«حتى نهاية الزمان»... كيف نضفي معنى على تجربتنا البشرية؟

كتاب جديد لبرايان غرين يطرح فيه موضوعات فلسفية في سياق تناول مفاهيم فيزيائية

برايان غرين
برايان غرين
TT

«حتى نهاية الزمان»... كيف نضفي معنى على تجربتنا البشرية؟

برايان غرين
برايان غرين

ينشر يوم 18 من هذا الشهر كتاب للفيزيائي اللامع برايان غرين، صاحب أكثر الكتب مبيعاً، ومنها كتابه الشهير «الكون الأنيق». والكتاب الجديد بعنوان «حتى نهاية الزمان: العقل والمادة وبحثنا عن معنى في كون متطور». وهنا قراءة في الكتاب:
مَنْ هم الفلاسفة الحقيقيون في عصرنا هذا الذي يوصف بعصر موت الفلسفة؟ سيكون أمراً متوقعاً إذا تباينت الإجابات والأفكار بهذا الشأن، إنما هناك قناعة باتت تترسخ بأن الفيزيائيين (والرياضياتيين كذلك) هم الوحيدون الجديرون ليوصفوا بكونهم فلاسفة حقيقيين. وتتأسّسُ هذه القناعة على فكرة مفادُها أنّ الفلسفة هي في جوهرها مساءلة للموضوعات الكبرى في الكون، واستكشاف التأصيل الفكري الممكن لكلّ من الكينونات الثلاث الكبرى بحسب ترتيبها المنطقي: الكون، والحياة، والوعي. وقد تقنّعت هذه الموضوعات الثلاثة تحت تسميات وتوصيفات كثيرة منذ عصر بداية الفلسفة الإغريقية حتى انتهت في يومنا هذا لتتجوهر في هذه الثلاثية الإشكالية.
وشهدت العقود الثلاثة الأخيرة طفرة نوعية في المؤلفات التي تتناول هذه الثلاثية المعرفية من قبل فيزيائيين صاروا يعدّون في طليعة الفلاسفة الفاعلين في المشهد الفكري العالمي، ويمكن تعداد بعض الأسماء المهمّة المؤثرة في هذا الشأن: كارلو روفيلي، وشين كارول، وماكس تيغمارك، ونِك بوستروم، وماركوس دو سوتوي، وبول ديفيز، وميتشيو كاكو،... إلخ. ولا يمكننا هنا إغفال أحد الأسماء المهمّة في هذا الميدان: بريان غرين.
وقفز اسم بريان غرين (Brian Greene)، أستاذ الفيزياء والرياضيات في جامعة كولومبيا الأميركية العريقة، إلى طليعة أفضل الكُتّاب العلميين عقب نشر كتابه الذائع الصيت «الكون الأنيق» (The Elegant Universe) الذي حقّق نجاحاً كبيراً، وتصدّر قائمة أفضل الكتب مبيعاً لأسابيع عدّة، ثمّ تتالت النجاحات التي نالتها كتبه الأخرى: «نسيج الكون» (The Fabric of the Cosmos)، و«الواقع الخفي» (The Hidden Reality)، وأخيراً كتابه الذي سيصدر بعد أيام، وعنوانه «حتى نهاية الزمان: المادة والعقل وبحثُنا عن المعنى في عالم متطوّر» (Until the End of Time: Mind، Matter، and Our Search for Meaning in an Evolving Universe).
ويعمل بريان غرين، البالغ من العمر 56 سنة، بالإضافة لأستاذية الفيزياء والرياضيات، مديراً لمركز جامعة كولومبيا للفيزياء النظرية، ويعدُّ أحد الفيزيائيين الطليعيين المناصرين لـ«نظرية الأوتار» (String Theory) التي يعتقد كثير من الفيزيائيين بأنها ستمثّل المقاربة الصائبة لتحقيق التوحيد المرتجى للقوى الفيزيائية المعروفة.
ويتمايزُ هذا الكتاب جوهرياً عن كتب بريان غرين الأخرى، فهو أكثر مساءلة للموضوعات الفلسفية في سياق تناول المفاهيم الفيزيائية، وقد توسّع المؤلّف في ذائقته الفلسفية، فتناول موضوعات على شاكلة: تطوّر اللغة وعلاقته بالوعي البشري، والدين في عالم متغيّر، والسياسة والعلم والتقنية وصناعة القرارات ذات المفاعيل العالمية، وتعليم العلم في القرن الحادي والعشرين، وهو ما يمنح هذا الكتاب مواصفاتٍ أراها مسوّغة للإقرار بأفضليته وتفوّقه النوعي على الكتب الأخرى -ذات الطبيعة الفيزيائية التقنية المحضة- التي كتبها غرين، وفي الوقت ذاته هو السبب الذي جعل هذا الكتاب أكثر بدانة من الكتب الأخرى (448 صفحة، بسطور متقاربة وكلمات صغيرة مرصوصة رصاً). لكنّ الفائدة والمتعة المرجوّتين من هذا الكتاب تعادلان كلّ عناء القراءة والتنقيب والبحث الفيزيائي المشوب بمطيّبات فلسفية مستساغة.
وتُعدُّ ثنائية (المعنى - الغاية) موضوعة لطالما ظلّت تمثّل إشكالية على كلّ الجبهات المعرفية (فكرية، وفلسفية، وعلمية، وجودية). فمنذ بداية النهضة العلمية والتأسيس المعلن للعلم الفيزيائي، سادت قناعة (ميتافيزيقية الطابع) بأنّ المعنى كامنٌ في الغاية، ومشروط بوجودها، وقد صارت مشروطية ارتهان المعنى بالغاية عنواناً عريضاً لعصر التنوير الأوروبي، مثلما صارت ميداناً لمباحث فلسفية كثيرة أرادت جعل موضوعة (الغائية) مقترنة بكمال وجمال الوجود الإنساني، حتى على صعيد العلم الطبيعي، ويمكن في هذا الميدان أن نشهد كيف تحولت الفلسفة الديكارتية إلى نمط اختزالي ميكانيكي يجعل الموجودات (بدءاً من الكائن البشري حتى الكون) محكومة بقوانين ميكانيكية محددة تنقاد للفيزياء النيوتنية التي عُدّت في نهاية المطاف المثال الأكمل والأسمى في كيفية اقتران المعنى بالغاية.
إذن، كل الأشياء موجودة من أجل غاية محددة خليقة بخلع معنى متّسم بالمهابة والجلال، ويشي بالقدرة الخلاقة للصانع الأمهر (الإله كلي القدرة)، وقد أبدى العلماء من جانبهم انبهاراً -لم يلبث أن تعاظم مع الأيام- بالصياغات الرياضياتية المحكمة التي جاءت بها الميكانيكا النيوتنية التي صارت مسك ختام العلم الطبيعي، وأيقونته العصية على البلى أو الاندثار. وظلّ الأمر على هذا المنوال حتى بدايات القرن العشرين، وانبثاق الميكانيكا الكمومية التي قلبت الأسس الفلسفية للعلم الفيزيائي.
قد لا يُبدي بعض المنافحين عن وجود معنى للحياة، مقترن شرطياً بغائية فيها، ولعاً بالتفاصيل الفلسفية والرياضياتية والفيزيائية؛ لذا نراهم يحاججون بتلك الحجة اللاهوتية الأزلية: كيف يمكن تصوّر العيش في عالم غير ذي غاية ولا معنى؟ وهل ثمة إمكانية لوجود أخلاقيات في مثل هذا العالم؟ هم يسعون في طلب مرجعية أخلاقياتية في مكانٍ ما من العالم (أو الكون)، لكنّ التفكّر الوجودي والفلسفي سيقودنا في النهاية للاقتناع المُسبب بأن المرجعية إنما تكمن في دواخلنا نحن -لا غيرنا- من يصنعها ويشكّلها تبعاً لرؤيتنا الفلسفية وتوجهاتنا العلمية ومحرّكاتنا الأخلاقية.
ويناقش المؤلف في الكتاب -وباستفاضة مدهشة- الكيفية التي انبثقت بها الحياة البشرية عقب سلسلة متتابعة من الوقائع الكمومية الضخمة التي تعود إلى بدايات الانفجار العظيم. وعندما ندرك هذه الحقيقة التي ترى أنّ العقل والحياة إنما هما محض ظاهرتين عابرتين بالمقياس الكوني، فسندرك حينها الأهمية العظمى لمسعيين أساسيين في هذه الحياة: الأول أن نحاول بأعظم ما نستطيع من جهد ترك ميراث نبيل لنا بعد غيابنا، والثاني هو الإيمان بأن كلّ فردٍ فينا إنما أعطِي فرصة عظيمة ومدهشة لاختبار الحياة، ولا ينبغي تحت أي سبب أو ذريعة نسيان هذه الفرصة العظيمة التي سرعان ما ستنطفئ في لجّة الزمان الكوني.
إنّ فهم الكيفية التي تناغمنا بها مع الصورة الكونية الأشمل يظلّ دوماً مصدر فائدة عظمى، وإذا ما فهمنا هذا التناغم الممتد من الانفجار الكبير حتى نهاية التخوم الزمنية التي يمكن أن ينتهي معها الكون -وحياتنا كذلك- فسيقودنا هذا الأمر إلى إعادة تشكيل مفهومنا عن المعنى والغاية في الحياة: سندركُ أن ليس ثمة جوابٍ نهائي يجوبُ أعماق الكون منتظراً من كائنات بشرية مثلنا أن تكتشفه، بل إن معرفة حكاية السردية الكونية سترفع عنّا عبء البقاء مأسورين لذلك الهاجس الكوني اللحوح، وسيدفعنا في الوقت ذاته لتطوير أسبابنا الذاتية العميقة لموضوعة الغاية من وجودنا البشري، والتفكّر الحثيث في تلك الموضوعة مع كلّ طور ارتقائي في حياتنا.
ليس بالعلم وحده يحيا الإنسان، هذا ما يؤكّده المؤلّف عندما يتناولُ موضوعة (الدين)، وهو يرى عسفاً راديكالياً وأصولية علمية من جانب بعض العلماء عندما يسائلون الدين على أساس كمّ المعلومات الحقيقية التي يمكن أن يقدّمها لنا في فهم الواقع الموضوعي. وليس هذا من الإنصاف أو المروءة لأعلى الصعيد القيمي أو البراغماتي، إذ تكمن فائدة الدين -بعيداً عن مواضعاته اللاهوتية- في قدرته على تحفيز نوعٍ من حسّ الانتماء الجمعي عبر رؤية حيواتنا في سياق كوني أكبر من النظرة الفردية الضئيلة، وتسكين مخاوفنا المتأصّلة تجاه حتمية الفناء والموت. ويورد المؤلف العبارة التالية في هذا الشأن: «عندما أتفكّرُ في سعيي الدائم لفهم ذاتي -باعتباري كائناً بشرياً- ولفهم الكيفية التي تتناغم بها كينونتي البشرية مع السلسلة الطويلة من الثقافة الإنسانية التي تمتدّ آلاف السنوات في عمق التاريخ البشري، فإنّ الدين جزء حيوي مفيدٌ للغاية في تلك الحكاية».
ومن المفيد هنا الإشارة إلى أنّ مثل هذه المساءلات الجوهرية للموضوعات الكبرى (الكون، والحياة، والوعي) إنما تنشأ منذ بواكير الطفولة؛ وبهذا تكون الطفولة مصدر التنوير والشغف المعرفي الذي ينبغي الانتباه إليه وتطويره. ويعترف بريان غرين: «منذ أن كنتُ طفلاً، تلبّسني ولعٌ عظيم في التفكير بهذه الأسئلة: لم أفكّر بـ(لماذا أنا هنا؟)، بل بـ(كيف جرى الأمر لأكون هنا؟)، ولم أفكّر بـ(لماذا يوجد كونٌ؟)، بل بـ(كيف حصل الأمر ليكون الكون على ما هو عليه؟). إنّ مثل هذه الأسئلة تقودك حتماً إلى قلب الفيزياء». ويكمن معنى الحياة وغائيتها في عقولنا وأرواحنا فحسب: هذا هو ما تعكسه هذه الأسئلة الجوهرية لطفلٍ يافع عبر التفكّر في سؤال (كيف؟)، بدلاً من سؤال (لماذا؟).
كتابُ غرين هذا هو أقربُ ليكون جولة رائعة يحكي لنا فيها المؤلّف كيف انبثقت الحياة والعقل من الفوضى الأولى، وكيف نخلعُ معنى على تجربتنا البشرية بوسائط عدّة: السرديات الكبرى (قصّة الخلق)، والأسطورة، والدين، والإبداع الخلّاق، والعلم، والأنساق الثقافية، والسعي الحثيث وراء الكشف عن الحقيقة، والتوق الغلغامشي إلى المطلق الخالد الأبدي.
بقي أن أقول: لا بد لهذا الكتاب (وأمثاله من أدبيات الثقافة الثالثة) أن يعطى أسبقية في الترجمة، بقصد إشاعة هذه الثقافة في أوساطنا العربية، وتحبيبها إلى القرّاء الشغوفين، وتشجيعهم على قراءتها وجعلها عنصراً إثرائياً لا غنى عنه في ثقافتهم العامة.
- كاتبة روائية مترجمة عراقية مقيمة في الأردن


مقالات ذات صلة

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

ثقافة وفنون غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق الرئيس السوري استقبل وزير الثقافة السعودي والوفد المرافق له بقصر المؤتمرات في دمشق الخميس (واس)

السعودية وسوريا تؤكدان عمق علاقاتهما الثقافية

التقى الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، نظيره السوري محمد ياسين صالح، خلال زيارته الرسمية إلى دمشق لحضور معرضها الدولي للكتاب 2026.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
كتب إقبال كبير على المعرض (رويترز)

«القاهرة للكتاب» يحتفي بأصوات جديدة في الإبداع والنقد والنشر

حقق معرض القاهرة الدولي للكتاب في ختام دورته الـ57 رقماً قياسياً جديداً في عدد الزوار الذين تخطوا حاجز الستة ملايين زائر على مدار 13 يوماً.

رشا أحمد (القاهرة)
كتب عمر مرزوق

الباحث الجزائري عمر مرزوق يسبر ثقافتنا التراثية التقليدية

يعتبر الباحث الجزائري الدكتور عمر مرزوق أحد كبار المثقفين العرب المضيئين لعصرنا؛ عصر الظلمات الداعشية.

هاشم صالح

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.