إنه بونغ جوون - هو بنفسه. المخرج الذي صنع مجده عبر فيلم «طفيلي» الذي حاز على 4 أوسكارات دفعة واحدة الشهر الماضي. رفع بيده أوسكار أفضل فيلم أجنبي وسط تصفيق حاد ثم عاد واعتلى المنصة عندما أعلن عن فوز الفيلم بالأوسكار الرئيسي. هذا بالإضافة إلى أوسكاري أفضل مخرج وأفضل إنجاز تصميم فني.
قبل ذلك، كانت تلك الفترة من العام، الفترة التي تشهد سباق الجوائز، قد عرفت عدة أفلام مشهودة وكل منها وعد بأن يكون فيلم العام: «ذات مرة في هوليوود» لكوينتن تارنتينو بدا كما لو أنه سيحصل على سلسلة من الجوائز، لكن مع خروجه من المنافسة تحوّل الاهتمام إلى فيلم مارتن سكورسيزي «الآيرلندي». بعده برز «طفيلي» وإلى جانبه الفيلم البريطاني «1917». والتنافس انتهى لصالح الفيلم الكوري الذي حققه بونغ جوون - هو بإنتاج كوري صرف وباللغة الكورية بعد محاولتين (ناجحتين) في فيلمين ناطقين، كلياً أو جزئياً - بالإنجليزية يتناولهما في حديثه التالي.
هذا الناقد شاهد الفيلم مرتين لكن بعد الجلوس إلى جوون - هو صار لزاماً مشاهدته بعين جديدة. «طفيلي» يجمع خيوطاً عدة تحت ما وصفناه في نقدنا على صفحات «الشرق الأوسط» بالصراع بين الطبقات الاجتماعية. ما يتبدى في هذا اللقاء هو أن الموضوع فرض نفسه لأن صراع الطبقات، الخفي منها والظاهر، ليس غريباً أو جديداً على المشاهدين حول العالم. لا عجب أن الفيلم أنجز 232 مليون دولار حول العالم (أول فيلم كوري ينجز هذا الرقم أو ما هو قريب منه) وحصد 241 جائزة كبيرة وصغيرة (الكثير منها من الجمعيات النقدية المختلفة).
في حديثه يعرض كيف قام بتصوير «طفيلي» وكيف نضجت الفكرة عبر سنوات عدة وعن المخرجين الذين تعرّف على أعمالهم منذ الصغر وكيف يفسر نجاح الفيلم عالمياً. وفيما يلي نص الحوار:
> كبداية هل كنت تتوقع كل هذا النجاح الذي حققته عبر «طفيلي»؟
- كنت أتوقع لهذا الفيلم أن يثير الاهتمام وكنت أتمنى أن يتجاوز ذلك بالحصول على جائزة من مهرجان مثل «كان». ما حصل هو أنني كلما وجدت الفيلم مرشحاً لجائزة سررت لهذا الترشيح بحد ذاته. وعند الحصول عليها ازداد يقيني بأنني كنت أريد هذه الجائزة بلا ريب.
> هل تتحدث عن الأوسكارات الآن؟
- (يضحك) ربما.
> وجائزة «غولدن غلوبس» أيضاً
- هذا كان تكريماً لا أنساه وبين كل الجوائز الأخرى كان بمثابة تمهيد لما تلاها.
> لنتحدث عن الفكرة الأساسية. كيف واتتك وكيف تطوّرت؟
- مثل بعض شخصياتي درّست خلال مرحلتي كطالب في المعهد. العائلة التي أعطيت ابنها دروساً خصوصية كانت بالغة الثراء. في أحد الأيام أخذني الصبي إلى الطابق الأعلى من المنزل حيث حمام «ساونا» كبير وباهظ التكلفة. أتذكر أنني ذهلت من هذه الفخامة وشعرت بأنني أتجسس على الحياة الخاصة لأناس غرباء عني. هذه كانت بمثابة بذور للفيلم. الإلهام الأول. شعرت بأنني كنت دخيلاً على العائلة. تساءلت ما يكون عليه الوضع لو أنني أخذت كل أصدقائي وأدخلتهم هذا المنزل واحداً إثر واحد وحولتهم إلى متطفلين مثلي (يضحك).
عائلة غير كسولة
> متى تكوّنت الحبكة على نحو كامل إذن؟
- الفكرة الكاملة واتتني سنة 2013 وبعد ذلك ولأربع سنوات راودتني الفكرة أكثر من مرة ووضعت معالجة من 14 صفحة واكتمل السيناريو في نهاية 2017
> إنه فيلم عن الفقر والثراء والفارق بين الاثنين. هل هذا واحد من الأبعاد التي سعيت إليها في هذا الفيلم؟
- هو بالتأكيد كذلك. لكن بأمانة علي أن أقول إن دخول عائلة كيم الفقيرة إلى منزل العائلة الثرية لم يكن بغاية أن تصبح عائلة كيم ثرية. المنطلق هو أنها لم تكن لديها أي أعمال تدر عليها دخلاً يساعدها في المعيشة. ولو نظرت إلى أفراد هذه العائلة ستجد أنهم أفراد أذكياء. ليسوا كسالى لكن المحزن هو أنهم عاطلون عن العمل. وهذا هو حال ليس كوريا فقط بل دول العالم في كل مكان.
> في نهاية الفيلم يقول الشاب بصوت مسموع «سأشتري هذا المنزل لوالدي»... ما كان قصده؟
- قصد محزن في الواقع. هو يعلم أنه أمر مستحيل. لو أخذنا راتبه فإن عليه أن ينتظر 547 سنة قبل أن يتمكن من شرائه. شعرت بالحزن عندما كتبت هذه العبارة لكنها تصف الفارق الكبير بين الفقراء والأثرياء.
> لا أعتقد أن عائلة كيم كانت كسولة لكنها بالتأكيد كانت انتهازية. هل توافق؟
- لا. لم تكن كسولة. كما شرحت كانت عاطلة عن العمل. لكن في الوقت ذاته لم تكن لديها خطة احتيال. في البداية صديق الشاب أخبره عن فرصة العمل عند هذه العائلة وعندما دخل المنزل لأول مرة أدرك أنها فرصة مريحة للكسب. في اعتقادي أن عائلة كيم ليست شريرة لكن الفرصة كانت هناك وكانت سهلة وأغوتهم بسهولة.
> ليسوا أشراراً. في الواقع ليس هناك أشرار في هذا الفيلم.
- صحيح تماماً. كل ما في الأمر أن العائلات غير الميسورة قد تنتهز فرصة كهذه إذا ما دفعتها الحاجة إلى ذلك ووجدت نفسها عند حافة الانهيار. العائلة الغنية بدورها ليست شريرة. على العكس أفرادها طيبون ومثقفون.
> لكن رغم ذلك، ينتهي الفيلم بحس مفجع.
- مؤكد. النهاية عندي هي تراجيدية وهذا (الإحساس) هو ما سعيت إليه. اتكلت على فكرة مفادها أن الناس التي ليست شريرة قد تنتهي بفاجعة على هذا النحو.
> كيف تمزج بين التراجيديا أو الدراما وبين الكوميديا؟
- كثيرون يسألونني هذا السؤال: كيف تخلط بين الأنواع أو تنتقل من حالة إلى أخرى؟ الحقيقة أنني لا أدري كيف أجيب على هذا السؤال. لا أظن أنني على علم بأني أفعل ذلك. ربما من الصعب، بالنسبة لي، البقاء في نبرة واحدة خلال العمل. من الصعب علي أن أحافظ على خط واحد أو نبرة واحدة طوال الوقت. هذا (المزج) أمر طبيعي جداً بالنسبة إليّ. وسواء كانت بالنسبة إليك مزجاً بين أجواء أو بين أنواع سينمائية، فإن ما أحب القيام به هو المزج بين عناصر الفيلم.
المفاجأة الكبرى
> هل تتلاعب بمشاعر الشخصيات لكي تحصل على هذا التنوّع؟
- أكتب شخصيات لديها أحاسيس داخلية متباينة وربما هذا ما يبدو تلاعباً بمشاعر الشخصيات. لكن الفيلم بأسره قائم على العواطف. هذا صحيح. وهذه العواطف تتداخل دائماً لذلك تحليلك يبدو لي صحيحاً لأنه إذا ما كانت النبرة التي أعمل عليها تنتقل من A إلى B فعلى كل جانب أن يحتوي على عناصره من الداخل وألا تكون مفروضة فرضاً. أقصد أنك تستخلص العناصر من داخل A ومن داخل B لأن عليها أن تكون موجودة أصلاً. إذا لم تفعل بدا الانتقال متعمداً وغير طبيعي.
> أريد العودة للحديث عن الجوائز لأنه في الواقع حديث عن كيفية استقبال الفيلم. كيف تنظر إلى حصول Parasite على السعفة الذهبية في «كان»؟
- كنت متوتراً جداً في «كان» لأن هذا الفيلم كان أول فيلم باللغة الكورية لي منذ عدة سنوات. كنت أخرجت «سنوبيرسر» و«أوكجا» بالإنجليزية ولو أنني حافظت على التفاصيل اليومية للشخصيات الكورية في الفيلم. لذلك كنت قلقاً حيال كيف سيستقبل الغربيون فيلمي الناطق بالكورية والذي يتناول موضوعاً شديد الالتصاق بالحياة الاجتماعية الكورية.
> رغم ذلك، لا بد أنها كانت مفاجأة كبيرة عندما خرجت من حفل الأوسكار بأربع جوائز. كيف كان شعورك حينها؟
- شيء ما بين الواقع والفانتازيا. لا أدري كيف أصفه. سألني أحد الممثلين في الفيلم هل كنت سأكون سعيداً لو ربحت جائزة واحدة فقط. أقصد أوسكاراً واحداً فقط. قلت له بالتأكيد. لو لم أنل سوى أوسكار واحد لكنت شعرت بسعادة غامرة. تصوّر شعوري - إذا استطعت - عندما خرجت بأربع أوسكارات. كان ذلك مذهلاً ولا زلت تحت تأثير المفاجأة.
> لأن «أوكجا» مثلاً جمع بين ما هو كوري وبين ما هو مباشرة عالمي.
- صحيح. كان ذلك تحدياً لي ومصدراً للقلق إلى حد. بعد «كان» توجهت والفيلم إلى (مهرجانات) سيدني وتليورايد وتورونتو ووجدت فيها، وفي غيرها من المدن، أن الاستقبال واحد ورد الفعل كان دائماً إيجابياً وعلى نحو آني.
> لماذا تعتقد أن رد الفعل كان نفسه في كل مكان؟
- سألت نفسي هذا السؤال عدة مرات، لماذا رد الفعل هو ذاته في كل مكان. أعتقد أن السبب هو أن الفيلم، بالنتيجة، هو عن الأثرياء والفقراء وهؤلاء منتشرون في العالم كله. أعتقد أن الفيلم حصل على التجاوب ذاته لأننا نعيش الآن في عالم ضخم واحد من الرأسمالية. هذه تحيط بنا في حياتنا اليوم ونعيشها على نحو كامل. أعتقد أن هذا هو السبب.
> هل امتلكت الحرية الكاملة لتحقيق ما تريد؟ هل كانت هناك مشاكل مع الممولين مثلاً؟
- مُنحت يداً طليقة كليّاً. لم تكن هناك عقبات أو طلبات بل حرية كاملة. كان المستثمرون مؤيدين لي على نحو كامل وطوال فترة العمل التي بلغت 74 يوماً تركوني أصنع ما أريد. لكن مع الحرية تكمن المسؤولية.
> حضرت مهرجان برلين في الأسبوع الماضي وأحد أبرز ما كان يبحث عنه الموزّعون هناك هو فيلم كوري شبيه بفيلمك. فجأة أصبح الفيلم الكوري هو الفيلم الذي يعتقدون أنه سيدر كل ذلك النجاح المادي على الأقل.
- (يضحك طويلاً) أنا لست وجه السينما الكورية أو نموذج صناعة الفيلم الكوري. لكن بسبب أنني أعمل وسط جو عمل مثالي وأتمتع بالتأييد والتعاون من المنتجين فإنني أسعى جاهداً لتحقيق أفضل فيلم أستطيع تقديمه للعالم.
بكاء منتصف الليل
> هل تتعرض لعواطف شتّى خلال كتابة السيناريو؟
- من الصعب الاعتراف بما سأقوله، لكن نعم. أصبح عاطفياً عندما أكتب.
> لماذا في رأيك؟
- لأن الكتابة عملية فردية وغالباً ما أكتب في الليل ما يجعلني عرضة للمشاعر العاطفية. مخجل أن أقول ذلك لكني قد أبكي في الساعة الثانية بعد منتصف الليل وأنا أكتب بعض الحوار. لكن أحياناً عندما أقرأ الحوار الذي كتبته في صباح اليوم التالي أشعر بأنه سخيف.
> مَن مِن مخرجي السينما الآسيوية الجنوبية تقدّر أفلامه جيداً؟
- كثيرون. أنا معجب كبير بسينما كيوشي كوروساوا. إنه سيد أفلام الرعب اليابانية. أيضاً بأعمال كيم كي - يونغ الذي رحل قبل سنوات عدة (1998). كان مخرجاً كبيراً في الستينات والسبعينات. استلهم الكثير من فيلم له عنوانه «الخادمة» (1963). أنصح الجميع بمشاهدته (متوفر على DVD). خلال سنواتي الجامعية كنت محباً لأعمال إدوارد يانغ والتايواني هاو سياو - سيين.
> متى قررت أن تصبح مخرجاً؟
- كنت صغيراً في الحادية عشرة أو في الثانية عشر سنة وكنت مدمن أفلام أشاهدها على التلفزيون منذ أن كنت في الثامنة من عمري. شاهدت الكثير جداً من الأفلام واقتنعت بأنني أريد أن أصبح مخرجاً منذ ذلك الحين. لا أدري لماذا لكني صممت. كنت معجباً كبيراً بأفلام ألفرد هيتشكوك وكثير التأثر بالغموض الذي يحققه في فيلمه. حتى الآن أشعر بالسعادة الكبيرة عندما أتحدث عن هيتشكوك. أعجبني كذلك «المواطن كين» لأورسن وَلز، إنه فيلم رائع لكن «لمسة الشر» (Touch of Evil) هو فيلمي المفضل من بين أفلامه.
> لا أستطيع أن أتخيل السينما من دون ألفرد هيتشكوك فيها. ما هي أهم أفلامه بالنسبة إليك؟
- «فرتيغو» و«نوبة جنون» (Frenzy)، «غريبان في قطار» و«سابوتاج» و«الدرجات الـ39». «نوبة جنون» فيلم جميل أحبه جداً. «سايكو» مذهل.
> هل استعرت من أفلامه شيئاً؟
- هناك كتاب شهير من الحوار بين هيتشكوك وتروفو وهو كتاب قرأته كثيراً خلال فترة دراستي. لدي أيضاً كتب حول الرسومات التي كان هيتشكوك يصممها لأفلامه (Storyboards) ودائماً أعود إلى هذه المواد.
> إذن تستخدم «الستوريبورد» بدورك؟
- نعم وأقوم بذلك بنفسي وحين أصوّر ألتزم به. ودائماً أضم «المونتير» إلى عملية التصوير. هذا شائع في السينما الكورية وحدها. نقوم بدرجة مبدئية جداً من التوليف خلال التصوير. عندما كنت أصور «سنوبيرسر» (Snowpiercer) تقدم مني الممثل الكبير الراحل جون هيرت وقال لي: «بونغ، أنت هيتشكوكي». بالنسبة لي كان هذا شرف كبير لي.
هيتشكوك دائماً
> خلال مشاهدتي الفيلم، وشاهدته مرتين للآن، أدركت هذا التأثير في المشهد الذي ترتفع فيه الكاميرا حال يصعد الممثل السلم من طابق تحتي إلى الطابق الأعلى حيث نتبين المنزل الكبير بالتدريج. ذكرني بـ«سايكو».
- نعم. هيتشكوك في بالي دائماً. لكن ربما التأثير كان تلقائياً. الشاب يتقدم إلى حيث الكاميرا وترتفع في الوقت نفسه فإذا بالمنزل إلى يسار المشهد.
> أي المخرجين الأميركيين تفضلهم؟
- جون كاربنتر وبرايان دي بالما وسام بكنباه. لم أكن أعرف من هم حين كنت صغيراً، لكني لاحقاً أدركت من هم. كنت لا أعرف الإنجليزية وأتكل على متابعتي للمشاهد المصوّرة وقدر ما أستطيع فهمه من الحكاية. وفي كثير من الأحيان كنت أتخيّل حكاية من تأليفي وأنا أتابع أفلامهم.
> ماذا عن الممثلين في «طفيلي»؟ كيف تراهم وهل هم معروفون في كوريا؟
- رب عائلة كيم معروف الآن عالمياً وهو أيقونة في السينما الكورية. هذا فيلمنا الرابع معاً. وحين كنت أكتب «طفيلي» كنت أكتب الدور الذي مثله وهو في بالي. بالنسبة لابنه الشاب (تشوي وو - شيك) هو ممثل شاب صاعد في كوريا.
> أليس هو من أدى دوراً صغيراً في «أوكجا»؟
- نعم دور سائق الشاحنة المجنون (يضحك). بعض الممثلين في فيلمي هذا عملوا على المسرح أيضاً مثل لي جونغ - يون التي مثلت دور المشرفة السابقة على خدمة العائلة الثرية.
> يتحدّثون عن إنتاج «طفيلي» كحلقات تلفزيونية أميركية. كيف ترى الفكرة؟ هل تروق لك؟
- قصة الفيلم هي عالمية إلى حد أنه من الممكن أن تصبح إنتاجاً مناسباً في أي مكان. وسيكون من المثير أن أقوم بإخراج «البايلوت». لكني لا أستطيع أن أحقق كل حلقات المسلسل المنوي تنفيذه لأني مشغول بأفلامي المقبلة. أذكّر بأن فيلمي السابق «سنوبيرسر» تم تحويله أيضاً إلى مسلسل لكني لم أكن على صلة كبيرة به.
> هل تجد نفسك مقبلاً على العمل في هوليووود؟ بعض المخرجين غير الأميركيين يتمنون مثل هذه الفرصة والبعض الآخر يرفضها.
- بالنسبة لي هو خيار دائم يعتمد على إذا ما كانت هناك شروط ملزمة لا أرضى عنها أو إذا ما كنت سأتمتع بحرية كبيرة. أنظر إلى كل مشروع على حدة، لكني الآن أريد أن أخرج أفلامي المقبلة في وطني.

