جديّة جورج شتاينر

رحل في التسعين وكان كلية من الإنسانيات بنفسه وأكاديمية لوحده

جديّة جورج شتاينر
TT

جديّة جورج شتاينر

جديّة جورج شتاينر

(جورج شتاينر ناقد أميركي أوروبي، ولد في فرنسا لعائلة يهودية نمساوية، برزت شهرته في أعمال نقدية كبيرة من أشهرها كتابه: «بعد بابل» (1975) الذي طرح رؤى جديدة حول اللغة والترجمة تعد تأسيسية في النقد المقارن وفي دراسة الترجمة بصفة خاصة. كما أن من أهم كتبه دراسة شهيرة للرواية، كانت أول كتبه أيضاً، هي: «تولستوي أم دوستويفسكي» (1960) يبرز فيها الكاتبان الروسيان الكبيران بوصفهما ممثلين لرؤيتين مختلفتين للعالم. شغل شتاينر عدة مناصب أكاديمية في الجامعتين البريطانيتين الشهيرتين «أكسفورد» و«كامبردج»، وكذلك في جامعة «هارفرد»، لكن إخلاصه، كما تقول المقالة التأبينية التالية، كان للقارئ العام في مسعى لإشاعة الوعي المستنير والعميق بالأدب والفنون واشتباكاتهما بالثقافة والحياة بصفة عامة: المترجم).
كلمة «رهيب» دارجة على ألسنة المراهقين هذه الأيام، غير أن مساحات المعرفة التي امتلكها الناقد والروائي جورج شتاينر، كانت رهيبة بالمعنى التقليدي؛ المعنى الذي يقصده الكبار: معرفة تبعث على الرهبة، حقيقة وصدقاً. لقد عرف شتاينر، الذي توفي الاثنين الماضي، في التسعين من عمره، لغات حديثة، ولغات قديمة، وعرف الأدب الكلاسيكي، والأدب الحديث. حفظ عن ظهر قلب منظومات لراسين، وكان يمكنه أن يشرح التوريات في أعمال جويس، وأن يقول لك لماذا كان كلاهما، من زاويته المعقدة، ولكن التي امتلكها بجهد كبير، متفوقاً على إطناب شكسبير. كان كما يسميه الكثيرون موسوعة إنسانية - ليس بالمعنى الأميركي، مخزناً للمعلومات، وإنما بالمعنى الذي قصده التنوير الفرنسي: مخزناً للمعرفة النقدية ذات الأهمية. مراجعاته الطويلة التي كتبها لهذه المجلة، والتي كتبها على مدى ثلاثين عاماً، من 1966 حتى 1997، كانت مليئة بالإحالات التي لم يكن باستطاعة مفكر ذي أفق ممتد بطبيعته إلا أن يضمنها. لكنها لم تكن مطلقاً مقحمة أو مفتعلة - في طريقه إلى بورخيس، مر عقله بسوفوكليس، وتوقف لبرهة ليحمل شيئاً من هايدغر. كان شتاينر طوال حياته مرتحلاً عبر تلك الطرق. صفة «الاستعراض» التي استعملها الصحافيون أحياناً لوصفه، كانت أبعد شيء عنه. لم يكن يستعرض. كان كلية من الإنسانيات بنفسه، أكاديمية لوحده.
ولكم تعددت موضوعاته واتسعت: ليفي شتراوس، سيليني، بيرنهارد، شاردان، ماندلشتام، كافكا، الكاردينال نيومان، فيردي، غوغول، بورخيس، بريخت، فتغنشتاين، مونتالي، لست، كوسلر، ولغويات نعوم تشومسكي، والذائقة (إلى جانب الستالينية المشتهاة) عند أنتوني بلنت. (وليس ذلك سوى إحدى المجموعات). لم يكن بالتأكيد ممن يراوحون بين أعلى الثقافة وأسفلها؛ لم يُتبع بابتهاج مقالته حول مفهوم النيئ والمطبوخ عند ليفي ستروس بمقالة أخرى مملوءة بوصفات تشرح كيف يمكن طبخ النيئ. لكن ذلك لم يكن السلوك الأخلاقي لجيله؛ كان، وهو المولود سنة 1929، من أهل الثقافة الرفيعة والأرفع، النوع الذي آمن بكل أحاسيسه بقدرة الفن الجاد على منح الحياة معنى وقيمة، بغض النظر عن كيف يبدو ذلك الإيمان هشاً.
لكن ذلك لا يعني بالتأكيد أن يجعل «العالم» ذا معنى وقيمة. لقد تعرضت جدية شتاينر لانقطاع حاد بسبب المحرقة اليهودية التي نظر إليها بوصفها الحدث الرئيس في العصر الحديث. (هربت أسرته من فيينا قبل وقت قصير من حدوث الأسوأ). كان جزءاً من رؤيته الحقيقية، وليس مجرد الأرستقراطية، أن ينظر إلى سنوات الحرب من حيث هي انقطاع جذري، ليس في التاريخ فحسب، وإنما في إيماننا بالثقافة: متعلمون فعلوا تلك الأشياء بمتعلمين آخرين. لم تكن جيوشاً جاهلة تتصارع في الظلام هي التي أحدثت الرعشة في روح جورج شتاينر؛ كانوا ألماناً مثقفين يستمعون لشوبرت هم الذين قتلوا يهوداً متعلمين وثقوا في غوته، يهوداً شُحنوا في القطارات. هذا الإدراك لمحدودية الثقافة في قدرتها على تغيير العالم مثّل الحد الذي توقف عنده حبه للأدب، وكان ما منح ذلك الحب لوناً مظلماً وأكثر مأسوية مما يستطيع أي تبشير بـ«الكتب العظيمة» أن يقدمه.
بموت شتاينر أحسن كتاب التأبينات صنعاً بتذكير القراء بكتبه الكبيرة - الأسفار الضخمة، كما أطلق عليها ذات يوم. دراسته للغة في كتاب «ما بعد بابل» وروايته المرهقة، ولكن المذهلة بطريقتها الخاصة، «نَقْل أ. هـ. إلى سان كريستوبل» (حول اكتشاف متخيل لأدولف هتلر (أ.هـ) في غابات الأمازون)، هما الأقرب إلى أن يجتذبا القراء باستمرار، أو على الأقل أن يبقيا في الذاكرة. ولكن ما يستحق الاستمتاع به في لحظة وفاته هي الحقيقة التي تنكرها كل تلك المؤهلات. مع أنه احتل عدة مناصب أكاديمية في هارفرد وكامبردج، بين مناصب أخرى، لم يكن شتاينر منتمياً تماماً إلى الأكاديمية. لم تكن له «مدرسة» ولا أتباع، كان له قراء فقط. ما كان مذهلاً، إذا أخذنا في الاعتبار كم كان ملتزماً بمعيار أدبي صعب، هو كم كان ملتزماً أيضاً بدور شعبي؛ دور قد نسميه، حتى إن تحسس هو من العبارة، دوراً متوسط المستوى. حضوره في الأكاديمية، على الرغم من استمراره، كان يدعمه حضوره الأكبر في الدوريات والمجلات، كهذه المجلة، التي أضفى عليها من علمه. في وقت سعى فيه معظم النقاد في الأكاديمية، إما أن يكونوا جذابين على نحو غامض، أو غامضين على نحو جذاب، سعى هو أن يكون جاداً ومعلماً.
تحدى شتاينر قراءه دون أن يقلل من أهميتهم. افترض أنهم مهتمون بقدر اهتمامه. كان الشيء الحقيقي، آخر الكبار من المثقفين الرحالة القادمين من وسط أوروبا، مثقفاً يقف إلى جانب بنيامين وسيوران والمنفيين الآخرين، الذين كانت الكتب بالنسبة لهم وطناً دائماً والقراءة مسألة حياة أو موت. برحيله، ليس لنا إلا أن نعيد قراءة ما كتب، مصممين على احترام كثافة التزامه بتكثيف التزامنا.

نشرت هذه المقالة التأبينية في مجلة «النيويوركر»، 5 فبراير (شباط) 2020.



«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
TT

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار ولا يريد أحد العودة إليها، كل النتائج تثبت العكس. يتبين بالأرقام، أن الكتاب الورقي يحافظ على مكانته في الصدارة، ويربح المعركة في أميركا وأوروبا والعالم العربي أيضاً، وأن الكتب الرقمية توقف سوقها عن النمو، وهي تصارع من أجل أن تتقدم دون كبير جدوى. ما الذي فرمل حيويتها الأولى؟ وهل المستقبل سيكون مختلفاً؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه.

10 أعوام من الجمود

تحدثت دول غربية عن نمو كبير في عدد قراء الكتب الرقمية ابتداءً من عام 2011 حيث ازدادت نسبة قراءة الكتب الإلكترونية بين الأميركيين 11 نقطة مئوية خلال 3 سنوات فقط، أي أنها قفزت من 17 في المائة عام 2011 إلى 28 في المائة عام 2014. لكن للغرابة فإن هذه النسبة لم تشهد بعد ذلك تزايداً يذكر، لا في أميركا عقر دار التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ولا في دول أوروبية، رصدت أحوال القراء، ورغباتهم. وبدل أن يفقد الكتاب الورقي مكانته بسرعة كما كان متوقعاً، توقف مدّ الكتاب الإلكتروني، طوال السنوات العشر الماضية، واحتفظ كل شكل من أشكال القراءة، بنسبة محددة لا تتزحزح.

أميركا تقرأ ورقياً

في دراسة أصدرها «مركز بيو للأبحاث»، في أبريل (نيسان) من العام الحالي، تبين أن الكتب الورقية لا تزال هي المفضلة لدى الأميركيين، وأن ثلث القراء فقط هم من قرأوا كتاباً إلكترونياً واحداً على الأقل خلال السنة الماضية، فيما وصل عدد الذين قرأوا كتاباً ورقياً إلى 64 في المائة، أي بانخفاض 10 في المائة فقط عن النسبة قبل 14 عاماً، بينما لجأ 26 في المائة إلى كتاب صوتي واحد على الأقل العام الماضي.

الدراسة تثبت أن الكتب الورقية هي الصيغة الوحيدة التي يستخدمها أغلبية الأميركيين، وأن النمو الرقمي جاء مكملاً لها ولم يحلّ مكانها. وهذه ملاحظة عامة في دول أوروبية عديدة، حيث أن نسبة قراء الكتاب الرقمي تجمدت بالفعل في السنوات الأخيرة. بالتالي، وبعكس التوقعات الأولى، فإن قارئ الكتاب الإلكتروني يجد فيه مكملاً لدور الكتاب الورقي، ولم يعتبره بديلاً عنه، خصوصاً في ما يتعلق بكتب الروايات والمغامرات والكتب المخصصة للأطفال، فيما الكتب الأكاديمية لها شأن آخر.

لماذا العودة إلى التقليدي؟

قد يكون سبب بقاء القراء مخلصين لعاداتهم الورقية متأتياً من الحاجة إلى الابتعاد عن إجهاد الشاشات الذي يرهقهم طوال اليوم، وقد أصبح استخدام الهاتف يستغرق يومنا ونحتاج إلى استراحة منه. هناك أيضاً الدراسات التي تحذر باستمرار من القراءة الإلكترونية حيث يصبح الإنسان أقرب إلى التشتت وعدم التركيز منه إلى حالة التفكر. ولا ننسى وسائل التواصل والمنصات التي لعبت دوراً إيجابياً في لفت الانتباه إلى الكتب كمنتجات مغرية، عبر مؤثرين، تمكنوا من التعريف بالمؤلفات واجتذاب المهتمين، كما لم يفعل أحد من قبل. كما يبدو أن القارئ وجد في النهاية، في كل صيغة، سواء الورقية أو الرقمية أو الصوتية، ما يناسب الظرف الذي يعيشه، إن كان مسافراً أو مسترخياً في منزله، أو يزاول رياضة المشي، فلكل حالة كتابها.

ونحن هنا لا نتحدث عن صور «بي دي إف» المقرصنة والمصورة التي يتداولها القراء بالعربية وفي شتى اللغات، بحيث يصعب معرفة عدد من يتناقلونها أو يستفيدون منها، وتبقى في منطقة من الظلال الكثيفة. إنما الدراسات تأخذ بعين الاعتبار الصيغ المختلفة للكتاب التي تباع وتشترى في سوق الكتب، ويمكن للجهات المختصة مراقبتها، ومعرفة مسارها.

بريطانيا تنتصر للنشر الكلاسيكي

في بريطانيا، بحسب الرابطة التجارية لصناعة النشر، النتائج مشابهة لما أعلنته الولايات المتحدة حيث لا تزال الطباعة الورقية هي الشكل الأقوى للنشر الاستهلاكي، وقد بلغت إيراداتها 2.1 مليار جنيه إسترليني من إجمالي 2.6 مليار جنيه إسترليني، بزيادة قدرها 2 في المائة عن العام الماضي. وحققت الصيغ الرقمية إيرادات لم تصل إلى أكثر من 558 مليون جنيه إسترليني، بينما بلغت إيرادات الكتب الصوتية 255 مليون جنيه. ما يعطي الورق تقدماً كبيراً على كل ما عداه.

العرب غياب للتوثيق الدقيق

أما العرب، ورغم غياب الإحصاءات الشاملة والموثوقة، فإن تقارير معارض الكتب والناشرين، تتحدث عن بيع ملايين النسخ الورقية. وهبوط القدرة الشرائية التي أثرت على سوق الكتب لا يوازيه ارتفاع في بيع الكتاب الإلكتروني، لأسباب تتجاوز تلك التي نراها في الغرب، على رأسها تعثر النشر الإلكتروني العربي تقنياً خاصة في البدايات، في الوقت الذي كانت فيه الكتب باللغات الأجنبية في عزّ انطلاقتها. ولا بد من التذكير بأن تطويع الخط العربي ليصبح مناسباً للنشر الإلكتروني والقراءة على الشاشات تأخر، عن باقي اللغات، ولا تزال المشاكل التقنية حاضرة ولم تذلل جميعها. كما أن ضعف البنية التحتية لحماية حقوق الملكية الفكرية الرقمية لم يشجع على الاستثمار في منصات النشر. وحسب إحدى الدراسات، فإن سوق النشر بكليته في العالم العربي يقدر بنحو 13.4 مليار دولار، أما النشر الإلكتروني فلا يشغل سوى 791 مليون دولار من هذا المبلغ، ما يدل على أنه لا يزال ضعيفاً جداً، بل أضعف من معدله في أماكن أخرى في العالم.

أوروبا لا تشذّ عن القاعدة

أوروبا لا تشذ عن غيرها، ففي فرنسا وإسبانيا لا تزال الكتب الورقية في المقدمة، وفي ألمانيا القراءة بخير، حيث إن أكثر من نصف الألمان يشترون الكتب الورقية ولا يستعيرونها فقط. والأمر نفسه من حيث الإقبال على النشر الورقي في الهند وكوريا الجنوبية.

وتسجل الصين اختلافاً بيناً في صفوف قرائها، إذ إن الصينيين هم من أكثر المستهلكين للكتب الإلكترونية، نسبة إلى الشعوب الأخرى. عدد قراء الكتب الورقية يكاد يوازي عندهم عدد قراء الكتب الرقمية، يليهم في ذلك اليابانيون، مع فارق كبير بين الشعبين لصالح الصينيين. هذا النوع من الإحصاءات يأخذ بعين الاعتبار إجابات من يتم طرح السؤال عليهم، وعدد الكتب المباعة بصيغها المختلفة. وغالباً ما يكون القراء أنفسهم هم الذين يلجأون إلى الوسيلتين معاً، مع ملاحظة أن الشباب أميل قليلاً إلى الكتاب الإلكتروني من الأكبر سناً.

سوق النشر بكليته في العالم العربي تقدر بنحو 13.4 مليار دولار، أما النشر الإلكتروني فلا يشغل سوى 791 مليون دولار

دراسة

مشاكل رقمية غير مشجعة

الكتاب الورقي يقاوم ويثبت مكانته، رغم أن مغريات الكتاب الإلكتروني أصبحت كثيرة، منها ارتفاع سعر الحبر والطباعة والورق، ما جعل سعر الكتاب التقليدي باهظاً بالنسبة للبعض، كما أن الحصول عليه يحتاج وقتاً أطول حتى لو طلب من منصة، إضافة على أن الاحتفاظ بالكتب يشكل عبئاً على أصحابها في المنازل الصغيرة. لكنه في المقابل يبقى عملياً بعد الحصول عليه، فلا يحتاج كهرباء ولا تشريجاً أو جهازاً للعودة إليه، كما يسهل التعليق على هوامشه والتعامل مع معلوماته.

ومن العوائق، التي لا تزال ترجّح الرغبة في الحصول على الكتب ورقياً، أنها بعد شرائها تصبح ملكية لا يمكن استردادها، بينما تدفع ثمن كتاب إلكتروني وتشعر أنه لديك على سبيل الإعارة. كما تحدد بعض المنصات للمكتبات العامة عند شراء الكتب الرقمية عدداً محدداً للإعارات المسموح بها والمدة الزمنية المتاحة، وهناك قيود أخرى بدأت تزعج القراء وتشعرهم بأنها تحدّ من حريتهم، بل ملكيتهم.

من هنا، لا غرابة، ليس بالبقاء على الكتاب الورقي للشعور بالأمان فقط، ولكن هناك أيضاً عودة إلى الكتب القديمة بطبعات محفوظة في المخازن لأنها لم تبع في حينه.

الكتب المستعملة ذخائر للمستقبل

وقد قُدّر نمو سوق الكتب المستعملة عالمياً بأنه ارتفع من 25.32 مليار دولار عام 2024 إلى 27.13 مليار دولار عام 2025، بسبب تراجع أسعار هذه الكتب، وتوسع المنصات الإلكترونية التي تتيح وتعرض هذا النوع من المطبوعات، كما أن المغرب لديه معرض خاص للكتب المستعملة، ما يدلّ على نمو جمهورها.

إن ميل «المستجد» يشجع أصحاب المكتبات على إخراج قديمهم وعرضه للبيع، كما شراء المكتبات الشخصية التي تعرض بعد رحيل أصحابها. فهذه الكنوز، بحسب ما أخبرني صاحب أحد المكتبات في لبنان، تتيح كتباً بأسعار خيالية، وطبعات نادرة أو نافدة من السوق. تخزين هذه المقتنيات لدى أصحاب المكتبات بات شائعاً، إذ ثمة رهان على أن الكتب الورقية ستكون غداً أغلى من اليوم، وأكثر أهمية وقيمة مما كنا نتصور.


«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان
TT

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

صدر للروائي والناقد السوري نبيل سليمان كتاب جديد بعنوان «أرواحهم في المفكرة»، وقد افتتحه بالاقتباس التالي: «إذا كانت المفكرة تنادي الكتابة والكتاب، فليكن للأرواح أن تخفق بالمحبة والصداقة والفقدان، وبالثقافة».

وجاء في تقديم الناشر: لا يكتب نبيل سليمان مراثيَ تقليدية، بل ينسجُ خيوطاً مضيئةً من الذاكرة لأسماءٍ سكنت وجدانه وأعماله قبل أن تسكن صفحات هذا الكتاب. إنه ليس مجرد كتابٍ عن الراحلين، بل هو معرضٌ حيٌّ لـ«أقمارٍ» من الثقافة والأدب العربي والعالمي؛ من ممدوح عدوان وبوعلي ياسين، إلى نزار قباني وعبد الرحمن منيف، وصولاً إلى إبراهيم أصلان، وأديب غنم، وأروى صالح، وغيرهم الكثير ممن تركوا بصمة لا تُمحى في المشهد الثقافي.

يأخذنا سليمان في رحلةٍ وجدانية، يتنقل فيها بين أضرحةٍ صارت منارات، وبين لقاءاتٍ عابرةٍ تحوّلت إلى صداقاتٍ أبدية. الكتاب يتجاوز حدود الرثاء إلى «الاحتفاء» الفلسفي والإنساني. إنها مفكرةٌ لا تحفظ الأسماء فحسب، بل تحفظ «الحرارة» التي تركتها تلك الأرواح في عالمنا. يكتب سليمان بلغةٍ تتقطر شجناً وعمقاً، يمزج فيها بين تفاصيل الحياة اليومية: ضحكاتٍ، جلساتِ مقاهٍ، لحظاتِ انكسار، وبين قراءات نقدية رصينة لتجارب هؤلاء المبدعين. ما يجعل الكتاب مشوقاً هو صدقُ الألمِ وعمقُ الحب. سليمان لا يستعرضُ سِيراً ذاتيةً باردة، بل يفتحُ أبوابَ قلبهِ ليُرينا كيف يتفاعلُ المثقفُ مع فجيعة الفقدان. هو يتساءل: كيف نعيشُ بعد رحيلهم؟ كيف نحمي إرثهم من النسيان؟ الكتاب دعوةٌ للتأمل في جوهر الكتابة، وفي قوة الكلمة التي تقهرُ الموتَ وتجعلُ الغائبين حاضرين في وعينا، في كل سطرٍ وفي كل حكاية.

الكتاب هو تذكرةٌ لكل قارئٍ بأن الكتابة ليست مجرّد حرفٍ على ورق، بل هي محاولةٌ يائسةٌ ونبيلةٌ لتخليد اللحظاتِ النادرةِ التي تمنحنا إياها الحياة. حين تقرأ هذا الكتاب، ستشعرُ أنك تجلسُ مع كل هؤلاء العظماء، تسمعُ أصواتهم، وتتقاسمُ مع الكاتبِ مرارةَ الغيابِ وحلاوةَ الذكرى.


مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
TT

مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)

قال المخرج حسام أبو دان، إن فيلماً درامياً فلسطينياً صُوّر بالكامل في غزة يهدف إلى إطلاع العالم على الصعوبات اليومية التي يواجهها الفلسطينيون، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويروي فيلم «غزة 13»، الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي يوم الثلاثاء، قصة رغد، وهي فتاة عمرها 13 عاماً بلغت حديثاً مرحلة البلوغ، وتحاول التأقلم مع الحياة برفقة والدها في قطاع غزة، سعياً إلى العثور على مساحة آمنة وسط حيرتها وحاجتها الماسة إلى الرعاية والدعم.

وقال المخرج أبو دان إن من المهم بالنسبة له أن تُروى القصة من منظور شخص عاش تجربة الحياة في غزة.

وأضاف في مقابلة مع «رويترز»: «كنت أقول دائماً إن الناس يمكنهم أن يرووا قصتك، لكن عندما ترويها أنت بطريقتك الخاصة وبلغتك الخاصة، يصبح الأمر مختلفاً. وهذا مهم جداً».

قُتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، معظمهم مدنيون، في الهجوم العسكري الإسرائيلي الذي دمّر أجزاء واسعة من القطاع، وتسبب في أزمة جوع ونزوح جميع سكان غزة داخل القطاع.

واندلعت الحرب عقب الهجوم الذي شنته حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والذي أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون.

وقال المخرج الفلسطيني إن التصوير استغرق 12 يوماً واعتمد على طاقم صغير بسبب قيود لوجستية.

وأضاف: «عادة ما يكون طاقم التصوير كبيراً، لكننا تعمدنا إبقاء طاقمنا صغيراً جداً حتى نتمكن جميعاً من التنقل في سيارة واحدة والتحرك بسهولة».

ولم يتمكن أبو دان، الذي تحدث إلى «رويترز» من منزله في غزة، من السفر إلى تورونتو لحضور المهرجان بسبب استمرار القيود المفروضة على السفر الدولي.

ورغم أنه كان يتمنى المشاركة شخصياً في الاحتفال بالفيلم، قال إنه فخور بصنع فيلم ذي مغزى.

وقال: «ربما يعتقد كثيرون أن غزة لم يعد لديها ما تقدّمه، لذا علينا أن نذكرهم باستمرار بأننا نستحق الحياة ولدينا أحلام ولدينا كل شيء. كل ما نريده حقاً هو أن نعيش حياة طبيعية، تماماً كما يعيش الآخرون في العالم».