خيار الجنرالات

سياسيون مخضرمون وعسكريون في سباق الرئاسة المصرية

عبد الفتاح السيسي
عبد الفتاح السيسي
TT

خيار الجنرالات

عبد الفتاح السيسي
عبد الفتاح السيسي

يسعى عسكريون مصريون للترشح للرئاسة المصرية المقرر فتح الباب لها خلال شهرين من الآن، لكن ما يسميه البعض «خيار الجنرالات» ربما يتسبب في انفراط العقد وقد يتسبب أيضا في انحصار المنافسة بين عدد من المرشحين المدنيين.
بيد أن هذا يمكن أن يحدث في حالة واحدة فقط، هي عدم ترشح الفريق أول عبد الفتاح السيسي للرئاسة. أما إذا ترشح السيسي، فإن مسألة السباق الرئاسي ستكون محسومة تقريبا لصالحه، وفقا لما يقوله سياسيون ومرشحون سابقون.. وفنانون أيضا.
في وسط سوق البضائع السياسية الجيدة والرديئة، يمكن أن تلمس تيارا عاما يعبر عنه خليط من الفنانين المصريين ومحبيهم يرى أن الحل الوحيد في ترشح «السيسي» للرئاسة، بعيدا عن أي تحليلات. وتحظى الأغنية المؤيدة للجيش ولخطوة الإطاحة بمرسي التي قام بها السيسي بشعبية طاغية والتي تقول كلماتها «تسلم الأيادي.. تسلم يا جيش بلادي». ولعب الفنانون في البلاد أدوارا مهمة منذ عهد الملك فاروق مرورا بعبد الناصر والسادات ومبارك ومرسي كما تقول لـ»الشرق الأوسط» بطلة مسرحية «الزعيم» رجاء الجداوي.
وقف الفنانون المصريون ضد سياسات الرئيس المعزول الذي يواجه في الوقت الحالي العديد من التهم بالخيانة والتخابر وإهانة القضاء والتحريض على القتل، ولعب بعضهم دورا لافتا في إنجاح صياغة دستور عصري مع السياسي المخضرم عمرو موسى، والتفوا حول تأييده مع ملايين المصريين أثناء الاستفتاء عليه الأسبوع الماضي.
«إذا لم يترشح السيسي فسنتجه لتأييد الفريق سامي عنان، الرئيس السابق لأركان الجيش المصري». هكذا يقول محمد عبد الله العضو في حملة «مصر بلدنا» التي تدعو منذ ستة أشهر لترشح السيسي. لكن زميله في نفس التكتل يرى أنه في حال عدم ترشح السيسي فإنه سيتجه لتأييد الفريق أحمد شفيق، المرشح السابق للرئاسة أمام مرسي، والذي عمل أيضا كرئيس للوزراء في آخر أيام مبارك وعمل في السابق أيضا كوزير للطيران.
وتوجد تكتلات وحملات أخرى تقول إنها ستضطر لتأييد ترشح مدير المخابرات العامة المصرية السابق، اللواء مراد موافي، رغم أنه حتى الآن أقل الجنرالات حديثا عن هذا الأمر، لكن اسمه بدأ في الأيام الأخيرة يصعد ويملأ الأجواء بقوة، كخيار محتمل للمنافسة على الرئاسة في حال عدم ترشح السيسي، إضافة إلى أسماء لجنرالات آخرين يطمحون في الترشح للرئاسة، من بينهم وكيل المخابرات العامة السابق اللواء حسام خير الله الذي يضع منذ أشهر أرضية لتهيئة خوضه المنافسة عندما تتضح الرؤية، أو كما يقول لـ»الشرق الأوسط» إنه سيترشح «في حال لم يترشح السيسي».
هكذا تبدو خارطة الجنرالات بشكل مبسط، لكن ماذا عن خارطة المدنيين. تقول قيادات في جبهة الإنقاذ التي تضم الأحزاب الرئيسية والتي قادت مع حركات ثورية أخرى الإطاحة بنظام مرسي العام الماضي، إنها لم تقرر بعد من الذي سترشحه للرئاسة، لكن عددا من قياداتها تفضل الفريق أول السيسي، كما يقول لـ»الشرق الأوسط» الأمين العام لحزب التجمع والقيادي في الجبهة أيضا. ويأتي هذا بعد أن أشاع عدد ممن يعملون من داخل الجبهة أنها ربما تدعم المرشح السابق للرئاسة حمدين صباحي، لكنها ردت على هذه الشائعات ونفتها في حينه.
حتى صباحي نفسه يبدو أنه لم يحسم أمره بشأن ترشحه من عدمه. ويبدو الأمر بالنسبة له ولكثير من المرشحين المدنيين المحتملين، مرتبكا برمته. ورغم أن صباحي يعلن بين وقت وآخر أنه سيترشح ليحقق برنامجا يعكس أحلام المصريين، إلا أنه في اللقاءات التي تجمعه أحيانا ببعض قادة الجيش يقول إنه لو ثبت له أن السيسي سيترشح وسيتبنى برنامجا مشابها لبرنامجه الانتخابي المفترض فإنه سيعيد التفكير في أمر رغبته في المنافسة على الرئاسة.
يقول صباحي، وهو ناصري ويقود حاليا ما يسمى بـ{التيار الشعبي» الذي يضم ثوريين ومجموعات من الشباب المتحمس لبناء مستقبل يليق بدولة مثل مصر، إن الدستور الجديد يحقق العدالة والكرامة الاجتماعية للمواطنين، ويحتاج لمن يحول مواده ونصوصه إلى حقائق على الأرض ويبث فيها الحياة لتحقيق مستقبل أفضل للشعب، ولهذا يرى أنه سينافس على الرئاسة لتنفيذ نصوص الدستور، لكنه يربط هذا بشرط هو أن يحظى بتوافق من شباب الثورة، ويعود ليقول إنه في حال توافق شباب الثورة على مرشح آخر سأدعمه، مشيرا إلى أن السيسي لم يعلن ترشحه للرئاسة رسمياً حتى الآن.
ومن المرشحين المدنيين الكبار الآخرين هناك اسم عبد المنعم أبو الفتوح، المحتمل أن يخوض المنافسة، وهو إخواني سابق، ويرأس حزب «مصر القوية» ويواجه تيارا مصريا عاما كارها لجماعة الإخوان والمرتبطين بها. وهاجم حزب أبو الفتوح خريطة المستقبل التي أدت للإطاحة بمرسي في الثالث من يوليو (تموز) 2013، ورفض الدستور الجديد الذي وافق عليه غالبية المصوتين المصريين في الاستفتاء الأخير، رغم أن الحزب نفسه لم يكن مقتنعا بسياسات مرسي في أيامه الأخيرة.
وفي آخر حديث له مع «الشرق الأوسط» علق أبو الفتوح على قرار ترشحه من عدمه بأنه يرتبط بالظروف المقبلة والمناخ العام وبقرار حزبه. ويدعم أبو الفتوح بقايا مما يمكن أن يطلق عليه تيار الإسلام السياسي الوسطي، ومجموعات من شباب الثورة وبعض الحركات الثورية الأخرى. وفي حال ترشحه يتوقع أن يلتف حوله أيضا أعضاء الأحزاب الإخوانية والسلفية والجهادية المؤيدة للرئيس السابق.
وسواء أراد أو لم يرد، يظهر وجه عمرو موسى، من بين وجوه المدنيين ممن يمكن أن يثير خيال الناخبين من جديد. وخاض موسى الانتخابات الرئاسية في عام 2012، لكن فرصه كانت متواضعة بسبب حالة الاستقطاب في ذلك الوقت، لكن يبدو أنه حقق مكاسب كبيرة في الشهور الأخيرة حين حاز على إعجاب كثير من المصريين من خلال رئاسته وإنجازه بنجاح للجنة أعمال الدستور الجديد. وفي حال عدم ترشح السيسي فإن اسم موسى سيكون واحدا من بين الأسماء القوية المطلوب ترشحها للرئاسة.
ويقول حسين إمام، القيادي في ائتلاف شباب الثورة في جنوب القاهرة إن موسى تعرض في الانتخابات الرئاسية السابقة لهجوم قاده الإسلاميون ووصفوه خلالها بأنه من نظام مبارك لسبب بسيط وهو أنه كان وزيرا للخارجية في تسعينيات القرن الماضي. ويضيف أن موسى لفت الأنظار إليه أخيرا ليس كونه رجل دولة يمكن الاعتماد عليه في هذه المرحلة التي تمر بها مصر، ولكن لأنه أثبت بجداره أنه «سياسي مخضرم ومحنك»، ولديه خبرة بالواقع المحلي المصري والواقع الإقليمي والدولي، بحكم عمله لسنوات كأمين عام للجامعة العربية. لكن حتى موسى نفسه يرى أن الرجل الأصلح لقيادة مصر هو الفريق أول السيسي.
وبالعودة إلى الجنرالات مرة أخرى، تجد بعض الأسماء تخرج فجأة إلى النور قبل أن تتوارى مرة أخرى في الظل. ويبدو هذا انعكاس لحالة عدم اليقين الجارية في البلاد، بسبب تأخر السيسي في إعلان موقف واضح بشأن ترشحه أو عدم ترشحه للرئاسة، على ما يبدو. ويقول الفريق خير الله إن تأخر السيسي يؤثر على من يفكرون في الترشح، لأنهم غير قادرين على البدء بالترويج لأنفسهم أم بمساندة السيسي، مشددا على أن الجيش المصري لا يعرف صراع الجنرالات.
وبنجاح الاستفتاء على الدستور خرج العديد من الجنرالات والطامحين في الرئاسة للتهنئة بما أنجزه المصريون من التفاف حول الاستحقاق الأول لخريطة الطريق. وأعلن الفريق عنان ترحيبه بنتيجة الاستفتاء مؤكدا أنها أظهرت معدن الشعب العظيم ورغبته في بناء دولة الحرية، والمساواة، والديمقراطية، وقال إن مصر «في انتظار رجل الدولة الذي يقود السفينة في بحر عاصف، ولا تنتظر الزعيم الخارق الذي يحقق المعجزات».
ويطل الفريق شفيق على المصريين كل عدة أسابيع عبر وسائل الإعلام ليذكرهم بنفسه على ما يبدو كونه يعيش خارج البلاد منذ الحملة التي شنها ضده الإسلاميون عقب خسارته للانتخابات أمام مرسي. لكن شفيق لديه أنصار وحزب في الداخل ساهموا بقوة في الإطاحة بالإخوان الصيف الماضي مع قوى حزبية وثورية أخرى، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
أما السيسي نفسه فيبدو أن أمر ترشحه للرئاسة لن يكون قرارا سهلا. فالبلاد تعاني من مشاكل اقتصادية وأمنية واجتماعية عميقة. ومنذ «ثورة 25 يناير 2011» خسرت خزانة الدولة مليارات الدولارات، وفقد ملايين المصريين وظائفهم خاصة في قطاع السياحة الحيوي، إلى جانب المخاوف التي أصبح ينشرها أعداء السيسي بأنه ربما سيعتمد على أنصار الرئيس الأسبق مبارك في قيادة الدولة في حال فوزه بالرئاسة، خاصة كبار رجال الأعمال والفنانين والإعلاميين الذين يقال إنهم أسهموا بشكل واسع في دعم «ثورة 30 يونيو 2013» التي أطاحت بحكم الجماعة.
ويقول أحد الناشطين من شباب الثورة إنه توجد تحركات في الشارع ستبدأ من يوم 22 الشهر الجاري، انطلاقا من ميدان طلعت حرب القريب من ميدان التحرير الشهير، لرفض ظهور رجال مبارك في المرحلة الجديدة، مشيرا إلى أن هذه التحركات ستستمر حتى يوم 25 الجاري للاحتفال بالذكرى الثالثة لـ»ثورة» يناير، لكن مصادر أمنية ترى أن هذه التحركات تقف وراءها جماعة الإخوان وعدد من أنصارها، وأن قيادات من الجيش سوف تلتقي مع شباب الثورة لتوضيح مخططات الإخوان الساعية لإحداث وقيعة بين شباب «يناير» وأجهزة الدولة خاصة القوات المسلحة والشرطة، خلال تنفيذ باقي استحقاقات خارطة المستقبل من انتخابات رئاسية وبرلمانية. ويتطلب ترشح السيسي البالغ من العمر 59 سنة، للرئاسة، الاستقالة من موقعه كوزير للدفاع لأن قانون مباشرة الحقوق السياسية يمنع العسكريين من الترشح أو الانتخاب طالما كانوا في الخدمة. وهذه الاستقالة ينبغي أن تكون قبل نهاية هذا الشهر حتى يتسنى له تسجيل اسمه في كشوف الناخبين لهذه السنة. وتقول التسريبات إن الفريق صدقي صبحي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة، ربما يخلف السيسي في موقعه. ويعد صبحي البالغ من العمر 57 سنة، ومن مواليد محافظة المنوفية (شمال القاهرة)، أحد المقربين من قائد الجيش وواحدا من رجاله الموثوق فيهم.
ويقول عبد النبي عبد الستار، المتحدث باسم حملة «كمل جميلك» التي تدعو السيسي للترشح للرئاسة، وتضم في صفوفها ضباطا متقاعدين من الجيش والشرطة وعددا من السياسيين والناشطين إن المصريين يربطون بين الأمن والأمان ووجود السيسي كرئيس للدولة. ويضيف لـ»الشرق الأوسط» أن «السيسي نفسه يربط نزوله لانتخابات الرئاسة بنزول الناس بكثافة في الاستفتاء، وهو ما حدث وأصبح عليه أن يستجيب للإرادة الشعبية المطالبة برئاسته للدولة».
وإلى جانب السياسيين والحراك الثوري، أسهم الفنانون والمثقفون في دق المسامير في نعش حكم الإخوان حين أوقفوا حفلات في دار الأوبرا وأعلنوا أمام جمهور العروض الموسيقية أنه حان وقت التغيير في مصر لإنقاذ البلاد من الحكم الظلامي. ونفذوا إضرابا واعتصاما في مقر وزارة الثقافة استمر أكثر من شهر ولم ينته إلا بعزل مرسي.
ويقول الفنان أحمد بدير، الذي أدى العديد من الأدوار السينمائية والمسرحية والتي ظهر في بعضها كرجل عسكري يقدس تطبيق القانون والدقة في العمل إن ما قام به المصريون من التفاف حول الدستور إنجاز عظيم يتطلب اكتماله بترشح السيسي للرئاسة. ويضيف الفنان بدير قائلا لـ»الشرق لأوسط»: «أقول للشعب المصري لقد أثبت أنك أعظم شعوب الدنيا قاطبة وأنك شعب خالد كخلود النيل واستطعت أن تقيم ثورتين في ثلاث سنوات واستطعت أن تخرج في 30 يونيو بأكبر ثورة شعبية عرفها العالم في الميادين والشوارع بأكثر من 33 مليون متظاهر».
ويتابع بدير موضحا أن المصريين، وهم مقبلون على تنفيذ باقي استحقاقات خريطة المستقبل، استطاعوا «في ظل جماعة إرهابية وتنظيم دولي إرهابي وتكالب الدول ضد مصر، أن يقهروا كل هؤلاء، وأن ينجزوا دستورا عظميا لمصر المستقبل، رغم كل هذه الظروف»، مشيرا إلى أن الإقبال على الاستفتاء عليه جاء بصورة غير مسبوقة و»لم يحدث في تاريخ الدساتير أن جرى التصويت بهذه النسبة»، وإذا أرادوا السيسي رئيسا فسيأتون به عبر صناديق الانتخاب.
وقال بدير، الذي لعب أشهر أداروه من خلال شخصية «الصول عبد العال» في مسرحية «ريا وسكينة» إن الشعب مقبل على انتخابات برلمانية وانتخابات رئاسية.. «وانتهى عهد شراء أصوات الناخبين بالزيت والسكر، بعد أن قال أكثر من 90 في المائة نعم للدستور. ولهذا يستطيع هذا الشعب أن يختار رئيسا، وليكن هذا الرئيس هو من يحظى بشبه إجماع شعبي عليه، وهو الفريق أول عبد الفتاح السيسي». وأضاف أن «الشعب يحب السيسي ويرى فيه أملا ونموذجا للمصري الذي يحب ويعشق تراب بلده ووقف مع الشعب في أحلك الأوقات واستطاع أن ينصر الشعب على قوى الظلام ويقهر الجماعات الإرهابية، ولم يجبر أحد الشعب على أن يطالب بالسيسي إلا موقفه الوطني العظيم تجاه بلده».
ويتابع قائلا عن مشاهداته في أيام الاستفتاء على الدستور الأسبوع الماضي وما اقترن بها من ترجيحات بشأن من سيقود مصر في الفترة المقبلة: «من الطفل للرجل المسن ومن المرأة العجوز مرورا بالشباب والفتيات، لو سألتهم كلهم يقولون لك إن السيسي هو الرئيس القادم».
لماذا كل هذا الالتفاف الشعبي حول السيسي؟ يقول بدير: «لأن الرجل، إضافة لمواقفه العملية السابقة، قال في آخر خطاب له إنه يستيقظ الساعة الخامسة صباحا، وسأل إن كان الشعب لديه استعاد لذلك. وأرى أن الشعب مستعد للعمل الجاد مع السيسي لإعادة بناء مصر.. هو لم يعد الشعب بأنه سيأتي له بـ200 مليار دولار كما وعد الرئيس السابق المصريين، بينما اتضح بعد ذلك أنها وعود غير قابلة للتحقق»، مشيرا إلى أن «السيسي لم يعدنا بوعود رنانة، ولا وعود خلابة بلا أساس، ولكنه طلب من الشعب أن يعمل وهذا هو المطلوب منا بعد الاستفتاء».
ويدور الحديث حول موائد السياسيين والمثقفين والفنانين عن احتمال عدم ترشح السيسي ودخول آخرين من الجيش والمدنيين حلبة المنافسة. لكن الفنان بدير يعود ويعلق قائلا: «نحن ليس لدينا رفاهية أن نجرب في منصب الرئيس مرة أخرى، بعد تجربة انتخابات 2012. ولا نريد أن نأتي برئيس يحظى بـ51 في المائة من أصوات الناخبين، فيخرج عليه الـ49 في المائة في الشوارع. من أجل تجنب هذا نحن نختار السيسي ولا نريد تجارب أخرى فاشلة على هذا الموقع، ولذلك أقول للفريق أول السيسي إن ترشحه للرئاسة إرادة شعبية.. الرئاسة تضحية في مثل هذه الظرف الصعبة التي تمر بها البلاد وهي ليست مغنم ولا مطمع بل شقاء وتعب وترميم للجراح، وهو بوطنيته ومصريته وإنسانيته وحبه لبلده، أعتقد أنه سيرضخ لإرادة الشعب المصري».
ويزيد أحمد بدير قائلا عن المنافسين الطامحين في الترشح للرئاسة: «أعتقد أن كل الطامحين في خوض الانتخابات الرئاسية، سواء من عسكريين سابقين أو من مرشحين مدنيين سابقين، لن يقفوا في وجه التيار الشعبي المطالب بالسيسي رئيسا». ويمكن لموجة عارمة من المطالبات الشعبية الداعية لترشح السيسي، أن تتكسر على صخرة «عدم ترشحه» وتتفرق في أمواج متلاطمة في شوارع وميادين القاهرة والمحافظات، لتعيد القلاقل إلى البلاد مرة أخرى، كما حدث في فترتي حكم المجلس العسكري السابق ومرسي، عقب رحيل نظام مبارك، ما أدى لسقوط مئات القتلى وآلاف الجرحى. وبدت أغنية «تسلم الأيادي» التي وضعها عدد من المطربين والموسيقيين، كلحن ونشيد يردده المصريون ويعبر عن مرحلة جديد تبحث عن جنرال قوي لقيادة البلاد. وتتردد الأغنية في سيارات الأجرة وفي الشوارع والحواري وحفلات الزفاف وأعياد الميلاد.
وعلى مائدة أخرى من موائد السياسيين تحدث القيادي المعروف في جبهة الإنقاذ جورج إسحاق لـ»الشرق الأوسط» عن الزخم السياسي الجديد الذي اتسم هذه المرة بوجود العديد من أصوات الفنانين داخله مع قرب اختيار رئيس للبلاد، سواء كمتحدثين أو مغنيين أو متبرعين ومتطوعين للعمل العام في الظروف الصعبة. ويقول اسحاق: بداية من الفنان سيد درويش ودوره في ثورة 1919 إلى عبد الحليم حافظ ودوره في عهد عبد الناصر كان للفنانين دورهم البارز في توجيه الرأي العام. وأعتقد أنهم يكونون أكثر حساسية بشأن المستقبل، لأن الفنانين والمبدعين لا يمكن أن يعملوا في ظروف فيها اضطرابات، ولذلك فهم أكثر الناس رغبة في الاستقرار، مشيرا إلى أن الكثير من الفانين «شعروا بخطر المرحلة (في عهد مرسي) فبدأوا في الاحتجاج لأنهم كانوا يرون أن الثقافة في مصر تنهار»، مشيرا إلى أن الفنان المصري يظهر دوره حين يكون الوطن في خطر ويكون موقفه واضحا وبارزا.
ويربط المصريون بين نجاح الدستور والتطلع لترشح السيسي. وتحدثت الفنانة رجاء الجداوي، التي لعبت أدوارا مسرحية كامرأة قريبة من دائرة الحكم خاصة في مسرحية «الزعيم» مع الفنان عادل إمام، عن وجود الفنانين والمثقفين مع ملايين المصريين، من أجل تغيير البلاد إلى الأفضل، مشيرة إلى موقفهم اللافت في الأيام الأخيرة من حكم جماعة الإخوان، ومشاركتهم من خلال الأغاني ومن خلال الاعتصام في مقر وزارة الثقافة مع المثقفين والكتاب. وأعربت عن أنه كان لهم فضل كبير في خروج الدستور المصري الجديد بهذا الشكل العصري، ويبحثون مع باقي المصريين عن رئيس مخلص لقيادة الدولة.
وتضيف أن الدستور خرج بهذه الطريقة لأنه جرى بقيادة رجل حكيم وهو السيد عمرو موسى والحوار الهادئ في اللجنة التي ترأسها، ولم نسمع عن خلافات حادة ولم نسمع عن تبادل للألفاظ المرفوضة أو تنابذ بين أعضاء لجنة صياغة الدستور. حتى الخلافات كانت هادئة جدا وأدت لخروج الدستور بطريقة هادئة، وعبرت عن كل أطياف الشعب.
وتقول الجداوي عن كاريزما الرئيس التي ترى أنه يصلح لقيادة البلاد في هذه المرحلة: أنا أرى أن أي واحد يحب مصر بإخلاص ويدافع عنها وينتمي لأرضها ويحبها بلا غرض شخصي أهلا وسهلا به. ليست لدي مسميات مسبقة.. هل أقول السيسي؟ أهلا وسهلا به، فقلبه ينبض بحب مصر وأسلوبه الهادئ وبصوته الذي كله ثقة ووصل لقلوب الناس. أتمنى أن يكون موجودا لقيادة مصر عن طريق رغبة شعبية جماعية، وإذا هو رشح نفسه فأهلا وسهلا به.
ويقول أحمد رسلان، البرلماني السابق والذي يقود تكتلا من القبائل والعائلات المصرية المؤثرة في الانتخابات، لـ»الشرق الأوسط»: كل المؤشرات تتجه لأن يكون السيسي رئيسا لمصر. بينما يرى سياسيون آخرون أن عدم ترشح السيسي ربما يفتح الباب لانقسامات في مصر بين الطامحين في الرئاسة، خاصة بين الجنرالات السابقين.



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.