أمل أوروبي بقرب تجاوز ذروة الوباء مع تراجع الوفيات في إسبانيا وإيطاليا

مخاوف من تداعيات أسلوب «مناعة القطيع» على هولندا - تركيا تصادر شحنة أجهزة تنفس كانت في طريقها من الصين إلى مدريد

TT

أمل أوروبي بقرب تجاوز ذروة الوباء مع تراجع الوفيات في إسبانيا وإيطاليا

قرّرت الحكومة الإسبانية تمديد حالة الطوارئ وإجراءات العزل التام وحظر التنقّل لفترة أسبوعين إضافيين حتى السادس والعشرين من الشهر الجاري.
وقال رئيس الوزراء إنه استند في قراره إلى مشورة اللجنة العلمية في ضوء الأرقام الأخيرة لانتشار «كوفيد - 19» حيث أصبحت إسبانيا الثانية عالميّاً في عدد الإصابات والوفيّات، وبعد أن حذّرت منظمة الصحة العالمية من التراخي في تشديد تدابير الوقاية والاحتواء في هذه المرحلة، خشية وقوع انتكاسة أخطر على الصعيدين الصحي والاقتصادي.
ويأتي قرار حكومة مدريد في يوم لمعت فيه بارقة أمل صغيرة في النفق الإسباني، بعد أن بلغ عدد الوفيّات أمس 809، وهو الأدنى منذ أسبوع، وتراجع عدد المصابين الذين أدخلوا المستشفيات إلى 975 بعد أن كان قد بلغ 2524 يوم الخميس الماضي، فيما بلغت الإصابات الجديدة 7 آلاف، أي بزيادة 9.5 في المائة هي الأدنى منذ بداية الأزمة الصحيّة التي أوقعت حتى الآن 11750 وفاة، أي خمس الوفيّات العالمية.
وفي المؤتمر الصحافي اليومي، قال وزير الصحة إن عدد الذين تعافوا بلغ حتى الآن 34219، وهو أعلى رقم في العالم ومع استمرار النقص الحاد في معدات الوقاية الصحيّة، خاصة بين طواقم الممرضين والمسعفين، وأجهزة التنفس الاصطناعي في المستشفيات الإسبانية التي ما زالت العديد منها في مدريد وبرشلونة يعاني من نسبة اكتظاظ عالية، قالت وزيرة الخارجية آرانتشا غونزاليس إن تركيا صادرت شحنة من 150 جهازا للتنفس الاصطناعي كانت في طريقها من الصين إلى مدريد عبر مطار إسطنبول.
وأفادت الوزيرة في مؤتمر صحافي عبر الفيديو بأن الحكومة التركية فرضت حظراً على تصدير المعدّات الصحية استعداداً لمواجهة انتشار الفيروس وندرة هذه المواد في السوق العالمية حالياً. وقالت غونزاليس إن جميع المساعي الدبلوماسية التي بُذلت حتى الآن قد فشلت في إقناع السلطات التركية بالعودة عن قرارها، والسماح بإيصال الشحنة التي كانت قد اشترتها الحكومة الإقليمية في كاستيا لا مانتشا، وإن الحكومة قررت التخلّي عن ملاحقة هذا الموضوع في الوقت الراهن. وتجدر الإشارة إلى أن تركيا كانت قد أرسلت مطلع هذا الأسبوع إلى إسبانيا 25 طناً من المساعدات الطبية في إطار التعاون بين الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي، شملت كمّامات وقفّازات ومواد مطهّرة.

- تراجع حالات العناية المشددة في إيطاليا
وفي إيطاليا التي ما زالت تتصدّر الترتيب العالمي في عدد الوفيّات الناجمة عن «كوفيد - 19»، قال دومينيكو آركوري المفوّض المشرف على حالة الطوارئ، إن «معركتنا ضد الفيروس ما زالت مستمرة بلا هوادة، وعلينا أن نتحاشى التفكير الآن بأننا قد بدأنا نهزمه أو أننا تمكّنا من حشره في زاوية للقضاء عليه. ما تدلّ عليه الأرقام هو أننا تمكنّا من كبح جماح انتشاره، وعلينا ألا نفكّر بأن الوقت قد أزف للعودة إلى نمط الحياة الطبيعية».
إلى ذلك، تراجع عدد الحالات التي تستدعي عناية مشددة في إيطاليا لأول مرة منذ تفاقم الأزمة الصحية فيها قبل أكثر من شهر، وفق ما أعلن الدفاع المدني أمس. وانخفض عدد الخاضعين إلى العناية المشددة إلى أقل من 4 آلاف. وقال مدير الدفاع المدني أنجيلو بوريلي: «هذا خبر مهم لأنّه يتيح لمستشفياتنا أخذ نفس. هذه أول مرة ينخفض فيها العدد منذ بدأنا إدارة هذه الأزمة».
وفيما توقّع بوريلي أن تبدأ وتيرة الحياة إلى طبيعتها مطلع الشهر المقبل، وجّه وزير الصحة روبرتو سبيرانزا تحذيرات شديدة إلى المواطنين من مخالفة تدابير العزل والوقاية بعد انتشار صور التجمعات والحشود أمام مجمعات المواد الغذائية في عدد من المدن مثل نابولي وبولونيا وميلانو، وقال إن «هذه التصرّفات يمكن أن تقضي على كل الجهود والتضحيات التي بذلت حتى الآن، وقد تدفعنا نحو كارثة أكبر».
وعاد عدد الأطباء الإيطاليين الذين سقطوا حتى الآن بسبب «كوفيد - 19» إلى الارتفاع، حيث بلغ أمس 77 طبيباً، إضافة إلى 312 ضحيّة بين الطواقم الصحية التي بلغت الإصابات في صفوفها 14 في المائة من المجموع. وبدأت بلدية روما حملة مكثّفة للاختبار بين المشرّدين الذين سجّلت عشرات الحالات بينهم في الأيام الأخيرة.
وعلى الصعيد الأوروبي، توقّف المراقبون عند آخر الأرقام عن انتشار الوباء في هولندا حيث بلغت الإصابات 17 ألفا، منهم 6621 في المستشفيات، وارتفع عدد الوفيّات إلى 1651. وحذّر الأخصائيون من انفجار سريع لهذه الأرقام، خاصة أن هولندا اختارت أسلوب «مناعة القطيع»، أو المناعة الجماعية، لمواجهة «كوفيد - 19»، وهو الأسلوب الذي كانت قد اختارته بريطانيا في البداية ثم عدلت عنه.

- ارتفاع سريع في الوفيات ببريطانيا
استبعد مستشار حكومي بارز أمس، أن تخفف بريطانيا إجراءات العزل العام الصارمة قبل نهاية مايو (أيار)، في حين ارتفع عدد الوفيات بشكل قياسي في البلاد جراء الإصابة بالفيروس إلى 4313 شخصا.
وفرضت الحكومة البريطانية إجراءات حظر واسعة النطاق، وأغلقت المقاهي والمطاعم وجميع المتاجر تقريباً، كما حظرت التجمعات وأمرت الناس بالبقاء في منازلهم إلا في حالات الضرورة القصوى.
وتهدف هذه الإجراءات إلى الحد من انتشار مرض كوفيد - 19 الناجم عن الإصابة بفيروس كورونا في بريطانيا، التي ارتفع فيها عدد حالات الإصابة المؤكدة إلى 42 ألف حالة تقريبا. لكن بعض الخبراء بدأوا يتساءلون عما إذا كان إغلاق الاقتصاد سيؤثر على المزيد من الأشخاص على المدى الطويل.
وقال نيل فيرغسون أستاذ علم الأحياء الرياضي في إمبريال كوليدج لندن لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي): «نريد الانتقال إلى وضع يمكننا فيه بحلول نهاية مايو على الأقل أن نتمكن من استبدال إجراءات العزل العام الكلي الحالية، بإجراءات أخرى أخف حدة وتعتمد بشكل أكبر على التكنولوجيا وإجراء الفحوص».
وقالت وزارة الصحة إن عدد الوفيات في بريطانيا بسبب فيروس كورونا ارتفع بواقع 20 في المائة إلى 4313 بحلول بعد ظهر الجمعة مع تسجيل 708 وفيات جديدة، وذلك مقابل زيادة 23 في المائة يوم الخميس.
وقال فيرغسون إن ذروة الحالات الجديدة قد تأتي خلال فترة تتراوح من أسبوع إلى عشرة أيام، لكنه أوضح أن التقيد باللوائح الصارمة سيحدد وتيرة تراجع معدل العدوى بعد ذلك.
وأضاف: «الأمر متوازن بشكل جيد في الوقت الراهن»، مضيفاً أن بريطانيا قد تشهد مستويات مرتفعة من الإصابات على مدى «أسابيع وأسابيع» إذا بدأ الناس في الاختلاط مجدداً.
واتخذت بريطانيا في بادئ الأمر نهجاً متحفظاً تجاه الوباء، لكن رئيس الوزراء بوريس جونسون اتخذ مسارا مختلفا وفرض إجراءات صارمة للتباعد الاجتماعي بعد أن أظهرت تقديرات فيرغسون أن ربع مليون شخص في بريطانيا قد يلقون حتفهم.


مقالات ذات صلة

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟