عهد لبنان الرئاسي: إخفاقات تفوق الإنجازات!

قراءة هادئة في نصفه الأول

عهد لبنان الرئاسي: إخفاقات تفوق الإنجازات!
TT

عهد لبنان الرئاسي: إخفاقات تفوق الإنجازات!

عهد لبنان الرئاسي: إخفاقات تفوق الإنجازات!

ليست مسألة تقييم أي «عهد رئاسي» في لبنان مهمة سياسية أو إعلامية أو بحثية سهلة، ولا سيّما إذا كان العهد لا يزال في منتصف الولاية، أي لم تنقضِ السنوات الست المنصوص عنها في الدستور، على الرغم من الانتهاكات المتكرّرة لروح الدستور ونصوصه. ذلك أن تقييم أي ولاية رئاسية بعد انتهائها يتيح للباحث إجراء قراءة دقيقة وموضوعية يمكن من خلالها دراسة المحطات التي انطلق منها «عهد» ذلك الرئيس والوقائع التي انتهى إليها، بالإضافة إلى دراسة ما إذا كان هناك من منجزات جدّية يمكن أن يسجلها التاريخ باسم الرئيس. أما وقد مرت ثلاث سنوات ونيف من ولاية الرئيس ميشال عون الذي انتخب يوم 31 أكتوبر (تشرين الأول) 2016، فإنه لا بد من تسجيل جملة من الملاحظات الأساسية، قبل التعمّق في إجراء التقييم الفعلي لهذه الحقبة.

بعد نحو 29 سنة من الانتظار تقريباً، نجح العماد ميشال عون في الدخول مجدداً إلى قصر بعبدا الجهوري (الرئاسي) بعدما أُخرج منه عام 1989. ولقد أتاح إخراج عون، آنذاك، وضع «اتفاق الطائف» موضع التنفيذ بعدما كان قد عطّل مفاعيله لأشهر عديدة، عبر إصراره على ترؤس حكومة عسكرية فقدت نصابها القانوني وميثاقيتها خلال دقائق معدودات من تشكيلها (بنتيجة استقالة جميع الوزراء المسلمين منها وعددهم نصف عدد الحكومة). ومن ثم، قرّر حل المجلس النيابي المفترَض فيه انتخاب رئيس الجمهورية، الذي تعذّر انتخابه، في حين كان مطلوباً منه كرئيس للحكومة الانتقالية تسهيل هذه المهمة، بالإضافة إلى رفضه «اتفاق الطائف» الذي كان تسوية عربية - دولية لإنهاء الحرب في لبنان وشنه حربين داخليتين عُرفتا بـ«حرب التحرير» و«حرب الإلغاء»؛ ما أدى إلى خسائر فادحة بشرياً ومادياً.
مع هذا، انتخب عون رئيساً عام 2016 وفقاً لـ«اتفاق الطائف» نفسه الذي كان قد رفضه عام 1989، وثمة مَن يقول إن الرأي العام لم يفهم حتى اللحظة التحوّل السياسي الكبير الذي قام به الرئيس، ولا سيّما الدوافع التي أدّت إلى رفضه هذا «الاتفاق» في التسعينات، وخوضه الحملات العسكرية والسياسية والإعلامية ضده ورفض الاعتراف بالسلطة التي انبثقت عنه... ثم تلك التي أدت إلى قبوله به في العام 2016.

- «اتفاق الطائف»
حقيقة الأمر، أن «الاتفاق» لم يُعدّل منه أي حرف، أو فقرة أو مادة، بل بقي على حاله. ولئن كان صحيحاً أن ثمة تفاسير متباينة لبعض مواده، فالصحيح أيضاً أنه أصبح جزءاً من دستور لبنان الذي يفترض أن يطّبق ويُحترم من كل القوى والأطراف السياسية. أما القول بتعديل «الطائف» بـ«الممارسة»، كما يتباهى مناصرو الرئيس عون نواب كتلة «لبنان القوي» (أو تكتل «التغيير والإصلاح» سابقاً)، فهو يعني عملياً المفاخرة بخرق مواد الدستور، وإعادة تفسيرها وتطبيقها بما يتلاءم مع المصلحة السياسية والفئوية والحسابات الخاصة والظرفية.
هذا ما يحصل - على سبيل المثال - في قضية تعيين الناجحين في مباريات مجلس الخدمة المدنية التي تعطّلها هذه الكتلة التي يقودها عونيّو «التيار الوطني الحر» (الذي أسسه الرئيس ويترأسه حالياً صهره وزير الخارجية السابق جبران باسيل) تحت ذريعة غياب «التوازن الطائفي»، مع العلم، أن المادة 95 من الدستور واضحة... وهي حصرت ضرورة تأمين هذا التوازن بالفئة الأولى دون سواها. كذلك، فإن هذا التوازن لم يُحترَم في مباريات وزارة الخارجية - على سبيل المثال -، بل جرى التغاضي عنها لأنها جاءت غير متوازنة إنما في الاتجاه المعاكس. وهذا يثبت أن الشعارات المرفوعة لا تهدف حقاً إلى تأمين التوازن الطائفي، بل ترمي إلى تعزيز حضور فئة دون سواها، خلافاً للدستور والأصول والقوانين المرعية الإجراء، مع أن الشراكة ضرورية، وصيغة المناصفة - التي نصّ عليها «الطائف» - هي واحدة من أبرز منجزات الاتفاق التي يفترض الحفاظ عليها بمعزل عن المعايير الديموغرافية.
أما تعطيل الحكومات والمؤسسات تحت عنوان «الميثاقية»، الذي مارسه «التيار الوطني الحر» طوال السنوات الماضية، فإنه لم يطبقه في مرحلة الحكومة العسكرية التي افتقرت إلى التمثيل الإسلامي بكل مكوّناته المذهبية. فكيف يمكن تفسير هذه الازدواجية؟
هذه الملاحظات الشكلية ليست سوى مقدمة لفهم حقيقة وأسس العمل التي يركز عليها العهد، أو بعض المقرّبين منه، الذين يتكلّمون باسمه ويبدّدون من رصيده السياسي والشعبي.

- عناوين ومحاور
أما بعد، فلا بد من تقييم السنوات الأولى للعهد من خلال العناوين والمحاور التالية:
أولاً: السياسة الخارجية. والحق أنه لم يسبق أن مرّ لبنان بهذا المستوى المتدني من الحضور الدولي في تاريخه المعاصر، فعدا عن التراجع غير المسبوق لعلاقاته مع عمقه العربي (ولقد حسم «الطائف» عروبة لبنان بعد خلاف دام عقوداً)، أخذت السياسة الخارجية تخرج رويداً رويداً من سياسة النأي بالنفس (التي تماثل شعار: لا شرق ولا غرب بشكلٍ أو بآخر). وصار الخطاب الرسمي اللبناني الذي يعبّر عنه رئيس الجمهورية ووزير الخارجية أكثر التصاقاً بموقف فريق من اللبنانيين يكنّ العداء لقوى عربية ويوالي قوى غير عربية.
لقد أدى تضييق هذا الهامش الذي كان قائماً بين الدولة وأطراف أخرى إلى الإضرار بسياسة لبنان الخارجية وعلاقاته الدولية، بمعنى أن المساحة التي كانت قائمة بين الموقف الرسمي والموقف الحزبي كانت توفر متنفساً للبنان - إذا جاز التعبير - إزاء «المجتمع الدولي»؛ إلا أن الالتصاق (وربما الالتحاق التدريجي) بين هذين المسارين أفقد لبنان الرسمي استقلالية سياسته الخارجية القائمة على العلاقات الطيبة مع محيطه العربي وانتمائه لهذا المحيط دون أي التباس.
لا شك، أن سياسة معاداة إسرائيل كموقف رسمي ووطني وشعبي ثابت هو إنجاز مهم، لكنه ليس كافياً؛ لأنه مرتبط بالاستراتيجية الدفاعية المغيبة تماماً عن النقاش الجدي بفعل سياسة الالتصاق المشار إليها أعلاه.
ثانياً: الاستراتيجية الدفاعية. على الرغم من أن الرئيس عون كان وعد اللبنانيين بإطلاق النقاش حول الاستراتيجية الدفاعية بعد إنجاز الانتخابات النيابية (2018)، فإنه رغم مرور سنة ونصف السنة تقريباً على انتهائها لم يبادر للدعوة إلى نقاش جدي حول هذه الاستراتيجية. ومن هنا، فإن الالتصاق الذي أشير إليه في البند الأول بموازاة تغييب النقاش الوطني حول الخطة الدفاعية المنتظرة يطرح علامات استفهام كبرى، تعزّزها تصريحات وزير الدفاع الوطني التي تكاد تلغي أي تمايز بين الأجهزة الرسمية اللبنانية وقوى «المقاومة». وهو ما عاد وأكده رئيس الجمهورية، للأسف، في أحد مواقفه المُستغربة التي تساءل فيها عن جدوى وضع خطة دفاعية!
لا يختلف اثنان على أن إسرائيل هي العدوّ التاريخي للبنان، وهي تختزن الكثير من الحقد على تجربته التعددية التي تناقض آحاديتها وعنصريّتها التي كرّسها في قانون «يهودية الدولة» الذي أصدره الكنيست في الفترة الأخيرة؛ إلا أن ذلك لا يلغي أننا نختلف كلبنانيين على كيفية مواجهة الخطر والحقد الإسرائيلي الدائم.
ثم أن الاستفادة من تجربة «المقاومة» ضرورة حتمية تبرّرها الحاجة ويفسرها المنطق، ولا سيما أنها راكمت خبرة كبيرة في مواجهة الاحتلال واعتداءاته المتكرّرة على السيادة اللبنانية وأكملت المسار النضالي الذي أطلقته القوى الوطنية والتقدمية واليسارية؛ إلا أن ذلك يفترض ألا يقفل البحث على سبل دمج هذه القدرات بإمكانات لبنان الرسمية، والوصول إلى مرحلة تحتكر فيها الدولة وظيفة الدفاع عن أراضيها، وهذا حقٌ مكتسب لأي دولة ذات سيادة، وليس موجهاً ضد هذا الفريق أو ذاك. حتى نصل لتلك المرحلة، ثمة مسؤولية كبرى على العهد، تتمثّل بألا يسمح بتحويل لبنان مجدّداً ساحة لتصفية الصراعات الإقليمية أو أن يدفع هذا البلد الصغير أثماناً لا علاقة له فيه، بل تتصل أولاً وأخيراً بنزاعات المحاور الدولية والإقليمية من طهران إلى واشنطن.
ثالثاً: المسألة الاقتصادية الاجتماعية. إن الوقت الذي أهدر في مطلع الولاية، وهو يناهز السنة ونصف السنة تحت عنوان أن «حكومة العهد الأولى لم تكن حكومة الرئيس»، وأن حكومته الفعلية هي التي ستنبثق عن الانتخابات النيابية، كان كافياً ليعكس ما إذا كان ثمة جدية حقيقية في مواجهة الأزمة الاقتصادية الاجتماعية المستفحلة!
لقد رفع التكتل النيابي الذي ترأسه الرئيس عون شعار «الإصلاح والتغيير»، إلا أن أياً من هذين الشعارين لم يسلك طريقه الفعلية نحو التنفيذ. رفع «وثيقة الإبراء المستحيل» في وجه تيار المستقبل، ثم «تبرأ» منها عند نضوج التسوية وانتقال الرئيس سعد الحريري لدعم ترشيح عون للرئاسة الأولى. و«اصطدم» مع «القوات اللبنانية» مراراً وتكراراً، ثم وضع كل الخلافات جانباً عند توقيع «تفاهم معراب» الذي أدى كذلك إلى رفع حظوظ عون الرئاسية، ثم عاد وتنصل منه بعد الانتخاب!
المهم أن ينطلق قطار الإصلاح وأن تبدأ الخطوات الجدية، الفورية والجذرية لإحداث تغيير حقيقي في بنية المشاكل الاقتصادية التي تواجه البلاد التي لم تعد تحتمل رفاهية النقاش والبحث، بل إنها أشبعت درساً على مدى سنوات وسنوات والمطلوب خطوات سريعة قبل فوات الأوان.

- ملف أزمة الكهرباء
لا يخفى على أحد أن «أم المشاكل» في لبنان هي الكهرباء؛ كونها تستنزف نحو ملياري دولار سنوياً من المالية العامة، فضلاً عن أنها لا تتوافر على مدار الساعة في كل المناطق أسوة بما هو قائم في مختلف دول العالم. وبمعزل عما إذا كان «التيار الوطني الحرّ» يتحمّل وحده مسؤولية هذا الإخفاق - أقله منذ توليه وزارة الطاقة والمياه منذ نحو عشر سنوات - لا شك في أن هذا الملف يشكل إحباطاً جماعياً لدى اللبنانيين ويعكس فشل السلطة السياسية، ولا سيما من تولى الحقيبة الوزارية، في الإخفاق بإيجاد الحلول المطلوبة لهذه المشكلة المزمنة.
لقد توقّع اللبنانيون أن تسلك شعارات «الإصلاح والتغيير» طريقها بكثير من الانسيابية مع انتخاب عون إلى الرئاسة، لكن هذا، للأسف، لم يحدث. أغلب الظن أن المسؤولية لا يتحملها الرئيس وحده، بل بعض من هم في الدائرة المحيطة به ممن لم يوفقوا في إدارة الملفات الموكلة ولم ينجحوا في تعزيز الالتفاف السياسي حول الرئيس ليتمكن من إنجاز المصالحات، بل بددوا الكثير من رصيده السياسي والشعبي وضاعفوا عدد الأخصام السياسيين مجاناً.
وأخذاً في الاعتبار طبيعة التركيبة السياسية اللبنانية، والصيغة التشاركية التي أرساها «اتفاق الطائف» في العملية السياسية وآليات اتخاذ القرار؛ لا بد من الإقرار بأن سلوك مسار التغيير يتطلب نسج تفاهمات وطنية تتيح هذا الأمر وبناء مناخ من الشفافية والتعفّف، ورفض الدخول في الصفقات والسمسرات. وهذا أيضاً، لم يحصل؛ إذ ارتبطت أسماء بعض المحيطين بالعهد بالعديد من الملفات التي تثار حولها علامات استفهام كبيرة... من البواخر إلى الكهرباء وسواها من الملفات من العناوين أعلاه.
لقد فاخر العهد وبعض مؤيديه بشعار «العهد القوي»، ولعل إطلاق هذا الشعار كان خاطئاً من الأساس، ليس لأن الرئيس عون ليس «قوياً»، بل لاختلاف المفاهيم حول فكرة «القوة»، من جهة؛ ومن جهة ثانية، لأنه ساهم برفع التوقعات من الحكم الذي وقف شبه عاجز أمام المشاكل المتفاقمة فلم يفكك أياً منها بشكل ملحوظ من جهة أخرى!
أما مفهوم «القوة» فهو بحد ذاته في حاجة إلى تشريح: هل يكفي القول عن الرئيس إنه قوي إذا كان يرأس قبل انتخابه كتلة نيابية؟ أم أنه قوي بتاريخه النضالي؟ أم يمكن القول عنه إنه قوي إذا كان رجلاً صاحب مبادئ؟ أم أن القوة يوفرها الصوت المرتفع؟ أم ماذا؟

- علاقة «القوة» بـ«الصلاحيات»
عملياً، ما هي العناصر التي يمكن اعتمادها للقول إن هذا العهد، أو أي عهد رئاسي، هو عهد «قوي»؟ الرئيس الراحل فؤاد شهاب ما كان يرأس كتلة نيابية، لكن تاريخه ودوره في ثورة 1958 وسجله العسكري وتعففه وشفافيته عناصر جعلت منه رئيساً يحقق المنجزات من دون أن يرفع شعار «الرئيس القوي».
ثم أن السلطة التنفيذية في لبنان بعد «اتفاق الطائف» أصبحت منوطة بمجلس الوزراء مجتمعاً. طبعاً، هذا لا ينتقص من مكانة رئيس الجمهورية وموقعه ودوره الذي لا يزال له صلاحياته المهمة. لكن هذا التحوّل بحد ذاته يجعل رفع شعار «الرئيس القوي» غير ذي جدوى، بل هو يثقل كاهل الرئيس بدلاً من أن يخففها عنه. وفي «الديمقراطية اللبنانية» المرتكزة إلى التوافقات والتفاهمات والتوازنات، تسقط مقولة «الرئيس القوي» عند كل منعطف وفي كل محطة، إلا إذا استعمل الرئيس «قوته» للجمع بين اللبنانيين وتقليص المسافات بينهم، وأن يمارس فعلاً دور الحكم والمرجع الأعلى لتكريس الاستقرار والسلم الأهلي.
ختاماً، إن أي لبناني عاقل يتمنى للعهد النجاح؛ لأن نجاحه يعني بصورة أوتوماتيكية نجاح لبنان في تخطي أزماته التي تُستولد وتتفاقم كل يوم. وأي لبناني عاقل يعتبر أن نجاح الرئيس عون يعني تجاوز الوضع الراهن نحو واقع أفضل لا يفقد فيه الأمل ويشعر فيه بالطمأنينة... لكن «المكتوب يُقرأ من عنوانه»!

- تيار عون «يستأثر» به باسيل
> نُظّمّت الحالة الشعبية العونية الموالية للعماد ميشال عون ضمن هيكل سياسي حمل اسم «التيار الوطني الحر» بعد عودة الجنرال من منفاه الباريسي في مايو (أيار) 2005، رغم أن نواة الحزب وُضعت قبل عودة عون من باريس، وكان مناصرو التيار يتداولون بالاسم الذي بات حزباً قانونياً قبل هذه الفترة.
حاز التيار العلم والخبر «الرقم 163/ أ د»، الذي يمكّنه من مزاولة نشاطه السياسي كحزب بوجهة قانونية، من وزارة الداخلية اللبنانية في مايو 2006. وتقدّمت الجمعية السياسية المسماة «حزب التيار الوطني الحر» بطلب تعديل في النظام الأساسي وتعديل مركزه في عام 2015، حين جرت الموافقة على التعديلات.
منذ ظهور التيار، بقي العماد ميشال عون، الذي بات نائباً في البرلمان اللبناني منذ انتخابات عام 2005، رئيساً له. لكن عام 2015 انتقلت رئاسة التيار إلى صهره وزير الخارجية السابق جبران باسيل إثر انتخابات فاز فيها الأخير بالتزكية؛ وهو ما ولّد انقساماً في صفوف التيار على مستوى قياداته والشخصيات البارزة فيه وأقرباء عون نفسه. وعلى الأثر، أعلنت قيادات رافقت مسيرة منذ سنين الانسحاب من التيار. وتحدث آخرون من مواكبي مسيرة التيار عن «إقصاء» لمعارضي باسيل من التيار، متهمين باسيل بالاستئثار، وباستبعاد قيادات تاريخية بينهم نعيم عون - ابن شقيق عون -، وزياد عبس القيادي البارز، وغيرهم. ولقد نظّم هؤلاء صفوفهم ضمن إطار سياسي ناهز عدده السبعين شخصاً، وأصدر في العام الماضي بياناً بعد انتخابات التيار في 2019 التي فاز فيها باسيل بالتزكية برئاسة التيار لولاية ثانية.

- «نصف العهد»: توترات أمنية وضغوط خارجية واقتصادية... انفجرت في انتفاضة الشارع
> مثّل تدهور سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار في السوق الموازية، إلى جانب الأزمة الاقتصادية التي دفعت عشرات المؤسسات للإقفال، رأس هرم الأزمات التي عصفت بعهد الرئيس اللبناني ميشال عون منذ ثلاث سنوات، خاضت فيها البلاد تحديات أمنية داخلية وخارجية، وتضاعف فيها التوتر السياسي، ووصلت في منتصف الولاية الرئاسية إلى مرحلة الاضطرابات الاجتماعية التي تمثلت في الانتفاضة الشعبية اللبنانية ضد السلطة.
ورغم ادعاء فريق الرئيس ميشال عون السياسي حرصه على تكريس النمط التوافقي في الحكم، عبر الحكومات الائتلافية، فإن الحملات الممهدة للانتخابات النيابية 2018، كسرت العرف التوافقي، واشتدت الانقسامات بين الأحزاب والتيارات والقوى السياسي. فترنحت الاتفاقات مع حزب «القوات اللبنانية» من غير أن تسقط، وتوترت العلاقة مع «المستقبل»، وشهدت علاقة «التيار الوطني الحر» مع حركة أمل ورئيس البرلمان نبيه برّي أسوأ مراحلها في ظل السجالات والخطابات الشعبوية وتبادل الاتهامات. ويُشار إلى أن تشكيل الحكومتين بعد الانتخابات الرئاسية وبعد الانتخابات، شهد نزاعاً سياسياً أدى إلى تأخير إعلانهما؛ ما أدخل البلاد في فراغ حكومي لأشهر.
التوتر السياسي الذي طغى على مرحلة ما قبل الانتخابات، تجسّد أيضاً بتوتر ميداني في البيئة الدرزية إثر إشكال في منطقة الشويفات (جنوب شرقي بيروت)، أسفر عن مقتل عنصر في الدفاع المدني من أنصار «الحزب التقدمي الاشتراكي» خلال إشكال مع أنصار النائب طلال أرسلان. وتوتّر الوضع فيه مع إصرار أرسلان على رفض تسليم المتهم بالقتل، وسط معلومات عن فرار المطلوب إلى سوريا.
الجبل، كان عرضة مرة أخرى لاشتباك بين أنصار الوزير الأسبق وئام وهاب مع قوة من «قوى الأمن الداخلي» حضرت لاعتقال وهاب، قبل أن يتوتر الوضع في الجبل مرة ثالثة إثر زيارة رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل إلى الجبل، وإطلاقه تصريحات مرتبطة بحقبة الحرب اللبنانية، ما اعتبره أنصار «الاشتراكي» استفزازاً يتضمن نبشاً في قبور الماضي، وإثارة للنعرات الطائفية. وانفجر الخلاف خلال زيارة باسيل إلى منطقة عاليه، حيث تم إطلاق النار على موكب الوزير صالح الغريب، ما أدى إلى مقتل شخصين.
خلال هذه الفترة، حصل توتر بين «حزب الله» وإسرائيل على خلفية مقتل عنصرين للحزب في غارة إسرائيلية في سوريا، وتفجير طائرة استطلاع إسرائيلية في حي سكني في الضاحية الجنوبية لبيروت؛ ما دفع الحزب للرد من داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب. وهو توتر اضيف إلى توتر دبلوماسي إثر زعم رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو بأن الحزب أنشأ مصانع للصواريخ الدقيقة في لبنان، وهو ما نفاه الحزب. وعلى الصعيد الدبلوماسي أيضاً، فرضت الولايات المتحدة عقوبات ضد شخصيات في الحزب، من بينها رئيس كتلة الحزب النيابية محمد رعد، كما تضاعفت وتيرة العقوبات ضد الحزب وتأثر بها لبنان بالكامل.
هذه العوامل بأكملها، الداخلية والخارجية، مهّدت لأزمة اقتصادية كبيرة تمثلت بفقدان الدولار في السوق، وارتفاع سعر صرفه في السوق الموازية، أدى إلى تراجع سعر العملة المحلية أكثر من 50 في المائة، بالتزامن مع أكبر انتفاضة شعبية يشهدها لبنان منذ عام 1992، أدت إلى إسقاط الحكومة في الشارع، وتأليف حكومة قاطعتها كتل سياسية بارزة. ويقول الناشطون إلى العهد فشل في مكافحة الفساد، حيث لم يُحاسب أي فاسد حتى الآن، كما فشل بتأمين متطلبات العيش اليومية منها تأمين الكهرباء والخدمات، إضافة إلى تسعير الاستدعاءات على خلفية الراي والتدوين، وهوة ما اعتبر استهدافاً للحريات في لبنان.


مقالات ذات صلة

احتلال مرتفعات جنوب لبنان... «عقدة» الانسحاب الإسرائيلي

حصاد الأسبوع دورية لقوات "اليونيفيل" الدولية في جنوب لبنان (آ ف ب)

احتلال مرتفعات جنوب لبنان... «عقدة» الانسحاب الإسرائيلي

فرضت التحوّلات السياسية والعسكرية التي شهدها جنوب لبنان خلال العقود الماضية واقعاً جديداً على مسألة الانسحاب الإسرائيلي، حتى باتت لكل مرحلة ظروفها الخاصة التي

صبحي أمهز (بيروت)
حصاد الأسبوع وزير الدفاع الجديد يُحسب على التيار «البليري»...و«حرب غزة» كادت تطيح بمقعده

ويس ستريتنغ... من الطموح لزعامة «العمال» إلى قيادة سفينة السياسة العسكرية البريطانية

بعد استقالته من حكومة كير ستارمر ومطالبته بتغيير قيادة حزب العمال، عاد ويس ستريتنغ إلى الصفوف الأمامية للسلطة البريطانية، وهذه المرة وزيراً للدفاع في حكومة

«الشرق الأوسط» (لندن)
حصاد الأسبوع تحديث صناعة الدفاع البريطاني... فجوة بين الطموح والقدرات

تحديث صناعة الدفاع البريطاني... فجوة بين الطموح والقدرات

تسلّم وزير الدفاع البريطاني الجديد ويس ستريتنغ حقيبته الجديدة من دون خبرة سابقة في الملفات العسكرية. إلا أنه يواجه تحدياً يشبه، إلى حد بعيد، ذلك الذي اختبره

«الشرق الأوسط» (لندن)
حصاد الأسبوع مصنع فورد في أوكفيل قرب مدينة تورونتو الكندية (رويترز)

مَن يدفع ثمن القطيعة الأميركية ــ الكندية؟

لم تعُد الأزمة بين الولايات المتحدة وكندا خلافاً عابراً على رسم جمركي يمكن تسويته ببعض الاستثناءات. بل إن انهيار المفاوضات في اللحظات الأخيرة، وفرض واشنطن

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)

ليبيا عالقة بين نيران المسلحين... و«مبادرة أميركية» متعثرة

تزداد القناعة لدى قطاعات واسعة من الليبيين بأن بلادهم عالقة في دوامة بالغة التعقيد، بين فوضى أمنية تتفاوض فيها التشكيلات المسلحة بالنار، وتتجاذب النفوذ على

علاء حموده (القاهرة)

احتلال مرتفعات جنوب لبنان... «عقدة» الانسحاب الإسرائيلي

دورية لقوات "اليونيفيل" الدولية في جنوب لبنان (آ ف ب)
دورية لقوات "اليونيفيل" الدولية في جنوب لبنان (آ ف ب)
TT

احتلال مرتفعات جنوب لبنان... «عقدة» الانسحاب الإسرائيلي

دورية لقوات "اليونيفيل" الدولية في جنوب لبنان (آ ف ب)
دورية لقوات "اليونيفيل" الدولية في جنوب لبنان (آ ف ب)

فرضت التحوّلات السياسية والعسكرية التي شهدها جنوب لبنان خلال العقود الماضية واقعاً جديداً على مسألة الانسحاب الإسرائيلي، حتى باتت لكل مرحلة ظروفها الخاصة التي تحكمها. فالانسحاب الذي أُنجز عام 2000 جاء في سياق يختلف جذرياً عن ذلك الذي أعقب «حرب يوليو (تموز)» 2006، بينما يبدو المشهد الحالي محكوماً بمعادلات أكثر تعقيداً، تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والسياسية مع مسارات التفاوض، ما يجعل استعادة نماذج الماضي أمراً بالغ الصعوبة. وبمعزل عن التصوّرات السياسية لإنهاء الأزمة، وفي ظل الإصرار اللبناني على الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، تواجه إسرائيل هذه الدعوات بتركيز متصاعد على مرتفعات استراتيجية، مثل «علي الطاهر»، ومواقع أخرى حاكمة في جنوب لبنان، ما يطرح أسئلة عما إذا كانت تل أبيب تتّجه إلى بناء «حزام مرتفعات» يقوم على الإمساك بالنقاط الجغرافية المُشرفة، وحرمان «حزب الله» منها، بدلاً من السيطرة على شريط جغرافي واسع يتطلب انتشاراً برّياً دائماً، وكلفة عسكرية، وبشرية أكبر.

لا توجد مُعطيات تسمح بالكلام عن «عقيدة إسرائيلية» معلنة، وتتطرّق بالذات إلى السيطرة على المرتفعات. لكن خريطة المواقع التي تركّز عليها العمليات، من مرتفعات الشقيف وزوطر وصولاً إلى مرتفعات «علي الطاهر»، تعزّز لدى خبراء عسكريين فرضيّة إعطاء إسرائيل أولوية للنقاط التي توفّر المراقبة والسيطرة بالنار على مساحات واسعة.

وبالفعل تكتسب مرتفعات «علي الطاهر» أهمية خاصة في هذه المعادلة، نظراً إلى ارتفاعها، وإشرافها على النبطية، ومناطق باتجاه إقليم التفاح، وكان التصعيد الإسرائيلي الكثيف قد أعاد المرتفعات إلى الواجهة، بالتزامن مع تعثر المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية.

السيطرة على المرتفعات

تركّز إسرائيل على السيطرة على المرتفعات في جنوب لبنان، والإمساك بالنقاط الحاكمة، بدلاً من السيطرة على شريط جغرافي.

وشرح العميد المتقاعد سعيد قزح لـ«الشرق الأوسط»: إن «الهدف الأساسي الذي ظهر مع إعلان إسرائيل الخط الأصفر هو الإمساك بالمرتفعات الحاكمة المقابلة للمستوطنات الإسرائيلية»، موضحاً أن هذا الخط يمتد -وفق تصوّره- «من البيّاضة في القطاع الغربي، مروراً ببلدات رشاف وبيت ليف وحداثا شمالي بنت جبيل في القطاع الأوسط، ووصولاً في القطاع الشرقي إلى دير سريان والطيبة، ومن ثم إلى السفوح الشرقية لجبل الشيخ، ولا سيما باتجاه عين عطا وعين قنيا».

قزح أردف أن «هذا الخط هو عبارة عن مرتفعات مقابلة للمستوطنات الإسرائيلية، وتبعد عنها في حدود 8 إلى 10 كيلومترات، بما يحرم (حزب الله) من إطلاق النار المباشر باتجاه المستوطنات». وتابع: «بعد إعلان هذا الخط، تقدّمت إسرائيل وأخذت زوطر الشرقية وزوطر الغربية ومرتفعات الشقيف، ثم عادت وتقدّمت إلى أن وصلت إلى محاصرة علي الطاهر»، معتبراً أن «المنطقة الممتدّة من علي الطاهر إلى الشقيف وزوطر الشرقية تدخل ضمن هذا التصوّر».

وبحسب قزح فإن «إسرائيل لن تنسحب من هذه المناطق طالما هناك أي خطر تعتبر أنه آتٍ من أي جهة كانت على الأراضي اللبنانية». وعن مصير المرتفعات، قال: «لن تنسحب منها طالما لا يوجد حل لسلاح (حزب الله) في لبنان، ولن تنسحب من التلال الحاكمة للمستوطنات».

معركة التلال

الحال أن التركيز الإسرائيلي على مرتفعات جنوب لبنان يرتبط بأهميتها العسكرية، وبوجود مواقع وقواعد لـ«حزب الله» فيها، حسبما يقول اللواء الركن المتقاعد الدكتور عبد الرحمن شحيتلي، معتبراً أن السيطرة عليها تشكل «هدفاً عسكرياً إسرائيلياً أساسياً»، لكن تحقيقه ميدانياً ليس سهلاً، بسبب الكلفة البشرية لأي عملية برّية.

شحيتلي أوضح لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: «هذه المناطق كانت ذات أهمية عسكرية، وشكّلت قواعد للجبهة، ومراكز للقيادة العملانية، ولذلك فإن لدى إسرائيل هدفاً أساسياً يتمثل في دخولها، والسيطرة عليها... لكن السؤال هو: هل تستطيع إسرائيل تحقيق هذا الهدف؟ حتى الآن لم تستطع». ومن ثم اعتبر أن العمليات الإسرائيلية لم تصل بعد إلى مستوى «الحسم العسكري الميداني، وأن استمرار تحرّك مجموعات مقاتلة واستهدافها بالمدفعية والطيران ووسائل أخرى يعني أن (حزب الله) لا يزال فاعلاً ميدانياً خلف الخطوط الإسرائيلية».

شحيتلي أوضح أيضاً أن التركيز على مرتفعات مثل «علي الطاهر والدبشة» سببه كونها «مرتفعات قريبة وحاكمة على المنطقة، وعلى شمال فلسطين، ويمكن منها استخدام أسلحة مباشرة، أو صواريخ مباشرة باتجاه شمال إسرائيل، والمستوطنات... بجانب أنها مراكز دعم وإسناد، وقيادة عملانية يمكن الانطلاق منها في العمليات العسكرية».

كلفة العملية البرّية

من جهة ثانية، يقوم الفارق بين السيطرة على شريط جغرافي والإمساك بالنقاط الحاكمة على أن الأولى تتطلب انتشاراً متصلاً، وتأمين خطوط إمداد، بينما تمنح المرتفعات قدرة على المراقبة، والسيطرة بالنار تفوق مساحتها الجغرافية. من هنا لا يعني هذا التصوّر بالضرورة إنشاء مواقع إسرائيلية ثابتة فوق كل المرتفعات، بقدر ما قد يعكس سعياً إلى منع «حزب الله» من استخدامها كنقاط مراقبة، أو قيادة، وإسناد، سواء بالسيطرة عليها، أو الدفع باتجاه تسليمها إلى الجيش اللبناني.

وبحسب شحيتلي: «إسرائيل تستفيد من الوقت للتحضير لأي عملية محتملة... والمحادثات وغيرها تمنح إسرائيل وقتاً للتحضير للعملية العسكرية في هذه المنطقة، لكن المشكلة بالنسبة إليها هي الكلفة العالية من الخسائر البشرية التي قد تترتب على مثل هذه العملية، وهي كلفة لا تستطيع تحملها بسهولة». وأضاف: «في المفهوم العسكري، ليست القمة الأعلى جغرافياً هي بالضرورة موقع تمركز للقوات. القمة يمكن استخدامها للمراقبة، لكن المواقع والخطوط الدفاعية تكون عادة تحت خط القمة»، لافتاً إلى أن ما تسعى إليه إسرائيل «ليس القمم بحد ذاتها فقط، بل المواقع العسكرية، والخطوط الدفاعية الموجودة تحتها، وعلى جوانبها».

بالتالي لا يعني «حزام المرتفعات» -إذا تبلور- خطاً متصلاً من القمم تحتلها إسرائيل، بقدر ما يعني «شبكة من النقاط الحاكمة» التي تسعى إلى منع «حزب الله» من استخدامها عسكرياً، لتصبح «علي الطاهر» الاختبار الأبرز لما إذا كان هذا التصوّر سيبقى محصوراً بالمواجهة الحالية، أم يتحوّل إلى معيار إسرائيلي أوسع للتعامل مع جغرافيا جنوب لبنان.

معضلة الانسحاب الإسرائيلي

في الواقع، الاستراتيجية الإسرائيلية للسيطرة على المرتفعات تقوّض الدعوات اللبنانية لانسحاب إسرائيلي من الأراضي اللبنانية. وتقع المعضلة السياسية في تبدل الظروف عما كان عليه الأمر في العامين 2000 و2006.

إذ انسحب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان في 25 مايو (أيار) 2000 بعد احتلال طال لنحو 22 سنة، ومن دون أي اتفاق ثنائي مع الحكومة اللبنانية. أما في العام 2006، فقد تم بعد اتفاق أنتج القرار الأممي 1701 الذي ينصّ على إخلاء منطقة جنوب الليطاني من السلاح، ومسلحي «حزب الله».

في الواقع، لا يقتصر الاختلاف بين تجربتي الانسحاب عامي 2000 و2006 على الظروف الميدانية، بل يشمل أيضاً الجهات المؤثرة في القرار، وطبيعة الضمانات، وآليات التنفيذ، وهو ما يجعل أي حديث عن انسحاب إسرائيلي اليوم مرتبطاً بمعطيات تختلف عما عرفه لبنان في المحطّات السابقة.

تقوّض الاستراتيجية الإسرائيلية القاضية بالسيطرة على المرتفعات الدعوات اللبنانية لانسحاب إسرائيلي من الأراضي اللبنانية

انسحاب العام 2000

العميد المتقاعد ناجي ملاعب قال إن انسحاب عام 2000 جاء نتيجة ظروف إسرائيلية داخلية أكثر منه نتيجة ضغوط خارجية، وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «انسحاب عام 2000 كان قراراً إسرائيلياً داخلياً بامتياز. فيومذاك وصل إيهود باراك إلى رئاسة الحكومة حاملاً مشروعاً يقوم على سحب القوات الإسرائيلية من لبنان، بعدما أصبحت كلفة بقائها مرتفعة بشرياً، واقتصادياً، إلى جانب وجود القرار الدولي 425 الذي كان يطالب إسرائيل بالانسحاب منذ سنوات».

ثم أردف: «كان حزب (العمل) يعتبر أن الأولوية يجب أن تكون لتخفيف أعباء الجيش الإسرائيلي، وخفض الإنفاق العسكري، والاهتمام بالاقتصاد، ولذلك اتُّخذ قرار الانسحاب بصورة مفاجئة، حتى إن كثيراً من عناصر ميليشيا جيش لبنان الجنوبي (المتحالفة مع إسرائيل) لم يكونوا على علم به مسبقاً. بعضهم عاد إلى لبنان وخضع للمحاكمة، فيما فرّ آخرون إلى إسرائيل. لذلك يمكن القول إن انسحاب عام 2000 كان نتيجة قرار إسرائيلي داخلي أكثر منه نتيجة ضغوط خارجية».

من جهته، استعاد العميد المتقاعد فادي داود تجربة عام 2000 من زاوية مختلفة، فقال: «انسحاب عام 2000 لم يكن مجرد قرار أحادي، بل سبقته مفاوضات غير مُعلنة جرت عبر ألمانيا. تفاصيل كثيرة من تلك المرحلة بقيت بعيدة عن الإعلام، لكن ما كُشف لاحقاً يؤكد وجود وساطة ألمانية، واتصالات سبقت تنفيذ الانسحاب».

«طبيعة التأثير الخارجي تبدلت أيضاً»، وفق داود الذي أكد أن «الطرف الوحيد القادر فعلياً على إلزام إسرائيل بأي اتفاق الآن هو الولايات المتحدة. لا توجد دولة أخرى تمتلك القدرة على ممارسة ضغط حقيقي عليها، أو فرض حدود لتحركاتها، ولذلك فإن نجاح أي اتفاق يبقى مرتبطاً بالإرادة الأميركية وحدها».

انسحاب 2006

في المقابل، حكمت الانسحاب في العام 2006 معطيات مختلفة. فبحسب ملاعب، المشهد تبدّل بعد «حرب يوليو» 2006، وأوضح: «ما حصل بعد حرب يوليو كان ثمرة نشاط دبلوماسي مكثف قادته الدولة اللبنانية، برئاسة رئيس الحكومة (آنذاك) فؤاد السنيورة، وبالتوازي مع جهود فرنسية، ودعم عربي، إضافة إلى ضغط أميركي أدى إلى وقف العمليات العسكرية بعد نحو شهر من اندلاع الحرب، وبالتزامن مع صدور القرار 1701».

وتابع: «أهمية القرار 1701 تكمن أولاً في تثبيت وقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل، وهو ما وافق عليه الطرفان، كما أنه أتاح انتشار قوات الأمم المتحدة المعززة، ورسم الخط الأزرق بإشراف الأمم المتحدة، رغم استمرار التحفظات اللبنانية على بعض النقاط التي لا تتطابق مع اتفاقية الهدنة لعام 1949».

«بعد ذلك (والكلام لا يزال لملاعب) بدأت الاجتماعات الدورية في الناقورة برعاية الأمم المتحدة، حيث كان الضباط اللبنانيون والإسرائيليون يعقدون لقاءات شهرية لمعالجة النقاط الخلافية على الخط الأزرق، وتمت تسوية عدد كبير منها، فيما بقيت بعض النقاط عالقة».

إسرائيل تشتري الوقت ... وتماطل بالانسحاب

حقيقة الأمر أن الوقائع الميدانية والسياسية تحكم، في الوقت الراهن، معادلات تختلف عن تلك التي سادت في عام 2006، وقبله في العام 2000. وهنا شدّد العميد المتقاعد داود لـ«الشرق الأوسط» على أن «المتغيّر الأساسي هو المجتمع الدولي. فعام 2006 كان هناك دور واضح للأمم المتحدة، وقواتها ومرجعية للقرار 1701، أما اليوم فنحن أمام واقع مختلف، حيث يتراجع دور الأمم المتحدة، بل إن وجودها نفسه بات موضع تساؤل، فيما أصبحت الولايات المتحدة الطرف الوحيد القادر على التأثير في مسار الأحداث، والضغط على إسرائيل».

وأردف: «إذا كنا نبحث في مستقبل أي انسحاب إسرائيلي، فلا يوجد حتى الآن شيء واضح، لأن اتفاق الإطار نفسه لا يزال غير محدد في كثير من تفاصيله. ما هو واضح فقط وجود إرادة أميركية لمحاولة فرض عناوين عامة على الأرض، لكن التفاصيل ما زالت غامضة، والشيطان دائماً يكمن في التفاصيل».

بدوره استبعد العميد المتقاعد ملاعب أن يشهد لبنان انسحاباً إسرائيلياً قريباً، فقال: «اليوم لا أرى حديثاً جدياً عن انسحاب. توقّعي أن تواصل إسرائيل المماطلة، حتى مع وجود ضغوط أميركية، لأن أولوياتها مرتبطة بحسابات سياسية وأمنية أوسع». واستطرد: «الضغط الأميركي الأخير دفع إسرائيل إلى إبداء مرونة في ملفات مرتبطة بغزة، حيث توجد مصالح أميركية وإسرائيلية مشتركة، لكن إذا استمرت هذه التفاهمات فقد تحاول إسرائيل الحصول على أثمان أو تعويضات في ساحات أخرى، ومنها لبنان».

لذا استبعد ملاعب «الكلام حالياً عن انسحاب إسرائيلي من لبنان بالمعنى الذي عرفناه في عامي 2000 أو 2006، وأتوقع أن يستمر التأجيل، والمماطلة، على الأقل إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية».

 


ويس ستريتنغ... من الطموح لزعامة «العمال» إلى قيادة سفينة السياسة العسكرية البريطانية

وزير الدفاع الجديد يُحسب على التيار «البليري»...و«حرب غزة» كادت تطيح بمقعده
وزير الدفاع الجديد يُحسب على التيار «البليري»...و«حرب غزة» كادت تطيح بمقعده
TT

ويس ستريتنغ... من الطموح لزعامة «العمال» إلى قيادة سفينة السياسة العسكرية البريطانية

وزير الدفاع الجديد يُحسب على التيار «البليري»...و«حرب غزة» كادت تطيح بمقعده
وزير الدفاع الجديد يُحسب على التيار «البليري»...و«حرب غزة» كادت تطيح بمقعده

بعد استقالته من حكومة كير ستارمر ومطالبته بتغيير قيادة حزب العمال، عاد ويس ستريتنغ إلى الصفوف الأمامية للسلطة البريطانية، وهذه المرة وزيراً للدفاع في حكومة آندي بيرنهام. الواقع أن تعيين بيرنهام يشكّل تحوّلاً لافتاً في مسار سياسي شاب كان، حتى وقت قريب، يُنظر إليه بوصفه أحد أبرز المرشحين لخلافة ستارمر في 10 داونينغ ستريت؛ إذ سبق لستريتنغ أن أعلن استعداده لخوض سباق الزعامة، قبل أن يتراجع ويدعم بيرنهام، الذي أعاده لاحقاً إلى الحكومة وأسند إليه واحدة من أكثر حقائبها حساسية.

يصل ويس ستريتنغ (43 سنة) إلى مقر وزارة الدفاع بعد مسار بدأ في السكن الاجتماعي بشرق لندن، ومرّ باتحادات الطلاب والمجالس المحلية ومقاعد المعارضة، قبل أن يُصبح وزيراً للصحة في حكومة ستارمر.

وهناك، بنى صورته على إصلاح المؤسسات وخفض الهدر بالتوازي مع زيادة الإنفاق، وهي الوصفة نفسها التي يقول إنه يريد نقلها الآن إلى وزارة الدفاع. ويأتي ذلك فيما تواجه بريطانيا ضغوطاً لرفع إنفاقها العسكري، واستمرار الحرب في أوكرانيا، وتصاعد التهديدات الروسية، في اختبار جديد لسياسي عُرف بمهاراته التنظيمية والإعلامية وطموحه القيادي.

... من حي ستيبني الشعبي إلى كمبريدج

وُلد ويسلي بول ويليام ستريتنغ عام 1983، ونشأ في سكن اجتماعي في حي ستيبني الشعبي بشرق لندن، لوالدين من الطبقة العاملة كانا في السابعة عشرة والثامنة عشرة من عمرهما عندما رُزقا به.

وحقاً، تختلف خلفية ستريتنغ العائلية عن الصورة التقليدية لمسيرة وزير بريطاني. فوفق قناة «سكاي نيوز» التلفزيونية وصحيفة «الغارديان»، كان جدّه لأمه لصّاً مسلحاً أمضى فترة في السجن، وعرف خلال سجنه الأخوين كراي، اللذين يعدّان من أشهر زعماء الجريمة المنظمة في لندن. كذلك أمضت جدته فترة في سجن هولواي، حيث التقت كريستين كيلر، إحدى أبرز الشخصيات المرتبطة بـ«فضيحة بروفومو» السياسية - الأخلاقية في ستينات القرن الماضي.

أما جدُّه لأبيه، وهو من قُدامى البحرية الملكية ومؤيد تقليدي للمحافظين، فكان من أكثر الشخصيات تأثيراً فيه خلال فترة طفولته.

دراسياً، تلقى ستريتنغ تعليمه المبكّر في مدرسة وستمنستر سيتي، وهي مدرسة حكومية لا علاقة لها بـ«مدرسة وستمنستر» الخاصة الشهيرة الواقع حرمها على مقربة من قصر البرلمان. وفي سن الرابعة عشرة، خاض انتخابات مدرسية تجريبية مرشحاً باسم حزب العمال وخسر، لكنه انضم إلى الحزب فعلياً في سن الخامسة عشرة.

وبعدها صار أول شخص في عائلته يدخل جامعة ويتخرّج فيها، وفق «رويترز» بعدما درس التاريخ في كلية سلوين بجامعة كمبريدج.

ميول قيادية منذ الجامعة

برزت ميول ستريتنغ القيادية منذ سنواته الجامعية. فقد انتُخب رئيساً لاتحاد طلاب جامعة كمبريدج، ثم تولّى عام 2008 رئاسة الاتحاد الوطني للطلاب في بريطانيا.

وهو على الرغم من انضمامه المُبكر إلى حزب العمال، لم يتردّد في معارضة بعض سياساته. بل إنه غادر الحزب لفترة قصيرة إبان سنوات الجامعة، وفق قناة «سكاي نيوز»، اعتراضاً على حرب العراق التي شاركت فيها حكومة توني بلير إلى جانب الولايات المتحدة.

ومن ثم، بعد تخرّجه، عمل ستريتنغ في القطاع التطوّعي، كما شغل مناصب قيادية في مؤسسات تُعنى بالتعليم ومواجهة عدم المساواة، قبل أن يتّجه إلى العمل السياسي المنتخب.

من المجلس المحلي... إلى وستمنستر

بدأ ويس ستريتنغ مسيرته الانتخابية عضواً في مجلس بلدية ريدبريدج (في منطقة لندن الكبرى) عام 2010، ثم أصبح نائباً لرئيس المجلس عندما سيطر حزب العمال عليه عام 2014.

وفي الانتخابات العامة عام 2015، انتُخب نائباً عن دائرة إيلفورد نورث في شرق لندن (وهي تقع ضمن ريدبريدج)، منتزعاً المقعد من حزب المحافظين. وظلّ يُمثّل هذه الدائرة منذ ذلك الحين.

وطوال سنوات حملة الـ«بريكست»، كان من أبرز المدافعين داخل الحزب عن بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، وأيّد إجراء تصويت شعبي ثانٍ على الاتفاق النهائي للخروج. لكنه لم يدخل فوراً الصفوف القيادية للحزب.

إذ إنه إبان عهد جيريمي كوربن، بقي بعيداً عن قيادة الحزب، وكان من معارضي توجّهات زعيمه اليساري. غير أنه بدأ صعوده السريع في المواقع الحزبية والسياسية بعد انتخاب كير ستارمر زعيماً للحزب عام 2020. في أعقاب ضرب تيار كوربن اليساري.

الصعود مع ستارمر

خلال أقل من سنتين، شغل ستريتنغ سلسلة من المناصب في المعارضة. ووفق السجلّ الرسمي للبرلمان، عيّنه ستارمر وزيراً في «حكومة الظل» لشؤون الخزانة في أبريل (نيسان) 2020، ثم ناطقاً باسم الحزب لشؤون المدارس في أكتوبر (تشرين الأول)، وبعدها لشؤون فقر الأطفال خلال مايو (أيار) 2021، قبل أن يعيّنه وزيراً للصحة في «حكومة الظل» في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه.

والحقيقة أن قدراته الخطابية والحوارية ساعدته على التواصل الإعلامي وخوض المواجهات السياسية، ومن ثم تعزيز حضوره البرلماني والشعبي. وهنا، تصفه «سكاي نيوز» - التي لا تعد قريبة من حزب العمال - بأنه أحد أفضل المتكلمين في صفوف الحزب وأكثرهم حضوراً، بينما تقول «رويترز» إن مؤيديه يعدُّونه من أكثر سياسيي «العمال» قدرةً على إضفاء الحيوية على رسالته السياسية.

مع هذا، ووسط صعوده السياسي، تعرّض مسيرته لتوقف مفاجئ في مايو 2021، عندما أعلن إصابته بسرطان الكلية وهو في سن الثامنة والثلاثين. وبالفعل، خضع على الأثر لجراحة لاستئصال الكلية، قبل أن يعود إلى البرلمان بعد نحو شهرين. وعام 2023، نشر مذكراته التي تناول فيها طفولته وعائلته ومسيرته الاجتماعية والسياسية.

فاز 825 صوتاً

وصل ويس ستريتنغ إلى الحكومة بعد الفوز الكاسح لـ«العمال» في انتخابات يوليو (تموز) 2024، لكنه كاد يخسر مقعده في تلك الانتخابات.

ففي حين حصد حزب العمال غالبية برلمانية ضخمة، احتفظ ستريتنغ بمقعد إلفورد نورث بفارق بسيط لا يزيد على 528 صوتاً فقط أمام المرشحة المستقلة البريطانية - الفلسطينية ليان محمد، التي بنت حملتها إلى حد كبير على معارضة موقف العمال من «حرب غزة»؛ إذ بلغ مجموع أصوات ستريتنغ يومذاك 15647 صوتاً، مقابل 15119 لمنافسته.

وبالتالي، أظهرت النتيجة هشاشة موقعه الانتخابي المحلي على الرغم من حضوره السياسي على المستوى الوطني، في دائرة شديدة التنوع كان لـ«حرب غزة» تأثير مباشر على خيارات ناخبيها، ولا سيما من المسلمين واليساريين.

قطاع «الصحة»... مختبر ستريتنغ

عُيِّن ستارمر ستريتنغ وزيراً للصحة يوم 5 يوليو (تموز) 2024، مُسنداً إليه واحدة من أصعب حقائب الحكومة. فهذه الحقيبة تشمل مسؤولية إدارة «خدمة الصحة الوطني» NHS التي كانت تواجه قوائم انتظار طويلة، وإضرابات للأطباء، وضغوطاً مالية وبيروقراطية متشعبة.

في البداية، توصَّل الوزير الجديد إلى اتفاق مع الأطباء المُقيمين أنهى موجة من الإضرابات، بيد أنه دخل لاحقاً في صدامات حادّة مع نقابتهم، «الجمعية الطبية البريطانية»، التي اتّهمها في مرحلة لاحقة بالتصرّف كـ«احتكار» (كارتل)، وفق «الغارديان».

أكثر من هذا، أثار ستريتنغ حفيظة الجناح اليساري في الحزب بسبب استعداده للاستعانة بالقطاع الخاص لتقليص قوائم الانتظار. ودافع عن ذلك بالقول إنه لا يجوز أن ينتظر المريض دوره لأسباب آيديولوجية إذا كانت الإمكانية العلاجية متاحة خارج القطاع العام. وفعلاً، أبرمت الحكومة في يناير (كانون الثاني) 2025 اتفاقاً مع مقدّمي الخدمات المستقلين لتوسيع علاج مرضى «خدمة الصحة الوطنية» في مرافق القطاع الخاص.

لكن قرار ستريتنغ الأكثر جرأة كان إلغاء مؤسسة «إن إتش إس إنغلاند» وإعادة وظائفها تدريجياً إلى وزارة الصحة، بهدف تقليص البيروقراطية وإنهاء تداخل الصلاحيات. وبرَّر في حينه القرار بأن النظام بات يضم جهازين يؤديان وظائف متداخلة. وبالنتيجة، سجلت قوائم الانتظار تراجعاً خلال ولايته.

واللافت أن الحكومة ذكرت أن مليوني موعد إضافي أُنجزت قبل الموعد المحدّد بسبعة أشهر، فيما أشار ستريتنغ إلى توفير خمسة ملايين موعد طبي إضافي خلال السنة الأولى، وتحقيق «أكبر انخفاض في أوقات الانتظار منذ 17 سنة». إلا أن تجدّد إضرابات الأطباء لاحقاً هدد - وفق «رويترز» - بتقويض جانب من هذا التقدم.

من حليف لستارمر إلى خصم ومنافس

بالتوازي، ظل ستريتنغ طامحاً إلى زعامة حزب العمال. لكن الخلاف بينه وبين ستارمر لم يخرج إلى العلن إلا في مايو الماضي، بعد سلسلة من النتائج الانتخابية السيئة للحزب، ففي يوم 14 مايو، كان ستريتنغ أول وزير كبير يستقيل مطالباً بتغيير قيادة الحزب. وكتب على «إكس» في رسالة استقالته: «حيث نحتاج إلى رؤية، هناك فراغ. وحيث نحتاج إلى اتجاه، هناك انجراف». وبعد يومين، أعلن أنه سيترشّح في أي سباق لخلافة ستارمر، لكنه رفض الدفع نحو منافسة فورية قبل منح بيرنهام فرصة للعودة إلى مجلس العموم، قائلاً إن سباقاً يستبعده سيفتقر إلى الشرعية.

إلا أنه بعد فوز بيرنهام في انتخابات ميكرفيلد الفرعية وعودته إلى مجلس العموم، أعلن ستريتنغ يوم 22 يونيو (حزيران) انسحابه من السباق ودعمه بيرنهام، قائلاً إن الحزب يحتاج إلى الوحدة بدلاً من «تضخيم الاختلافات الصغيرة». وبعد أقل من شهر، أعاده بيرنهام إلى الحكومة وزيراً للدفاع.

توجُّه «بليري»؟

يُصنَّف ستريتنغ عادة ضمن «يمين» حزب العمال، وهو لا يخفي إعجابه بتوني بلير. ووفق مصادر مطلعة، فإنه لو خاض سباق الزعامة، كان سيطرح برنامجاً أكثر قرباً من قطاع الأعمال من منافسيه المحتملين، كما سبق أن أعرب عن ضيقه من ارتفاع مستويات الضرائب في بريطانيا.

مع هذا، لا تتطابق مواقفه دائماً مع مواقف الجناح «البليري» في الحزب؛ إذ عارض «حرب العراق» وهو طالب، كما أنه من أبرز المؤيدين للتقارب مع الاتحاد الأوروبي. وذهب في مايو إلى حد الدعوة إلى عودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي مستقبلاً، بعدما كان قد دعا إلى دراسة الانضمام مجدداً إلى اتحاد جمركي معه.

وإزاء الهجرة، تصفه «سكاي نيوز» بأنه أكثر ليبرالية من بعض زملائه، وأبدى تحفّظات عن جوانب من تشديد قواعد التأشيرات واللجوء، وعلى ترحيل العائلات التي تدخل بريطانيا بصورة غير نظامية.

أما حيال الإنفاق العام، فأظهر استعداداً لمواقف أكثر صرامة. وكان، وفق «رويترز»، أول وزير في حكومة ستارمر يدعو علناً إلى خفض الإنفاق على الرعاية الاجتماعية لتمويل زيادة الإنفاق الدفاعي.

من المستشفيات... إلى الصواريخ

هذه المواقف سبقت انتقاله إلى الدفاع، ولعلها أسهمت في اختيار بيرنهام له؛ فالوزارة التي تسلَّمها تواجه تحدّياً أساسياً: التوفيق بين الطموحات العسكرية المتزايدة لبريطانيا والموارد المتاحة لتمويلها. وكانت حكومة ستارمر قد أقرت في أيامها الأخيرة زيادة قدرها 15 مليار جنيه إسترليني في الإنفاق العسكري على مدى أربع سنوات. كذلك التزمت بريطانيا، في إطار «الناتو»، برفع الإنفاق الأساسي على الدفاع إلى 3.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2035.

وفي أول خطاب كبير لستريتنغ خلال معرض فارنبورو للطيران، قال إن الدفاع «يحتاج إلى الاستثمار والتحديث معاً»، مؤكداً أنه سيطبق في الوزارة الجديدة النهج نفسه الذي اتبعه في وزارة الصحة لخفض الهدر وتحسين الكفاءة.

وأعلن أن الحكومة أبرمت عقوداً دفاعية تتجاوز قيمتها 11.8 مليار جنيه خلال عشرة أيام فقط، وتعهد بأن تكون بريطانيا «حليفاً قوياً يمكن الاعتماد عليه» في الخارج، وأن تدعم الصناعات الدفاعية النمو والوظائف في الداخل.هذا، وجاءت بداية ستريتنغ في الوزارة أيضاً وسط اختبار سريع للتهديدات الأمنية التي ستتعامل معها. ففي أول أيامه، وصف مناورة روسية بالذخيرة الحية قبالة الساحل الإنجليزي بأنها «استعراضية وغير مسؤولة»، وقال إن الحادث ليس سوى «قمة جبل الجليد» من التهديدات التي تواجهها بريطانيا وحلفاؤها يومياً.


تحديث صناعة الدفاع البريطاني... فجوة بين الطموح والقدرات

تحديث صناعة الدفاع البريطاني... فجوة بين الطموح والقدرات
TT

تحديث صناعة الدفاع البريطاني... فجوة بين الطموح والقدرات

تحديث صناعة الدفاع البريطاني... فجوة بين الطموح والقدرات

تسلّم وزير الدفاع البريطاني الجديد ويس ستريتنغ حقيبته الجديدة من دون خبرة سابقة في الملفات العسكرية. إلا أنه يواجه تحدياً يشبه، إلى حد بعيد، ذلك الذي اختبره في وزارة الصحة؛ مؤسسة حكومية ضخمة تحتاج إلى تمويل أكبر، بالتزامن مع إصلاح طريقة إنفاقها.

كان ستريتنغ، قبل توليه الحقيبة، من أبرز الأصوات داخل حكومة كير ستارمر المطالبة بزيادة موارد القوات المسلحة. لكن مهمته الجديدة تتجاوز الضغط للحصول على التمويل؛ إذ يتعين عليه تحديث جيش تقلّص حجمه بصورة كبيرة منذ الحرب الباردة، وتسريع مشاريع تسليح تأخرت لسنوات، وتقليص الهدر والبيروقراطية، في وقت تتزايد التزامات بريطانيا تجاه حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوكرانيا والتهديدات العسكرية غير التقليدية.

بيانات جمعتها الـ«بي بي سي» كشفت عن حجم التراجع الذي شهدته القوات المسلحة في العقود الماضية. فعام 1990، كان عديد الجيش البريطاني 153 ألف جندي نظامي، مقابل نحو 73.8 ألف حالياً. كما انخفض عدد قوات الاحتياط من 76 ألفاً إلى نحو 25.8 ألف، وتراجعت طلبات الالتحاق بالجيش بنحو 40 في المائة عام 2025 مقارنة بالعام السابق.

الصورة مماثلة في سلاحي البحر والجو. إذ انخفض عدد السفن القتالية الرئيسة في البحرية الملكية من 48 عام 1990 إلى سبع فرقاطات وست مدمّرات، في حين تقلّص أسطول الطائرات القتالية من أكثر من 300 طائرة إلى 107 من طراز «تايفون»، و37 مقاتلة «إف – 35»، وإن كانت الطائرات الحديثة أكثر تطوّراً من سابقاتها.

وتكتسب هذه الأرقام وزناً أكبر في ظل ما وصفته مكتبة مجلس اللوردات البريطاني بأنه «أصعب بيئة أمنية منذ الحرب الباردة». فمراجعة الدفاع الاستراتيجية لعام 2025 اعتبرت أن الغزو الروسي لأوكرانيا أعاد إلى أوروبا احتمال الحروب الواسعة بين الدول، وكشف عن أهمية الجاهزية العسكرية والمخزونات والقدرة الصناعية. وحذّرت من تصاعد التهديدات الهجينة، من الهجمات الإلكترونية والتخريب إلى حملات التضليل واستهداف البنية التحتية الحيوية، ودعت إلى الانتقال نحو «الجاهزية لخوض الحرب»، مع زيادة الاعتماد على المسيّرات والذكاء الاصطناعي وربطها بالقوات التقليدية.

ولكن المشكلة لا تقتصر على حجم الموارد البشرية والعتاد العسكري. فقد أشار «مكتب التدقيق الوطني» إلى أن وزارة الدفاع تواجه منذ سنوات صعوبات في تسليم مشاريعها ضمن الميزانية والجدول الزمني المحددين. ومن أصل 47 مشروعاً دفاعياً مدرجاً ضمن أكبر مشاريع الحكومة، صُنّف 12 منها في خانة «الأحمر»، أي أن تنفيذها الناجح بات غير مرجح. كما يستغرق إبرام عقد تزيد قيمته على 20 مليون جنيه إسترليني في المتوسط ست سنوات ونصف السنة، وفق الـ«بي بي سي».

وتزداد حساسية مهمة ستريتنغ؛ لأن سلفه في وزارة الدفاع، جون هيلي، أصبح وزيراً للخزانة، وبات مسؤولاً عن توفير الأموال التي كان يطالب بها سابقاً. وتلتزم بريطانيا رفع الإنفاق الأساسي على الدفاع إلى 3.5 في المائة من الناتج المحلي بحلول 2035، ضمن هدف أوسع لـ«ناتو» يبلغ 5 في المائة للأمن الوطني.