الفنان خلف مزيف اللوحات

معرض لأعماله الأصلية في نيويورك يسعى لرد الاعتبار له

فورغي مع إحدى لوحات صديقه دي هوري (نيويورك تايمز)
فورغي مع إحدى لوحات صديقه دي هوري (نيويورك تايمز)
TT

الفنان خلف مزيف اللوحات

فورغي مع إحدى لوحات صديقه دي هوري (نيويورك تايمز)
فورغي مع إحدى لوحات صديقه دي هوري (نيويورك تايمز)

يبدو منزل مارك فورغي في ضواحي «مينيابوليس» أشبه بالمتحف نظراً لكثرة الأعمال الفنية المعلقة من الأرض إلى السقف، وحتى على السلالم وفي الحجرات وخلف الأبواب. وفي غرفة المعيشة تمثال نصفي من البرونز للفنان الذي أبدع كل هذه القطع، يبتسم في ركن الغرفة وكأنه معجب بفنه الذي جمع بين ماتيس وموديلياني وبعض من أعمال بيكاسو.
يمتلك فورغي أكبر مجموعة من أعمال ألمير دي هوري، وهو أحد أشهر مزوّري الأعمال الفنية في القرن العشرين. ويعتقد أن دي هوري قام في خمسينات وستينات القرن الماضي بتزوير أكثر من ألف عمل لفنانين كبار، مما دفع بكثير من المتاحف إلى إزالتها، فيما لا يزال بعضها محتفظاً بها.
وكرس فورغي سنوات طويلة من حياته في الكتابة عن دي هوري، حيث كتب كتابًا، وأجرى حوارات، وشارك في معارض للقطع المزورة، وكللت جهوده في النهاية -بحسب قوله- بإقامة معرض لأعمال دي هوري الأصلية غير المزورة.
ووفقاً لفورغي، فقد حاول دي هوري في هذا المعرض «ألا يكون سوى نفسه؛ لا تزوير ولا ادعاء».
ويسلط المعرض الذي أقيم في «متحف هيلستروم للفنون»، في سانت بيتر بولاية مينيسوتا الأميركية، الضوء على صورة دي هوري. والآن، بعد أكثر من أربعة عقود على وفاة الرسام، يمكن للمشاهدين أن «يتعرفوا على الفنان الحقيقي، لا الغشاش».
وناضل دي هوري طيلة حياته لكسب اهتمام الناس بأعماله، وهو فنان مجري جاء إلى الولايات المتحدة في أغسطس (آب) 1947. وفي يناير (كانون الثاني) 1948، عرض بعض الأعمال في معارض ليلينفيلد في نيويورك. ووصفت مجلة «آرت نيوز» المعرض بأنه كان لافتاً، وبأنه حاكى أسلوب «مدرسة باريس المعروفة». غير أنه في مدينة أثر عليها أسلوب المدرسة التعبيرية التجريدية الحديثة، كان ذلك يعني أن الأعمال كانت «لطيفة، لكنها قديمة الطراز». لذلك باع دي هوري عملاً واحداً فقط، وألقى باللوم على تساقط الثلوج بغزارة في ليلة الافتتاح.
ورغم ذلك، باع دي هوري عدداً كبيراً من الأعمال المزورة في أوروبا. وخلال العقد التالي، سافر إلى الولايات المتحدة، وانتحل شخصية أرستقراطي مر بأوقات عصيبة بعد الحرب، وتمكن من بيع أعمال مزورة، بعد أن نسبها إلى فنانين كبار ما زالوا على قيد الحياة، مثل بيكاسو وماتيس، ورسم كثيراً من الأعمال المزيفة لفنانين مثل أميديو موديجيلياني، بحيث أصبح من المستحيل إعداد كاتالوج نهائي يجمع أعمال الفنان الحقيقية، بحسب كينيث واين، مدير مؤسسة «مشروع موديجيلياني».
وبعد المئات من عمليات التزوير، تنبه له عدد قليل من التجار وأبلغوا السلطات، غير أنه هرب إلى خارج البلاد.
وجرى اللقاء بين فورغي ودي هوري على شاطئ جزيرة إيبيزا الإسبانية عام 1969. وربطت سلسلة من الفضائح الأخيرة بين دي هوري وعدد من عمليات التزوير في الولايات المتحدة وفرنسا. ومع ذلك، عاش في إسبانيا في مأمن من العواقب، بعد أن وجد حماية في شخصيته الجديدة: المزور العظيم الذي خدع عالم الفن.
تعاون دي هوري مع الروائي كليفورد أيفرينغ الذي استغل وقائع التزييف ليصنع منها سيرة ذاتية حققت أعلى المبيعات، بعد أن نشرت تحت عنوان «المزور». الطريف أن مشروع أيفرينغ التالي كان سيرة ذاتية مزورة لهوارد هيوز كانت سبباً في إيداعه السجن.
وفي هذا الوقت، ظهر فورغي البالغ من العمر حينها 20 عاماً، وأصبح الاثنان أصدقاء مقربين. ونظراً للفجوة العمرية التي قاربت أربعة عقود، كانت صداقتهما أشبه بعلاقة المعلم بالتلميذ. وكان دي هوري يعطي دروساً في الإتيكيت، ويقدم اختبارات منتظمة في تاريخ الفن.
وانتهت صداقتهما بعد ست سنوات قضياها معاً. وكان دي هوري يقاتل في مواجهة طلب تسليم جديد من فرنسا. وعندما جاءت الأنباء التي تفيد بأن قرار التسليم قد أقر، كان فورغي هو الشخص الذي أبلغ دي هوري بالنبأ. وفي 11 ديسمبر (كانون الأول) 1976، قتل دي هوري نفسه.
ترك دي هوري كل شيء لفورغي الذي عاد إلى مينيسوتا مصطحباً نحو 300 من أعماله. استمر فورغي صامتاً لعقود. وفي عام 2007 فقط شرع فورغي في سرد مذكراته. وبعد أن نشرها بنفسه عام 2012، قام بتعديلها إلى مسرحية، ثم إلى عمل موسيقي. وجعل فورغي من نفسه الوصي على تراث دي هوري، وأقام معارض للفن المزور، روى من خلالها قصة الوغد المحبوب الذي قلبت أعماله عالم الفن رأساً على عقب. وجد الناس في قصته إثارة لا تقاوم لدرجة أن بعضهم أقام سوقاً صغيرة لأعمال دي هوري المزيفة. وقال فورغي إنه في عام 2014، بيع أحد أعماله المزيفة الذي نسبه في السابق إلى الفنان المعروف ماتيس بسعر 28 ألف دولار، فيما حققت قطع أخرى بضعة آلاف أو مئات الدولارات.
ويعتقد فورغي الآن أن هذا المعرض الجديد يمكن أن يجلب لدي هوري التقدير الذي طالما سعي إليه في حياته. ورُسمت اللوحات في إيبيزا الإسبانية، وكثير منها عبارة عن لقطات سريعة للأصدقاء، بعضها مع فورغي نفسه، وبعضها غير مكتمل أو تم اقتطاعه من كراسة الرسم الخاصة بدي هوري، وتضمنت كثيراً من الأساليب الفنية اللافتة للنظر، كثير منها حاكى فيه أساليب غيره من الفنانين.
وتعد مجموعة دي هوري المتنوعة مؤشراً على الموهبة، فضلاً عن عدم يقينه وثقته في نفسه. فبعد حياة انتحال الهوية والكذب على نفسه، وحتى على فورغي وعلى آخرين، كان من الصعب تحديد أسلوب دي هوري.
ويصر فورغي على أن «فضيلة الأصالة مبالغ فيها». وذات مرة، عندما سأل فورغي صديقه دي هوري عما إذا كان يشعر بأنه يفتقر إلى أي من الأدوات الفنية، أجاب الرجل: «ربما الخيال». لكن دي هوري كان مبدعاً في سرد القصص، وخفة اليد التي استغلها في لحظات معينة في تاريخ الفن، وهو في حد ذاته ابتكار.
ويقول جين شابيرو الذي يعمل بشركة شابيرو للمزادات في نيويورك، إن قصته تمثل قيمة بالنسبة للمتاحف ولجامعي التحف على حد سواء، متابعاً: «هو سيئ السمعة، لكنه اسم سيتعرف عليه الناس. على سبيل المثال، قد يفخر جامع الأعمال الفنية بامتلاك أعماله وبرواية قصته». وكانت ليلة الافتتاح في متحف «هيلستروم للفنون» حدثاً متواضعاً. ومثلما حدث في نيويورك في شهر يناير (كانون الثاني) 1948، فقد منع تساقط الثلوج في مينيسوتا، في فبراير (شباط) الماضي، كثيرين من الوصول بالسيارة إلى حرم كلية غوستافوس أدولفوس حيث يقع المتحف. ولكن فورغي كان منتشياً، وقال: «أخيراً، سأشيد بصديقي». وربما كانت اللوحة الأكثر تعبيراً ووضوحاً هي صورة دي هوري الذاتية. فقد بدا فيها مطارداً بأعين زائغة مبهمة في لوحة غير مكتملة؛ هي حالة عدم اليقين من كيفية تصوير نفسه في نهاية المطاف، وهي أكثر اللحظات إنسانية وصدقاً.
- خدمة «نيويورك تايمز»



«ينبوع الشباب» ... معرض عن الهوس بالعيش إلى الأبد

قطعة من العرض تمثل قصصاً شخصية لأشخاص مسنين (موقع المتحف)
قطعة من العرض تمثل قصصاً شخصية لأشخاص مسنين (موقع المتحف)
TT

«ينبوع الشباب» ... معرض عن الهوس بالعيش إلى الأبد

قطعة من العرض تمثل قصصاً شخصية لأشخاص مسنين (موقع المتحف)
قطعة من العرض تمثل قصصاً شخصية لأشخاص مسنين (موقع المتحف)

في القاعة الأولى من معرض «بلوغ سن الرشد» في متحف «ويلكوم» في لندن، الذي يستكشف تجارب الشيخوخة وتصوراتها، تُعرَض سلسلة من 13 لوحة تُصوِّر أشخاصاً مُسنين إلى حدٍّ لا يُصدَّق. تُظهر لوحة محفورة من عام 1635، بعنوان «الرجل العجوز جداً»، توماس بار، وهو رجل ذو مظهرٍ ماكر، ادّعى أنه كان يبلغ من العمر 152 عاماً عند وفاته، ولا يزال يُستشهد بطول عمره غير المعقول في إعلانات حبوب مكافحة الشيخوخة في تسعينات القرن الـ19. وتُصوِّر لوحة محفورة أخرى زوجين من القرن الـ19، جون وسارة روفين، اللذين يبدوان رائعَين بالنسبة لعُمْريهما المزعومَين (172 و164 عاماً). ورغم ظهور بعض التجاعيد وانحناء ظهريهما، فإنهما لا يزالان نشيطَين ويرتديان تعبير بار الماكر والمتفاخر نفسه. جميع الشخصيات التي يُزعم أنها مُسنة في اللوحات كانت تحمل هذه الهالة.

لم يوضِّح النصُّ المعروض على الحائط ما إذا كانوا يكذبون عن عمد أم أنهم يعتقدون حقاً أنهم تغلبوا على الزمن. لكنه كان واضحاً في أمر واحد: «بالتأكيد، لم يعش أحد حتى يبلغ 164 أو 172 عاماً».

صور لأشخاص زعموا أنهم عاشوا أعماراً مديدة (جوانا يي - نيويورك تايمز)

ينبوع الشباب

لا مفر من هذا، لكن ذلك لم يمنع الناس قط من المحاولة. من بين أكثر من 120 قطعة معروضة في متحف «ويلكوم كوليكشن» - وهو متحف في لندن يربط بين العلوم والطب والفنون - أمثلة متنوعة على رغبة الإنسان ليس فقط في العيش لفترة أطول، بل في الحفاظ على شبابه: زجاجة مملوءة بماء من «ينبوع الشباب» في فلوريدا؛ إعلان من ثلاثينات القرن الماضي عن خصائص رقائق النخالة المضادة للشيخوخة؛ جهاز «الأشعة فوق البنفسجية». (وهو عبارة عن مجموعة من الأدوات الزجاجية الدقيقة تُوضع على الوجه، تحمل تيارات عالية التردد تُنتج توهجاً أرجوانياً خافتاً، ووعد صانعوها بإعادة الشباب مقابل مبلغ زهيد).

أدوات جهاز «الأشعة البنفسجية» (جوانا يي - نيويورك تايمز)

حلم تحقيق الخلود

لم يتقبل الناس فكرة أننا لا نبقى شباباً إلى الأبد، لكن يبدو أنَّ هناك قناعةً متناميةً بأننا قد نتمكَّن قريباً من شراء حلٍّ لهذه المشكلة برمتها. أبرز المتحدثين باسم هذا الاعتقاد هو برايان جونسون، المليونير التقني الذي يبدو أنه ينظر إلى عملية الشيخوخة على أنَّها انتهاك لحقه في التحكم بجسده. جونسون، مؤسِّس حركة «لا تموت»، كرَّس نفسه علناً لتحقيق الخلود، أو على الأقل، السعي إلى «إبطاء وتيرة شيخوخته إلى أدنى حد ممكن»، كما يقول في فيلم وثائقي حديث على «نتفليكس»، وذلك من خلال نظام غذائي صارم وبرنامج تمارين رياضية مكثف، ومراقبة دقيقة، وتدخلات طبية تجريبية، والتركيز التام على وقت النوم.

مقتطف من الفيلم الوثائقي «لا تموت: الرجل الذي يريد أن يعيش للأبد» (جوانا يي - نيويورك تايمز)

صرح في مقابلات صحافية بأنه بنى حياته بأكملها حول النوم، ونصح متابعيه بأن يعدُّوا أنفسهم «محترفين في النوم». عُرض مقتطف من الفيلم الوثائقي بشكل متكرر في متحف «ويلكوم»، يُفصّل نظامه الذي يُكلّفه مليوني دولار سنوياً: يتناول عشرات الحبوب، ويأكل الخضراوات بكميات كبيرة في أثناء ممارسة التمارين الرياضية، ويستشير طبيبه، ويسأل أعضاءه الداخلية عمّا تحتاج إليه، ثم يخلد إلى النوم في الساعة 8:30 مساءً، وحيداً، دون استثناء. لا يبدو جونسون مُسناً - حتى إن منتقديه لا بد أنهم يلاحظون ذلك - لكنه لا يُشعّ شباباً أيضاً. أكثر من أي شيء آخر، بجسده المُشوّه وعينيه الجاحظتين الزجاجيتين، يبدو شخصيةً من لوحات الفنان الإيطالي من عصر النهضة برونزينو. صوّر برونزينو، رسام البلاط لدى آل ميديشي، رعاته الأثرياء بأسلوب مثالي مصطنع، جامد كالثلج، ببشرة كالرخام، حتى بدوا أقرب إلى أشكال خالدة منهم إلى بشر حقيقيين. يعيش الناس اليوم أعماراً أطول، لكن حياتهم لا تشبه الصورة التي تُروِّج لها حركة «لا تموت». فـ«الشيخوخة الصحية» لا تعتمد فقط على الخيارات الفردية، بل أيضاً على عوامل هيكلية كالطبقة الاجتماعية، والبيئة، وتوفُّر الرعاية الصحية، والتي تحدد طول العمر وكيفية قضاء هذه السنوات.

صور فوتوغرافية لكيميكو نيشيموتو «جدة السيلفي» التي اشتهرت في الثمانينات والتسعينات من عمرها بصورها الذاتية (جوانا يي - نيويورك تايمز)

حتى لو رغب معظم الناس في ذلك، لما استطاعوا تحمّل قضاء أيامهم في الاستعداد للنوم بجدّ. فالحياة الأطول قد تعني سنواتٍ أطول في مواجهة المرض أو الشعور بالوحدة. ليس هذا ما نرغب بالتفكير فيه. ففي وسائل الإعلام، غالباً ما تهيمن على النقاشات حول الشيخوخة شخصياتٌ مثل جونسون أو تحليلاتٌ ساخطة لما أجرته نساءٌ مشهوراتٌ على وجوههن. نفضّل عدم الخوض في الجوانب الطبيعية والصعبة للشيخوخة، أو التفكير فيما ستكون عليه حالنا عندما يحين ذلك الوقت.

لوحة «الرعاية» للفنانة باولا ريغو (جوانا يي - نيويورك تايمز)

يُكشف هذا التجنّب في لوحة «الرعاية» التي رسمتها الفنانة باولا ريغو بعد فترةٍ وجيزةٍ من إيداع والدتها دار رعاية المسنين. تنظر امرأةٌ مكتوفة الذراعين إلى المشاهد بنظرةٍ حزينةٍ متعبة، وربما لمحةٍ من العداء. تجلس على كرسيٍّ مع والدة الفنانة النائمة، نحيلةً وهزيلةً، تعتمد على ابنتها البالغة المحبة، التي تشعر بالذنب. ينتهي العرض بمشهد أشبه بمكتب سريالي للمفقودات، مليء بأشياء تُثير نقاشات حول واقع الشيخوخة اليوم، وما قد تكون عليه في المستقبل. تُعرَض سلسلة من المقابلات بشكل متكرِّر، وفي إحداها، يتحدَّث طبيب عن مرضاه. يقول: «من المثير للاهتمام أننا لا نستعد نفسياً بشكل كافٍ للشيخوخة. يبدو أننا نحمل تحيزاً كامناً ضد أنفسنا في المستقبل».

* خدمة «نيويورك تايمز»


بَحَثَ 5 سنوات عن كتاب... فوجده مصادفةً في مكتبة قريبة

أحياناً يكون ما نبحث عنه أقرب مما نظنّ (مؤسّسة «أوكسفام»)
أحياناً يكون ما نبحث عنه أقرب مما نظنّ (مؤسّسة «أوكسفام»)
TT

بَحَثَ 5 سنوات عن كتاب... فوجده مصادفةً في مكتبة قريبة

أحياناً يكون ما نبحث عنه أقرب مما نظنّ (مؤسّسة «أوكسفام»)
أحياناً يكون ما نبحث عنه أقرب مما نظنّ (مؤسّسة «أوكسفام»)

عبَّر رجل من بلدة دنبلين باسكوتلندا عن «دهشته الشديدة» بعد رحلة بحث عن كتاب ورقي نادر استمرت 5 سنوات، وانتهت باكتشافه غير المتوقَّع في مكتبة محلّية يرتادها تابعة لمؤسّسة «أوكسفام».

وظلَّ بول ديكسون (66 عاماً) يبحث عن كتاب «فن إيونا الكلتي: أعمال ألكسندر ويوفيميا ريتشي» في طبعته التي نُشرت عام 2008. ويسجل الكتاب، وهو من تأليف ماري مكارثر ويقع في 80 صفحة، بشكل تأريخي وبترتيب زمني الحليّ المعقّدة وغيرها من الأعمال الفنّية اليدوية التي أبدعها ألكسندر ويوفيميا ريتشي، وباعاها، من متجرهما في جزيرة إيونا الذي تأسَّس عام 1899.

أصقل الفنانان مهاراتهما في كلية «غلاسكو» الراقية للفنون، وجعلا من الكتاب مرجعاً ضرورياً للمتحمّسين في حركة الفنون والأعمال الفنّية اليدوية التي تُعرف باحتفائها بالعمل الزخرفي الحرفي.

وفي هذا السياق، نقلت «الإندبندنت» عن ديكسون قوله إنّ رغبته في العثور على نسخة بدأت منذ 5 سنوات، وتزامنت مع وقت معرفته بوجود الكتاب للمرة الأولى. وأوضح: «أنا من أشدّ محبي الفنون والأعمال اليدوية وكلية (غلاسكو) للفنون، وأمتلك بعض المشغولات لألكسندر ريتشي، صانع الفضة والأشغال المعدنية الاسكوتلندي الشهير. وبمجرّد معرفتي بوجود الكتاب، شعرتُ بضرورة العثور على نسخة منه».

وشهدت رحلة بحثه المكتبات وبائعي الكتب النادرة في أنحاء المملكة المتحدة، بل وحتى تواصَلَ مع مكتبات في إيونا؛ الجزيرة الصغيرة النائية قبّالة الساحل الغربي لاسكوتلندا، طالباً منهم البحث عنه بين الكتب الموجودة على أرفف مكتباتهم. وأضاف: «بات الأمر سخيفاً قليلاً. كنت أستطيع إحضار كتب نادرة جداً من مختلف الأماكن، لكنّ هذا الكتاب الورقي الصغير، الذي نُشر خلال سنوات حياتي، قد راوغني كثيراً».

وأصبحت رحلة بحث ديكسون مثار الأحاديث في مكتبة «أوكسفام» التي كان من روّادها. وقال: «لقد تحوَّل الأمر إلى دعابة مستمرّة. وفي كلّ مرّة أدخل المكان، نتحدَّث عن الأمر. أعتقد أننا جميعاً قد بدأنا نتساءل عمّا إذا كان الكتاب موجوداً حقاً أم لا».

وبدت عملية البحث في نهايتها خلال نوفمبر (تشرين الثاني) العام الماضي، عندما وجد مدير المتجر، نيل باترسون، الكتاب بين مجموعة من الكتب المتبرَّع بها التي وردت إليه، وأوضح باترسون: «تحدّثنا عن ذلك الكتاب كثيراً. وعندما وَرَدَ، وضعنا لافتة على الواجهة الزجاجية نطلب فيها من بول المجيء لمعرفة ما إذا كان ذلك هو الكتاب المنشود الذي يبحث عنه».

مع ذلك، مضت أسابيع ولم يظهر ديكسون، وأضاف باترسون: «ظللتُ أتوقّع حضوره ودخوله من الباب، بل في وقت ما رأيته خارج المتجر يعقد رباط حذائه، وكنتُ أعمل مع زبائن ولم أتمكن من مناداته. وعندما نظرت مرة أخرى كان قد رحل. وبدأنا نتندَّر على الأمر، وقلتُ إنه أشبه بإعلان دليل (يلو بيدجز) الذي تظهر به شخصية (جيه أر هارتلي). شخص يتنقَّل بين المكتبات لسنوات عازماً على العثور على كتاب بعينه، ثم يجده أخيراً».

وظهر في الإعلان الكلاسيكي لـ«يلو بيدجز»، الذي عُرض للمرة الأولى في المملكة المتحدة عام 1983، رجل محبط يُدعى جيه أر هارتلي يبحث في المكتبة تلو الأخرى عن نسخة من كتابه «فلاي فيشينغ» الذي توقف طبعه.

فقط في يناير (كانون الثاني) 2026 عاد ديكسون إلى المتجر، ووجد أن لديهم الكتاب الذي يبحث عنه. وقال: «كان ردّ فعلي الأولي تجاه ما سمعته هو حالة من الدهشة وعدم التصديق. لقد توقّفت بالفعل عن البحث قبل أعياد الميلاد لأني كنت منشغلاً، ولم ألحظ اللافتة المُعلَّقة على الواجهة الزجاجية. لم أصدّق أنه ظهر بعد كلّ ذلك الوقت».

وقال باترسون إنّ تلك اللحظة تُجسِّد ما تُجيده المكتبات التابعة للجمعيات الخيرية. وأضاف: «لا يتعلَّق الأمر ببيع الكتب فحسب، بل بالمحادثات والاهتمامات المشتركة، وأحياناً مساعدة شخص في إتمام بحث لم يكن يتصوَّر أنه سينتهي».

وصرّحت مؤسّسة «أوكسفام» أنّ شبكتها، التي تضمّ 40 متجراً اسكوتلندياً، شهدت زيادة مقدارها 16 في المائة في مبيعات الكتب غير الروائية خلال العام المالي الحالي مقارنة بالعام الماضي، وأنّ إجمالي مبيعات كتبها المُستعملة ارتفع بنسبة 4.4 في المائة.

يُذكر أنّ الجمعية الخيرية شاركت تلك القصة احتفالاً باليوم العالمي للكتاب في 5 مارس (آذار).


«الإيموفيليا»... حين تقودك المشاعر إلى علاقات غير مستقرة

يندفع البعض إلى علاقات عاطفية متكررة دون التعمق في فهم الطرف الآخر (بكسلز)
يندفع البعض إلى علاقات عاطفية متكررة دون التعمق في فهم الطرف الآخر (بكسلز)
TT

«الإيموفيليا»... حين تقودك المشاعر إلى علاقات غير مستقرة

يندفع البعض إلى علاقات عاطفية متكررة دون التعمق في فهم الطرف الآخر (بكسلز)
يندفع البعض إلى علاقات عاطفية متكررة دون التعمق في فهم الطرف الآخر (بكسلز)

قد يبدو الوقوع في الحب بسرعة أمراً رومانسياً، لكنه قد يخفي وراءه نمطاً سلوكياً يُعرف بـ«الإيموفيليا»، حيث يندفع البعض إلى علاقات عاطفية متكررة دون التعمق في فهم الطرف الآخر.

هذا النمط قد يؤدي إلى اختيارات غير صحية وعلاقات غير مستقرة على المدى الطويل.

ويشرح تقرير نشره موقع «فيريويل مايند» مفهوم «الإيموفيليا»، أبرز علاماتها، أسبابها المحتملة، وتأثيرها على العلاقات، إلى جانب طرق التعامل معها لبناء ارتباطات أكثر توازناً واستدامة.

ما هي «الإيموفيليا»؟

«الإيموفيليا» هي مصطلح يُطلق على الشخص الذي يقع في الحب بسهولة وبشكل متكرر. وهي سمة مستمرة تظهر عبر العلاقات، وليست حالة عابرة. ورغم أنها ليست اضطراباً نفسياً مُشخّصاً، فإنها قد تؤدي إلى سلوكيات محفوفة بالمخاطر، واضطراب عاطفي، وعلاقات غير مستقرة.

أبرز العلامات

يميل الأشخاص المصابون بالإيموفيليا إلى الوقوع في الحب قبل التعرف الحقيقي إلى الطرف الآخر، وغالباً ما يعتقدون أن كل علاقة جديدة هي «العلاقة المثالية». وقد تتشكل لديهم مشاعر قوية قبل فهم شخصية الشريك بشكل كافٍ.

ومن أبرز العلامات أيضاً تجاهل الإشارات التحذيرية (Red Flags) التي قد تدل على أن الشريك غير مناسب أو حتى مؤذٍ. ويركّز هؤلاء أكثر على شعور الحب نفسه والصورة المثالية التي يرسمونها للطرف الآخر؛ ما قد يدفعهم للارتباط بأشخاص أنانيين أو نرجسيين.

كما قد ينخرط البعض في سلوكيات خطرة، مثل التسرّع في العلاقة أو اتخاذ قرارات غير مدروسة؛ نتيجة اعتقادهم بأن العلاقة «مصيرية». وغالباً ما يجدون أنفسهم عالقين في علاقات يصعب الخروج منها بسبب التعلق السريع.

الأسباب المحتملة

لا يوجد سبب واحد محدد للإيموفيليا، لكن يُعتقد أنها قد ترتبط بخلل في هرمونات الشعور بالسعادة مثل الدوبامين والسيروتونين. كما قد يكون لدى بعض الأشخاص ميل للبحث عن إثارة الوقوع في الحب بشكل متكرر.

وقد ترتبط هذه السمة أيضاً بالانجذاب إلى شخصيات معقدة أو سامة، حتى لو لم يمتلك الشخص نفسه هذه الصفات.

ويشير خبراء إلى أن الإيموفيليا قد تكون على طيف، تتراوح بين سلوك بسيط إلى تأثيرات سلبية عميقة على الحياة العاطفية.

تأثيرها على العلاقات

غالباً ما تؤدي الإيموفيليا إلى علاقات غير مستقرة، حيث ينتقل الشخص من علاقة إلى أخرى بسرعة. فالشعور الأولي القوي لا يدوم عادة؛ ما يترك العلاقات دون أساس متين للاستمرار.

كما أن التسرّع في الارتباط يمنع تقييم الشريك بشكل واقعي، وقد يؤدي إلى علاقات تفتقر إلى العمق الحقيقي. وفي بعض الحالات، قد تستمر العلاقة لفترة أطول من اللازم رغم عدم صحتها، أو تنتهي بسرعة قبل أن تتطور بشكل طبيعي.

كيف يمكن التعامل معها؟

يمكن التخفيف من الإيموفيليا عبر التمهّل في العلاقات ومنح الوقت الكافي للتعرف إلى الطرف الآخر من دون مثالية مفرطة. ومن المفيد أيضاً تحديد الصفات الأساسية المطلوبة في الشريك، والتمييز بين ما هو مرغوب وما هو غير قابل للتنازل.

كما يُنصح بالاستماع إلى آراء الأشخاص الموثوقين، والانتباه إلى سلوك الشريك مع مرور الوقت بدلاً من الاعتماد على الانطباع الأول.

متى تطلب المساعدة؟

قد يكون العلاج النفسي مفيداً لفهم أسباب هذا السلوك والعمل على تغييره، خاصة من خلال مختصين في العلاقات أو أنماط التعلق. كما أن قضاء فترة دون الدخول في علاقات قد يساعد على إعادة تقييم الأنماط العاطفية وتطوير علاقات أكثر استقراراً في المستقبل.