«كوفيد ـ19» يُعرّي انقسامات الاتحاد الأوروبي وينذر بتعميقها

يوم «دامٍ» جديد في إيطاليا يُحبط آمال تراجع الإصابات

جنود في بدلات واقية ينقلون نعوشاً من بيرغامو إلى ميلانو أمس (إ.ب.أ)
جنود في بدلات واقية ينقلون نعوشاً من بيرغامو إلى ميلانو أمس (إ.ب.أ)
TT

«كوفيد ـ19» يُعرّي انقسامات الاتحاد الأوروبي وينذر بتعميقها

جنود في بدلات واقية ينقلون نعوشاً من بيرغامو إلى ميلانو أمس (إ.ب.أ)
جنود في بدلات واقية ينقلون نعوشاً من بيرغامو إلى ميلانو أمس (إ.ب.أ)

خرج الاتحاد الأوروبي من القمّة الاستثنائية التي عُقدت عن بُعد، مساء الخميس، مصاباً هو أيضاً بتداعيات وباء «كوفيد-19» الذي أقفل أوروبا على ذاتها والعالم، واستمهلت الدول الأعضاء بعضها 15 يوماً للتوصل إلى اتفاق بشأن الاقتراح الذي تقدّمت به إسبانيا وإيطاليا، وأيّدته 8 دول أخرى، لوضع خطة أوروبية طموحة من أجل مواجهة أزمة كورونا وتداعياتها الاقتصادية.
وأفادت مصادر دبلوماسية بأن القمّة شهدت مناقشات حامية وبلغت مستوى غير مسبوق من الحدّة أمام إصرار ألمانيا وهولندا على عدم التجاوب مع الاقتراح من غير تضمينه مجموعة من الشروط على القروض التي يمكن للدول الأعضاء أن تحصل عليها من «صندوق الإنقاذ» الذي تقوم عليه الخطة التي تبنّتها إيطاليا وإسبانيا، الدولتان الأوروبيتان الأكثر تضرراً من الأزمة على كل الأصعدة.
وقالت المصادر إن اتصالاً جرى ليل الخميس بعد انتهاء القمة بين رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز ونظيره الإيطالي جيوزيبي كونتي ودام حتى ساعة متأخرة، اتفق خلاله الطرفان على مواصلة الضغط وتصعيده عبر وسائل الإعلام على الدول المعترضة كي تتراجع عن موقفها قبل القمة التالية في التاسع من الشهر المقبل.
وكان الاتحاد قد دعا إلى عقد هذه القمة بطلب من إسبانيا وإيطاليا لمناقشة بند واحد، هو وضع «استراتيجية أوروبية منسّقة لاستعادة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والصناعية إلى طبيعتها» بعد تجاوز أزمة جائحة «كوفيد-19». لكن الموقف المتشدد لجبهة بلدان الشمال المعترضة على تقاسم تكلفة أصعب أزمة صحية تعيشها أوروبا في تاريخها الحديث، حال دون التوصل إلى اتفاق، وكاد يؤدي إلى فشل ذريع للقمة في ظروف شبه مأساوية.
وحسب المصادر، أوشكت القمة على الفشل بعد 6 ساعات من النقاش عندما رفض سانشيز وكونتي الموافقة على البيان الختامي الذي وصفاه بالغامض ولا يتضمّن أي اقتراحات ملموسة، وهدّدا باللجوء إلى «الفيتو» قبل أن يبادر رئيس المجلس شارل ميشال إلى جولة مكثّفة من المشاورات انتهت بالاتفاق على تكليف وزراء المال والاقتصاد مواصلة العمل لتقديم اقتراح في مهلة لا تتجاوز أسبوعين، من أجل اعتماد خطة شاملة لإنقاذ الاقتصاد الأوروبي من أخطر أزمة في تاريخه.
ورغم فداحة الأزمة البشرية والاقتصادية التي تمرّ بها أوروبا، والتي يرجح كثيرون أن تكون أفدح من المتوقع، عادت آليّة القرار في الاتحاد لتصطدم بالتعادل بين بلدان الشمال المؤيدة لمبدأ المواجهة المنفردة لهذه الأزمة، وبلدان الجنوب التي تطالب بخطة مشتركة تتقاسم أعباءها جميع الدول الأعضاء.
ويقول مصدر دبلوماسي إن هولندا والنمسا قادتا جبهة الرفض للاقتراح الذي تقدمت به إسبانيا وإيطاليا، فيما أعربت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل عن معارضتها للاقتراح الثلاثي الذي قدمته مدريد وباريس وروما لإصدار «سندات كورونا»، الذي دافع عنه بشدّة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي قال إن هذه الأزمة لا تشبه سابقاتها وتؤثر على جميع الدول بالتساوي.
وتمكّن رئيس الوزراء الإيطالي في اللحظات الأخيرة من القمة من إدراج بند في البيان الختامي يكلّف وزراء الاقتصاد في منطقة اليورو وضع آليّة تتيح للدول التي تواجه صعوبات كبيرة اللجوء إلى صندوق الإغاثة الذي تأسس في أعقاب أزمة عام ٢٠٠٨.
وتجدر الإشارة إلى أن تحالف بلدان الجنوب الذي يضمّ 9 دول تتزعمها فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، يشكّل أكثر من نصف سكّان الاتحاد، لكنه يرزح تحت ٧٢ في المائة من عبء الدين العام الأوروبي، ما يجعل من شبه المستحيل على هذه الدول أن تحصل على ما تحتاجه من موارد لتمويل خطط الدعم والإنقاذ نظراً للهامش الضيّق في موازناتها العامة.
رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي، الذي تحولّت بلاده إلى المختبر الأوروبي لمواجهة هذه الأزمة، قال في أوّل تعليق له صباح أمس (الجمعة) على القمّة: «عندما يقرّر الشركاء تبدية المحفظة على الفؤاد، لا يبقى سوى الاعتماد على الذات». لكن يتوقّع المراقبون أن تعدّل دول الشمال موقفها في الأيام المقبلة بعد أن تصل موجات انتشار الفيروس إليها وتدرك أن مواجهة هذه الأزمة بصورة منفردة هي مهمة مستحيلة، كما قالت منذ أيام رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فان دير لاين. وانتقد رئيس البرلمان الأوروبي دافيد ساسّولي «النتائج المخيّبة» للقمة الأوروبية، وقال إن «قصر نظر بعض الحكومات لا يقلّ خطراً عن الوباء».
لكن التصريحات التي عكست الصورة الأوضح للأجواء المتوتّرة التي سادت القمة الأوروبية جاءت على لسان رئيس الوزراء البرتغالي أنطونيو كوستا بعد ظهر أمس (الجمعة) في لشبونة، عندما قال معلّقاً على اقتراح هولندا: «مثير للقرف. هذا كلام يثير القرف داخل الاتحاد الأوروبي، ولسنا مستعدين لسماع كلام وزراء المال الهولنديين كما في الأعوام السابقة بعد أزمة ٢٠٠٨». وكان كوستا يعلّق على الاقتراح الذي تقدّم به وزير المال الهولندي كي تبادر المفوضية الأوروبية لفتح تحقيق حول أسباب العجز الكبير الذي تعاني منه إسبانيا وإيطاليا في الموازنة العامة ويمنعها من تخصيص الموارد المالية اللازمة لمواجهة أزمة الفيروس.
وعلى صعيد تطورات انتشار الوباء، شهدت إيطاليا أسوأ حصيلة وفيات يومية لديها بنحو ألف وفاة في 24 ساعة، و4 آلاف إصابة جديدة، مُحبطة بذلك «التفاؤل» الحذر الذي أعرب عنه مسؤول في المنظمة الصحة العالمية قبل أيام بانحسار تدريجي في تفشي الوباء أوروبياً.
فيما أعلنت إسبانيا أن عدد الوفيات اليومي عاد إلى الارتفاع وبلغ ٧٦٩ ويقترب العدد الإجمالي من ٥ آلاف، فيما شدّد خبراء في الإحصاء على أن أرقام الإصابات المتداولة لا تعكس الواقع، وأن العدد الفعلي ليس ٦٤ ألفاً، كما تقول مصادر وزارة الصحة، بل قد يتجاوز نصف المليون بسهولة. وكان خبراء إيطاليون قد ذهبوا مؤخراً إلى الرأي نفسه، وقالوا إن أرقام الإصابات المعلنة قد لا تشكّل أكثر من عشر الإصابات الفعلية. ودعا رئيس بلدية ميلانو من جهته إلى التوقف عن نشر أرقام الإصابات والوفيات بشكل يومي «لأن في ذلك مصدراً كبيراً للقلق بالنسبة للمواطنين الذين يعيشون حالات نفسية بالغة الصعوبة».


مقالات ذات صلة

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

تقارير: أميركا تستعد لشحن أسلحة من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط

رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
TT

تقارير: أميركا تستعد لشحن أسلحة من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط

رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)

قال رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ، اليوم الثلاثاء، إن بلاده لا تستطيع منع القوات الأميركية من شحن بعض الأسلحة خارجها، لكن ذلك لن يؤثر على قدرة الردع في مواجهة كوريا الشمالية، وذلك بعد تقارير عن تجهيز هذه الأسلحة لإعادة نشرها في الشرق الأوسط.

وأضاف: «يبدو أن هناك جدلاً في الآونة الأخيرة بخصوص شحن القوات الأميركية المتمركزة في كوريا بعض الأسلحة خارجها»، مشيراً إلى أنه على الرغم من أن سيول قد عبّرت عن معارضتها، فإنها ليست في وضع يسمح لها بتقديم مطالب، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وذكر وزير الخارجية الكوري الجنوبي تشو هيون، يوم الجمعة، إن الجيشين الأميركي والكوري الجنوبي يناقشان إمكان إعادة نشر بعض منظومات الدفاع الصاروخي «باتريوت» الأميركية المتمركزة في كوريا الجنوبية لاستخدامها في الحرب على إيران.

بدوره، قال وزير الدفاع التايواني ويلينغتون كو، الثلاثاء، إن الولايات المتحدة لم تتواصل مع تايبه بشأن نقل أسلحة إلى الشرق الأوسط.

وقال كو، في حديثه لصحافيين في البرلمان، إن إعادة نشر أي من الأسلحة الأميركية الصنع لدى تايوان لن تحدث إلا إذا طلبت الولايات المتحدة ذلك. وأضاف أنه في حالة حدوث ذلك، ستكون الولايات المتحدة مسؤولة عن نقلها.

وقال كو: «لكن حتى الآن، لم يتصلوا بنا بشأن استخدام أي من عتادنا ذي الصلة في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران».

والولايات المتحدة هي المورد الرئيسي للأسلحة لتايوان، التي تمتلك صواريخ «باتريوت» في ترسانتها.

وتواجه تايوان، التي تحكمها حكومة ديمقراطية، ضغوطاً عسكرية متزايدة من الصين، التي تعتبر الجزيرة جزءا من أراضيها. وترفض حكومة تايوان مطالبات بكين بالسيادة.

وأفادت تقارير إعلامية نقلاً عن مصادر في الحكومة الكورية الجنوبية أن أنظمة باتريوت يجري تجهيزها لإعادة نشرها في الشرق الأوسط، حيث وصلت طائرات نقل عسكرية أميركية ثقيلة إلى أوسان لنقلها.


إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
TT

إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)

فُقد ثلاثة بحّارة إندونيسيين بعد غرق سفينة قاطرة، الجمعة، في مضيق هرمز، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية الإندونيسية.

وأفادت الوزارة في بيان أن «ناجياً إندونيسياً يعالَج حالياً من حروق بمدينة خصب في عُمان. وما زالت السلطات المحلية تبحث عن الإندونيسيين الثلاثة الآخرين»، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وشهدت السفينة قبل أن تغرق انفجاراً تسبّب في اندلاع حريق، وفق بيان الوزارة التي أشارت إلى فتح تحقيق.

 

 

وأثارت الحرب اضطرابات في الأسواق العالمية وارتفعت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ عدة سنوات مع إغلاق مضيق هرمز فعلياً.


في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

يتخوّف العالم من تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، ومن احتمال توسّعها، ودخول أطراف أخرى فيها لتتحوّل إلى حرب عالمية تحمل الرقم ثلاثة، مع العلم أن ثمة من يرى أن هذه الحرب بدأت قبل سنوات من دون أن تتخذ الطابع العسكري والجغرافي الكلاسيكي المباشر.

وفي السياق، يتساءل كثيرون في واشنطن عمّا يعنيه الهجوم على إيران بالنسبة إلى الصين. وهؤلاء هم من «صقور» السياسة الذين يضعون روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران في محور واحد موحّد يعمل لضرب قوة الولايات المتحدة، وإعادة تشكيل النظام الدولي.

من هنا ترى بعض الأوساط المتشددة في واشنطن أن الحرب الراهنة تشكّل في بُعدها الأعمق خطوة استراتيجية ضد الصين التي لا خلاف في أروقة السياسة الخارجية الأميركية على كونها الخصم الأول الذي يهدّد مكانة بلادهم، ومرتبتها الأولى في الاقتصاد، والسياسة، والقوة العسكرية، وباختصار في النفوذ العالمي.

ما هي إذن أسباب الصدام المحتمل بين أميركا والصين واحتمالات وقوعه؟

مقاتلتان أميركيتان من طراز «إف 18 - هورنيت» تقلعان من حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

السباق الاقتصادي

دخل الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين مرحلة حاسمة في عامي 2025 وبداية 2026، عبر فرض رسوم جمركية مرتفعة، وهدنة هشة لاحقة أسفرت عنها محادثات في جنيف. وكانت هذه الحرب التجارية التي انطلقت في عام 2018 قد تصاعدت حدتها منذ عودة دونالد ترمب إلى سدّة الرئاسة في أوائل عام 2025.

بلغة الأرقام، يبلغ الناتج المحلي الصيني 20.6 تريليون دولار مع نمو متوقع نسبته 5 في المائة في 2026، مقابل 31.4 تريليون دولار، ونسبة نمو متوقع 2.2 في المائة في 2026 للولايات المتحدة. ويتوقع محللو «سيتي غروب» أن يتجاوز حجم الاقتصاد الصيني نظيره الأميركي في منتصف ثلاثينات القرن الحالي، تبعاً لوتيرة نمو الناتج المحلي الإجمالي في كل من البلدين. لكن آراء أخرى تقول إن الاقتصاد الصيني قد لا يتجاوز الاقتصاد الأميركي، أقلّه في المدى المنظور، بالنظر إلى القوة الهائلة، والمزايا الجيوسياسية التي تتمتع بها الولايات المتحدة على الصين.

ويقول الباحث يانجونغ هوانغ في تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية (مقرّه نيويورك): «قبل سنوات، تحدث الرئيس الصيني شي جينبينغ عن صعود الشرق وتراجع الغرب للدلالة على أن الصين، بعد أن نهضت وتجددت، كانت على وشك أن تحل محل الحضارة الغربية المتراجعة، التي تمثلها الولايات المتحدة». إلا أن الموازين تبدّلت نسبياً، خصوصاً في مرحلة ما بعد جائحة «كوفيد 19»، إذ تعافى الاقتصاد الأميركي بقوة، في حين تعثر الاقتصاد الصيني، وتراجعت وتيرة نموّه، بحيث صار بعيداً عن نسبة 7 في المائة وما فوق التي حققها على مدى سنوات.

مهما يكن من أمر، سيبقى السباق الاقتصادي قائماً ومحموماً بين الجانبين اللذين يملك كل منهما أدواته: الصين تتسلح بروح الابتكار، والولايات المتحدة تستثمر نفوذها وجبروتها على مستوى العالم. ولا شك في أن واشنطن وبكين تنظر إحداهما إلى الأخرى بعين الحذر والتخوّف، لذا تمضي الأولى في سياسة التضييق على الثانية التي تمضي في سياسة بناء القوة العسكرية لتحصّن نفوذها الذي لا بد منه لتواصل تقدّمها الاقتصادي.

نقاط الاشتباك

في موازاة الاشتباك الاقتصادي–التجاري (الرسوم والمعادن النادرة ومبادرة «الحزام والطريق» وسوى ذلك...)، هناك نقاط اشتباك قد تتحول إلى فتائل اشتعال وتفجير يمكن تعدادها على النحو الآني:

1- بحر الصين الشرقي: تعيش الصين واليابان حالة توتر حاد في بحر الصين الشرقي، وطالما أن الولايات المتحدة تؤكد أن جزر سينكاكو (تسميها الصين دياويو) يجب أن تديرها اليابان -أي إنها تقع تحت مظلة الحماية التي يوفرها التحالف الأميركي الياباني-، فإن احتمال وقوع صدام بين بكين وواشنطن يبقى قائماً. بل إن اندلاع قتال بين الصين واليابان قد يرغم واشنطن على دعم طوكيو، وخوض مواجهة عسكرية مباشرة مع بكين.

2-بحر الصين الجنوبي: يصف الكاتب السياسي الأميركي روبرت كابلان بحر الصين الجنوبي بأنه «مرجل آسيا». وهو مسرح توتر دائم بين والصين والدول المشاطئة الأخرى، خصوصاً تايوان، والفلبين، وماليزيا، وبروناي، وإندونيسيا، وفيتنام، حليفة الولايات المتحدة. فمع إعلان بكين ما يُعرف بخط النقاط التسع الذي يقول عملياً إن المنطقة بحيرة صينية شاسعة، يبقى احتمال أن يشعل أي احتكاك أزمة أكبر قد تشعر الولايات المتحدة بأنها مضطرة للتدخل فيها، خصوصاً أن حجم الرهانات في هذه المياه كبير، لأن سلعاً تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات تسلك هذا الممر البحري الحيوي، وقد تكون تريليونات أخرى من الموارد كامنة تحته في شكل نفط، وغاز طبيعي، ومعادن ثمينة.

«لياوننغ» أول حاملة طائرات صنعتها الصين التي تملك الآن 3 حاملات (أرشيفية - رويترز)

3- تايوان: معلوم أن الصين لم تتخلَّ عن سياسة «صين واحدة» التي تؤكد أن تايوان جزء لا يتجزأ منها، وأنها ستستعيدها عاجلاً أم آجلاً عبر «إعادة التوحيد السلمي» في إطار دولة واحدة ونظامين، لكنها ترفض استبعاد استخدام القوة العسكرية، لا سيما إذا أعلنت تايوان استقلالها، أو تدخلت قوى أجنبية في الخلاف الذي قد يتحوّل إلى نزاع.

ومعلوم أيضاً أن الولايات المتحدة تتبنى سياسة «الصين الواحدة» التي تعترف بجمهورية الصين الشعبية مع تعزيز علاقات قوية وغير رسمية مع تايوان، بهدف الحفاظ على الوضع الراهن، ومعارضةً أي تغييرات أحادية الجانب من أي من الجانبين، مع تقديم الدعم العسكري الدفاعي لتايوان، ودعم مشاركتها في المنظمات الدولية من دون الاعتراف بها كدولة.

4- حادث عرَضيّ: قد يؤدي أي حادث عرضيّ في البحار أو الأجواء بين أميركا والصين إلى احتكاك عسكري فاشتباك، وربما ما هو أوسع. والموقع الأخطر في هذا السياق هو المحيط الهادئ، الأكبر في العالم، والذي يشكل ممراً حيوياً، بل شريان حياة للاقتصاد الصيني. فمن دون حرية الملاحة هناك ستصاب حركة التصدير ومعها الاقتصاد الصيني ككل بمقتل. ويجب ألا ننسى أن تحالف «أوكوس» الأمنيّ الثلاثي بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الذي أُعلن إنشاؤه في 15 سبتمبر (أيلول) 2021 يحمل هدفاً معلناً هو جعل المحيطين الهندي والهادئ مساحة مفتوحة، وآخر مضمراً هو إقفال ما أمكن من المسالك المائية في وجه الصين وطموحاتها.

العالم يترقّب

الواضح أن الصين التي نكرر أنها تعمل بدأب على تعزيز قوتها العسكرية التقليدية والنووية وبالطبع السيبرانية، تتجنب اتخاذ مواقف حادة وصدامية فيما يدور من صراعات، إلا أن صراعها الاقتصادي المرير مع الولايات المتحدة مستمر ومتصاعد. وبالتالي يجدر السؤال: هل يمكن لصاحبي الاقتصادين الأول والثاني في العالم ألا يتصادما؟

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

رغم أن فكرة وقوع هذا الصدام تبدو بعيدة، فإن عدد نقاط التوتر التي قد تشعل النزاع كبير بما يكفي لعدم استبعاد هذا الاحتمال تماماً، خصوصاً إذا قررت الصين اعتماد استراتيجية جيوسياسية مماثلة لما تعتمده أميركا...

هل سيعمل الطرفان النوويان على إيجاد سبل لخفض التوترات التي قد تقود إلى مواجهة عسكرية مباشرة ستشارك فيها أطراف أخرى مصطفة علناً وضمناً في عالم يعجز عن الخروج من سياسة المحاور والاستقطابات؟

تلك هي المسألة...