العمال المجهولون في متحف «برادو» ينطلقون نحو الأضواء

اجتذبت مقاطع الفيديو المصورة التي وضعها المتحف على صفحته بموقع «إنستغرام» قرابة 100 ألف مشاهد يومياً (نيويورك تايمز)
اجتذبت مقاطع الفيديو المصورة التي وضعها المتحف على صفحته بموقع «إنستغرام» قرابة 100 ألف مشاهد يومياً (نيويورك تايمز)
TT

العمال المجهولون في متحف «برادو» ينطلقون نحو الأضواء

اجتذبت مقاطع الفيديو المصورة التي وضعها المتحف على صفحته بموقع «إنستغرام» قرابة 100 ألف مشاهد يومياً (نيويورك تايمز)
اجتذبت مقاطع الفيديو المصورة التي وضعها المتحف على صفحته بموقع «إنستغرام» قرابة 100 ألف مشاهد يومياً (نيويورك تايمز)

يفتقر مانولو أوسونا إلى التعليم الفني الرسمي، ولكنه أمضى سنوات متجولاً بين مختلف صالات العرض في متحف «برادو» كحارس وقائد لمجموعة من 7 أشخاص يعملون على نقل الكنوز الوطنية للمبدعين الإسبان من أمثال فيلاسكيز وغويا حول مختلف أرجاء مبنى المتحف.
وفي ظل هذه الخلفية الفنية المحلية، برز أوسونا، البالغ من العمر 56 عاماً، من دور خافت غير معروف في المتحف لكي يصير أحد النقاد الفنيين غير المحتملين في سلسلة فيديوهات على منصة «إنستغرام» التي حازت نجاحاً كبيراً.
واجتذبت مقاطع الفيديو المصورة باستخدام هاتف محمول وعصا التصوير الذاتي، أعداداً متزايدة من المتابعين حول العالم وصولاً إلى قرابة 100 ألف مشاهد يومياً، من الذين يبهرهم العرض البطيء الذي لا يمتّ إلى صناعة السينما العالمية بشيء البتة، حيث يمكنك معايشة تجربة حية وخاصة من داخل أروقة المتحف.
وفي كل يوم من أيام الأسبوع، ومن خلال الهمهمة الخافتة السابقة على فتح أبواب متحف «برادو» الوطني الإسباني، يُمنح أمناء المتحف البارزون والحراس الذين يرتدون الزي الرسمي مدة 10 دقائق ثمينة للحديث.
وهم يركزون حديثهم على الأعمال الفنية المألوفة لدى جيرانهم: لوحة الفتى الأرستقراطي المغامر من القرن التاسع عشر في الساتان الأخضر الباهت المرصّع باللؤلؤ، أو العذراء مريم التي تنتحب أسفل تمثال المسيح على الصليب.
وبالنسبة إلى العديد من المعجبين، صار الاستماع إلى تلك الفيديوهات من الممارسات الروتينية الصباحية اليومية، حيث يشارك المختصون في الفنون العمل المتساوي مع الرجال والنساء القائمين على حراسة المعارض، أو العاملين على ترميم واستعادة لوحات غويا، أو يعكفون على تحليل أصباغ العصور الوسطى في مختبر المتحف.
وشاهد نحو 50 ألف شخص ميغيل فالومير فاوس، مدير متحف «برادو» الوطني، وهو يناقش لوحة من عصر النهضة الأوروبية من أعمال الفنان تيشيان، ولكنهم كانوا أكثر استماعاً بعض الشيء إلى السيد أوسونا وهو يسلط الأضواء على لوحة مفضلة من أعمال الفنان الإسباني جوزيبي دي ريبيرا من عصر الباروك تصوّر فيلسوفاً إغريقياً مسناً تحمل قسمات وجهه ابتسامة من دون أسنان مع أظافر داكنة اللون. يقول أوسونا عن اللوحة: «لا بد أنه فلاح من الفلاحين، لقد كان جوزيبي دي ريبيرا يصوّر شخصيات من عامة الناس في الشوارع».
إن جذب الاهتمام إلى الموظفين غير المعروفين من نوادر الأمور بالنسبة إلى المتاحف الدولية، حيث اجتمع موظفو الإدارات الدنيا المحبطين معاً في السنوات الأخيرة من أجل تكوين شبكة للدعم عبر الإنترنت، مع تبادل المعلومات حول الرواتب، وإجراء استطلاعات رأي سنوية لقياس الشواغل المهنية المشتركة بينهم.
تقول آبي غودفري، المديرة المناوبة في متحف هولبورن في المملكة المتحدة: «من الرائع أن يحتفل متحف (برادو) الإسباني بموظفيه بهذه الطريقة التي ينبغي أن تتحول إلى نموذج يُحتذى به في المتاحف الأخرى».
وفي عام 2017، ساعدت غودفري على تأسيس شبكة «إف أو إتش للمتاحف» على الإنترنت مخصصة للموظفين الأماميين في المتاحف الذين يتعاملون مباشرةً مع الزوار، وقالت عن ذلك: «أولئك الذين يقولون إنهم يعملون في الخلفية وراء الأضواء كانوا يستشعرون التقدير، الأمر الذي يتناقض إلى حد كبير مع موظفي المكاتب الأمامية».
كان خافيير ساينز دي لوس تريروس، 37 عاماً، هو مبتكر سلسلة متحف «برادو» على منصة «إنستغرام»، وهو لم يظهر على الكاميرا مطلقاً، ولكن صوته الرخيم المجهول ظل يوجه المشاهدين عبر مختلف صالات العرض في المتحف.
وفي مقابلة أخيرة أقر لوس تريروس بأن صورة الكاميرا لديه كانت مهتزة في بعض الأحيان بسبب كسر ذراع الارتكاز فيها. ولكنّ الطبيعة غير الرسمية كانت جزءاً من التجربة الفريدة.
فإذا فاته صباح أحد أيام العرض، فإنه يتلقى الاستفسارات حول حالته الصحية من المشاهدين. وكان أحد الزوار قد ترك مظروفاً لدى المتحف موجَّهاً إلى مدير قناة «إنستغرام» مع هدية رمزية على سبيل التقدير، (كانت سلسلة مفاتيح سانت تيريزا).
وكتب أحد مستخدمي منصة «إنستغرام» يقول معلقاً على فيديو نُشر بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، حيث عرض فيديو لأعضاء فريق العمل من النساء يناقشن صورة ذاتية لامرأة من القرن التاسع عشر: «إنك تبهرني كثيراً بمعارفك وإبداعك».
وبدءاً من عام 2019، شرع خافيير ساينز دي لوس تريروس في تصوير الأعمال الفنية في المتحف من دون حوار مرافق، وظهر كل فيديو منها على منصة «إنستغرام» لمدة 24 ساعة فقط. غير أن المشاهدين طالبوا بعرض المزيد، وبسبب ذلك أنشأ سلسلة مصورة أطول في المدة وأكثر في التفاصيل من مقاطع الفيديو الدائمة والمعروضة حتى الآن.
وكانت مقاطع الفيديو تعرض العمل المتأني والهادئ لموظفي المتحف من أمثال إلياس مورا، خبيرة الترميم التي كانت في خدمة متحف «برادو» الوطني منذ 37 عاماً وبدأت لتوّها التفكير في ترميم واستعادة لوحة غويا بعنوان «الكونتيسة شينتشون» التي اشتراها متحف «برادو» في عام 2000 من ورثة الكونتيسة صاحبة اللوحة.
وأشارت مورا حال وقوفها إلى جانب اللوحة في القاعة المزدحمة إلى إصلاحات الترقيع القديم على الجزء الخلفي من اللوحة وأوضحت الأشعة السينية التي كشفت أن غويا كان قد رسم وجهاً لرجل بالفعل، ثم محا الرسم بتغطيته باللون الفضي من طيات ملابس المرأة صاحبة الصورة.
ورداً على سؤال حول كم من الوقت سوف تستغرق أعمال الترميم والتجديد؟ أجابت السيدة مورا بأنها ربما تستغرق 7 أشهر أو أكثر.
وكان أكثر من 99 ألف شخص قد شاهدوا فيديو السيدة مورا على منصة «إنستغرام» و260 ألفاً آخرين على «فيسبوك»، مع العديد من التعليقات التي تشيد بالدروس المستفادة من عملية الترميم والتجديد.
وعلى منصة «إنستغرام»، طالبت الفنانة الأرجنتينية جولييتا فاريلا بالمزيد من أعمال الترميم والتجديد. وأشاد مستخدم غير معروف من كولومبيا –وله 200 ألف متابع على المنصة– بالفيديو المعروض للمتحف كمثال على أفضل الممارسات المطلقة في هذا المجال.
وقالت مورا إنها امرأة خجولة بطبيعتها وغالباً ما تكون أكثر راحة عند مواجهة الهاتف الذكي بعصا التصوير الذاتي، وقالت: «نحن نشبه الأطباء أو الجراحين الذين لا يفكرون في الخوف في أثناء العمل. وإنني أكثر خشية من الحديث إلى الآخرين».
يصدر أغلب الفيديوهات باللغة الإسبانية من دون ترجمة مرفقة، ولكن المتحف يعمل على شراكة مع الأصدقاء الأميركيين لمتحف «برادو» الوطني على ترجمة الفيديوهات إلى اللغة الإنجليزية. وهناك نحو 30% من المشاهدين من إسبانيا.
والنسبة الباقية موزعة على مختلف بلدان العالم، مع إيطاليا والولايات المتحدة في المرتبة الثانية والثالثة من المشاهدة بعد إسبانيا. ولقد سعت المتاحف الأخرى في مالقا وفينيسيا إلى الحصول على نصائح متحف «برادو» بشأن إنشاء مقاطع الفيديو المماثلة على منصة «إنستغرام»، وذلك وفق ما قال دي لوس تريروس.
وقال أوسونا، الذي ظهر في بعض من هذه الفيديوهات، إنه مسرور بردود الفعل الإيجابية من الزوار من المكسيك وأميركا الجنوبية، ومن المشاهدين غير القادرين على زيارة المتحف بأنفسهم.ولم يكن يدري أن هناك أكثر من 50 ألف شخص قد شاهدوه وهو يقدم للوحة جوزيبي دي ريبيرا المفضلة، والتي شرع في دراستها على نحو متخصص قبل أكثر من 15 عاماً حال انضمامه إلى العمل في متحف «برادو» الوطني.
وقال في المحادثات المصورة إنه يُطلق على الفيلسوف في لوحة جوزيبي دي ريبيرا «صديقه العزيز»، وأنه يشعر بوجود علاقة خاصة بينه وبين الرجل المبتسم، وذلك بسبب يديه المهترئتين الداكنتين من سنوات العمل الطويلة.
وقال أوسونا، الذي يتعرف عليه بعض زوار المتحف من المعجبين به على صفحته في «إنستغرام»: «الأمر الجميل في ذلك أن الناس تعرفوا على الوظائف التي نقوم بتأديتها والتي لم يكونوا يعرفون عنها شيئاً من قبل. كما علموا عن التحديات والصعوبات التي نجدها في حياتنا وأعمالنا اليومية».
- خدمة «نيويورك تايمز»



الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
TT

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)

أكد فهد الجلاجل وزير الصحة السعودي، الثلاثاء، أن «نموذج الرعاية الصحية» في المملكة انتقل من مرحلة التصميم إلى التطبيق الفعلي، وبات اليوم يحظى باهتمام جهات عدة داخل البلاد وخارجها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أعقب رعايته وحضوره «ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026» في الرياض، أوضح الوزير أن النموذج بدأ تطبيقه وإجراء الكثير من المسارات وصولاً إلى اسمه الحالي، وأصبح ينفّذ في 20 تجمّعاً صحياً بالمملكة، وتتبنّاه الكثير من الجهات، وأخرى استفسرت عن تفاصيله بهدف تبنّيه في دول أخرى.

وأضاف الجلاجل أن الهدف الأساسي من النموذج يتمثل في خدمة المواطن ورفع جودة الخدمات، مشيراً إلى ارتباطه المباشر بمستهدفات «رؤية السعودية 2030»، مردفاً أنه يهدف «لتقديم الخدمات بأفضل جودة لرفع متوسط عمر الإنسان في المملكة، ورفع السنوات الصحية للمواطن وتقديم أفضل خدمه له».

شدد الوزير فهد الجلاجل على أن ما تحقق حتى اليوم في القطاع هو ثمرة عمل جماعي (وزارة الصحة)

وأعرب الوزير عن عدم ممانعة بلاده في استفادة أي دولة من تجارب «نموذج الرعاية الصحية السعودي»، غير أن الهدف الأساسي هو تحقيق مستهدفات «رؤية 2030» عبر مجتمع حيوي ووطن طموح، وإيصال الخدمات للمواطنين بشكل أفضل.

وحول وجود 7 مستشفيات سعودية ضمن تصنيف «براند فاينانس»، منها 4 ضمن أفضل 100 مستشفى عالميّاً، نوَّه الجلاجل بأن ما تحقق حتى الآن يُمثِّل مرحلة ضمن مسار مستمر من التطوير، لافتاً إلى أن طموحات المملكة هي تحقيق الريادة العالمية في عدد من التخصصات الطبية.

وتطرق الوزير إلى مسعى السعودية في أكثر من مدينة طبية ومستشفى تخصصي للريادة العالمية، وحققت أكثر من إنجاز في إجراء عمليات تعدّ الأولى عالمياً، مشدداً على أن «هذا الإنجاز سيتواصل، وسنرى المستشفيات السعودية تحقق نجاحات أكثر».

شهد الملتقى حضور نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين (وزارة الصحة)

وفي سياق متصل، قال الجلاجل إن التحول الصحي في السعودية لا يقتصر على الجوانب الطبية فقط، بل يشمل تكاملاً واسعاً بين مختلف القطاعات الحكومية.

وتعليقاً على سؤال «الشرق الأوسط» حول أبرز الإجراءات الصحية التي ساهمت في تقليل نسب وفيات الحوادث المرورية، قال الوزير إنها «ليست إجراءات صحية في حقيقتها ولكنها تكاملية، وأحد أهداف هذا التحول الصحي و(رؤية المملكة) هو أن تتكامل جميع القطاعات».

وتابع الجلاجل: «اليوم هناك لجنة السلامة المرورية فيها كل الجهات الحكومية، ابتداءً من وزارات (الداخلية، النقل، البلديات، التعليم) لوضع خطة شمولية، والكل اليوم يتناغم في هذا لإيصال هذه الرسالة»، مستدركاً: «قد يكون دور القطاع الصحي هو تخفيض الوفيات ورئاسة هذه اللجنة، لكن الدور الحقيقي والمؤثر هو للجهات كافة والشركاء الذين تعاونوا في إيصال هذه الخدمات، وكل جهة من الجهات قامت بدورها، ولدينا قائمة من الإجراءات التي قامت بها للحفاظ على صحة المواطن».

ناقشت الجلسات العلمية سبل الابتكار في المنظومة الصحية (تصوير: تركي العقيلي)

وتعليقاً على قرار مجلس الوزراء تشكيل لجنة دائمة تعنى بكل ما يتصل بمادة «الأسبستوس» ومتابعة حظرها، أبان الوزير أن بلاده تتعامل مع المخاطر الصحية بشكل استباقي عبر سياسات واستراتيجيات واضحة، وتعمل على درئها، مؤكداً: «أي خطر نرصده على المواطنين، فإن الحكومة تعمل على إيجاد الأدوات اللازمة لدرئه، والاستمرار في زيادة جودة الحياة».

وخلال كلمته اليوم في الملتقى، كشف الجلاجل عن انخفاض عدد السنوات التي يعيشها المواطن السعودي في المرض بمقدار 3 سنوات، مضيفاً أن نموذج الرعاية الصحية ساهم في أن يصبح متوسط العمر المتوقع في المملكة 79.7.

وأشار الوزير إلى انخفاض وفيات «حوادث الطرق» بنسبة 60 في المائة، و«الأمراض المزمنة» 40 في المائة، و«الأمراض المعدية» 50 في المائة، و«الوفيات الناجمة عن الإصابات» 30 في المائة، مشدداً على أن ما تحقَّق حتى اليوم في القطاع هو «ثمرة عمل جماعي، ورسالة واضحة بأن التحول الصحي في السعودية يسير بثبات وسنواصل على هذا النهج».

جانب من جلسة حوارية على هامش ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026 في الرياض الثلاثاء (وزارة الصحة)

وشهدت أعمال الملتقى، الذي تنظمه «الصحة القابضة» بنسخته الثالثة، الثلاثاء، حضورَ نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين، وإقامةَ عدة جلسات علمية ناقشت سبل الابتكار في المنظومة الصحية، واستعراضَ أحدث الدراسات والأبحاث؛ لتعزيز صحة المجتمع والوقاية من الأمراض؛ تحقيقاً لمستهدفات برامج «رؤية 2030».


بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
TT

بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)

هل تشعر أحياناً بأن ساعات اليوم لا تكفي؟ لستَ وحدك؛ فكثيرون يشعرون بالإرهاق بسبب كثرة المهام التي يتعيّن إنجازها، سواء في العمل أم الدراسة، أم حتى في المنزل. ومن الطبيعي أن يحاول البعض أداء أكثر من مهمة في الوقت نفسه، حتى لو كانت إحداها مجرد الاستماع إلى بودكاست أثناء القيام بنشاط آخر.

غير أن المفارقة تكمن في أن تعدد المهام قد يأتي بنتائج عكسية، وفقاً لموقع «هيلث لاين»، إذ تشير الدراسات إلى أن تعدد المهام لا يقلل إنتاجيتنا على المدى القصير فحسب، بل قد يؤدي أيضاً إلى مشكلات في الذاكرة، بما في ذلك صعوبة تذكّر المعلومات على المدى الطويل.

وهنا تكمن الحقيقة: حتى لو كنتَ تعتقد أنك بارع في تعدد المهام، فالأرجح أنك لستَ كذلك. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن نحو 2.5 في المائة فقط من الأشخاص قادرون على أداء مهمتين في الوقت نفسه بكفاءة، دون تراجع في الأداء.

في الواقع، عندما نحاول إنجاز مهمتين معاً، فإن معظمنا لا يقوم بتعدد المهام، بالمعنى الدقيق، بل يمارس ما يُعرَف بـ«تبديل المهام»؛ أي الانتقال السريع بين نشاطين، بدلاً من تنفيذهما في آن واحد. ومع أن هذا السلوك ليس سلبياً بالضرورة، فإن الدماغ البشري يبدو، إلى حدّ كبير، مهيأً للتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

كيف يتعامل الدماغ مع تعدد المهام؟

تحدث عملية تعدد المهام في كل من قشرة الفص الجبهي الواقعة في مقدمة الدماغ، وقشرة الفص الجداري الموجودة في مؤخرته. تتولى قشرة الفص الجداري تخزين المعلومات المتعلقة بالأحداث المختلفة؛ فعلى سبيل المثال، أثناء لعب لعبة فيديو، قد ترى الحرف L الذي يشير إلى الانعطاف يساراً، أو الحرف R الذي يعني الانعطاف يميناً. أما قشرة الفص الجبهي فمسؤوليتها تكمن في اختيار الاستجابة الصحيحة لكل إشارة.

وقد يكون تعدد المهام صعباً على بعض الأشخاص بسبب ما يُشبه «عنق الزجاجة» في الدماغ، وهو حدّ طبيعي لا يسمح إلا بمعالجة مهمة واحدة في كل مرة. ويُعتقد أن قشرة الفص الجبهي هي المنطقة التي تحدث فيها هذه العملية.

لماذا يرتبط تعدد المهام بانخفاض الأداء على المدى القصير؟

عندما يحاول الدماغ الانتقال بسرعة بين مهمتين، يواجه صعوبة في إجراء هذا التغيير، ما يؤدي إلى ما يُعرَف بـ«تكلفة التبديل». وتتطلب هذه العملية موارد ذهنية إضافية، الأمر الذي يُرهق قدرة الدماغ على الاحتفاظ بالمعلومات ومعالجتها مؤقتاً، وهي وظيفة أساسية للتعلّم والتذكّر.

وتكون النتيجة بطئاً في المعالجة، وانخفاضاً في الدقة، وضعفاً في الذاكرة، كما أن تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر، ما قد يؤدي إلى زيادة ضغط الدم وتسارع ضربات القلب.

وحتى أشكال تعدد المهام المكثفة، مثل استخدام الهاتف أو الكمبيوتر أو مشاهدة التلفاز بالتزامن مع أنشطة أخرى، قد تُضعف الذاكرة قصيرة المدى. ويزداد الأمر تعقيداً لأن تعدد المهام المتعلقة بوسائل التواصل يرتبط أيضاً بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، ربما نتيجة تشتيت الانتباه أو بسبب ما يُعرف بـ«انحياز المعلومات السلبية»، حيث يزداد التركيز على الأخبار أو المحتويات السلبية والمزعجة.

لماذا قد يُسبب تعدد المهام مشكلات في الذاكرة على المدى الطويل؟

مع مرور الوقت، يمكن للتحديات نفسها التي يؤثر بها تعدد المهام في الذاكرة قصيرة المدى أن تُلحق ضرراً بالذاكرة طويلة المدى أيضاً. فعندما لا تُعالَج المعلومات بعمق في الذاكرة قصيرة المدى، تقل فرص ترسيخها واسترجاعها لاحقاً.

وفي هذه الحالة، لا يؤدي التكرار إلى الإتقان؛ إذ تُفقِد كثرة المهام الدماغ قدرته على تصفية المشتتات والتنقل بسلاسة بين الأنشطة. وقد يترتب على ذلك إرهاق ذهني، ونسيان متكرر، وتراجع في مرونة التفكير.


«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)

يبدو أن قضية الملياردير الأميركي جيفري إبستين، وجزيرته التي حوكم لاتهامه باستغلال القاصرات فيها، امتدت لتلقي بظلالها على دعوة لحفل وُصف بـ«الغامض» في أحد الملاهي الليلية بوسط القاهرة، حيث جاءت دعوة الحفل بمسمى «يوم في جزيرة إبستين»، وهي الدعوة التي أثارت ضجة بعد إبلاغ إحدى السيدات عنها، وفحص الجهات الأمنية مصدر الدعوى وتوقيف منظم الحفل.

ووفق بيان لوزارة الداخلية المصرية فقد «كشفت ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي تضررت خلاله إحدى السيدات من أحد الإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي يتضمن التنويه إلى وجود استعدادات لإقامة حفل بتاريخ 10 فبراير (شباط) الحالي، باسم «يوم فى جزيرة إبستين» بأحد الملاهي الليلية بدائرة قسم شرطة قصر النيل بالقاهرة، وتحديد الدخول للفتيات مجاناً، على ضوء عدم ملاءمة المسمى وغموض الإجراءات التنظيمية.

وبالفحص تبين للجهات الأمنية أن الحفل المشار إليه تم الإعلان عن تنظيمه من دون الحصول على التراخيص اللازمة من الجهات المعنية، وأمكن ضبط القائم على تنظيمه، كما تم التنسيق مع الجهات المختصة لمنع إقامته، واتخاذ الإجراءات القانونية.

وزارة الداخلية أعلنت عن ضبط منظم الحفل (وزارة الداخلية المصرية)

وترى الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، أن «خطورة الواقعة لا تقف عند حدود المخالفة الإجرائية، وهو تنظيم حفل من دون استيفاء التصاريح اللازمة، وإنما تتضاعف بالنظر إلى مضمون الإعلان نفسه، وما انطوى عليه من استهداف صريح للفتيات، في سياق غامض، وباستخدام اسم ارتبط دولياً بوقائع موثقة تتعلق بالاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، على خلفية ما عُرف إعلامياً بـ(تسريبات إبستين)».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الربط الدلالي، مقترناً باستهداف فئة بعينها، يثير شبهة قانونية جدية تتصل بمخاطر الاتجار بالبشر أو الاستغلال غير المشروع، أو على الأقل الترويج لرموز مرتبطة بجرائم جسيمة، بما يُخل بالنظام العام والآداب العامة، ويُوجب تدخل الدولة وفقاً لمقتضيات القانون».

ويعدّ التدخل الاستباقي الفوري من الجهات الأمنية «تدخلاً مشروعاً ومطلوباً، ومتسقاً مع الفلسفة الحديثة للتجريم الوقائي، التي لا تنتظر وقوع الضرر أو الجريمة، وإنما تستهدف منع الخطر قبل تحققه متى توافرت مؤشرات جدية على تهديد السلم المجتمعي أو تعريض فئات للخطر»، وفق الخبيرة القانونية.

وحظيت قضية جيفري إبستين باهتمام واسع على مستوى العالم، بعد إفراج وزارة العدل الأميركية عن ملايين الوثائق ومقاطع الفيديو والصور الخاصة بقضية الملياردير الأميركي الذي أدين باتهامات منها الاستغلال الجنسي للقاصرات، في جزيرة كان يمتلكها، واستضاف فيها شخصيات عالمية بارزة، ووُجد ميتاً في محبسه وسط حالة من الغموض.

وحظيت القضية التي عُرفت إعلامياً و«سوشيالياً» بقضية «جزيرة إبستين» باهتمام واسع وتصدر التريند في دول عدة من بينها مصر، وهو «على ما يبدو ما استغله منظم الحفل في الإعلان عنه»، وفق ما يقول الخبير «السوشيالي» معتز نادي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «منظم الحفل اعتمد على (التريند الصادم) من خلال الاسم وما أثارته قضية جزيرة إبستين من جدل، واستغلال الصدمة للترويج لحدث أو حفل من الأمور الخاطئة، فهو (تريند سلبي) حاولوا استغلاله بنظرية خالف تُعرف، ومن ثم جاء رد الفعل مناسباً تماماً بتدخل الجهات الأمنية».

وسبق أن تم وقف حفلات وصفها البعض بـ«المريبة» في مصر، من بينها حفل لفرقة الروك الألمانية «سكوربيونز»، العام الماضي، بعد حكم قضائي من مجلس الدولة بمصر، لدعم الفرقة دولة الاحتلال الصهيوني، وفي عام 2023 تم إلغاء حفل المطرب الأميركي ترافيس سكوت الذي كان مقرراً إقامته تحت سفح الأهرامات بعد شائعة قيامه بـ«طقوس غريبة»، وهو ما رد عليه المطرب وقتها قائلاً: «ليست لديَّ أي طقوس غريبة غير لائقة، إنما هي مجرد احتفالات أقدمها برفقة جمهوري».

ويرى الناقد الفني المصري أحمد السماحي أن «الدعوات لحفلات غامضة على (السوشيال ميديا) معظمها أصبح مشبوهاً، ولها أغراض غير مفهومة وبها اختبار للذوق العام في مصر، هل يقبل مثل هذه الحفلات التي تطرح أفكاراً غامضة وأحياناً تروج لأفعال مرفوضة أم لا؟».

وأشار إلى أن «هناك قوى عالمية تقف وراء مثل هذه الحفلات ومحاولة ترويجها في مصر، عبر (السوشيال ميديا) ووسائل إعلام متنوعة، وأعتقد أن الجهات الأمنية في مصر واعية تماماً لمثل هذه الأمور التي تستهدف مصر».