بعض العلويين يتساءلون عن جدوى دعمهم للرئيس السوري

بينهم من تعرضوا للاعتقال لأنهم بدأوا حوارا مع زعماء من القرى السنية

بشار الاسد
بشار الاسد
TT

بعض العلويين يتساءلون عن جدوى دعمهم للرئيس السوري

بشار الاسد
بشار الاسد

تُبدي الطائفة العلوية، التي تعتبر العمود الفقري لنظام حكم الرئيس السوري بشار الأسد، إشارات مضطربة إثر الضغوط الناجمة عن الحرب الأهلية السورية.
حيث بات أعضاء طائفة الأقلية أكثر انتقادا وحساسية حيال الطريقة التي يتعامل بها النظام الحاكم مع الصراع على وسائل التواصل الاجتماعي، وخلال المظاهرات النادرة، وفقا لما وصفه النشطاء والمحللون. كما يقولون إن العلويين، الذين يشكلون قلب القوات الأمنية للأسد، صاروا يتهربون على نحو متزايد من الخدمة العسكرية الإلزامية في الحرب التي تدخل عامها الرابع، حيث يستمر مجتمعهم في تكبد خسائر بشرية ضخمة بالنسبة إلى طائفة السنة من المجتمع السوري، والذين يقودون جهود المعارضة ضد النظام.
وقد ضاعفت قوات الأمن من حرارة الاحتكاك الراهن من خلال أساليب التعامل التي تشمل الاعتقالات والترهيب. ولكن في حين أن البعض يظن أن ذلك يهدد نظام حكم الأسد بشكل فوري، وهو الذي ينتمي للطائفة ذاتها، إلا أن تصاعد وتيرة التوتر يشير إلى حالة من الاستنزاف تسري في المجتمع، الأمر الذي يعتبر من الأهمية بمكان قياس مقدرة نظامه على مواجهة التمرد الذي لا تنذر بوادره بالانتهاء في القريب العاجل.
يقول السيد لؤي حسين (54 عاما)، وهو من النشطاء العلويين المقيمين في العاصمة السورية دمشق ومن منتقدي نظام بشار الأسد: «يقترب صبر العلويين على النفاد حيال النظام الحاكم بسبب عجزه عن إثبات أي تقدم يُذكر في إنهاء حالة الحرب التي عصفت بالبلاد».
وفي يوم الأربعاء، ألقي القبض على حسين من قبل السلطات السورية أثناء محاولته عبور الحدود إلى لبنان، حسبما قال حلفاؤه من السياسيين، وقد ألقي القبض عليه من قبل إثر معارضته لنظام الرئيس الأسد.
ولم يتسن التواصل مع المسؤولين السوريين للتعليق على نبأ الاعتقال.
يعزو أندرو تابلر، وهو خبير في الشأن السوري وزميل بارز لدى «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى»، ذلك الشعور بصفة جزئية إلى العوامل الديموغرافية؛ حيث تفوق الأغلبية السنية في سوريا الطائفة العلوية من حيث العدد، والعلويون هم فرع من الإسلام الشيعي ويشكلون نحو 12 في المائة من السكان قبل الحرب في البلاد التي يبلغ عددها 24 مليون نسمة.
يقول تابلر: «يدرك الناس أن الحرب لن تنتهي في أي وقت قريب، وأنه لا يمكنك إيجاد طريقك خارج المشكلة بمنتهى السهولة، ليس في ظل الديموغرافية السورية الحالية. هناك الكثير من السنة يعيشون هناك».
ورغم أن العلويين لم يؤيدوا الرئيس الأسد بشكل موحد، فإن الخوف من تزايد حدة المعارضة المتطرفة يحول بينهم وبين القطيعة مع النظام الحاكم بأعداد كبيرة، على حد وصف المحللين. وينظر إليهم المتشددون السنة باعتبارهم مرتدين، وفي المقابل ينظرون هم إلى النظام بوصفه حصنا يحميهم ضد العنف المتطرف الذي تعتنقه جماعات مثل تنظيم داعش.
رغم ذلك، فإن أفرادا من مجتمعهم يبعثون بروح متزايدة من الإحباط بين العوام.
وتظاهر العشرات في مدينة حمص عقب تفجيرين متواليين خلال الشهر الماضي أسفرا عن مقتل 50 طفلا في أكبر منطقة تضم الطائفة العلوية في المدينة، مطالبين بإقالة المحافظ إثر فشله في إحباط الهجمات. ورغم إحجامهم عن الدعوة إلى إسقاط الرئيس الأسد، فإنهم رفضوا رفع صور له أثناء المظاهرة.
ونُظمت مظاهرات أخيرا في الأحياء العلوية على طول الساحل السوري، طبقا للنشطاء العلويين الذي هم على اتصال بسكان تلك المناطق.
وفي طرطوس، نظم السكان مظاهرات ووزعوا نشرات تحض الناس على «الإفصاح» إثر تزايد أعداد ضحايا الحرب واتهامات للنظام بأنه تخلى عن جنوده الذين اعتقلوا ثم أعدموا على يد المتطرفين السنة. وقد أعلن المرصد السوري لحقوق الإنسان، ومقره في لندن، أخيرا تقديره لأعداد قوات الأمن الذين قتلوا بما لا يقل عن 110 آلاف جندي، بينما يصف الكثير القرى العلوية الريفية بأنها خالية من الرجال الذين هم في سن الخدمة العسكرية.
يقول ناصر النوكاري، وهو علوي ينسق مع النشطاء في سوريا، إن مظاهرات طرطوس احتجت أيضا على اعتقال الرجال الذين يرفضون الخدمة العسكرية الإلزامية. ويشمل ذلك الجنود الذين ألقوا القبض على أفراد الطاقم الطبي قبل أسابيع في مستشفى الباسل في طرطوس، فضلا عن حالات الاعتقال الأخيرة بحق الناس في مكاتب شركة الكهرباء في المدينة والذين ظهروا في استجابة لفرص العمل المعلن عنها هناك.
يتحدث المحللون والنشطاء ووسائل الإعلام المحلية عن الجهود المكثفة في المناطق التي يسيطر عليها النظام لإلقاء القبض على أعداد متزايدة من الرجال الذين يرفضون الخدمة العسكرية في الجيش ووحداته المعاونة، مثل قوات الدفاع الوطني، وهي قوة محلية من المتطوعين تتألف أساسا من العلويين. ويقولون إن جهود النظام الحاكم هي لتعويض الخسائر الفادحة التي يتكبدها في القوة البشرية ولتصعيد الهجمات ضد مناطق المتمردين.
وهناك ما يصل إلى 5 آلاف رجل في طرطوس وحدها أحجموا عن التقدم لأداء الخدمة العسكرية منذ شهر يناير (كانون الثاني) من هذا العام، بينما لاحظ النشطاء والمحللون اتجاها لدى العلويين في السفر إلى الخارج.
يقول يزيد صايغ، وهو زميل بارز لدى مركز «كارنيغي» لـ«الشرق الأوسط» ومقره في بيروت: «يساورني شعور من عدة مصادر وأدلة قوية من أن الناس المؤيدين للنظام باتوا يبحثون عن اللجوء للخارج، أي مغادرة سوريا والسفر إلى خارجها».
ويقول لؤي حسين، الناشط العلوي المقيم في دمشق، إن الكثيرين من أصدقائه العلويين، ومن بينهم عائلة تضم 6 أفراد، بدأوا خلال العام الماضي الانتقال إلى أوروبا وإلى الدول العربية.
ويضيف قائلا: «يشعر العلويون أنه يجب عليهم اختيار النظام، بصرف النظر عن مقدار كراهيتهم له. ولذلك مع هذا الاختيار، يريد الكثيرون المغادرة».
وبالنسبة لأولئك الباقين في البلاد، فإن تحدي النظام قد يكون أمرا خطيرا، حيث يقول أحد النشطاء المناوئين للنظام إن أكثر من 10 من أصدقائه العلويين تعرضوا للاعتقال على يد قوات الأمن خلال الشهرين الماضيين، فقط لأنهم بدأوا حوارا مع زعماء من القرى السنية. وقد ألقي القبض على أحدهم من قرية على مقربة من مدينة اللاذقية الساحلية واعتقل بصورة مؤقتة لدى سجن أمن الدولة، وتعرض للضرب الشديد على أيدي السجانين، حتى إنه لا يسير الآن إلا بمساعدة من الآخرين، على حد وصف الناشط الذي رفض الكشف عن هويته خوفا على سلامته.
وأدى ارتفاع وتيرة الانتقادات على وسائل التواصل الاجتماعي إلى زيادة في الاعتقالات كذلك، ومن بينهم الكثير من الأفراد في مدينة حمص عقب الهجمات التي وقعت خلال الشهر الماضي وأسفرت عن مقتل العشرات من الأطفال. وقد ألقت قوات أمن الدولة السورية القبض على إحدى النساء التي انتقدت نظام حكم الرئيس بشار الأسد على صفحتها الخاصة على موقع «فيسبوك» بعد وقوع الانفجار الأخير.
ويقول البروفسور جوشوا لانديس، وهو أستاذ التاريخ لدى جامعة أوكلاهوما وهو على اتصال مستمر مع العلويين في سوريا، إن تلك الانتقادات تشير إلى تحول في طريقة تفكير القوم حول كيفية إنهاء الحرب هناك. ويشمل ذلك التخلي عن فكرة القومية العربية التي تبناها نظام الأسد من أجل تقسيم سوريا، بهدف إقامة قطاع يخضع لسيطرة الطائفة العلوية.
وأضاف يقول: «إنهم يفكرون في حلول راديكالية. إنهم يعلمون أنهم عاجزون عن مهاجمة المناطق التي يسيطر عليها المتمردون، وهم لا يرغبون في فقدان المزيد من أطفالهم بعد الآن».
* خدمة «واشنطن بوست»
- خاص بـ {الشرق الأوسط}



الحوثي يشرعن لجماعته التنكيل بموظفي المنظمات الدولية

لوحة إعلانات ضخمة في صنعاء نصبها الحوثيون لحمل صورة زعيمهم (إ.ب.أ)
لوحة إعلانات ضخمة في صنعاء نصبها الحوثيون لحمل صورة زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يشرعن لجماعته التنكيل بموظفي المنظمات الدولية

لوحة إعلانات ضخمة في صنعاء نصبها الحوثيون لحمل صورة زعيمهم (إ.ب.أ)
لوحة إعلانات ضخمة في صنعاء نصبها الحوثيون لحمل صورة زعيمهم (إ.ب.أ)

صعّد زعيم الجماعة الحوثية، عبد الملك الحوثي، من هجومه على المنظمات الإنسانية والدولية العاملة في مناطق سيطرة جماعته، مكرراً اتهامات لها بالضلوع في أنشطة استخباراتية، رغم استمرار المطالبات الدولية والأممية بالإفراج عن عشرات الموظفين الأمميين والعاملين في المنظمات الإنسانية المحتجزين لدى الجماعة منذ سنوات.

وتحتجز الجماعة الحوثية نحو 73 موظفاً أممياً وعاملاً في منظمات دولية وإنسانية، إلى جانب موظفين محليين سابقين في السفارة الأميركية، بعضهم مضى على اعتقاله أكثر من أربع سنوات، وسط تحذيرات أممية وحقوقية من تداعيات استمرار هذه الانتهاكات على العمل الإنساني في اليمن.

وقال الحوثي، في خطبة بثتها وسائل إعلام جماعته، مساء الخميس، إن «الأعداء يعملون بشكل كبير جداً في مجال الاختراق الأمني»، زاعماً أن جهات خارجية وظفت «العنوان الإنساني والمنظمات الإنسانية» لأغراض استخباراتية داخل اليمن.

وادعى زعيم الجماعة أن «خلايا تابعة للمنظمات» شاركت في عمليات رصد ومتابعة لصالح ما وصفه بـ«العدو الإسرائيلي»، واتهم عناصر محلية وأجنبية بالعمل على جمع معلومات مرتبطة بمواقع حساسة ومخازن أسلحة واجتماعات حكومية.

حشد من الحوثيين في صنعاء خلال فعالية تعبوية دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)

وذهب الحوثي إلى القول إن تلك الخلايا «لم تعمل في إطار جمع المعلومات فقط بل في تنفيذ عملية الاستهداف»، في إشارة إلى هجمات أميركية وإسرائيلية سابقة استهدفت مواقع ومقار خاضعة للجماعة وأدت إلى مقتل قادة بارزين من المستويين العسكري والإداري.

ويرى مراقبون يمنيون أن هذه التصريحات تمثل امتداداً لحملة الجماعة ضد المنظمات الدولية، والتي تصاعدت خلال الأشهر الماضية عبر حملات اعتقال وتحقيقات وإجبار بعض المنظمات على تقليص أنشطتها أو تعليق أعمالها في مناطق سيطرة الحوثيين.

المزيد من القمع

تثير اتهامات الحوثيين المتكررة قلقاً واسعاً لدى الأوساط الإنسانية، خصوصاً مع اعتماد ملايين اليمنيين على المساعدات الدولية في ظل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

وكانت الأمم المتحدة ومنظمات دولية عدة قد طالبت مراراً الجماعة بالإفراج الفوري وغير المشروط عن موظفي الإغاثة المحتجزين، مؤكدة أن استمرار احتجازهم يهدد جهود الاستجابة الإنسانية ويقوض الثقة بالعمل الإنساني.

ويقول عاملون في المجال الإغاثي إن الخطاب الحوثي الأخير يمنح غطاءً سياسياً وأمنياً لمزيد من التضييق على المنظمات، خصوصاً بعد حملات الاعتقال الواسعة التي طالت موظفين محليين ودوليين خلال العامين الأخيرين.

صفقة جديدة بين الحوثيين والحكومة اليمنية لتبادل الأسرى غاب عنها الموظفون الأمميون (رويترز)

ويخشى ناشطون حقوقيون من أن يؤدي استمرار هذه الحملة إلى عزوف مزيد من المنظمات عن العمل في مناطق سيطرة الجماعة، في وقت تتفاقم فيه الأوضاع الاقتصادية والمعيشية والانهيار الخدمي.

ويرى متابعون للشأن اليمني أن الجماعة توظف مثل هذه الخطابات التعبوية لتعزيز سرديتها السياسية والأمنية، وتبرير القيود المفروضة على المنظمات والمجتمع المدني، بالتوازي مع استمرار حملات التعبئة والتجنيد وتوسيع القبضة الأمنية في مناطق سيطرتها.

ولم يقتصر حديث الحوثي على اتهام المنظمات، بل وسّع دائرة الاتهامات لتشمل ما وصفه بـ«الاستهداف الاقتصادي والصحي» للدول العربية والإسلامية، متهماً شركات ودولاً غربية بالسعي للإضرار بالمجتمعات العربية عبر منتجات وسلع مختلفة.

كما تحدث عن «استهداف صحي» يركز - بحسب زعمه - على قضايا العقم وتحديد النسل، معتبراً أن جهات خارجية تستغل تقدمها العلمي والصناعي لإنتاج مواد ذات تأثيرات صحية ونفسية خطرة.


الحوثيون يوسّعون أعمال القمع في صنعاء ومحيطها

عناصر أمن حوثيون يقومون بدورية قرب مطار صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر أمن حوثيون يقومون بدورية قرب مطار صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون أعمال القمع في صنعاء ومحيطها

عناصر أمن حوثيون يقومون بدورية قرب مطار صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر أمن حوثيون يقومون بدورية قرب مطار صنعاء (إ.ب.أ)

صعّدت الجماعة الحوثية من انتهاكاتها بحق السكان في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومحيطها، امتداداً لسياسة القمع والتوسع بالنفوذ، وشمل ذلك تفجير منازل معارضين، ومحاصرة منشآت خاصة، وفرض جبايات جديدة على المدنيين، بالتزامن مع تنامي احتجاجات قبلية ضد الاستيلاء على أراضٍ تابعة لقبائل خولان والتصرف بها خارج الأطر القانونية والقبلية.

وشهد حي شملان شمال غربي صنعاء إحدى أعنف الوقائع، بعدما أقدم مسلحون حوثيون على تفجير منزل ضابط سابق في الجيش اليمني، في حادثة أثارت موجة استياء واسعة، وعدّها حقوقيون مؤشراً جديداً على تصاعد الانتهاكات ضد السكان وممتلكاتهم في مناطق سيطرة الجماعة.

وأكدت مصادر محلية أن مسلحين حوثيين برفقة عربات عسكرية داهموا منزل العميد فضل الصايدي في حي شملان، قبل أن يقوموا بإحراقه وتفجيره بشكل كامل، وسط انتشار أمني كثيف في المنطقة.

وحسب المصادر، فإن العميد الصايدي لا يزال محتجزاً في سجون الجماعة منذ عام 2018 دون محاكمة، على خلفية نزاع سابق مع عناصر حوثية حاولت الاستيلاء على منزله بالقوة، وتطور حينها إلى مواجهات مسلحة أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من الطرفين.

منزل عميد في الجيش اليمني بعد إحراقه وتفجيره من قِبَل الحوثين في صنعاء (إكس)

وتداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي مشاهد أظهرت تصاعد أعمدة الدخان من موقع المنزل، مع سماع دوي انفجارات متتالية، في حين أدانت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات الواقعة، معتبرة أن تفجير المنزل يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني واعتداءً مباشراً على حق المواطنين في السكن والملكية الخاصة.

وفي موازاة ذلك، أفاد سكان في شملان بأن الجماعة كثفت من انتشار عناصرها المسلحة في عدد من الحارات والشوارع، مع تنفيذ حملات تفتيش ومراقبة موسعة، بالتزامن مع فرض جبايات مالية جديدة على التجار والأهالي تحت مسميات مختلفة، من بينها دعم ما تسمى «المعسكرات الصيفية».

ابتزاز القطاع الخاص

في اتجاه قمعي آخر، أغلقت الجماعة الحوثية مصنع «شملان» للمياه المعدنية، وأوقفت عمليات الإنتاج والتوزيع بالقوة، عقب حملة حصار واقتحام نفذها مسلحون تابعون لها، ضمن ما وصفه عاملون بأنه تصعيد جديد ضد ما تبقى من القطاع الخاص اليمني.

وأوضحت مصادر مطلعة أن عناصر الجماعة فرضوا حصاراً على المصنع قبل يوم من عملية الاقتحام، وقاموا بإشعال النار في إطارات تالفة أمام البوابة الرئيسية، في محاولة للضغط على إدارة المصنع لدفع جبايات مالية مقابل السماح بخروج شاحنات التوزيع.

ووفق إفادات عاملين وشهود عيان، أجبر المسلحون أصحاب المحلات التجارية والسكان القريبين من المصنع على إغلاق متاجرهم ومغادرة المنطقة، ما تسبب في حالة من التوتر والذعر بين السكان.

جانب من تجمع لمسلحين حوثيين لحظة اقتحام مصنع لتعبئة المياه بصنعاء (إكس)

وأشار عاملون في المصنع إلى تعرضهم لاعتداءات مباشرة أثناء عملية الاقتحام والإغلاق، مؤكدين أن المصنع تعرض خلال الأشهر الماضية لعدة عمليات دهم متكررة بسبب رفض إدارته تقاسم العوائد المالية مع قيادات حوثية نافذة.

واتهم العاملون قيادات في الجماعة بالوقوف وراء عمليات الابتزاز، في إطار مساعٍ لفرض السيطرة على الموارد الاقتصادية والمشروعات الخاصة، بعد سنوات من التضييق الذي طال شركات ومؤسسات تجارية عديدة في صنعاء ومناطق أخرى خاضعة للحوثيين.

غضب قبلي

بالتزامن مع تلك التطورات، تصاعدت حالة الاحتقان القبلي في ريف صنعاء، عقب اتهامات وجهتها قبائل خولان الطيال لقيادات حوثية بالاستيلاء على أراضٍ تابعة للقبيلة والتصرف بها دون أي صفة قانونية.

وأصدرت القبائل خلال اجتماع موسع قبل أيام بياناً أعلنت فيه رفضها الكامل لأي عمليات نهب أو استحداث أو بيع لأراضي أبناء القبيلة، ومحملة الجماعة الحوثية المسؤولية عن أي تداعيات قد تنتج عن استمرار تلك الممارسات.

لقاء موسع لقبائل خولان بصنعاء لتدارس موقف موحد ضد الحوثيين (إكس)

واتهمت شخصيات قبلية القيادي الحوثي عبد الباسط الهادي، المعين محافظاً لريف صنعاء، بالاستيلاء على مساحة أرض تابعة للقبيلة في شارع خولان بالعاصمة، وبيعها لأحد أقاربه مستغلاً نفوذ الجماعة المسلحة.

وأكد أبناء القبيلة أن الأراضي المعتدى عليها تُعد من الممتلكات المعروفة تاريخياً لأبناء خولان، وأن التصرف بها خارج الأطر القبلية والقانونية يمثل اعتداءً مباشراً على حقوقهم وأعرافهم المتوارثة.

ودعا البيان القبلي أبناء خولان إلى التكاتف والاصطفاف لمواجهة ما وصفه بمحاولات السطو المنظم على أراضي القبيلة ومقدراتها، مشدداً على ضرورة منع أي محاولات لفرض الأمر الواقع بالقوة.


تصاعد انتهاكات الحوثيين بحق المدنيين في إبّ

مسلحون حوثيون يرددون شعارات الجماعة خلال تجمع لهم في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلحون حوثيون يرددون شعارات الجماعة خلال تجمع لهم في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

تصاعد انتهاكات الحوثيين بحق المدنيين في إبّ

مسلحون حوثيون يرددون شعارات الجماعة خلال تجمع لهم في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلحون حوثيون يرددون شعارات الجماعة خلال تجمع لهم في صنعاء (إ.ب.أ)

تشهد محافظة إبّ الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً لافتاً في الانتهاكات التي تطول المدنيين وممتلكاتهم، وسط اتهامات متزايدة للجماعة باستخدام النفوذ الأمني والمسلحين لقمع أي تحركات مناهضة، وفرض مزيد من الجبايات، وإشاعة حالة من الفوضى والانفلات في مناطق سيطرتها.

وفي أحدث هذه الوقائع، أقدم أحد المسلحين الحوثيين على هدم منزل امرأة تجاوز عمرها التسعين عاماً في مديرية العدين غرب المحافظة، في حادثة أثارت غضباً واسعاً في الأوساط المحلية والحقوقية، وكشفت حجم الانفلات الذي تشهده المحافظة، ومدى الحصانة التي يتمتع بها المسلحون المرتبطون بالجماعة.

ووفق مصادر محلية، فإن مسلحاً حوثياً برفقة آخرين هدم أجزاء واسعة من منزل المواطنة فاطمة غالب في قرية السنافي التابعة لعزلة الغضيبة، مستغلاً غيابها أثناء زيارتها لإحدى قريباتها، قبل أن يحول المنزل إلى ركام بالكامل.

وأوضحت المصادر أن زوج المرأة الراحل كان قد بنى المنزل قبل عقود، وعاشت فيه الأسرة لسنوات طويلة، قبل أن تجد نفسها اليوم بلا مأوى، ما اضطرها إلى الانتقال للإقامة لدى أحد أحفادها في قرية مجاورة.

مُسنّة يمنية تقف على أطلال منزلها الذي هدمه مسلح حوثي (إعلام محلي)

وأكدت مصادر في الأسرة أن الضحية تقدمت ببلاغ رسمي إلى إدارة أمن العدين الخاضعة لسيطرة الحوثيين، حيث جرى توثيق الأضرار وإعداد محاضر معاينة، غير أن السلطات لم تتخذ أي إجراءات فعلية لضبط المتهم، رغم صدور أوامر بذلك، وهو ما عزز الاتهامات بوجود تواطؤ لحماية الجاني بسبب ارتباطاته النافذة داخل سلطة الجماعة.

وقالت المصادر إن الأسرة تتعرض لضغوط متواصلة للقبول بتسوية عرفية بدلاً من إحالة القضية إلى القضاء، مشيرة إلى أن المرأة المسنّة وأحفادها يرفضون تلك الضغوط، ويتمسكون بإحالة القضية إلى النيابة والمحكمة، ومحاسبة المتورطين في هدم المنزل وتشريد ساكنيه.

ضغوط وجبايات

في مناشدة مصورة وجهتها إلى السلطات المحلية الحوثية، قالت المرأة المسنّة إن المنزل يمثل كل ما تملكه بعد وفاة زوجها، مطالبة بإنصافها، ومؤكدة أنها لا تملك مكاناً آخر يؤويها في هذا العمر المتقدم.

وفي حادثة أخرى تعكس حجم الانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون في المحافظة، الواقعة على بعد 193 كيلومتراً جنوب صنعاء، اقتحمت عناصر مسلحة تابعة لما يسمى «مكتب الزكاة» الخاضع لإدارة الحوثيين، مبنى سكنياً في مديرية المشنة بمدينة إبّ، بذريعة تحصيل جبايات مالية من أحد التجار الذي يمتلك محالّ تجارية في الطابق الأرضي من المبنى.

وذكرت مصادر محلية أن الحملة المسلحة نُفذت بإشراف مباشر من مدير مكتب الزكاة في المديرية فؤاد الحاج، موضحة أن العملية لم تقتصر على ملاحقة التاجر داخل محالّه، بل امتدت إلى اقتحام الطابق السكني الذي تقيم فيه أسرته، حيث حاول المسلحون كسر أبواب الشقق، ما تسبب في حالة من الرعب والهلع بين النساء والأطفال.

لحظة اقتحام المسلحين الحوثيين مسكن أحد التجار في إبّ (إعلام محلي)

وأظهر مقطع مصور يوثق عملية الاقتحام طفلاً وهو يصرخ باكياً في وجه المسلحين، قائلاً: «هنا عوائل... عوائل!»، في محاولة لمنعهم من اقتحام الشقق السكنية، غير أن المسلحين واصلوا محاولاتهم متجاهلين تلك المناشدات.

وأثارت الواقعة موجة استياء واسعة على منصات التواصل الاجتماعي؛ إذ عدّ ناشطون أن الجماعة حولت مؤسسات الجباية إلى أدوات للابتزاز والترهيب، تستخدم القوة المسلحة ضد المدنيين والتجار، وتنتهك حرمة المنازل تحت غطاء التحصيل المالي.

اختطاف شاب

يرى سكان في محافظة إبّ أن هذه الحوادث تعكس جانباً من سياسة التضييق التي تمارسها الجماعة الحوثية بحق المدنيين في مناطق سيطرتها، من خلال فرض جبايات متزايدة، والتعامل مع الرافضين لها بالقوة، في ظل غياب سلطة قضائية مستقلة قادرة على حماية المدنيين أو محاسبة المتورطين في تلك الانتهاكات.

وعلى صعيد متصل بسياسة القمع التي تتبعها الجماعة في المحافظة، ذكرت مصادر حقوقية أن الشاب ماجد النبوي اختُطف من أمام محله التجاري في مديرية السدة شرق المحافظة، التي تحولت خلال الفترة الأخيرة إلى مركز بارز لمعارضة سلطة الحوثيين.

شاب اختُطف في إبّ قبل أيام ولا يزال مصيره مجهولاً (إعلام محلي)

وبحسب المصادر، فإن مسلحين كانوا على متن سيارة اقتادوا الشاب من أمام متجره إلى جهة غير معروفة، ما أثار حالة من الهلع في أوساط السكان الذين لم يعتادوا مثل هذه الحوادث من قبل.

وأضافت المصادر أن سلطات الحوثيين لم تكشف، رغم مرور أربعة أيام على الواقعة، عن مكان احتجازه أو الجهة التي تقف خلف العملية، أو الأسباب التي أدت إليها، خصوصاً أن الشاب لا ينتمي إلى أي جهة سياسية، ولا يمارس أي نشاط سوى عمله التجاري، كما تؤكد أسرته أنه لا يملك أي خصومات مع أحد.

وطالبت الأسرة، إلى جانب ناشطين حقوقيين، بسرعة الكشف عن مصير المختطف النبوي، ومحاسبة أي جهة تقف وراء الحادثة، معتبرين أن صمت السلطات طوال هذه الفترة يثير مخاوف السكان من وجود جماعات مسلحة أو جهات غير معلومة تنفذ مثل هذه العمليات في المحافظة.