ماثيو ماكونوهي «الأخير» يقارع الأشرار وتقارعه زوجته

يتحدث لـ«الشرق الأوسط» عن الحب والحرب بين الجنسين ودوره كأستاذ سيناريو

ماكونوهي أثناء مشاركته في لقاء صحافي حول فيلمه الجديد «ذا جنتلمن» (غيتي)
ماكونوهي أثناء مشاركته في لقاء صحافي حول فيلمه الجديد «ذا جنتلمن» (غيتي)
TT

ماثيو ماكونوهي «الأخير» يقارع الأشرار وتقارعه زوجته

ماكونوهي أثناء مشاركته في لقاء صحافي حول فيلمه الجديد «ذا جنتلمن» (غيتي)
ماكونوهي أثناء مشاركته في لقاء صحافي حول فيلمه الجديد «ذا جنتلمن» (غيتي)

هناك سخف متكرر في فيلم غاي ريتشي الجديد (يا ليته يكون الأخير) «السادة» The Gentlemen وقدر كبير من المشاهد التي تحمل بيدها مطرقة لكي تهوي بها فوق رؤوس المشاهدين. من حسن الحظ أن الفيلم لم يحقق النجاح الذي يشق الغبار وإلا لكان عدد الرؤوس التي أصيبت بتلك المطرقة كبير.
الممثل ماثيو ماكونوهي يؤدي فيه دور إمبراطور مخدرات ينتج وزوجته (ميشيل دوكري) شيئاً اسمه «وايت ويدو سوبر تشيز» (White Widow Super Cheese). ليس الجبنة التي ترشها فوق طبق السباغيتي بل نوع من المخدرات المشتقة من الماريوانا التي جعلت ميكي (ماكونوهي) يملك ثروة تربو عن 400 مليون دولار.
ميكي أميركي وموقعه بريطانيا. وصلها فقيراً وتسكع في أزقتها يبيع بنفسه المخدرات ثم ارتقى ليصبح ما هو عليه الآن مستخدماً مزارع ماريوانا في مخابئ سرية. لا بد أن البوليس كان نائماً طول هذه السنين لأن ميكي حقق أمانيه بالثراء الكبير وما زال يعمل بكل حرية وبشكل مضاعف.
لكن سيناريو غاي ريتشي سيطلب من ميكي الرغبة في التوقف عن العمل وبيع مؤسسته لمن يدفع أكثر. هذا يتسبب في تدافع الراغبين في شراء مؤسسته أو القتل في سبيل الحصول عليها. خدع وجرائم وعنف وكليشيهات متوارثة.
لكن وسط هذه الأشواك هناك ماثيو ماكونوهي الذي يعرف ما يريد من الدور وكيف يعالجه على نحو يُثير الإعجاب ويري الشاشة بالحركة والإيماءة سواء بسواء.
وُلد ماكونوهي في ولاية تكساس قبل خمسين سنة. والده كان يعمل في حقل النفط لكنه آثر رش حبوب الطعام في مزارع الدجاج في أستراليا قبل أن يعود إلى أميركا باحثاً عن اتجاه جديد في الحياة. حين لم يجد ما يبحث عنه عمل في حانة حيث تعرف هناك على رجل عرّفه بالمخرج رتشارد لينكلتر وهذا استعان به في فيلم «دائخ وحائر» (Dazed and Confused). السيناريو نص على ثلاثة مشاهد لكن المخرج وجد نفسه أمام موهبة واضحة فأضاف إلى دوره المزيد من المشاهد ووضعه على درجة أولى في سلم العمل كممثل.
هذه الخطوات كانت سريعة وبحلول مطلع هذا القرن كان ظهر في أفلام مع رينيه زيلويغر وكيفن سبيسي وساندرا بولوك وجودي فوستر وتحت إدارة ستيفن سبيلبرغ في «أميستاد» وويليام فريدكن في «مملكة النار» و«جو القاتل» وجف نيكولز في Mud (لاعباً شخصية اسمها مَد في فيلم شوهد في مهرجان «كان»). لكن الأدوار الأكثر تأثيراً وردت بعد 2014 ومنها «بين النجوم» لكريستوفر نولان و«ذئب وول ستريت» لمارتن سكورسيزي و«صفاء» لستيفن نايت.
سيلي «السادة» فيلم أنيميشن بمثابة الجزء الثاني من Sing الذي عرض قبل أربع سنوات. بعده يدخل تصوير «خل البليونير» (The Billionair‪’‬s Vinegar) الذي يصفه الممثل هنا قائلاً بأنه «يتوق إليه وينتظر تنفيذه».
وفيما يلي نص الحوار:
-- خبرة 27 سنة
> عرفت قبل قليل أنك تدرس السيناريو في جامعة تكساس. أخبرنا قليلاً عن ذلك؟
- نعم. تتحدث عن كوني «بروفوسيراً» في جامعة تكساس. عندي صف منذ ست سنوات أدرس فيه عن السيناريو من الكتابة إلى الشاشة (Script to Screen) ويدور حول الرحلة التي يقوم بها الفيلم من مرحلة الكتابة إلى أن يصبح جاهزاً للعرض كفيلم.
‫>‬ بما أنك لا تكتب سيناريوهات أفلامك فإنه من المهم معرفة السبب الذي من أجله أقدمت على هذا العمل.
- صحيح. لم أكتب سيناريوهات أي فيلم مثلته لكني أملك خبرة قوامها 27 سنة في العمل مدتني بالثقة والقدرة.
‫> ‬ كيف تقرأ السيناريوهات المعروضة عليك إذاً؟
- عندما أتسلم سيناريو فيلم ما أجد نفسي أقرأه كمادة أدبية وليس فقط كمشروع. خلال السنوات العشر الأخيرة وجدت أن العديد من المسائل التي تواجه المخرج وتواجه الممثل تكمن في الكتابة ذاتها. تعرف أن السيناريو هو دليل كل المشتركين في الفيلم للاستيحاء منه لكن ما يجذبني لقراءته هو أولاً وقبل أي سبب آخر ما يعبّر عنه من خيال الكاتب وكيف قام بتطويعه ليصبح عملاً قابلاً للترجمة إلى صور.
‫>‬ من هذا المنطلق كيف وجدت سيناريو «ذا جنتلمن»؟
- في الحقيقة الفيلم مختلف تماماً عن السيناريو الأصلي الذي قرأناه كممثلين. في اعتقادي أن السيناريوهات اليوم تُكتب على نحو مختلف عما كانت تُكتب فيه حتى قبل عشر سنوات. هناك اختلافات كبيرة تتعلق بكل عناصر العمل لدرجة تتيح للمخرج إنجاز فيلم آخر غير الذي صوّره عندما يدخل الفيلم التوليف.
‫>‬ نعلم أن الكثير من التغيير يطرأ على الفيلم حال يقرر المخرج البدء بتصويره… ليس كل السيناريوهات تتعرض للتغيير لكن جزءاً منها.
- جزء كبير منها. السيناريو بات أكثر انتباهاً للميزانية التي يتطلبها لكن مع ذلك قد يتدخل المخرج لقطع مشاهد أو إضافة أخرى تبعاً للميزانية. بالتالي الكثير من المشاهد التي تم تصويرها في فيلم ما واعتبرت أساسية قد لا تصل إلى غرفة التوليف. لا تدخل عملية المونتاج وعندما لا تدخل عملية المونتاج لا تظهر على الشاشة.
‫>‬ ما تعريفك لكلمة «جنتلمن»؟ من هو الـ«جنتلمن»؟
- أوه… عندي تعريفات كثيرة لمن يحق له مثل هذا التعبير. لكن في نهاية المطاف أعتقد أن صاحب الكلمة ومن يستحق أن يحملها هو الشخص الذي لا يحاول احتلال فضاء الإنسان الآخر. هو أيضاً الشخص الذي لا يستغيب سواه. كيف يكون «جنتلمان» وهو ينتظر فرصة الاختلاء بالآخر ليتحدث عن شخص ثالث.
‫>‬ الفيلم هو شيء آخر… الكلمة مستخدمة كتعريف عام. هل توافق؟
- يقصد العنوان بالفعل وصف الرجال المشتركين في عملية خداع وهيمنة تؤدي إلى جرائم فردية واجتماعية إذا أردت توسيع الإطار بعض الشيء. في العنوان بحد ذاته سخرية بحد ذاتها.
‫>‬ إنه عن رجال أقوياء وقساة بالتالي لا يمكن لهم أن يكونوا «جنتلمن». لكن هل واجهت مثل هؤلاء في مجال عملك؟
- بالنسبة للفيلم هم زمرة من الرجال الذين بنوا حياتهم داخل شرنقة كبيرة لا تعترف بالقوانين التي نتمثل لها في حياتنا العادية. معظم الناس متحضرين ويمارسون حياتهم ضمن الشيفرات الأخلاقية والاجتماعية والقانونية لكن هؤلاء ليسوا كذلك، لهذا السبب قلت إن العنوان ساخر.
-- حرب بين الجنسين
‫> لكن ضمن هذا الوصف يوفر الفيلم شخصيات متكلّفة بعض الشيء.
- في بعض النواحي هي كذلك لكنه تكلّف ناتج عن رسم كاريكاتيري لتلك الشخصيات. لا تنس أنهم رجال عصابات وهم يتصرّفون على هذا النحو في الوقت الذي يتظاهرون فيه بانتمائهم إلى الحضارة. هذا دورهم في الحياة. هؤلاء موجودون بيننا الآن في الواقع. أفضل رجال العصابات من الطبقة المتسيدة هم في صلب حياتنا وليسوا بعيداً عن هذا الصلب. ألم تخرج بهذا الانطباع؟
‫> ليس تماماً، في الواقع. وجدت الفيلم خليطاً من الرغبة في الكوميديا ورغبة في تجسيد ما يطلبه الفيلم القائم على الحركة لنفسه وقليل من سينما الألغاز، لكنه خليط متعب، خصوصاً وأنه لا ينجز أهدافاً عالية في أي من هذه الغايات. ما زال مثيراً للمتابعة خصوصاً على صعيد التمثيل.
‫- ‬أفهم ما تقوله وربما معك حق في هذه التفاصيل، لكن ما يعجبني في الفيلم هو الرغبة في تشريح وتحليل هذه الفئة من الناس. أجد ذلك فعلاً رائعاً. إعجابك بالتمثيل كذلك راجع إلى حسن توزيع الأدوار وجلب (المخرج غاي) ريتشي مجموعة ممثلين جيدين لكافة الشخصيات التي تدور حول الشخصيتين الرئيسيتين (شخصيته وشخصية الممثلة التي تقوم بدور زوجته ميشيل دوكري) وتناورهما.
‫>‬ العلاقة بين شخصيتك وبين الشخصية التي تؤديها ميشيل تقوم على تحدٍ تبدو هي فيها أقوى من شخصيتك أنت. كيف ترى ذلك؟
- صحيح. أعتقد كل أفلام غاي ريتشي، خصوصاً التي تتحدث عن عصابات تتناحر فيها على هذا النحو الذي نشاهده في هذا الفيلم هي في الحقيقة أفلام عمن يستطيع أن يهيمن على الآخر. صراع قوى. والجديد في هذا الفيلم بالمقارنة مع أفلامه السابقة أنه منح المرأة حقها في أن تهيمن على زوجها.
‫>‬ ... وزوجها على الآخرين...
- (يضحك) تماماً.
‫>‬ هي حرب خفية بين الرجل والمرأة.
- خفية وظاهرة. لو كانت خفية فقط لنتج فيلم آخر من النوع الأوروبي. ربما من نوع أفلام (إنغمار) برغمن، لكنها حرب واضحة كتلك التي تقع بين الجنسين منذ أمد بعيد.
‫>‬ ما رأيك بالموجة النسائية التي تعيشها هوليوود؟
- في السينما أو في شؤون الحياة؟
‫>‬ في الاثنين معاً؟
- لا تحتاج إلى رأي لأنها واجبة. مسؤولية الرجال والنساء هي التأكد أن كل جنس منهما يحترم الآخر ويساويه. لكن طبعاً هناك مجالات عمل لا تستطيع المرأة القيام بها، مثل أعمال الحفريات وأعمال البناء وأعمال المناجم.
‫>‬ ما الشيء الذي تقوم به المرأة ولا تجيده أنت؟
- الطبخ (يضحك).
‫>‬ في السينما؟ هناك أفلام كثيرة عن المرأة التي تقاتل كالرجال. نعرف أن معظم هذه الأفلام تتحدث عن بطلات من الخيال... تماماً كالأبطال الرجال. كيف ترى ذلك؟
- أحب كل فيلم جيد وأشاهد الكثير منها. أحياناً وبخصوص هذا الموضوع تحديداً، ما تنجح الأفلام التي تتركّز على البطولة النسائية، وأعتقد أنك تتحدث عن أفلام الأكشن، في توفير نشاط جديد وحيوية في جسد نوع من الأفلام قاده الرجل وتخصص به أكثر من سواه. هناك الحالات التي لا تنجح فيها هذه الأفلام ولا نرى من المرأة سوى الأفعال المناسبة لهذا النوع. هذا لأن الشخصية مكتوبة فقط لتنفيذها على هذا النحو.
‫>‬ هل يعبّر «ذا جنتلمن» عن حاجة دفينة داخلك؟
- تقصد أن أكون رجل عصابات (يضحك). في الحقيقة استمتعت بقراءة الفيلم كثيراً. وأردت عندما قرأت السيناريو أن أكون جزءاً من هذا العالم. طالما أنني لا أعيشه في الحياة، لم لا أعيشه في السينما.
‫>‬ كيف وجدت غاي ريتشي مخرجاً؟
- المتعة الثانية هي مشاهدة غاي وهو يخرج وكيف يعمل. سأقول لك كيف يعمل: تصل صباح يوم التصوير وتجلس معه على الطاولة التي يعمل عليها. هو وصل قبلك وبدأ بإعادة الكتابة لكن عندما تصل أنت يقترح عليك أن تؤدي مشاهد اليوم أمامه بحوار مختلف. عندما تفعل ذلك يهب واقفاً ويمضي بعيداً (ضحك) ثم يعود ويقول شيئاً مثل «ما كتبته سابقاً هراء. سأستخدم ما ذكرته أنت».
‫>‬ لديك فيلم مقبل اسمه «خل البليونير»… متى يبدأ تصويره؟
- ما زال في الكتابة. هو دراما بوليسية حول رجل كان يخلط الخمر بالخل ويبيعه بنجاح. التصوير ينتظر الانتهاء من الكتابة وما أستطيع أن أقوله عن هذا الفيلم هو إنه مشروع آخر أتوق لتنفيذه في أقرب فرصة.


مقالات ذات صلة

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

لمسات الموضة تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن…

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق فيلم «صوت هند رجب» الأفضل عربياً في استفتاء «نقاد السينما المصريين» (الشركة المنتجة)

«نقاد السينما»: «أبو زعبل 89» و«صوت هند رجب» و«خاطئون» أفضل أفلام 2025

أعلنت جمعية نقاد السينما المصريين، برئاسة الناقد أحمد شوقي، فوز الفيلم الوثائقي المصري «أبو زعبل 89» للمخرج بسام مرتضى بوصفه أفضل فيلم مصري.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

«وقائع زمن الحصار» يرصد معاناة الفلسطينيين تحت وطأة الاحتلال

يطرح الفيلم الجزائري «وقائع زمن الحصار» للمخرج والكاتب الفلسطيني عبد الله الخطيب، رؤية سينمائية تنحاز إلى الإنسان العادي في قلب المأساة.

أحمد عدلي (القاهرة )
يعرض الفيلم الصيني للمرة الأولى ضمن فعاليات مهرجان برلين - إدارة المهرجان

المخرج الصيني تان يوتشنغ: استلهمت لوحات إدوارد هوبر في «نيير»

في فيلمه الروائي القصير «نيير»، المشارك ضمن قسم «أجيال» بالدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الدولي. يراهن المخرج على الصمت والمراقبة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

«صوت هند رجب» يتصدر المشاهدة رقمياً في السعودية

بعد أصداء دولية واسعة رافقت عروضه في المهرجانات السينمائية الكبرى، يصل فيلم «صوت هند رجب» إلى منصة «شاهد» التابعة لشبكة «MBC»، في عرض رقمي حصري انطلق يوم…

إيمان الخطاف (الدمام)

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».