بونغ جوون ـ هو: غالباً ما أكتب في الليل مما يجعلني عرضة للمشاعر العاطفية

‫صاحب 4 أوسكارات و237 جائزة أخرى... مخرج «طفيلي» يتحدث لـ «الشرق الأوسط» عن نجاحاته

لقطة من «طفيلي»
لقطة من «طفيلي»
TT

بونغ جوون ـ هو: غالباً ما أكتب في الليل مما يجعلني عرضة للمشاعر العاطفية

لقطة من «طفيلي»
لقطة من «طفيلي»

إنه بونغ جوون - هو بنفسه. المخرج الذي صنع مجده عبر فيلم «طفيلي» الذي حاز على 4 أوسكارات دفعة واحدة الشهر الماضي. رفع بيده أوسكار أفضل فيلم أجنبي وسط تصفيق حاد ثم عاد واعتلى المنصة عندما أعلن عن فوز الفيلم بالأوسكار الرئيسي. هذا بالإضافة إلى أوسكاري أفضل مخرج وأفضل إنجاز تصميم فني.‬
قبل ذلك، كانت تلك الفترة من العام، الفترة التي تشهد سباق الجوائز، قد عرفت عدة أفلام مشهودة وكل منها وعد بأن يكون فيلم العام: «ذات مرة في هوليوود» لكوينتن تارنتينو بدا كما لو أنه سيحصل على سلسلة من الجوائز، لكن مع خروجه من المنافسة تحوّل الاهتمام إلى فيلم مارتن سكورسيزي «الآيرلندي». بعده برز «طفيلي» وإلى جانبه الفيلم البريطاني «1917». والتنافس انتهى لصالح الفيلم الكوري الذي حققه بونغ جوون - هو بإنتاج كوري صرف وباللغة الكورية بعد محاولتين (ناجحتين) في فيلمين ناطقين، كلياً أو جزئياً - بالإنجليزية يتناولهما في حديثه التالي.
هذا الناقد شاهد الفيلم مرتين لكن بعد الجلوس إلى جوون - هو صار لزاماً مشاهدته بعين جديدة. «طفيلي» يجمع خيوطاً عدة تحت ما وصفناه في نقدنا على صفحات «الشرق الأوسط» بالصراع بين الطبقات الاجتماعية. ما يتبدى في هذا اللقاء هو أن الموضوع فرض نفسه لأن صراع الطبقات، الخفي منها والظاهر، ليس غريباً أو جديداً على المشاهدين حول العالم. لا عجب أن الفيلم أنجز 232 مليون دولار حول العالم (أول فيلم كوري ينجز هذا الرقم أو ما هو قريب منه) وحصد 241 جائزة كبيرة وصغيرة (الكثير منها من الجمعيات النقدية المختلفة).
في حديثه يعرض كيف قام بتصوير «طفيلي» وكيف نضجت الفكرة عبر سنوات عدة وعن المخرجين الذين تعرّف على أعمالهم منذ الصغر وكيف يفسر نجاح الفيلم عالمياً. وفيما يلي نص الحوار:
> كبداية هل كنت تتوقع كل هذا النجاح الذي حققته عبر «طفيلي»؟
- كنت أتوقع لهذا الفيلم أن يثير الاهتمام وكنت أتمنى أن يتجاوز ذلك بالحصول على جائزة من مهرجان مثل «كان». ما حصل هو أنني كلما وجدت الفيلم مرشحاً لجائزة سررت لهذا الترشيح بحد ذاته. وعند الحصول عليها ازداد يقيني بأنني كنت أريد هذه الجائزة بلا ريب.
‫>‬ هل تتحدث عن الأوسكارات الآن؟
- (يضحك) ربما.
‫>‬ وجائزة «غولدن غلوبس» أيضاً
- هذا كان تكريماً لا أنساه وبين كل الجوائز الأخرى كان بمثابة تمهيد لما تلاها.
‫>‬ لنتحدث عن الفكرة الأساسية. كيف واتتك وكيف تطوّرت؟
- مثل بعض شخصياتي درّست خلال مرحلتي كطالب في المعهد. العائلة التي أعطيت ابنها دروساً خصوصية كانت بالغة الثراء. في أحد الأيام أخذني الصبي إلى الطابق الأعلى من المنزل حيث حمام «ساونا» كبير وباهظ التكلفة. أتذكر أنني ذهلت من هذه الفخامة وشعرت بأنني أتجسس على الحياة الخاصة لأناس غرباء عني. هذه كانت بمثابة بذور للفيلم. الإلهام الأول. شعرت بأنني كنت دخيلاً على العائلة. تساءلت ما يكون عليه الوضع لو أنني أخذت كل أصدقائي وأدخلتهم هذا المنزل واحداً إثر واحد وحولتهم إلى متطفلين مثلي (يضحك).

عائلة غير كسولة
‫>‬ متى تكوّنت الحبكة على نحو كامل إذن؟
- الفكرة الكاملة واتتني سنة 2013 وبعد ذلك ولأربع سنوات راودتني الفكرة أكثر من مرة ووضعت معالجة من 14 صفحة واكتمل السيناريو في نهاية 2017
‫>‬ إنه فيلم عن الفقر والثراء والفارق بين الاثنين. هل هذا واحد من الأبعاد التي سعيت إليها في هذا الفيلم؟
- هو بالتأكيد كذلك. لكن بأمانة علي أن أقول إن دخول عائلة كيم الفقيرة إلى منزل العائلة الثرية لم يكن بغاية أن تصبح عائلة كيم ثرية. المنطلق هو أنها لم تكن لديها أي أعمال تدر عليها دخلاً يساعدها في المعيشة. ولو نظرت إلى أفراد هذه العائلة ستجد أنهم أفراد أذكياء. ليسوا كسالى لكن المحزن هو أنهم عاطلون عن العمل. وهذا هو حال ليس كوريا فقط بل دول العالم في كل مكان.
‫>‬ في نهاية الفيلم يقول الشاب بصوت مسموع «سأشتري هذا المنزل لوالدي»... ما كان قصده؟
- قصد محزن في الواقع. هو يعلم أنه أمر مستحيل. لو أخذنا راتبه فإن عليه أن ينتظر 547 سنة قبل أن يتمكن من شرائه. شعرت بالحزن عندما كتبت هذه العبارة لكنها تصف الفارق الكبير بين الفقراء والأثرياء.
‫>‬ لا أعتقد أن عائلة كيم كانت كسولة لكنها بالتأكيد كانت انتهازية. هل توافق؟
- لا. لم تكن كسولة. كما شرحت كانت عاطلة عن العمل. لكن في الوقت ذاته لم تكن لديها خطة احتيال. في البداية صديق الشاب أخبره عن فرصة العمل عند هذه العائلة وعندما دخل المنزل لأول مرة أدرك أنها فرصة مريحة للكسب. في اعتقادي أن عائلة كيم ليست شريرة لكن الفرصة كانت هناك وكانت سهلة وأغوتهم بسهولة.
‫>‬ ليسوا أشراراً. في الواقع ليس هناك أشرار في هذا الفيلم.
- صحيح تماماً. كل ما في الأمر أن العائلات غير الميسورة قد تنتهز فرصة كهذه إذا ما دفعتها الحاجة إلى ذلك ووجدت نفسها عند حافة الانهيار. العائلة الغنية بدورها ليست شريرة. على العكس أفرادها طيبون ومثقفون.
‫> لكن رغم ذلك، ينتهي الفيلم بحس مفجع.
- مؤكد. النهاية عندي هي تراجيدية وهذا (الإحساس) هو ما سعيت إليه. اتكلت على فكرة مفادها أن الناس التي ليست شريرة قد تنتهي بفاجعة على هذا النحو.
‫>‬ كيف تمزج بين التراجيديا أو الدراما وبين الكوميديا؟
- كثيرون يسألونني هذا السؤال: كيف تخلط بين الأنواع أو تنتقل من حالة إلى أخرى؟ الحقيقة أنني لا أدري كيف أجيب على هذا السؤال. لا أظن أنني على علم بأني أفعل ذلك. ربما من الصعب، بالنسبة لي، البقاء في نبرة واحدة خلال العمل. من الصعب علي أن أحافظ على خط واحد أو نبرة واحدة طوال الوقت. هذا (المزج) أمر طبيعي جداً بالنسبة إليّ. وسواء كانت بالنسبة إليك مزجاً بين أجواء أو بين أنواع سينمائية، فإن ما أحب القيام به هو المزج بين عناصر الفيلم.

المفاجأة الكبرى
‫>‬ هل تتلاعب بمشاعر الشخصيات لكي تحصل على هذا التنوّع؟
- أكتب شخصيات لديها أحاسيس داخلية متباينة وربما هذا ما يبدو تلاعباً بمشاعر الشخصيات. لكن الفيلم بأسره قائم على العواطف. هذا صحيح. وهذه العواطف تتداخل دائماً لذلك تحليلك يبدو لي صحيحاً لأنه إذا ما كانت النبرة التي أعمل عليها تنتقل من A إلى B فعلى كل جانب أن يحتوي على عناصره من الداخل وألا تكون مفروضة فرضاً. أقصد أنك تستخلص العناصر من داخل A ومن داخل B لأن عليها أن تكون موجودة أصلاً. إذا لم تفعل بدا الانتقال متعمداً وغير طبيعي.
‫>‬ أريد العودة للحديث عن الجوائز لأنه في الواقع حديث عن كيفية استقبال الفيلم. كيف تنظر إلى حصول Parasite على السعفة الذهبية في «كان»؟
- كنت متوتراً جداً في «كان» لأن هذا الفيلم كان أول فيلم باللغة الكورية لي منذ عدة سنوات. كنت أخرجت «سنوبيرسر» و«أوكجا» بالإنجليزية ولو أنني حافظت على التفاصيل اليومية للشخصيات الكورية في الفيلم. لذلك كنت قلقاً حيال كيف سيستقبل الغربيون فيلمي الناطق بالكورية والذي يتناول موضوعاً شديد الالتصاق بالحياة الاجتماعية الكورية.
‫>‬ رغم ذلك، لا بد أنها كانت مفاجأة كبيرة عندما خرجت من حفل الأوسكار بأربع جوائز. كيف كان شعورك حينها؟
- شيء ما بين الواقع والفانتازيا. لا أدري كيف أصفه. سألني أحد الممثلين في الفيلم هل كنت سأكون سعيداً لو ربحت جائزة واحدة فقط. أقصد أوسكاراً واحداً فقط. قلت له بالتأكيد. لو لم أنل سوى أوسكار واحد لكنت شعرت بسعادة غامرة. تصوّر شعوري - إذا استطعت - عندما خرجت بأربع أوسكارات. كان ذلك مذهلاً ولا زلت تحت تأثير المفاجأة.
‫>‬ لأن «أوكجا» مثلاً جمع بين ما هو كوري وبين ما هو مباشرة عالمي.
- صحيح. كان ذلك تحدياً لي ومصدراً للقلق إلى حد. بعد «كان» توجهت والفيلم إلى (مهرجانات) سيدني وتليورايد وتورونتو ووجدت فيها، وفي غيرها من المدن، أن الاستقبال واحد ورد الفعل كان دائماً إيجابياً وعلى نحو آني.
‫>‬ لماذا تعتقد أن رد الفعل كان نفسه في كل مكان؟
- سألت نفسي هذا السؤال عدة مرات، لماذا رد الفعل هو ذاته في كل مكان. أعتقد أن السبب هو أن الفيلم، بالنتيجة، هو عن الأثرياء والفقراء وهؤلاء منتشرون في العالم كله. أعتقد أن الفيلم حصل على التجاوب ذاته لأننا نعيش الآن في عالم ضخم واحد من الرأسمالية. هذه تحيط بنا في حياتنا اليوم ونعيشها على نحو كامل. أعتقد أن هذا هو السبب.
‫>‬ هل امتلكت الحرية الكاملة لتحقيق ما تريد؟ هل كانت هناك مشاكل مع الممولين مثلاً؟
- مُنحت يداً طليقة كليّاً. لم تكن هناك عقبات أو طلبات بل حرية كاملة. كان المستثمرون مؤيدين لي على نحو كامل وطوال فترة العمل التي بلغت 74 يوماً تركوني أصنع ما أريد. لكن مع الحرية تكمن المسؤولية.
‫> حضرت مهرجان برلين في الأسبوع الماضي وأحد أبرز ما كان يبحث عنه الموزّعون هناك هو فيلم كوري شبيه بفيلمك. فجأة أصبح الفيلم الكوري هو الفيلم الذي يعتقدون أنه سيدر كل ذلك النجاح المادي على الأقل.
- (يضحك طويلاً) أنا لست وجه السينما الكورية أو نموذج صناعة الفيلم الكوري. لكن بسبب أنني أعمل وسط جو عمل مثالي وأتمتع بالتأييد والتعاون من المنتجين فإنني أسعى جاهداً لتحقيق أفضل فيلم أستطيع تقديمه للعالم.

بكاء منتصف الليل
‫>‬ هل تتعرض لعواطف شتّى خلال كتابة السيناريو؟
- من الصعب الاعتراف بما سأقوله، لكن نعم. أصبح عاطفياً عندما أكتب.
‫>‬ لماذا في رأيك؟
- لأن الكتابة عملية فردية وغالباً ما أكتب في الليل ما يجعلني عرضة للمشاعر العاطفية. مخجل أن أقول ذلك لكني قد أبكي في الساعة الثانية بعد منتصف الليل وأنا أكتب بعض الحوار. لكن أحياناً عندما أقرأ الحوار الذي كتبته في صباح اليوم التالي أشعر بأنه سخيف.
‫>‬ مَن مِن مخرجي السينما الآسيوية الجنوبية تقدّر أفلامه جيداً؟
- كثيرون. أنا معجب كبير بسينما كيوشي كوروساوا. إنه سيد أفلام الرعب اليابانية. أيضاً بأعمال كيم كي - يونغ الذي رحل قبل سنوات عدة (1998). كان مخرجاً كبيراً في الستينات والسبعينات. استلهم الكثير من فيلم له عنوانه «الخادمة» (1963). أنصح الجميع بمشاهدته (متوفر على DVD). خلال سنواتي الجامعية كنت محباً لأعمال إدوارد يانغ والتايواني هاو سياو - سيين.
> متى قررت أن تصبح مخرجاً؟
- كنت صغيراً في الحادية عشرة أو في الثانية عشر سنة وكنت مدمن أفلام أشاهدها على التلفزيون منذ أن كنت في الثامنة من عمري. شاهدت الكثير جداً من الأفلام واقتنعت بأنني أريد أن أصبح مخرجاً منذ ذلك الحين. لا أدري لماذا لكني صممت. كنت معجباً كبيراً بأفلام ألفرد هيتشكوك وكثير التأثر بالغموض الذي يحققه في فيلمه. حتى الآن أشعر بالسعادة الكبيرة عندما أتحدث عن هيتشكوك. أعجبني كذلك «المواطن كين» لأورسن وَلز، إنه فيلم رائع لكن «لمسة الشر» (Touch of Evil) هو فيلمي المفضل من بين أفلامه.
‫>‬ لا أستطيع أن أتخيل السينما من دون ألفرد هيتشكوك فيها. ما هي أهم أفلامه بالنسبة إليك؟
- «فرتيغو» و«نوبة جنون» (Frenzy)، «غريبان في قطار» و«سابوتاج» و«الدرجات الـ39». «نوبة جنون» فيلم جميل أحبه جداً. «سايكو» مذهل.
‫> هل استعرت من أفلامه شيئاً؟
- هناك كتاب شهير من الحوار بين هيتشكوك وتروفو وهو كتاب قرأته كثيراً خلال فترة دراستي. لدي أيضاً كتب حول الرسومات التي كان هيتشكوك يصممها لأفلامه (Storyboards) ودائماً أعود إلى هذه المواد.
‫>‬ إذن تستخدم «الستوريبورد» بدورك؟
- نعم وأقوم بذلك بنفسي وحين أصوّر ألتزم به. ودائماً أضم «المونتير» إلى عملية التصوير. هذا شائع في السينما الكورية وحدها. نقوم بدرجة مبدئية جداً من التوليف خلال التصوير. عندما كنت أصور «سنوبيرسر» (Snowpiercer) تقدم مني الممثل الكبير الراحل جون هيرت وقال لي: «بونغ، أنت هيتشكوكي». بالنسبة لي كان هذا شرف كبير لي.

هيتشكوك دائماً
‫>‬ خلال مشاهدتي الفيلم، وشاهدته مرتين للآن، أدركت هذا التأثير في المشهد الذي ترتفع فيه الكاميرا حال يصعد الممثل السلم من طابق تحتي إلى الطابق الأعلى حيث نتبين المنزل الكبير بالتدريج. ذكرني بـ«سايكو».
- نعم. هيتشكوك في بالي دائماً. لكن ربما التأثير كان تلقائياً. الشاب يتقدم إلى حيث الكاميرا وترتفع في الوقت نفسه فإذا بالمنزل إلى يسار المشهد.
‫>‬ أي المخرجين الأميركيين تفضلهم؟
- جون كاربنتر وبرايان دي بالما وسام بكنباه. لم أكن أعرف من هم حين كنت صغيراً، لكني لاحقاً أدركت من هم. كنت لا أعرف الإنجليزية وأتكل على متابعتي للمشاهد المصوّرة وقدر ما أستطيع فهمه من الحكاية. وفي كثير من الأحيان كنت أتخيّل حكاية من تأليفي وأنا أتابع أفلامهم.
‫>‬ ماذا عن الممثلين في «طفيلي»؟ كيف تراهم وهل هم معروفون في كوريا؟
- رب عائلة كيم معروف الآن عالمياً وهو أيقونة في السينما الكورية. هذا فيلمنا الرابع معاً. وحين كنت أكتب «طفيلي» كنت أكتب الدور الذي مثله وهو في بالي. بالنسبة لابنه الشاب (تشوي وو - شيك) هو ممثل شاب صاعد في كوريا.
‫>‬ أليس هو من أدى دوراً صغيراً في «أوكجا»؟
- نعم دور سائق الشاحنة المجنون (يضحك). بعض الممثلين في فيلمي هذا عملوا على المسرح أيضاً مثل لي جونغ - يون التي مثلت دور المشرفة السابقة على خدمة العائلة الثرية.
‫>‬ يتحدّثون عن إنتاج «طفيلي» كحلقات تلفزيونية أميركية. كيف ترى الفكرة؟ هل تروق لك؟
- قصة الفيلم هي عالمية إلى حد أنه من الممكن أن تصبح إنتاجاً مناسباً في أي مكان. وسيكون من المثير أن أقوم بإخراج «البايلوت». لكني لا أستطيع أن أحقق كل حلقات المسلسل المنوي تنفيذه لأني مشغول بأفلامي المقبلة. أذكّر بأن فيلمي السابق «سنوبيرسر» تم تحويله أيضاً إلى مسلسل لكني لم أكن على صلة كبيرة به.
‫>‬ هل تجد نفسك مقبلاً على العمل في هوليووود؟ بعض المخرجين غير الأميركيين يتمنون مثل هذه الفرصة والبعض الآخر يرفضها.
- بالنسبة لي هو خيار دائم يعتمد على إذا ما كانت هناك شروط ملزمة لا أرضى عنها أو إذا ما كنت سأتمتع بحرية كبيرة. أنظر إلى كل مشروع على حدة، لكني الآن أريد أن أخرج أفلامي المقبلة في وطني.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».