خمس روايات تقتحم «الغيتو» مثيرةً أسئلةً عديدةً (1 - 2): اليهود في الرواية السعودية... كل شيء إلا التطبيع

يهود من نجران عام 1936
يهود من نجران عام 1936
TT

خمس روايات تقتحم «الغيتو» مثيرةً أسئلةً عديدةً (1 - 2): اليهود في الرواية السعودية... كل شيء إلا التطبيع

يهود من نجران عام 1936
يهود من نجران عام 1936

خلال نحو أربع سنوات، صدرت خمس روايات لكتّاب سعوديين (نصفهم كاتبات) تتناول الشأن اليهودي: حياة اليهود، وتاريخهم، وأنماط سلوكهم، من خلال شخصيات يهودية تفتح الباب على مسرح يعجّ بتفاصيل البيئة اليهودية الأقرب إلى الجزيرة العربية، وهي بيئة اليهود اليمنيين. وفي إحدى الروايات تصبح القاهرة مسرحاً لأحداث الاتصال الأول بالعنصر اليهودي.
في الروايات جميعها، يندمج اليهود في حكايات إنسانية تستدعي التعرف على المجتمع اليهودي، ومن خلاله تدور رحى الأحداث لتتناول قضايا إنسانية عامة تقفز من وعي المؤلف لتشّكل حجر الزاوية للقضايا التي تتناولها الرواية: الهوية والصراع القومي، أو قضايا المرأة وذكورية المجتمع. وهي في العموم قضايا يمكن أن تمضي قدماً من دون توظيف العنصر اليهودي الذي يبدو طارئاً في أغلب هذه الأعمال.
الروايات الخمس تبحث عن «تميّز»، وربما وجدت في «الغيتو» اليهودي، عناصر لم تُطرق من قبل لاستلهام فكرة الرواية وبناء مسرحها... لكنّ كون هذه الأعمال صدرت في أوقات متقاربة، فقد أثارت الكثير من الأسئلة... رغم أن مؤلفيها الذين تحدثنا معهم يستبعدون التوظيف السياسي لرواياتهم، ولا يرون أنها تعبّد الطريق لقبول ثقافة التطبيع.
يجادل الروائيون المشاركون في هذا التحقيق، بأن اليهودية كانت جزءاً من التكوين الثقافي للجزيرة العربية، ففي جنوب الجزيرة وغربها، كما في اليمن عاشت قبائل من اليهود، بل إن باحثين جزموا بأنّ التوراة نزلت في جنوب جزيرة العرب، آخرهم الدكتور أحمد بن سعيد قشاش، في كتابه «أبحاث في التاريخ الجغرافي للقرآن والتوراة ولهجات أهل السراة»، الصادر عن أدبي الباحة، ومؤسسة الانتشار العربي، سنة 2018، وفي هذا الكتاب يستشهد المؤلف قشاش بأن علامة الجزيرة الشيخ حمد الجاسر، ذكر في مجلة «العرب»، أن الموطن الأصلي لبني إسرائيل في جزيرة العرب، كان في منطقة العُلا (ص 293 – 294 من الكتاب).
وقبل ذلك بالطّبع المؤرخ اللبناني د. كمال الصليبي في دراسته الشهيرة «التوراة جاءت من جزيرة العرب»، (1985) مقدماً نظرية مثيرة للجدل، ترى أن عسير هي فلسطين التوراتية... وأنها كانت المكان التاريخي لجميع الأحداث التي وردت في التوراة، وإنّ بني إسرائيل من شعوب العرب البائدة، وقد نشأت الديانة اليهوديّة بين ظهرانيهم.
الروايات الخمس التي صدرت مؤخراً هي: رواية «يهودية مُخَلِّصَة» لسالمة الموشي، صدرت عام 2015. ورواية «مجنون ليلى اليهودية» لحمد حميد الرشيدي، صدرت عام 2016. ورواية «قاع اليهود» لعلي الأمير، صدرت عام 2018. ورواية «غربة يهودية» لرجاء بندر، صدرت عام 2020. ورواية «اللّيدي تالي - الأحساء 1912» لفوزي صادق.
- «يهودية مُخَلِّصَة» لسالمة الموشي
الرواية الأولى للكاتبة سالمة الموشي، صدرت 2015 عن دار (أزمنة)، سبقها كتابان نقديان هما «أيها النقصان من رآك... نساء تحت العرش» و«الحريم الثقافي بين الثابت والمتحول».
سالمة الموشي، باحثة في التاريخ، وناشطة ثقافية، وفي مجال تمكين المرأة، وهي عضو الجمعية السعودية للعلوم السياسية.
رغم أن الرواية تحمل اسم (يهودية مُخلّصة)، وتروي قصة فتاة عاشت في بيئة يهودية في اليمن، إلا أن الكاتبة سالمة الموشي، حاولت أن تجعل من الرواية رحلة مضنية للبحث عن الخلاص الروحي، رغم اجتراح الألم، في البدء أهدت الرواية: «إلى الأرواح التي عاشت واختبرت الألم العظيم. أولئك الذين أثمرت شجرة توت على جراحهم الدامية».
اختارت الكاتبة يهود اليمن، ليشكّلوا بيئة الرواية، وتسرد قصة فتاة يهودية اسمها (هوشع)، يرمز اسمها لمعنى «الخلاص»، ومن خلالها تلج إلى مجتمع اليهود اليمني، وتغوص قليلاً في نشأته وفكره وعقائده، والظروف السياسية والاجتماعية التي أدت به للنزوح عن اليمن بعد نكبة فلسطين وقيام دولة إسرائيل 1948، مشيرة إلى الهجرات السريّة التي موّلتها ونظّمتها بريطانيا وأميركا ونجحت في نقل 49 ألفاً من اليهود إلى فلسطين.
تعود الرواية إلى قالبها الإنساني الروحي، فتفجّر خليطاً من المشاعر المتضاربة حول الذات والبحث عن الخلاص، وتتناول في الضمن قضايا المجتمع والمرأة، وتوّظف الكاتبة بطلة السرد (مجد) التي أحبّت شاباً اسمه (غيث) لكي تصبح الصوت الذي ينبعث من معاناة الأنثى الصغيرة (هوشع)، التي تقاوم ذكورية المجتمع وسطوة رجال الدين، وتحفر في الموروث اليهودي، حيث تتخذ طائفة «الشماسون» وهم من يهود السفارديم، موقفاً ذكورياً متعصباً، فهم يؤمنون بأن الأنثى هبة ناقصة، وأن ولادتها إيذان بالشر، وتصاحبها حين تأتي للدنيا تسع لعنات... وغير ذلك.
- «قاع اليهود» لعلي الأمير
«قاع اليهود»، رواية كتبها الروائي السعودي علي الأمير، خلال عامي 2016 و2017 وصدرت في 2018 عن دار النابغة في مصر، وتقع في 384 صفحة، يدور معظمها في حي قاع اليهود، وهو حي قديم في صنعاء، وتدور حول بطل الرواية (خالد)، وهو طالب سعودي، أبوه من جازان وأمّه من اليمن، يملك والده مستوصفاً في جازان وآخر في عسير، وحلمه أن يراه طبيباً، لكن يفشل في الحصول على قبول في الجامعات السعودية، فيتوجه لدراسة الصيدلة في صنعاء.
ولبعده عن رقابة والده، اندفع مستعيناً بالمال وبوسامته خلف ملذّاته وأهمل دراسته، وقد وقع في غرام ثلاث فتيات: (منيرة)، الأثيرة عند (الفندم) المتنفّذ في البلد، والذي ترفض الإفصاح عنه فيبقى اسمه مجهولاً في الرواية، ومنه كانت تستمد نفوذها، مقابل استخدامه لها في الإيقاع بخصومه.
الثانية (صبريّة)، فتاة (شيعيّة) تنتمي للطبقة الفقيرة، وتسكن حي قاع اليهود. أما الثالثة فهي (لوزة)، (اليهودية)، أسرتها هي الأسرة الوحيدة التي بقيت في حي القاع، لذلك ظل أفرادها يتكتّمون على يهوديتهم. تعمل (لوزة) مع (منيرة) في فرقة الرقص في الأعراس، وفي مشغلها الخاص بفساتين العرائس، تتظاهر بالإسلام أمام منيرة وأمام حبيبها خالد، لكنها لا تتحفّظ أمام خالد في إبداء تعاطفها مع اليهود.
عندما يكتشف خالد يهوديتها، لم يتأثر حبه لها، بل يقرّر عدم مفاتحتها بما عرف، احتراماً لرغبتها. بعد اعترافها له بيهوديتها، أصبحت تتحدث براحة حول معاناة قومها في موطنهم اليمن، حيث لم يجدوا في وطنهم سوى التمييز، في المهن والتعليم.
الرواية تنقب من خلال الكتب والمناقشات عن بداية وجود اليهود في اليمن قبل ثلاثة آلاف عام، وقبل ذلك إلى خروج موسى عليه السلام باليهود من عبودية فرعون، وقصة سليمان عليه السلام سنة 1000 ق.م، وعلاقته ببلقيس، والسبي البابلي، وزمن اللعنات في 600 ق.م على يد نبوخذ نصر، وصولاً إلى الصراع اليهودي المسيحي في اليمن، ومحرقة نجران في الأخدود، وانتهاءً بعصرنا الحاضر وترحيل يهود اليمن إلى إسرائيل، عبر جسرٍ جوي من عدن، أطلق عليه «بساط الريح»، فقد فيه يهود اليمن 600 طفل في إسرائيل.
- «غربة يهودية» لرجاء بندر
تقع هذه الرواية في 176 صفحة، من القطع المتوسط، وصدرت عن نادي جازان الأدبي، بالتعاون مع الدار العربية للعلوم (ناشرون)، 2020.
وهي الرواية الأولى للشابة رجاء بندر، لم يسبق لها أن أصدرت أي عمل أدبي قبل هذه الرواية. و«غربة يهودية» تروي قصة فتاة وُلدت لأم يمنية يهودية وأب عربي مسلم من جنسية أخرى، يفترقان بعد زواج دام ثلاث سنوات. يترك الزوج طفلته التي تترعرع لدى أمها في بيئة يهودية، وتنشأ وفق التعاليم اليهودية وتعتنقها كدين. لكن وفاة الأم تدفع الأب إلى العودة واصطحاب ابنته إلى بلده حيث مجتمع آخر وحياة مختلفة.
في قراءته النقدية لهذه الرواية يقول علي الأمير: «نَحَت الكاتبة في هذه الرواية منحى الواقعيّة السحريّة، من خلال مزجها للواقع بالفنتازيا بالعجائبيّة بالأسطورة. فعلى صعيد الواقع نقلتنا من طرق ترابيّة في قرية بيت بوس في اليمن، إلى شوارع وأرصفة وإشارات مرور في مدينة عبد الله والد عفراء، التي تجمع بين المدينة والقرية... أصرّت الكاتبة على عدم التصريح باسم هذه المدينة، كإصرارها على عدم الإفصاح عن جنسية عبد الله وعائلته الذين تتكون منهم شخصيات الرواية، وتركت لنا معرفة المكان الذي دارت فيه حوادث الرواية، بعد انتقالها السريع إليه، قادمة من اليمن».
تنتقل بطلة الرواية، وهي شابة يهودية للعيش في بيئة إسلامية بعد وفاة أمها (أم عفراء) في قرية «بيت بوس» في اليمن، فهي في سنّ الـ19 تبدأ التعرف على والدها وبيئتها الجديدة.
تبدو ملامح (جازان) المنطقة المحاذية لليمن شاخصة في فضاء الرواية، حيث انتقل إليها عبد الله وابنته عفراء، وتصبح دون أن تذكرها الكاتبة مسرحاً جديداً لأحداث الرواية.
هذه الرواية أيضاً اشتغلت على ثيمات اجتماعية، كحال النساء، والصراع بين القيم القديمة والحياة المعاصرة، وعلاقات الرجال بالنساء التي تهيمن عليها الذكورية غالباً، إضافةً إلى الأمراض التي تفشّت في منطقتها كالأنيميا الحادة ومتلازمة داون.
الموضوع اليهودي في الرواية ليس صلباً، فالرواية تتناول قصة فتاة من اليمن وأمها (عفراء وأم عفراء)، صادف أنهما من مجتمع يمني محلي ينتمي أفراده لطائفة يهودية، سوى ذلك فهما يمنيتان في أغلب تفاصيل حياتهما.
أما الميزات الخاصة بالمجتمع اليهودي في اليمن، فالرواية أغفلتها عموماً، كحرصهم على حماية هويتهم من الذوبان في المحيط الإسلامي، سواء بالتعليم الخاص أو عدم الترحيب بالزواج المختلط وغير ذلك.
- «مجنون ليلى اليهودية» لحمد حميد الرشيدي
مؤلفها الروائي والناقد والشاعر السعودي حمد حميد الرشيدي، صادرة عن مؤسسة الانتشار العربي ببيروت، وتقع في 502 صفحة من الحجم المتوسط، وصدرت عام 2016.
هي رواية خيالية، توظّف الأحداث التاريخية وتسقطها على الواقع في قوالب أدبية، وهي تسرد قصة شاب سعودي من أصول بدوية هاجرت أسرته إلى الشام في ظروف اقتصادية قاسية مرّت بها الجزيرة العربية، ثم نشأ في العاصمة الرياض في حياة ثرية وتيسّر له السفر إلى القاهرة للدراسة وهناك تدور أحداث الرواية.
يحمل بطل الرواية تصوراً سلبياً عن اليهود ودورهم في الصراع مع العرب، تصورٌ استقاه من التاريخ ثم من الصراع العربي مع الحركة الصهيونية، لذلك تحوّلت بطلة الرواية «ليلى شالوم اليهودية» إلى عنصر تحريك للقضايا القومية التي آمن بها بطل الرواية الشاب السعودي (شاكر)، ووجد في قصة الحبّ العاصفة بين ليلى فائقة الجمال، وشاب يمني يحمل اسم (إبراهيم)، هام بها عشقاً حتى سلبته لبّه، شكلاً من الاستدراج السياسي والحضاري... ولذلك تستيقظ لديه كوامن الصراع الثقافي بين العرب واليهود.
حاول شاكر الفرار من الوقوع في هوى ليلى، وكان يقاومه بضراوة: «سألتني ليلى كأنها تريد أن تستشفّ المزيد من شخصيتي الجامدة والمحيّرة والغامضة (...): أنت شخص غريب فعلاً يا شاكر! قلت لها بعد أن أمعنت النظر في عينيها النجلاوين الساحرتين قليلاً، مشيحاً بوجهي عنها مجدداً كي لا يفتنني سحرهما (الفرعوني) الفتاك الذي لا ينجيني منه سوى آي من القرآن الكريم: لا تعاتبيني يا ليلى على عدم فعلي لما تقومي أنتِ بفعله... ليلى! (...) أرجوكِ أنا شخص متزوج وأب ومن عائلة عربية مسلمة ومحافظة».
تمرّ الرواية على أحداث في مصر بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني) عام 2011، والتي تسببت في عودته إلى مدينته الرياض.
- «اللّيدي تالين - الأحساء 1912» لفوزي صادق
تتميز رواية «اللّيدي تالين» لمؤلفها فوزي صادق بأنها الرواية الوحيدة من بين الروايات الأخيرة التي تناولت شأن اليهود، في أنها تنقّب عن اليهود الذين كان يعيش بعضهم في الأحساء شرقي السعودية، وتدور أحداثها في كواليس حارة اليهود بالهفوف، في الأحساء.
الرواية من المنتظر أن تشق قريباً طريقها نحو المكتبات، بعد أن تمّ طبعها، وهي أيضاً تروي قصة حبّ فتى من الأحساء لفتاة يهوديّة.
‏تتحدث الرواية عن حارة اليهود التي قدمها العشرات من العوائل اليهودية المهاجرة والتي استوطنت الأحساء مع سيطرة العثمانيين، كما تصف مقبرة اليهود التي تقع في أرض مرتفعة خارج السور الذي يطوّق الحارة، ويوجد شريط ‏طويل من النخيل من الشمال من حارة اليهود حتى عين «أم خريسان» الشهيرة.
وخلف حارة اليهود يعيش بعض المهاجرين المنبوذين في صناديق وعشش، وهم بعض العوائل التي ليس لها أصل مثل الغجر والنساء اللاتي قدمن في السفن أو عن طريق البر، ويمنع دخولهم السور إلى البلدة القديمة أو حارة اليهود، فهم يقبعون خارج السور يعملون في مهن وضيعة كالتحميل، كما أنهم متهمون بنشر الرذيلة، ولذلك جرى وشمهم بوشم خلف الكف يميزهم حـتـى لا يختلطوا بالناس.
تقع الرواية في 320 صفحة وهي تصدر عن مركز الأدب العربي.
وصدر لفوزي صادق مجموعة من الأعمال الروائية والقصصية، مع كتب تتضمن مقالات، حيث صدرت له روايته «حريمستان»، وقبلها رواية «2012»، ورواية «أميرة إبليس»، ورواية «سري للغاية»، ورواية «عش العفاريت»، وكتاب «رسائل من كشكول الحياة».


مقالات ذات صلة

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»
TT

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، صدر كتاب «في مرايا الشعر» للشاعر والناقد المصري جمال القصاص، الذي يقدم فيه قراءات ودراسات متعمقة، بلغة عذبة وشعرية لعدد من أبرز المشاريع الشعرية الإبداعية الخاصة بجماليات القصيدة العربية وتحولاتها.

ويضم الكتاب عشرات القراءات في تجارب شعرية، تنتمي إلى أجيال مختلفة ومرجعيات جمالية متباينة وأنساق لغوية وجغرافية متعددة، مثل: محمد الفيتوري، وسميح القاسم، وفاضل السلطاني، وفتحي عبد السميع، وصلاح اللقاني، وعائشة بلحاج، وسمية عسقلاني، ومحمود قرني، وعيد صالح، وميسون صقر، وديمة محمود، وعاطف عبد العزيز، وعزمي عبد الوهاب، وبهية طلب، وعبد الرحمن مقلد، وعماد فؤاد، وإبراهيم البجلاتي، وأحمد يماني، وعمر شهريار، ورشا أحمد.

ويشير القصاص في مقدمة الكتاب إلى أنه على مدار سنوات كتب هذه القراءات فرحاً بالشعر وبالشعراء والشاعرات، حيث كانت خبرته كشاعر هي البوصلة الأولى التي ينظر من خلالها بعين القارئ والناقد معاً لهذه الأعمال التي أحبها، ويحسب أنها عبر نماذجها تشكل تمثيلاً مرضياً على الأقل بالنسبة له في متابعة الحركة الشعرية العربية ورصد ما وصلت إليه من مغامرة الحداثة والتجديد، عبر حركتها الدائبة منذ فترة الستينات التي شهدت تحولاً لافتاً على مستوى الشكل والمضمون حتى اللحظة الراهنة.

ورغم أن لكل مرحلة عطاءها ومنجزها اللافت، لكن يظل المشكل الأساسي الذي لا يزال يواجه هذه الشعرية، كما يقول القصاص، أن «حداثتنا ومغامراتنا في التجديد محمولة دوماً على المنجز الغربي والنقدي، سواء في النظر أو التطبيق. ونتجت عن ذلك تلك النظرة النقدية العقلانية للشعر، واعتباره فنّاً خالصاً لذاته، وأن مغامرته لا تنهض ولا تتأسس على العقل وحده، رغم أن الوعي المتصل بالعقل لا ينتج شعراً حقيقيّاً، فالصورة الشعرية ليست ظاهرة ذهنية محضة، إنما هي أساساً ابنة الروح في ومضها ووهجها المباغت المنفلت من قبضة الأطر والتقاليد والمنطق الصوري المبني على نمطية العلاقة ومصداقية المقدمات والنتائج».

ويرى القصاص أن جوهر الشعر يكمن في أنه يجعلنا نحسّ بحريتنا وبحداثة قابعة في داخلنا، علينا أن نوقظها ونحررها من أسر العادة والنمط والمعرفة الغيرية، وهي حداثة غنية تمتلك إرثاً عميقاً وتنوعاً لا يزال قادراً على إثارة الأسئلة والدهشة، وأن يهزّنا جسداً وروحاً بشكل جديد. وهو في كل هذا لا يدّعي الصواب، وما زال يسعى لامتلاكه فيما تبقى له من هذه الرحلة الممتعة مع الشعر، وفي ظنه دائماً أن الخطأ محض صواب، لم ينضج في أوانه، بل ربما لم نلتفت إليه وهو يسقط من شجر الحياة ليعاود الكرة من جديد بقدرة أوسع على إدراك نفسه وإدراك الحرية.

ورغم إيمانه الشديد بضرورة التجريب والبحث عن دماء جديدة للشعر، فإن القصاص يتوجس من أغلب هذه الأفكار، خصوصاً أنها وافدة إلينا من بيئة أخرى وطينة مختلفة، لها ثقافتها وفضاؤها وأطماعها وآيديولوجيتها. وهو لا يثق في الآيديولوجيا، لأنها غالباً ما تنطوي على خطاب زائف. في المقابل، يتساءل؛ لماذا لا تكون لنا حداثتنا الخاصة النابعة من تربتنا وتراثنا، وهما ليسا فقيرين، بل بهما من الثراء المعرفي والوجداني ما يجعلهما سؤالاً ممتداً في الزمان والمكان؟!

القفزة الأخيرة في فضاء حلمي سالم

ويتناول جمال القصاص بعض ملامح تجربة الشاعر المصري الراحل حلمي سالم، مشيراً إلى أنه مثلما كان شاعراً استثنائياً كان كذلك مريضاً استثنائياً بامتياز، حيث أدرك منذ البداية أن صراعه مع المرض سيطول وسيتفرع ويتشابك، فقرر أن ينتصر عليه بإرادة الشعر، وكان موقناً أنه بذلك ينتصر لإرادة الحياة.

تخلى حلمي مع اشتداد ضراوة المرض عن فكرة العداء للمرض نفسه، واتجه إلى مصادقته وكأنه مجرد طفل تنبغي ملاطفته ومسامرته، وهي الفكرة التي قلّب أوجهها وأقنعتها الشعرية بمهارة الصانع والعراف معاً في ديوانه «مديح جلطة المخ»، ثم ناوشها عن بعد في ديوانه «الثناء على الضعف».

وكان السؤال الذي يواجهه بألم وحيرة؛ هل تستطيع القصيدة أن تسبق الموت وتهزمه طالما أنا أصبحت غير قادر على ذلك؟ ثم هل يعني ذلك انتصاراً للشاعر نفسه الذي لم ينفصل عن قصيدته، وما زال قادراً على أن يضخّ في شرايينها روح الجدة والمغامرة؟! ومع دخوله في محنة الفشل الكلوي، وبعد أن نجا من سرطان الرئة، أدرك أن سؤاله سيظل مسكوناً بالنقص، وأن الإجابة عنه سيختلط فيها العبث بمرارة الرجاء، فكأنه إذن سؤال ناقص يبحث عن إجابة ناقصة.

معنوياً بنى حلمي استراتيجيته لمجابهة المرض على فكرة التسامي عليه، واعتباره مجرد محطة ضمن محطات كثيرة، خبرها في الحياة، ورغم أنه كان يدرك أنها المحطة الأحرج، لا من حيث الوصول إليها، وإنما من حيث صعوبة تغيير مسارها المحتوم، فإن روح التسامي كانت أداة الشحن الأساسية في أن ينتصر، ولو مؤقتاً ويقاوم بشراسة عسى يستطيع أن يؤجل ولو لبضع دقائق لحظة الوصول إلى حيث ينهي الجسد لعبته مع المرض اللعين مستسلماً إلى قدره، وتنفتح الروح على حياة أخرى يشكل الموت البوابة الرئيسية للدخول إليها.

على هذا النحو يثبّت حلمي سالم صورة العائلة في المشهد، ويوثقها بطرق شتى في متن النص. وفي الوقت نفسه لا يتعامل معها كتيمة أو حيلة شعرية أو أيقونة دلالية، وإنما حقيقة ماثلة وحية في طبقات الجسد والروح والتاريخ بمستوييه الشخصي والعام.

يقول في قصيدة بعنوان «تحليل دم» مستحضراً صورة أسرته الصغيرة...

قلت لشقيقة النهر

أريد بعد خروجي من البئر بناتي أمامي

لميس ذكاء القلب والندية حكمة الحنان

عيون القطط ورائحة «زاهية»

رنيم: حصة في الرقة القافزة خلف البحر

حنين: سلامة الفطرة ملح الأرض التي

لا يعجبها «دهاليزي والصيف ذو الوطء»

وبسببي حفظت مستشفيات القطر

جماليات الإيقاع والصورة

كما يتناول الكتاب تجربة الشاعر العراقي فاضل السلطاني، ويرى أن هاجس التحول عنده يشكل مرتكزاً جمالياً وفكرياً يصعد منه الشعر ويهبط إليه، كما في ديوان «ألوان السيدة المتغيرة» الذي صدرت منه نسخة مصرية عن الهيئة العامة للكتاب، حيث «يتنوع هذا الهاجس في مناخات الديوان مشتبكاً مع أزمنة وأساطير مسكونة برائحة الماضي والحاضر وتقاطعات الأزمنة والأمكنة، بينما تدور الأشياء في فلكه بقوة الطبيعة والنص الشعري معاً».

ويتكشف هذا الهاجس، كما يضيف المؤلف، في أضلاع المثلث التي وسمت عنوان الديوان، فالبصري والحسي يكونان ضلعيه في علاقة تجاور بين خطين يلتقيان في نقطة الذروة أعلى رأس المثلث بنسقه الهرمي، صانعةً تفاصيل اللوحة شعرياً بألوانها وخطوطها المفعمة بالأنوثة.

وهو يرى أن الدالّ المضمر في مفردة «المتغيرة» لا يأتي كتوصيف مجازي فحسب، بل يشتبك بصرياً وحسياً مع كل عناصر المثلث، ليمارس انزياحاً معرفياً يقيه من الركون ليقين ما محدد، فالأشياء تمشي وراء الصمت والكلام وفي الألوان والرائحة وإيقاع الزمن الذي يجعل الذات دائماً قابعة في منطقة المنتصف كحلقة وصل وقطع بين السابق واللاحق، بين البدايات والنهايات بين الـ«هنا» والـ«هناك»، وهو ما يطالعنا في النص، الذي استشهد به القصاص، والذي يستهل به الشاعر القسم الأول في منتصف الذاكرة بعنوان صغير كأنه برواز لـ«صورة»...

«هل تذكرين؟

كنتِ في وسط الصورة

وعلى جانبيك كانت الموسيقى تعزف

كأنها الموسيقى الأخيرة على الأرض

وكنت أحار

كيف أميز العازف من العزف؟

والراقص من الرقص؟

كنت تجلسين وسط الصورة

لاهية عن الموسيقى

عن لحظة ثبّتتك إلى الأبد

صورة في إطار

وكنت أحار

كيف أدخل في الصورة؟

كيف أفصل النور عن الظل؟

لكنك كنت تبتسمين

لاهية عن اللحظة

وهي تكبر خلف الإطار»

أحجار رفعت سلام

أما ما يخص تجربة الشاعر الراحل رفعت سلام، فيشير جمال القصاص إلى أن الوثوق واليقين والإرادة هي بمثابة ثلاثة أحجار صغيرة بنى عليها رفعت سلام شعريته، وتعبّر بجلاء عن موقفه من العالم والواقع والأشياء، كما تشكل فيما بينهما ما يشبه المتوالية النصية الشعرية، وهي متوالية تتمتع بالصلابة والوضوح، فليس ثمة يقين من دون الوثوق به، ومن دون إرادة تدل عليه وتتشبث بلحظات وعيه ولا وعيه، لحظات حضوره وغيابه.

لقد انحاز رفعت، كما يقول، ومنذ وقت مبكر لمفهوم الوعي، وربطه بهذه الأحجار الثلاثة، باعتباره نافذة العقل لإدراك الوجود وحقائق الأشياء والعالم الخارجي متحاشياً حقيقة الوعي في ذاته ولذاته، ربما لأنه ينطوي على مساحة ما، يبرز فيها اللاوعي كصنو وشريك أساسي في صناعة هذه النافذة، بما ينتجه من علاقات مباغتة ومفاجئة، قد تشارف الجنون والمغامرة والفوضى التي تهدد بنسف النافذة نفسها.

وظلّت القصيدة لديه ابنة الوعي الواضح الثاقب، وهو ما انعكس على همّ التجريب الذي انصبّ في جوهره على إخراج النص الشعري في شكل طباعي خاص وإبرازه وكأنه محض فضاء سيميائي تتراكب فيه العلامات والرموز والإشارات في أنساق لغوية وأسلوبية محددة، ضمن حقول دلالية ومعرفية يمكن القبض عليها وتأويلها بوضوح واقتفاء أثرها من أقصر نقطة يمتد إليها النظر.


«الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام

«الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام
TT

«الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام

«الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام

يروي كتاب «الموزية»، وهي الترجمة الحرفية لـ«المُلهمة»، الصادر عن «دار المدى»، للكاتبة روث ميلينغتون، بترجمة عباس المفرجي، القصص الحقيقية للمُلهِمات الرائعات اللواتي ألهمن روائع تاريخ الفن. من مرسم ليوناردو دافنشي إلى أغلفة مجلة «فوغ»، تكشف مؤرخة الفن والناقدة والكاتبة الإنجليزية روث ميلينغتون عن الدور البارز للملهمات في بعض أشهر وأهم الأعمال الفنية في التاريخ. وبالتعمق في العلاقات الواقعية التي جمعت عارضات الأزياء بالفنانين الذين خلدوا ذكراهن، يكشف الكتاب عن الدور المؤثر والفعّال الذي لعبنه، ويفكك الصور النمطية المُبسطة، ويعيد صياغة مفهوم الإلهام كعنصرٍ مؤثرٍ وفاعلٍ في تاريخ الفن.

«كشف الشخصيات الخفية وراء تحف تاريخ الفن» هو العنوان الفرعي لكتاب الذي يقدم صورة حقيقية آسرة لثلاثين ملهمة رائعة، ودورهن في بعض أشهر روائع تاريخ الفن، حيث نتعرف وجوه العديد منهن من أشهر الأعمال الفنية في العالم، من خلال الأسئلة التي تثار من خلال متن الكتاب: من هي حقاً «المرأة الباكية» لبيكاسو؟ أو اللص في أعمال فرانسيس بيكون؟ ولماذا غطت الكتابة على الجدران غريس جونز؟ بعيداً عن كونهن مجرد عارضات صامتات، قدمت الملهمات الدعم العاطفي والطاقة الفكرية والإبداع الذي غيّر مسيرة الفنانين، فضلاً عن المساعدة العملية. مع ذلك، يُنظر إلى الملهمة على أنها نموذج سلبي وعاجز (عادةً ما تكون شابة وجذابة) تحت رحمة فنان ذكر مؤثر وأكبر سناً. هل يمكن أن يكون هذا الانطباع خاطئاً وظالماً؟ هل هذه الصورة النمطية مجرد أسطورة رومانسية؟ هل تقبّل الناس دور ومكانة الملهمة؟ والأهم من ذلك، أين كان سيصل الفنانون لولاهن؟

تسعى روث ميلينغتون في «الموزية» إلى إعادة تقييم هذا المصطلح واستعادة معناه في سردٍ احتفالي يُظهر مدى قدم المفهوم الشائع له. كما يستكشف الكتاب فكرة «الملهمة» من منظورٍ مختلف، مُتضمناً فنانات الأداء والمشاهير، وشخصياتٍ أيقونية ربما لم نعتبرها من قبل مصدر إلهام، مثل تيلدا سوينتون وغريس جونز، من خلال الغوص في العلاقات الواقعية التي جمعت عارضات الأزياء بالفنانين الذين خلدوا ذكراهن. ويكشف الكتاب عن الدور المؤثر والفعّال الذي لعبنه في إثراء الأعمال الفنية التي ألهمتهن، والطرق المتنوعة التي تجاوز بها الناس الأدوار النمطية لـ«الملهمة».

من مشرفي العمل إلى المشردين في هارلم، يعرفنا الكتاب على نماذج غير متوقعة، ومُتجاهلة، ومنسية في تاريخ الفن، من خلال قصص ثلاثين شخصية استثنائية، ويُفكك الصور النمطية المُختزلة للملهمة، ويعيد صياغتها كعنصرٍ مؤثرٍ وفاعل في تاريخ الفن.

الهدف الرئيسي لـ«الموزية» هو إعادة صياغة معنى «المُلهم/الملهمة» في الفن. بدلاً من رؤيته/رؤيتها شخصيةً سلبيةً أو تابعةً للفنان، أو مجرد جسم جمالي في خلفية اللوحة، أو أداة فقط في إبداع فني. تقول روث ميلينغتون إن «هذا التصور رائج لكنه مضلّل، وأن مَن يُسمّون بـ(muse)، كان لهم/لهن/ أدوار نشطة في إلهام الأفكار، أثروا في عملية الإبداع نفسها، ساهموا/ساهمن في دعم الفنانين عاطفياً، فكرياً، أحياناً عملياً»، وتذهب ميلنغتون أكثر من ذلك، حيث تدعو إلى اعتبار «الموزية» شريكاً في صناعة العمل الفني، وليس مجرد موضوع للرسّام أو النحات.

ولعل أحد أهم محاور الكتاب هو تفنيد الصورة النمطية التي تربط الملهمة بأنوثة خاضعة لصورة الرجل الفنان المتفوق. ويوضح الكتاب أن هذه الصورة لم تكن أصلية في التاريخ، بل أصبحت جزءاً من الثقافة بسبب الروايات الفنية المعتمدة التي كتبها الرجال عبر القرون.

وكما تشير ميلينغتون في مقدمتها، لم تكن الملهمات الأصليات مجرد أشياء سلبية، بل على العكس تماماً، فقد كنّ آلهة يونانية قديمة، صُوّرن في القصائد الملحمية قوى إلهيةً للإلهام.

وتضيف ميلينغتون: «قد تجد شاعراً يطلب من الملهمات المساعدة في سرد قصته»، وسيقول: «تحدثي إليّ يا ملهمتي، أخبريني القصة». إنه بذلك يستمد إلهامه من الملهمة. وهناك فكرة سائدة مفادها أن الملهمة تمتلك هذه القوة. وبحلول زمن بيكاسو، انقلب مفهوم الملهمة رأساً على عقب، وأصبح يُنظر إليها على أنها صفة يمتلكها الفنان الذكر العظيم. وتضيف: «إن تطور هذه الأسطورة كان أشبه بـ(احتراق بطيء) عبر الزمن والتاريخ. ففي عصر النهضة تقريباً، تحولت لوحات الملهمات تدريجياً من لوحات لآلهة إلى لوحات لنساء شابات نمطيات تتساقط ملابسهن. وبحلول زمن جماعة ما قبل الرفائيلية، بدأ الفنانون يتخذون نساءً معينات ملهمات لهم، وبحلول القرن العشرين، ترسخ التصور النمطي للملهمة كعارضة أزياء».


سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر
TT

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية المولودة سنة 1949، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات من القرن الماضي، والذين قد اكتمل اليوم عطاؤهم أو قارب الاكتمال. فمنذ مجموعتها القصصية الأولى «زينات في جنازة الرئيس» المنشورة في 1986، تنامى إنتاجها بوتيرة منتظمة، وصوت متميز، ودرجة عالية من الحرفية الفنية لفتت الأنظار إليها من وقت مبكر.

تشكلت واعيتها في زمن جمال عبد الناصر (1952-1970) وما تميز به من اتجاه وطني، عروبي، اشتراكي، شبه علماني، والذي انتهى مع هزيمة 1967 ووفاة ناصر في 1970، ثم عاصرت فترة أنور السادات (1970-1981)، وحسني مبارك (1981-2011)، وهما الفترتان اللتان شهدتا الانهيار التدريجي للمجتمع الذي حلم به ناصر، من دون بزوغ بديل ذي مصداقية.

وعلى الرغم من أن سلوى بكر تحرص في كتاباتها ألا تصور الفترة الناصرية تصويراً مثالياً، فمن الواضح أن ما يؤرقها في أعمالها هو التحولات المجتمعية الهائلة التي حلّت بمصر بداية من عصر السادات فصاعداً. إن الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية تبقى دائماً قريبة من السطح في أعمالها، وتمتزج امتزاجاً وثيقاً باهتمامها الأكبر، وهو وضعية المرأة في المجتمع. والحق أنه عند سلوى بكر ليست محنة المرأة في المجتمع إلا عرضاً من مرض أكبر يعاني منه المجتمع بأكمله، والعلاج الذي تنشده هو علاج للمجتمع كله وليس للمرأة وحدها.

في عالم سلوى بكر الرجال والنساء جميعاً هم رفاق في المعاناة على يد نظام سياسي واجتماعي قمعي وغير عادل، ولكن المرأة تنفرد وحدها بكونها ضحية لقمع إضافي على يد الرجال، أو القيم الذكورية للمجتمع. ذلك أن تقاليد المجتمع البطريركي تضطهد النساء لكونهن نساءً، تماماً كما أن تقاليد النظام السياسي السلطوي تضطهد الرجال والنساء معاً بحرمانهم من الحريات الأساسية ومن حقوقهم الإنسانية. على أنه في عالم سلوى بكر من الطبيعي أن يكون اضطهاد المرأة هو ما يشغل بؤرة اهتمامها، وما لديها من حكايات تقصها نسمعه دائماً من خلال واعية نسائية، على الأقل في المراحل المبكرة والوسطى من أعمالها قبل أن تنتقل في المرحلة المتأخرة للنظر في الوضع المجتمعي والإنساني من منظور يجاوز ما تمليه المعطيات التقليدية للنظرة النسوية.

غير أن الاضطهاد يستدعي المقاومة، وما من شك أن نساء سلوى بكر هن مقاومات من الطبقة الأولى، وتتفاوت أساليب مقاومتهن من العنف حدَّ القتل كما في رواية «العربة الذهبية لا تصعد إلى السماء» (1991)، إلى الهروبية التي تتخذ عادة شكل الانسحاب من عالم الواقع؛ أي الجنون، كما يحدث في العديد من القصص القصيرة للكاتبة. على أن أغلب النساء في أعمالها يقاومن، بل وينتصرن، من خلال سلوكيات أقل تطرفاً من الجنون والقتل، فلدى شخصياتها مطواعية للتشكّل، وقدرة على التأقلم، وعلى النجاة والاستمرارية في أحلك الظروف، ما يمثِّل سخرية صامتة من التفوّق المزعوم للقوة الذكورية، فهي ترينا مرة بعد أخرى في قصصها أن المرأة هي مكمن القوة الحيوية الحقيقية وإن لم تتمتع بالمرتبة العليا في تراتبية القوى في المجتمع.

على أنه ينبغي ألا نُغفل أن ليس كل الرجال في أعمال الكاتبة مُضطهِدين للنساء، بل الكثيرون منهم يُصوَّرون ضحايا للنظام المجتمعي تماماً مثل النساء. وهو ما يتفق مع قولها ذات مرة في حديث صحافي إنها لا تدين الرجال كجنس، لكنها تدين الأفكار المسبّقة في المجتمع التي نقبلها وكأنها طبيعية وهي ليست كذلك (مجلة «نصف الدنيا»، 15 سبتمبر/ أيلول 1991). غير أنه ليس من بين رجال الكاتبة مهما كانوا أسوياء من يمتلك القوة القتالية - إن جاز التعبير - التي تمتلكها نساؤها. فغالباً ما نراهم أضعف من أن يقاوموا قوى الفساد من حولهم، أو أنهم مغرقون في المثالية، أو شديدو الصلابة أو الهشاشة فينكسرون. وغالباً ما يقع إنقاذهم من مآزقهم الحياتية على عاتق نسائهن، كما في قصة «أرانب» (1994)، وفي رواية «ليل ونهار» (1997)، على سبيل المثال. غير أنه في المحك الأخير نساء سلوى بكر ورجالها هم جميعاً ضحايا الواقع الاجتماعي الفظّ لمصر المعاصرة حيث يتكالب عليهم القمع السياسي والفساد والضائقة الاقتصادية، وتعيش الغالبية العظمى منهم في البيئة العمرانية للقاهرة التي صار يغلب عليها الفظاظة والقبح والاكتظاظ.

هذه النوعية المتدنية للحياة وسط بيئة عمرانية قبيحة خانقة هي ذاتها ما تجعل طلب الجمال مسعًى مشتركاً لدى العديد من شخصياتها، وهي أيضاً ما تجعله هاجساً معاوداً في أعمالها. ويرتبط بهذا المسعى أيضاً حنين إلى نمط معيشي انقرض. فسلوى بكر عاشت صباها وشبابها الأول في مصر الستينات في زمن زهو الناصرية، حين كان هناك حس وطني قوي، وأهداف قومية، وتكافل اجتماعي، وليبرالية فكرية (على الرغم من غياب الحرية السياسية)، وحين كانت مفاهيم المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي تُعد وصمة عار، وأيضاً حين كان فضاء القاهرة ما زال يحتفظ بشيء من الجمال المعماري ورونق الشوارع والمساحات العامة الذي تميزت به في النصف الأول من القرن، وحين كانت الثقافة الرفيعة غاية تتبناها الدولة في الفنون والوسائط التي ترعاها. وقد يكون أن بذور التدهور في فضاء المعاش ونوعية الحياة الذي ميز عصر السادات، واستشرى فيما تلاه من عهود؛ قد يكون أنها زُرعت في الخمسينات والستينات، لكنها لم تترعرع إلا فيما بعد، وفي ظل التحول الآيديولوجي الهائل الذي وقع في مصر السادات. هذا هو السياق الذي نفهم فيه الشعور بالحنين إلى مصر ما قبل السادات ومبارك الذي نجده عند بعض شخصياتها، كما على سبيل المثال في القصة ذات العنوان الموحي «عن الروح التي سُرقتْ تدريجياً» (1989).

تتضح المعالم الرئيسية للعالم الروائي لسلوى بكر من مجموعتها الأولى «زينات في جنازة الرئيس» (1986). هي بالتأكيد ليست عدوة للرجال (وهو ما قد نشعر به أحياناً في قصص نوال السعداوي بالمقارنة)، ولكنها تميل إلى تصوير المرأة تصويراً مثالياً، فهي عندها البطل الاجتماعي، والجنس الأقدر على النجاة من كوارث الحياة. نساؤها كثيراً ما يتعرضن للخيانة من قِبَل الرجال، عمداً أو عن غير عمد. قد يكون ذلك عن طريق الموت أو الطلاق أو مجرد التخلِّي. تلتزم القصص بالتصوير الواقعي، والذي قد يتمادى أحياناً، فيصل إلى أعتاب الطبيعية (الناتورالية). وتُمكِّن الكاتبة بطلات قصصها من نساء الطبقة الكادحة من التعبير عن أنفسهن من طريق لغة عامية محوّرة بما يناسبهن. كما أن حبكات قصصها لا تلتزم بالتسلسل الزمني. وقد يبدو أسلوبها السردي فوضوياً بسبب القطع المتكرر لانسياب الحكي، والاستطراد، ثم العودة لمواصلة القصة، والذي ربما هو من تأثير يوسف إدريس على الكاتبة الشابّة، إلا أن هذا كله ليس إلا فوضى منظمة يُقصد بها حفز القارئ للتفكير في الموقف ومحاولة تفسيره خارج المعتاد. وهذا كله مما سوف يتواصل في أعمال بكر اللاحقة.

نساء سلوى بكر مقاومات من الطبقة الأولى... مع تفاوت أساليب مقاومتهن

من ضمن قصص المجموعة الأولى قصة بعنوان «نونة الشعنونة». في هذه القصة المبكرة، وفي قصة أخرى مزامنة لها بعنوان «إحدى وثلاثون شجرة جميلة خضراء» في مجموعتها الثانية «مقام عطية»، والتي نُشرت في نفس سنة المجموعة الأولى (1986)، تقدم لنا الكاتبة مجازاً لمحنة المرأة المتحررة سيبقى طويلاً في أعمالها اللاحقة: مجاز الجنون، وهو مجاز مزدوج الفاعلية؛ لأنه يخدم نقيضين في آنٍ، هما المضطهَد والمضطهِد. فبالنسبة للمضطهِد (بالكسر)، وصم الثائر على الأعراف والتقاليد، كاشف الزيف المجتمعي؛ وصمه بالجنون هو آلية نافعة ومريحة للضمير. أما في حالة المضطهَد (بالفتح)، فالجنون وسيلة للهروب من الضغوط المجتمعية غير المحتملة والصراعات غير القابلة للفوز، كما أنه وسيلة لتأكيد الذات بواسطة الرفض النهائي لمتعارفات اجتماعية جائرة، لـ«عقلانية» مجتمعية هي «غير عاقلة» في عرف الثائر عليها. الجنون إذن عند سلوى بكر هو أداة انعتاق، أداة تحرر.

هذا الأثر المحرِّر للجنون نجد له وصفاً في قصة لاحقة لسلوى بكر «الدود في حقل الورد» (مجموعة «عجين الفلاحة»، 1992)، والتي تُفتتح بهذه الكلمات: «هي تكره الجنون. تخافه. ترتعب من فكرة أن يفقد العقل سطوته على الجسد. فينطق اللسان بما يشتهي، وترى العين ما تود رؤيته، وتتحرر النفس من كل قيد يرسمه لها الزمان والمكان» (ص23). تلك خواطر امرأة على شفا الجنون، لكنها لم تفقد عقلها تماماً بعد، ومن هنا خوفها من عواقب الحرية التي تنجم عن الجنون. أما حين يكتمل الجنون، فإن الحرية الناجمة عنه تصبح مطلقة لا يعوقها عائق. وهذا هو المعنى الذي به يصبح الجنون عند سلوى بكر فعل مقاومة وتأكيداً للذات، وليس مجرد استسلام لضغوط فوق طاقة الاحتمال.

في عالم سلوى بكر تفهم النساء بعضهن، ويقدمن لبعضهن العضد الذي ينكره عليهن الرجال، ويواصلن مهمة العيش والبقاء برغم كل العقبات التي يضعها في طريقهن الرجال والمجتمع. في عالم سلوى بكر تعرف النساء حق المعرفة أنه من «الجنون» أن يتحدين مجتمعاتهن الذكورية، لكنهن يبقين على استعداد لأن «يَجْنُنَّ».