هذا الوباء بشكل سريع في دول تهاونت في بداية الأمر، حتى تفاقم وانتشر في بلداتها بشكل مخيف، كانت الطمأنينة تسكن نفوسنا بصدور التعليمات والقيود التي فُرضت من أجل إنسان بلدنا. وكنا سعداء جداً للخطوات الدقيقة والسريعة التي تُتخذ لحماية سلامة المواطن والمقيم. كان التزامنا بكل تعليماتٍ تصدر انطلاقاً من تحمل مسؤوليتنا، وهو ما نستطيع تقديمه. وقد اتخذنا عدة خطوات صارمة وطبّقناها على أفراد الأسرة، وأستطيع القول إننا -حتى الآن- قد هزمنا هذا الوباء في بيئتنا: بيتنا بالذات.
كانت خطواتنا هي، تتمثل في البقاء في البيت وعدم الخروج أو استقبال أي شخص آخر، كانت مؤونتنا تصل إلينا عبر مندوب يصل إلى باب البيت، ونستلم منه المشتريات، ثمّ نعقمها.
قاومنا الرغبات المسائية في طلب الأكل الجاهز من المطاعم، وأصبحنا نصنع خبزنا ووجباتنا في المنزل، لي ولدان كل منهما يسكن في مكان منفصل، أصبح شمل الأسرة يلتئم يومياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
أصدقاء الحرف والأدب، وغيرهم، كنا نجتمع في مقهى بالدمام مرّة كلّ أسبوع، نتحدث في الكتب التي قرأناها، وأحياناً نناقش فيلماً سينمائياً شاهدناه في بيوتنا، وكانت لقاءاتنا متواصلة لا تتوقف منذ سنوات إلا قليلاً، إلا أنه بعد جائحة «كورونا» واصلنا الاجتماع -حتى بعد حظر التجول- لكننا نجتمع بالفيديو ونتحدث من بيوتنا، كأننا في المقهى.
بالنسبة لي فقد هزمتُ بعض الكسل والتأجيل الذي يلازمني، فقد صنّفت مكتبتي في برنامج «إكسل»، وتخلصت من الكتب الزائدة والمكررة التي تملأ الرفوف. كما وضعت جدولاً للقراءة، وآخر للكتابة. وأنا مستمتع بوقتي بالكامل.
وكمواطن قبل أن أكون مثقفاً أشعر بعميق الامتنان لكل العاملين لنجاتنا من هذا الوباء، خصوصاً الجهات الحكومية؛ الأمنية والصحية والتجارية والبلديات، حيث يناضل فيها نخبة من نساء ورجال البلد ويرابطون مضحّين بوقتهم من أجل سلامة الجميع.
- د.عبد الله الحيدري (نائب رئيس مجلس إدارة جمعية الأدب العربي): لزمت المكتبة طوال الوقت
هي تجربة ثرية بلا شك، وتجلى فيها عدد من الوزارات والسفارات التي اتخذت قرارات سريعة ومواكبة للحدث جعلت المواطن والمقيم ينظر بفخر وزهو لإدارة المملكة العربية لهذه الأزمة بحنكة واقتدار.
لقد أدركنا في ظل هذه الأزمة نظرة العديد من الوزارات المستقبلية التي أنشأت منظومة تقنية متكاملة، وعلى رأسها وزارة الداخلية ووزارة العدل والجامعات، إذ خدمت المواطن وهو في بيته من خلال تطبيقات فعّالة خففت من آثار الأزمة وعوضت عن حظر التجول الجزئي. وأما على الصعيد الشخصي فمن حُسن الحظ أنني في الغالب أحب البيت والجلوس في المكتبة وليس لي مشاوير إلا للعمل ونحوه؛ ومن هنا فقد لزمت المكتبة طوال الوقت، وجدّدت الصِّلة بالقراءة الجادة، وتواصلت مع طلابي عبر عدد من البرامج مثل: «زوم» و«بيرسكوب» و«تلغرام»، فدرّستهم وناقشتهم كأننا في القاعة الحقيقية ولله الحمد، وأظن أن التعليم الجامعي لم يتضرر كثيراً كما هو حال التعليم العام خصوصاً الابتدائي.
- عبد اللطيف المبارك (شاعر): يوم خدعتُ العزل الصحي
هناك محاولة لخداع العزل الصحي وتحويله إلى عزلة. بتلك التاء المربوطة سأبدأ قولي بأننا نمر بحالة استثنائية لا يمكن للإيجابيين إلا رؤيتها كفرصة يجب علينا أن نستغلها. هنا نحن أمام عزل صحي إجباري ليس فقط لأن الحكومات أمرت به بل لأداء واجبنا الاجتماعي ومسؤوليتنا تجاه أحبابنا ومن يقاسموننا الحياة في هذا الوطن.
كيف أقضي ليالي الحَجْر؟
ليس هناك جواب دقيق سوى أنني أحاول أن أهرب بكل ما أستطيع من قوة ذهنية، الهروب من خلال كتاب تلمع فكرته الجوهرية في آخر صفحة، الهروب من خلال فيلم ينتصر فيه البطل، الهروب إلى شوارع الذكريات الممتدة في فضاء صمتي، والكتابة عن كل شيء ليس في متناول الفيروسات.
نعم العالم قرر أن يأخذ قسطاً من الراحة، علينا نحن المهووسين بالإنتاج أن نتوقف قليلاً، أن نمعن النظر في كل شيءٍ أنجزناه من قبل، أن ننتبه لكل فرصة فوّتناها، أن نسأل: هل نسينا بيوتنا في رحلة الركض المحموم نحو النجاح الذي نظن؟
أظن أنني في هذا العزل أسأل الأسئلة الأولى مرة أخرى ولكن هذه المرة بشكل جدي وليس لكتابة قصيدة جيدة، أسأل من أنا؟ ولماذا أنا هنا؟ وماذا يجب عليّ عمله؟ وكيف؟
يحزنني أني لست قادراً على فعل أي شيءٍ سوى بقائي في البيت، لست ممرضاً ولا منظماً لحركة السير، لست عامل تنظيف وتعقيم يستطيع أن ينفع في هذه اللحظة، ولا حتى موظف توصيل يُدخل السرور في قلوب المعزولين. مجرد شاعر يتساءل عن صحّة كلمة «جائحة» وهل هناك مفردة أفضل لوصف هذا الوباء العالمي؟


مقالات ذات صلة

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)

تطابق الحمض النووي لتوأمين يعقّد تحديد مرتكب جريمة قتل بفرنسا

تطابق الحمض النووي للتوأمين أربك جهود المحققين لتحديد مطلق النار (بيكسباي)
تطابق الحمض النووي للتوأمين أربك جهود المحققين لتحديد مطلق النار (بيكسباي)
TT

تطابق الحمض النووي لتوأمين يعقّد تحديد مرتكب جريمة قتل بفرنسا

تطابق الحمض النووي للتوأمين أربك جهود المحققين لتحديد مطلق النار (بيكسباي)
تطابق الحمض النووي للتوأمين أربك جهود المحققين لتحديد مطلق النار (بيكسباي)

أربك توأمان متماثلان يُحاكمان في فرنسا بتهمة القتل جهود المحققين لتحديد مطلق النار؛ بسبب تطابق حمضهما النووي، وفقاً لوسائل إعلام فرنسية.

ويُعدّ الشقيقان، البالغان من العمر 33 عاماً، من بين 5 متهمين يُحاكمون قرب باريس، بتهمة ارتكاب جريمة قتل مزدوجة ومحاولات قتل عدة لاحقة في عام 2020، وفقاً لصحيفة «لو باريزيان» الفرنسية المرموقة.

وتشير الصحيفة إلى أن كليهما يُشتبه في تآمره لتدبير جريمة القتل المزدوجة، إلا أن الحمض النووي الموجود على بندقية هجومية استُخدمت في أحد الاشتباكات المسلحة اللاحقة لا يمكن أن يكون إلا لأحد التوأمين.

وأبلغ ضابط شرطة المحكمة أن خبراء الطب الشرعي لم يتمكنوا من تحديد أي من الشقيقين متورط بشكل قاطع.

ونُقل عن أحد المحققين قوله للمحكمة في بوبيني، شمال العاصمة الفرنسية: «أمهما فقط هي من تستطيع التمييز بينهما».

كما أفادت تقارير بوجود أجواء متوترة داخل قاعة المحكمة، حيث جرى إخراج التوأمين مؤقتاً بعد رفضهما الوقوف أثناء الجلسة.

وتعتقد الشرطة أنهما استغلا التشابه بينهما للتلاعب بسير التحقيق. ونقلت صحيفة «لو باريزيان» عن ضابط رفيع قوله إن التوأمين كانا يتبادلان الملابس والهواتف ووثائق الهوية بشكل متكرر.

وينشأ التوأم المتطابق من بويضة مخصبة واحدة تنقسم أثناء الحمل. ولأنهما ينشآن من البويضة والحيوان المنوي نفسيهما، فإنهما يتشاركان الحمض النووي نفسه تماماً؛ ما يجعل تحديد هويتهما جنائياً أمراً بالغ الصعوبة.

وبسبب عدم قدرة البيانات الجينية على التمييز بينهما، اعتمد المحققون على سجلات الهاتف، ولقطات المراقبة، والتنصت، وجهود التحقق من مكان وجودهما وتحركاتهما.

لكن السؤال المحوري حول هوية مطلق النار من السلاح الذي تم العثور عليه لا يزال مطروحاً.

وتستمر المحاكمة، ومن المقرر أن تصدر المحكمة حكمها في أواخر فبراير (شباط).


جيل اللا تواصل والقطيعة مع الأهل... بروكلين بيكهام ليس سوى عيِّنة من موضة رائجة

موضة قطع التواصل مع الأهل منتشرة في أوساط الجيل زد (بكسلز)
موضة قطع التواصل مع الأهل منتشرة في أوساط الجيل زد (بكسلز)
TT

جيل اللا تواصل والقطيعة مع الأهل... بروكلين بيكهام ليس سوى عيِّنة من موضة رائجة

موضة قطع التواصل مع الأهل منتشرة في أوساط الجيل زد (بكسلز)
موضة قطع التواصل مع الأهل منتشرة في أوساط الجيل زد (بكسلز)

قالها الأديب والفيلسوف اللبناني جبران خليل جبران قبل أكثر من قرن: «أولادُكم ليسوا لَكُم، أولادُكم أبناءُ الحياة». هو لم يقصد حينَها الانفصال بين الأولاد وأهلِهم إلى حدّ القطيعة، غير أنّ الجيل «زد» أخذَ مقولة جبران إلى أقصاها، فبات يُسمّى «جيل اللا تواصل».

ليسَ خلاف بروكلين بيكهام مع والدَيه ديفيد وفيكتوريا، سوى نموذج عن تحوّل اللا تواصل No Contact، من مجرّد «ترند» رائج على «السوشيال ميديا»، إلى واقعٍ يهزّ العلاقات العائلية. فما خفيَ تحت الضجيج الذي أحدَثَته قصة آل بيكهام، قضيةٌ اجتماعية مستجدّة هي قطعُ بعض الجيل «زد» وجيل الألفيّة علاقاتهم بذويهم لأسباب متعددة، على رأسها تلك النفسية.

وإذا كان ابنُ بيكهام قد ذكر معاناته مع القلق والتوتّر بسبب تحكّم ذويه بحياته وزواجه، فإنّ لائحة الأسباب التي يبرّر بها أبناء جيله القطيعة مع أهلهم طويلة.

القطيعة بين بروكلين بيكهام وذَويه نموذج عن موضة اللا تواصل المنتشرة بين الجيل «زد» وأهاليهم (إ.ب.أ)

«تيك توك»... المنصّة الشاهد

على «تيك توك»، تُحصى أعداد مُشاهَدات الفيديوهات المُرفقة بهاشتاغ #ToxicFamily أي «عائلة سامّة» و#NoContact (لا تواصل) بالملايين. يأتي ذلك في سياق موضة قطع العلاقات مع الوالدَين، والتي تأخذ حيّزاً كبيراً من النقاشات على المنصة الأحَبّ إلى قلب الجيل «زد».

وتَشهد «تيك توك» انقساماً حادّاً في الآراء حول الموضوع. ففي وقتٍ تُبدي غالبية روّاد المنصة دعمَها لمَن قرروا قطع التواصل مع أهاليهم، يعبّر قسمٌ آخر عن ذهوله أمام هذه الظاهرة. وفيما يبرّر الأولاد القطيعة بالقول إنها تحصل انطلاقاً من الحفاظ على الصحة النفسية واحترام الذات والحَدّ من القلق، يصرّون على أنّ رابط الدم لا يبرّر تقبّل سوء المعاملة. أما الأهالي ومَن ينتمون إلى جيلهم، فيُبدون ذهولهم غير مصدّقين ما يجري، وغير مستوعبين العبارات التي يستخدمها الأبناء تبريراً للهَجر، مثل «التربية النرجسية» أو «التلاعب بالعقول».

تتركّز غالبية حالات اللا تواصل في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، حيث ذهبت مقولاتٌ على غرار «العائلة أوّلاً»، و«العائلة إلى الأبد»، و«الدم لا ينقلب ماءً» أدراج الرياح.

@katherinechoiii

Even though I’m no longer living with them and am currently no contact, their reactions have still affected me. Every time I post, there’s a quiet awareness that they’re watching. And while that’s difficult, I don’t want them to continue silencing me after I’ve already left their home.

♬ autumn - Gede Yudis

مبرّرات القطيعة معظمها نفسيّ

في زمن فَورة الحديث عن الصحة النفسية وسقوط المحرّمات ووصمة العار التي كانت تُحيط بها سابقاً، ينطلق الجيل الجديد في قرار القطيعة مع ذويه من مسبّباتٍ معظمها نفسيّ.

يقولون إنهم حريصون على صَون سلامهم الداخلي واتّزانهم العقلي، حتى وإن كلّف ذلك بَترُ علاقاتٍ يعتبرونها سامّة مع أحد الوالدَين أو مع الاثنَين معاً. يستَقون كلماتٍ من قاموس علم النفس للتعبير عن المسبّبات التي دفعتهم إلى هذا القرار. يتحدّثون عن تصرّفاتٍ مؤذية صادرة عن الأهل، مثل «النرجسيّة»، و«التلاعب النفسي»، و«السلوك الصِدامي»، و«اضطراب الشخصية الحدّيّة»، و«التحكّم المفرط».

يَحدثُ كذلك أن يأتي قرار اللا تواصل كردّ فعلٍ على صدماتٍ وتجارب صعبة حصلت خلال الطفولة، ولم يتمكّن الولد التعامل معها وهو في سنٍ صغيرة. ومع تراكم السنوات والسكوتِ طويلاً عن جرحٍ تسبّبَ به الأهل، يقررون قطعَ الخيط ما إن تسنح لهم الظروف بذلك.

في المقابل، تبدو بعض أسباب ومبرّرات القطيعة غير منطقية أحياناً. يذكر الشبّان والشابات المنفصلون عن أهلهم من بينها الاختلاف في أسلوب العيش والقِيَم، والملل من القواعد التي تفرضها العائلة. يتحدّثون كذلك عن تخطّي ذويهم الحدود التي رسمَها الأولاد لهم. من بين الأسباب التي يبرّر بها الجيل الجديد كذلك الانقطاع عن العائلة، الاختلافات في الآراء السياسية، وكلام الأهل بطريقة سلبيّة عن شركائهم العاطفيين.

معظم الأسباب التي يبرر الأولاد القطيعة مع أهلهم هي نفسية (بكساباي)

«جائحة» اللا تواصل

وسط غياب الأرقام والإحصائيات الموثوقة، يلفت خبراء علم النفس إلى أنّ الظاهرة إلى تزايد، وهم يشبّهون قطع التواصل مع الأهل بـ«جائحة تصيب الأبناء البالغين». ووفق مجلّة «سيكولوجي توداي»، فإنّ الهَجرَ غالباً ما يحصل من دون سابق إنذار أو تفسير، فيُترَك الأهل في حالٍ من الألم العميق والتساؤل.

وكلّما كان الدافع النفسيّ جدّياً، كأن يكون الولد قد تعرّض لصدمة في الطفولة بسبب الوالدَين أو أحدهما، كلّما وجد لنفسه تبريراً للانسحاب وأسباباً تخفيفيّة لعدم الشعور بالذنب.

تشهد على ذلك فيديوهات «تيك توك» والمنتديات الإلكترونية المخصصة لظاهرة اللا تواصل، حيث يقدّم مَن اختبروا الأمر الدعم لبعضهم البعض. ويستند روّاد تلك المنتديات إلى نظرية تقول إنه إذا كان الخروج من علاقة زوجيّة سامّة مبرراً، فيجب أن ينطبق الأمر كذلك على العلاقات العائلية السامّة.

في حوار مع مجلّة «نيويوركر»، يقول المعالج النفسي جوشوا كولمان إنّ «القطيعة أصبحت أكثر شيوعاً، ويعود ذلك جزئياً إلى تغير المفاهيم حول ما يُعتبر سلوكاً ضاراَ أو مسيئاً أو صادماً»؛ بمعنى أنّ ما كان يُعَدّ إساءة عابرة في الماضي، بات يُرفع اليوم إلى مرتبة الصدمة النفسية. ويضيف كولمان إن مفهوم «أكرِم أباك وأمّك قد سقط على حساب مفاهيم كالسعادة الشخصية وحب الذات والصحة النفسية».

صراع الأجيال

ما بدأ كظاهرة اجتماعية بات يهدد بأن يتحول إلى عدوى نابعة من التأثّر بموجة تغزو وسائل التواصل الاجتماعي. لكن يكفي النظر بمنطقٍ إلى القضية المستجدّة، للاستنتاج أنها مرآةٌ لصراع الأجيال.

أساليب التربية المختلفة بين الأجيال هي أحد أسباب ظاهرة اللا تواصل مع الأهل (بكسلز)

نشأ جيل «طفرة المواليد» (1946 - 1964) على يد آباء من «الجيل الأعظم» (حتى 1927)، الذين كبروا خلال الكساد العظيم والحرب العالمية الثانية، فتبنّوا أساليب تربية صارمة وسلطوية. كان يُتوقّع من الأطفال الطاعة والصمت. وكان الخوف، بما في ذلك العقاب الجسدي، وسيلة لضبط السلوك وبناء الشخصية.

رداً على ذلك، سعى كثير من أبناء طفرة المواليد إلى تربية مختلفة عن تلك التي عاشوها. فأصبحوا أكثر انخراطاً في حياة أبنائهم، وبرز مفهوم «الأبوّة المفرِطة». كما سعى «الجيل إكس» (1965 - 1980) وجيل الألفيّة (1981 - 1996) إلى بناء علاقات أكثر مساواةً مع أطفالهم، رافضين استخدام الخوف كأداة تربوية.

بدلاً من العقاب، اعتمدت هذه الأجيال على الحوار والتبرير، وأحياناً تجنّبت الصراع خشية الإضرار بالعلاقة. ومع نضوج الأبناء، أدَّى ضعف الخبرة في إدارة الغضب والخلافات الأسريّة إلى صعوبة تحمّل مشاعر الإحباط وخيبة الأمل. وفي بعض الحالات، تحوَّلت القطيعة مع الوالدين إلى وسيلة للتعامل مع هذه المشاعر، عبر إلقاء اللوم عليهم بدلاً من معالجة الصراع داخل الأسرة.


بعد فيضانات المغرب وسوريا... لماذا أصبحت الظواهر المناخية «أكثر تطرفاً»؟

فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
TT

بعد فيضانات المغرب وسوريا... لماذا أصبحت الظواهر المناخية «أكثر تطرفاً»؟

فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)

يشهد كل من المغرب وسوريا فيضانات وأمطاراً استثنائية، مما دفع سلطات البلدين إلى إجلاء عشرات الآلاف من السكان. ويرى خبراء المناخ أن هذا التطور يعكس تطرف الظواهر المناخية نتيجة تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري وتغير المناخ.

وتتعرض مناطق شمال المغرب لفيضانات وسيول قوية منذ أسبوع، فيما أعلنت السلطات عن إجلاء أكثر من 154 ألف شخص من أربعة أقاليم هي: العرائش، والقنيطرة، وسيدي قاسم، وسيدي سليمان، ضمن جهود حماية السكان من تداعيات الأمطار الغزيرة والسيول المستمرة لليوم الثاني عشر على التوالي، مع اتساع رقعة القرى المتضررة.

ومنذ 28 يناير (كانون الثاني) الماضي، شهدت هذه الأقاليم فيضانات في عدة مدن، خصوصاً القصر الكبير، نتيجة ارتفاع مستوى وادي اللوكوس بعد امتلاء سد وادي المخازن إلى 156 في المائة من سعته للمرة الأولى، ما أدى إلى فيضانه وفق معطيات رسمية. كما تسبب هطول الأمطار الغزيرة في فيضان مجاري المياه وارتفاع مستوى الأنهار بسرعة غير معتادة، ما استدعى عمليات تفريغ وقائي لسدي الوحدة ووادي المخازن لحماية المناطق المجاورة.

قبل هذه الموجة، شهدت المملكة في سبتمبر (أيلول) الماضي، أمطاراً غزيرة استثنائية، مما رفع مخزون السدود إلى أكثر من 61 في المائة، أي ما يفوق 10 مليارات متر مكعب، وهو مستوى غير مسبوق منذ عام 2019، وفق المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب.

وفي جنوب غربي البلاد، شهدت مدينة آسفي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي فيضانات مفاجئة أودت بحياة 37 شخصاً، في أكبر حصيلة من نوعها خلال العقد الأخير.

التغير المناخي تسبب في ظواهر جوية متطرفة (رويترز)

أما في سوريا، فقد سجلت محافظات اللاذقية، وإدلب، وحماة (شمال غربي البلاد) فيضانات مفاجئة ليل السبت نتيجة هطول أمطار غزيرة، ما أسفر عن سقوط ضحايا وتضرر مخيمات مدنيين، فيما تواصل فرق الدفاع المدني جهود البحث والإنقاذ، وإجلاء المتضررين.

كما سجلت فرق الدفاع المدني السورية وفاة طفلين وإنقاذ ثالث بعد جرفهم من قبل السيول في منطقتي العسلية وعين عيسى بريف اللاذقية الشمالي. وذكرت تقارير وفاة متطوعة من الهلال الأحمر العربي السوري وإصابة 6 آخرين، بينهم 5 متطوعين، إثر حادث سير في جبل التركمان أثناء توجههم لتقديم المساعدة للسكان.

الاستمطار الاصطناعي

أوضح الدكتور علي قطب، أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق المصرية، أن الفيضانات التي تشهدها سوريا والمغرب تعود بشكل كبير إلى عدة عوامل، أبرزها تفاقم ظاهرة تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة، بالإضافة إلى التلوث البيئي الناتج عن استخدام الطاقة، إلى جانب تقلص المسطحات الخضراء، وهو ما يزيد من حدة التغيرات المناخية.

وأضاف قطب لـ«الشرق الأوسط» أن أحد الأسباب الأخرى وراء الفيضانات في المغرب يتعلق بـظاهرة الاستمطار الاصطناعي للسحب، التي ينفذها المغرب وبعض الدول المجاورة لمواجهة الجفاف.

وأوضح أن هذه العملية، التي تعتمد على رش مواد كيميائية مثل نترات الفضة أو يوديد الفضّة في السحب، لتسهيل تكوّن قطرات الماء وتسريع سقوطها على شكل أمطار، قد تؤدي إلى تطرف مناخي، بسبب زيادة كميات الأمطار الناتجة عن السحب الآتية من المحيط.

الفيضانات أحدثت ضرراً كبيراً بمدينة القصر الكبير (رويترز)

وأشار إلى أن هذه الظاهرة الاصطناعية، إلى جانب تفاقم التغير المناخي، يؤديان إلى تطرف الظواهر المناخية، بما في ذلك الفيضانات والسيول، كما هي الحال في المغرب وسوريا حالياً. كما ينتج عن هذا التطرف ندرة الأمطار في بعض الدول المجاورة مثل الجزائر وليبيا ومصر؛ إذ إن الحركة الطبيعية للسحب تكون من الغرب إلى الشرق، وبالتالي قد لا تصل بعض المناطق إلى كميات الأمطار المعتادة.

وحسب المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب، أسهم برنامج «غيث» لاستمطار السحب خلال الفترة 2020 - 2025 في رفع حجم التساقطات في المناطق المستهدفة بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة، وتستفيد بشكل مباشر المناطق الواقعة فوق السدود، حيث تعزز الأمطار المحفَّزة المخزون المائي في الأودية والأحواض الكبرى.

وأكد قطب أن التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة أسهما أيضاً في حدوث ظواهر مناخية غريبة هذا الشتاء في مصر، حيث بلغت الحرارة نحو 30 درجة مئوية في فبراير (شباط) الحالي، وهي مستويات غير معتادة في هذا الوقت من السنة.

وشدد على أن تطرف الظواهر المناخية يعني أن الدول الممطرة قد لا تتلقى الأمطار، والدول غير الممطرة قد تشهد أمطاراً غير متوقعة، كما قد يشهد الشتاء ارتفاعاً غير معتاد في درجات الحرارة في بعض المناطق، بينما يكون الصيف أشد حرارة في مناطق وأقل في أخرى، ما يشكل ظواهر مناخية غير طبيعية وغير معتادة.

واقع ملموس

فيما قال الدكتور وحيد إمام، أستاذ علوم البيئة بجامعة عين شمس المصرية، إن التغيرات المناخية أصبحت واقعاً ملموساً نتيجة ارتفاع درجات حرارة سطح الأرض، ما أدى إلى تزعزع الثبات المعتاد لأنماط الطقس التقليدية خلال الفصول، بمعنى أن بعض البلدان تشهد منخفضات جوية في حين تعاني دول أخرى من مرتفعات جوية خلال الشتاء، ما يعكس اضطراباً واضحاً في أنماط الطقس المعهودة.

محافظة إدلب بسوريا تعرضت لأمطار غزيرة (محافظة إدلب)

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن متوسط حرارة سطح الأرض ارتفع من 15 درجة مئوية إلى 16.2 درجة مئوية، وأن هناك جهوداً عالمية للحفاظ على هذه الزيادة دون تجاوز 16.5 درجة مئوية، من خلال التحكم في مستويات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، والاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة.

وأكد أن زيادة 1.2 درجة مئوية قد تبدو ضئيلة، لكنها تؤثر بشكل كبير على التوازن البيئي، إذ إن درجة حرارة سطح الأرض المثالية لحياة الإنسان والنبات والحيوان هي حوالي 15 درجة مئوية.

وأشار إمام إلى أن تغير المناخ أفرز ظواهر مناخية متطرفة تسببت جزئياً فيما يحدث في المغرب وسوريا حالياً، من بينها ظاهرة «اللانينا» الجوية. وتحدث هذه الظاهرة عندما تنخفض درجات حرارة مياه سطح المحيط الهادئ الاستوائي بشكل غير طبيعي، ما يؤدي إلى تغييرات كبيرة في أنماط الطقس حول العالم، بما في ذلك زيادة الأمطار في بعض المناطق وحدوث جفاف شديد في مناطق أخرى، إضافة إلى تأثيرها على درجات الحرارة وشدة الأعاصير.

كما أكد أن هذه الظاهرة هي جزء من دورة طبيعية تشمل أيضاً ظاهرة «النينو»، وهي على العكس تماماً من ظاهرة «اللانينا»، إذ تسبب زيادة في حرارة سطح المياه بدلاً من انخفاضها.

أمطار بعد سنوات عجاف

من جهة أخرى، فسّر خبير المناخ المغربي المهندس محمد بنعبو الفيضانات الأخيرة في المغرب بأنها نتيجة ظرفية استثنائية، إذ شهدت البلاد هطول كميات هائلة من الأمطار خلال فترة وجيزة، بعد سنوات طويلة من الجفاف.

غرق مدينة القصر الكبير في المغرب (رويترز)

وأوضح أن المرتفع الأزوري، أو مرتفع شمال الأطلسي شبه الاستوائي عادةً ما يحجب المنخفضات الرطبة عن البلاد، وهو ما يؤدي إلى فترات جفاف طويلة، لكن هذا العام، وبفضل تأثير «اللانينا» الجوية، تحرك المرتفع الأزوري نحو الشمال الاسكندنافي، ما فتح الواجهة الأطلسية لاستقبال المنخفضات الرطبة، فشهد المغرب منذ بداية سبتمبر وحتى اليوم هطول جميع المنخفضات الرطبة دون استثناء، وفق ما ذكر موقع «فرانس 24».

وأضاف أن المغرب بطبيعته منطقة ذات مناخ جاف أو شبه جاف، وأن هذه الأشكال المناخية غير المستقرة تشترك فيها معظم دول حوض البحر الأبيض المتوسط، التي تُعد نقطة ساخنة مناخياً. وتتميز هذه المناطق بدورات الأمطار المتقطعة، حيث قد تتوقف الأمطار لعام أو عامين، وقد تمتد فترات الانقطاع حتى سبع سنوات كما حدث سابقاً.

وأشار إلى أن ارتفاع درجات الحرارة خارج فصل الصيف يؤدي إلى تبخر كميات كبيرة من المياه، بينما تجعل السنوات الطويلة من الجفاف التربة صلبة وغير قادرة على امتصاص مياه الأمطار بشكل كافٍ، وهذا الواقع أسهم بشكل كبير في شدة الفيضانات التي تشهدها البلاد حالياً.