تصعيد ماروني ضد السلطة السياسية طلباً للإسراع بالإصلاحات

مطران بيروت يطالب المسؤولين بالتصدي للأزمة «وإلا فالاستقالة أشرف»

شاب لبناني ينظر إلى شهادات الجامعيين العاطلين عن العمل بعد أن فقد 60 ألف شخص وظائفهم منذ نوفمبر بسبب الأزمة الاقتصادية (إ.ب.أ)
شاب لبناني ينظر إلى شهادات الجامعيين العاطلين عن العمل بعد أن فقد 60 ألف شخص وظائفهم منذ نوفمبر بسبب الأزمة الاقتصادية (إ.ب.أ)
TT

تصعيد ماروني ضد السلطة السياسية طلباً للإسراع بالإصلاحات

شاب لبناني ينظر إلى شهادات الجامعيين العاطلين عن العمل بعد أن فقد 60 ألف شخص وظائفهم منذ نوفمبر بسبب الأزمة الاقتصادية (إ.ب.أ)
شاب لبناني ينظر إلى شهادات الجامعيين العاطلين عن العمل بعد أن فقد 60 ألف شخص وظائفهم منذ نوفمبر بسبب الأزمة الاقتصادية (إ.ب.أ)

عكست التحذيرات قوية اللهجة التي أطلقها المطارنة الموارنة في احتفالات ذكرى مار مارون، أمس، إحساساً بالخطر على الكيان اللبناني في مئويته، وفي ظل الأزمة الاقتصادية الحالية. وعبّر عن ذلك راعي أبرشية بيروت للموارنة، المطران بولس عبد الساتر، في القداس الذي حضره رئيس الجمهورية ميشال عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الحكومة حسان دياب، بالمطالبة بإصلاح الخلل في الأداء السياسي والاقتصادي والاجتماعي، مضيفاً: «وإلا فالاستقالة أشرف».
وتعد اللهجة التحذيرية التي انطلقت في عظات المطارنة في بيروت وطرابلس، تصعيداً غير مسبوق لحث المسؤولين على القيام بواجباتهم الإصلاحية، وهو ما وضعه مصادر مارونية في إطار «التحذير من ارتفاع منسوب الخطر على الكيان اللبناني»، جراء الأزمة الاقتصادية والاجتماعية المتنامية بموازاة التطورات في المنطقة والمتغيرات الجغرافية والديموغرافية. وشددت المصادر على أن «الصرخة تأتي بهدف تثبيت الأمن الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي، وهو وحده الكفيل بحماية لبنان وتنوعه».
وسأل المطران عبد الساتر، في عظته، بكنيسة مار مارون في بيروت، «ألا يحرك ضمائركم نحيب الأم على ولدها الذي انتحر أمام ناظريها لعجزه عن تأمين الأساسيات لعائلته؟ أو ليست هذه الميتة القاسية كافية حتى تخرجوا الفاسد من بينكم، وتحاسبوه وتستردوا منه ما نهبه لأنه ملك للشعب؟ ألا يستحق عشرات الألوف من اللبنانيين الذين وثقوا بكم وانتخبوكم في مايو (أيار) 2018 أن تصلحوا الخلل في الأداء السياسي والاقتصادي والمالي والاجتماعي، وأن تعملوا ليل نهار مع الثوار الحقيقيين أصحاب الإرادة الطيبة، على إيجاد ما يؤمن لكل مواطن عيشة كريمة؟ وإلا فالاستقالة أشرف».
وأضاف: «أو ليس وقوف الآلاف من شبابنا أمام أبواب السفارات في مسعى منهم إلى مغادرة البلاد في أسرع وقت، حافزاً كافياً لتتوقفوا يا رؤساء الأحزاب والنواب والوزراء، عن تقاذف التهم والمسؤوليات، وعن محاولات تحقيق مكاسب هشة، سياسية وغيرها، والشروع في التعاون معاً بجدية بنظافة كف من أجل إنقاذ وطننا من الانهيار الاقتصادي والخراب الاجتماعي؟ فماذا تنتظرون؟»، وتوجه إلى الرئيس عون بالقول: «في خطاب القسم تكلمتم على ضرورة الإصلاح الاقتصادي وعلى خطة اقتصادية شاملة مبنية على خطط قطاعية، وأكدتم أن الدولة من دون مجتمع مدني لا يمكن بناؤها»، وأضاف: «نحن الذين نعاني الخوف من الفقر والضيق المعيشي والحرمان من أبسط مقومات العيش الكريم، ما زلنا نرجو أن تستيقظ الضمائر، وأن يقوم القضاء بدوره في المحاسبة بحرية وشفافية. نحن اللبنانيين لا نزال نصدق يا فخامة الرئيس ويا دولة رئيس مجلس النواب ويا دولة رئيس مجلس الوزراء، أنكم، مع من انتخبناهم مسؤولين علينا، لن تخذلونا. والا الويل لنا جميعاً». وأعرب عن مخاوفه من أن «ينفجر الشعب كله فيختار أن يرحل عن شوارعه وبيوته التي عاش فيها المذلة والقهر والتعاسة، ساعياً خلف أوطان جديدة فيزول لبنان».
ووصف رئيس المجلس العام الماروني الوزير السابق وديع الخازن، المواقف، بأنها «صرخة مدوية»، موضحاً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الطريقة المتبعة في إدارة شؤون البلاد جعلت المرجعيات الكنسية تعيد حساباتها بالنسبة لطريقة إدارة الدولة وانتقادها»، مشيراً إلى أن الأداء لا ينسجم بتاتاً مع دستور الدولة في الجمهورية الأولى أو الثانية أو الثالثة، حيث لم يُطبق الدستور بحذافيره، «وهو ما دفع لبنان لعيش فترات متكررة من الاضطرابات والحروب الأهلية التي هجرت عبثاً، وساهمت في تراجع لبنان».
وقال الخازن إن المطارنة «دقوا ناقوس الخطر، وجاءت الملاحظات لتضيء على مخاطر المرحلة في ظل الغليان في المنطقة، وهو ما يرتب على الجميع بذل جهود إصلاحية تعزز الوحدة وتعيد ثقة المواطن ببلده، علماً بأن الثقة لن تعود إلا بعد إحساسه بأن هناك إدارة سليمة للبلاد»، لافتاً إلى أن تصريحات البطريرك الماروني بشارة الراعي، آخرها عن إلغاء المادة 95 من الدستور، «تدل على أن البطريرك والمرجعيات الأخرى لم تعد تتقبل الظرف القائم والمراوحة وحالة الاضطراب والقلق». وإذ استبعد أن يكون هناك خطر على الكيان، شدد على أنه في الظروف الإقليمية «يجب أن يتوحد اللبنانيون، ويسترجعوا الأموال المنهوبة، ويعززوا الاستقرار الاجتماعي، ويحلوا مشكلة المصارف، وهي أهداف التصعيد طلباً للاستعجال بالإصلاحات».
وقال عضو تكتل «الجمهورية القوية» النائب جوزيف إسحاق، إن التحديات الاقتصادية تفرض خطراً على الأنظمة بشكل عام، ومن الطبيعي أن تركز الدعوات على معالجة الوضع الاقتصادي بهدف حماية البلاد، لأنه «في حال لم تتم معالجة الوضع الاقتصادي، وإيلاؤه الأهمية اللازمة، فإن التأزم سيزيد وسيضاعف المخاطر». وقال لـ«الشرق الأوسط»: «من هنا جاءت الدعوات التصعيدية من قبل المطارنة في العظات اليوم (أمس الأحد)، بالنظر إلى تحسّسهم بأن الأكثرية الحاكمة تتصرف بلا مبالاة، وعادة ما يلعب رجل الدين دور الوسيط بين جميع الأطراف، ولا يتخذ موقفاً، لكن اللامبالاة من قبل الأكثرية الحاكمة اضطرتهم لاتخاذ هذا الموقف الصحيح الداعي للمباشرة بالإصلاحات».
وأكد إسحاق أن هذا التصعيد لا يمكن وضعه في إطار التجاذب السياسي، ولم يكن الهدف منه بتاتاً الاصطفاف أو تأييد فريق على حساب آخر أو رحيل فريق لصالح وصول آخر، مشدداً على أنه «صرخة تؤكد بأن طريقة إدارة الأزمة سلبية، ولا يشعر هؤلاء المسؤولون بحاجات الناس والبلد، ويتعاطون معها وفق منطق اللامبالاة». وأكد إسحاق أن كتلة «الجمهورية القوية» لن تعطي الحكومة الثقة في الجلسة البرلمانية، غداً الثلاثاء، بسبب طريقة المحاصصة التي تألفت بها الحكومة، واستمرار الفرقاء المشاركين في وزاراتها، مما يعيق القضاء على الفساد والهدر. ولأن السلطة تخطت أسباب استقالة الحكومة واستقالة وزرائنا منها، وهي الموازنة المخيبة لآمال اللبنانيين التي عادت وتبنتها الحكومة الجديدة. وقال: «تلك الحسابات هي نفسها التي دفعت المطارنة لرفع اللهجة والتحذير لأننا وصلنا إلى الانهيار، ويتعاطى المسؤولون في السلطة الآن بلا مبالاة، وهي تصرفات غير مسؤولة تتم بطريقة غير مقبولة».
كان راعي أبرشية طرابلس المارونية المطران جورج بو جوده، اعتبر أن «الظروف الصعبة التي يعيشها لبنان في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخه، مع انعدام لأي رؤية اقتصادية واضحة للمسؤولين عن إدارة شؤون البلاد من أجل إنقاذه، دفعت باللبنانيين إلى حافة اليأس، وباتوا يشعرون بأنهم مهملون في بلدهم»، ودعا المسؤولين «أن يشعروا بالواقع الأليم الذي يمر به الناس، وأن يباشروا إجراءات سريعة، تسهل حياة المواطنين اليومية، وتساعدهم في تخطي هذا الواقع المرير، بعدما كفروا بالبلد وأصبحوا على شفير الانهيار».



الصومال يعلن تنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية العام المقبل

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

الصومال يعلن تنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية العام المقبل

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

أعلن الصومال الخميس إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية العام المقبل، رغم المشهد السياسي المتزايد الانقسام والمخاوف من تنامي عدم الاستقرار في البلاد.

وكانت ولاية الرئيس حسن شيخ محمود قد انتهت في وقت سابق من هذا العام، في حين أعلنت حكومته في مايو (أيار) «فترة انتقالية» رغم وجود اتفاق مع المعارضة على إجراء الانتخابات.

وسعى حسن شيخ محمود إلى تحويل الصومال نحو نظام انتخابات ديمقراطية، بديلاً عن النظام القائم على شيوخ العشائر، إلا أن مساعيه قوبلت بمعارضة من قادة الأقاليم، معتبرين أنها محاولة للاستحواذ على السلطة.

وفي ظل سيطرة «حركة الشباب» المتمردة على أجزاء واسعة من البلاد، لم يُحرَز سوى تقدم محدود في تنظيم الانتخابات خارج عدد قليل من المناطق المحلية. غير أن لجنة الانتخابات أعلنت في بيان أن الانتخابات البرلمانية ستُجرى في 15 أبريل (نيسان) 2027، على أن تليها انتخابات رئاسية مقررة في 15 مايو.

وقالت إن الانتخابات الرئاسية ستُجرى وفقاً لقانون «ينص على أن مدة ولاية الرئيس هي خمس سنوات، تبدأ بتاريخ أداء الرئيس اليمين لتولي المنصب».

وتولى حسن شيخ محمود السلطة عام 2022، لكنه يعتبر أنه مُنح عاماً إضافياً في الرئاسة بعد إقرار البرلمان في وقت سابق من هذا العام تعديلاً دستورياً وضع إطاراً للانتخابات، ومدّد الاستحقاق الانتخابي. وقاطعت أحزاب المعارضة ذلك التصويت ورفضت التعديلات.


هجوم حوثي على القصر الرئاسي في عدن

قصر معاشيق الرئاسي في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أرشيفية - سبأ)
قصر معاشيق الرئاسي في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أرشيفية - سبأ)
TT

هجوم حوثي على القصر الرئاسي في عدن

قصر معاشيق الرئاسي في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أرشيفية - سبأ)
قصر معاشيق الرئاسي في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أرشيفية - سبأ)

شنَّت الميليشيا الحوثية، الخميس، هجوماً بالصواريخ على محيط قصر معاشيق الرئاسي في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن؛ ما أدى إلى مقتل اثنين من الحراسة الرئاسية وإصابة آخرين، ووقوع أضرار مادية في المنشأة.

وبينما أقرَّت الجماعة بتنفيذ الهجوم، أكدت وزارة الإعلام اليمنية سلامة رئيس الوزراء شائع الزنداني وأعضاء الحكومة، مشيرة إلى أنهم لم يعودوا يعقدون اجتماعاتهم داخل القصر بصفة دائمة تحسباً لهذه الهجمات.

واطمأن رئيس مجلس القيادة اليمني الدكتور رشاد العليمي، في اتصالات هاتفية، على سلامة عضوي مجلس القيادة الفريق الركن عبد الرحمن المحرمي، والفريق الركن محمود الصبيحي، ورئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، وأعضاء الحكومة، عقب الهجوم الإرهابي، حيث استمع إلى تقرير أولي بشأن آثاره، والإجراءات المتخذة للتعامل مع تداعياته.

وأكد العليمي أن الهجوم الحوثي على القصر يمثل امتداداً لنهج الميليشيات في الاعتداء على المطارات والمنشآت النفطية والأعيان المدنية في اليمن والسعودية، وتهديد أمن المنطقة وممراتها المائية، ويكشف مجدداً عن الطبيعة الإرهابية للحوثيين، وعجزهم عن مواجهة إرادة اليمنيين في استعادة المؤسسات الوطنية.

وشدَّد الرئيس على أن الدولة ستواصل أداء مسؤولياتها الدستورية بكل حزم، وأن حماية منشآتها السيادية، ومواطنيها مسؤولية لا تقبل المساومة، مُوجِّهاً الجهات العسكرية والأمنية المختصة باتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية مؤسسات الدولة والتصدي للتهديدات الإرهابية، والرد المناسب على مصادر التهديد، وفقاً للقانون وبما يكفل حماية المدنيين والأعيان المدنية.

العليمي اطمأن هاتفياً على المحرمي والصبيحي والزنداني وأعضاء الحكومة عقب الهجوم (سبأ)

بدوره، أكد مجلس الوزراء أن الاعتداء على قصر معاشيق بالصواريخ والطائرات المسيّرة، يكشف عن النهج الإرهابي للحوثيين وإمعانهم في استهداف المدنيين، مشدداً على أنه لن يثني الحكومة عن أداء مسؤولياتها، وواجباتها تجاه المواطنين، ومواصلة معركة استعادة الدولة ومؤسساتها وإنهاء الانقلاب التي تمضي بها عملية «فجر اليمن».

وأوضح المجلس، في بيان، أن هذا الاستهداف يأتي في سياق نمط متصاعد من الإرهاب الحوثي الذي لم يقتصر على استهداف مؤسسات الدولة، بل امتد إلى الاعتداءات على الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية في السعودية، وقصف الأحياء السكنية بمحافظتي تعز ولحج، بما يعرض حياة المدنيين للخطر ويضاعف معاناتهم.

ونوَّه البيان إلى أن الحوثيين يمثلون تهديداً مباشراً لأمن اليمن وجواره، وللاستقرار الإقليمي والمصالح الحيوية في المنطقة، مضيفاً: «لن يكون مستقبل اليمن رهناً لميليشيا تحمل السلاح في وجه شعبها، وتستهدف أمن جيرانها، وتراهن على العنف لتعويض رفض اليمنيين لمشروعها الانقلابي».

ودعا المجلس المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى اتخاذ موقف واضح وحازم إزاء هذه الاعتداءات، وعدم التعامل معها باعتبارها حوادث منفصلة عن سياقها، وممارسة الضغوط اللازمة لوقف استهداف المدنيين والمنشآت المدنية، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، بما يضمن عدم إفلاتهم من المساءلة.

وأشار البيان إلى مُضي الحكومة في أداء واجباتها، ومساندة القوات المسلحة والتشكيلات العسكرية والأجهزة الأمنية والمقاومة الشعبية في معركة استعادة سلطة الدولة، وتعزيز حضور مؤسساتها وخدماتها، وحماية المواطنين، بالتوازي مع مواصلة الجهود السياسية والاقتصادية والإنسانية اللازمة لتخفيف معاناة الشعب اليمني.


نازحو اليمن بين نيران الحوثيين ومخاطر الأوبئة

آلاف الفارين من تصعيد الحوثيين من دون مأوى ورعاية طبية (إعلام محلي)
آلاف الفارين من تصعيد الحوثيين من دون مأوى ورعاية طبية (إعلام محلي)
TT

نازحو اليمن بين نيران الحوثيين ومخاطر الأوبئة

آلاف الفارين من تصعيد الحوثيين من دون مأوى ورعاية طبية (إعلام محلي)
آلاف الفارين من تصعيد الحوثيين من دون مأوى ورعاية طبية (إعلام محلي)

تزداد المخاوف في ظل تصاعد أعداد النازحين الجدد في اليمن مع استمرار الحوثيين في استهداف التجمعات السكنية بمدينة تعز وأريافها، في وقت تتسع فيه الأزمة الإنسانية بفعل ارتفاع الإصابات المشتبه بها بالكوليرا، وتراجع قدرة المرافق الصحية على تلبية الاحتياجات المتنامية، وسط صعوبات تواجه وصول المساعدات إلى مناطق النزوح.

وتتداخل تداعيات القتال مع المخاطر الصحية التي تلاحق الفارين من منازلهم، إذ لا تنتهي معاناة الأسر بمغادرة مناطق المواجهات، بل تبدأ رحلة أخرى لتأمين المأوى والمياه النظيفة والرعاية الطبية، في ظل اكتظاظ مواقع النزوح ومحدودية الخدمات الأساسية.

وتحذر البيانات الإنسانية من أن استمرار الأعمال العدائية في تعز، خصوصاً في المناطق التي تستضيف أعداداً كبيرة من النازحين، قد يدفع مزيداً من السكان إلى الفرار، بينما تزداد المخاطر الناجمة عن انتشار الأمراض في بيئات تفتقر إلى مقومات الحياة الأساسية.

وحسب بيانات منظمة الصحة العالمية، ارتفع إجمالي حالات الكوليرا المشتبه بها والمبلّغ عنها في اليمن خلال عام 2026 إلى 8034 حالة، بينها 27 وفاة. وسُجّل نحو ربع الحالات خلال الأسابيع الأربعة الأخيرة، بالتزامن مع تصاعد القتال واستمرار نزوح السكان.

الحوثيون يواصلون استهداف التجمعات السكنية في تعز وأريافها (إعلام محلي)

وتتركز 92 في المائة من الحالات المبلّغ عنها في خمس محافظات هي أبين ولحج والضالع وتعز وعدن، وهي مناطق تستضيف أعداداً كبيرة من النازحين، ما يزيد الضغوط على الخدمات الصحية وشبكات المياه والإصحاح البيئي.

ولا تقتصر التداعيات الصحية على الأراضي اليمنية؛ إذ أبلغت السلطات الصحية في جيبوتي عن 44 حالة إسهال مائي حاد، ووفاة واحدة بين اللاجئين اليمنيين هناك، في مؤشر على اتساع الاحتياجات الإنسانية والصحية المرتبطة بحركة السكان.

وتحذر المنظمة من أن الاكتظاظ في مواقع النزوح، ومحدودية الوصول إلى المياه النظيفة، وتعطل الخدمات الصحية، عوامل تزيد احتمالات انتقال الأمراض، بما فيها الكوليرا والحصبة، وغير ذلك من الأمراض التي يمكن الوقاية منها.

وتكتسب هذه المخاطر أهمية إضافية بالنسبة إلى الأطفال والفئات الأكثر هشاشة، خصوصاً أن الإصابة بالمرض قد تتحول إلى تهديد مباشر للحياة عندما يتعذر الوصول إلى المرافق الطبية أو الحصول على مياه آمنة، فيما تواجه الأسر التي فقدت منازلها ومصادر دخلها صعوبات في تحمل تكاليف العلاج وتأمين احتياجاتها اليومية.

تعز في صدارة النزوح

تظهر بيانات مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة أن عدد النازحين بفعل التصعيد الحوثي بلغ 217 ألفاً و303 أشخاص حتى 12 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، وتستضيف محافظة تعز 55 في المائة من إجمالي النازحين، تليها لحج بنحو 45 ألفاً و390 نازحاً، ثم عدن بـ26 ألفاً و112 شخصاً.

وفي تعز، تعد مديريات جبل حبشي والمعافر والشمايتين من أكثر المناطق استضافة للنازحين، بأعداد بلغت، على التوالي، 32 ألفاً و346، و31 ألفاً و230، و24 ألفاً و942 شخصاً. وشهدت هذه المديريات أيضاً بعضاً من أشد الأعمال العدائية خلال الأيام الأخيرة.

وتزداد صعوبة الاستجابة الإنسانية مع تعذر الوصول إلى معظم مواقع النزوح في تعز بسبب استمرار الصراع، الأمر الذي يضع أعداداً كبيرة من الأسر أمام احتمالات نقص المساعدات والمياه الصالحة للشرب والرعاية الصحية، في وقت تزداد فيه الاحتياجات الناجمة عن النزوح وتفشي الأمراض.

الفارون من هجمات الحوثيين يعيشون في مخيمات بدائية ما ساعد على تفشي الأمراض المعدية (إعلام محلي)

وتحذر منظمة الصحة العالمية كذلك من الضغط المتنامي على المرافق الطبية التي تستقبل آلاف المصابين جراء القتال، مشيرة إلى أن نحو 500 مرفق صحي في تسع محافظات متضررة من تصاعد النزاع يفتقر إلى دعم الشركاء.

ويعني استمرار هذا النقص أن قدرة النظام الصحي على التعامل مع الإصابات الناجمة عن القتال والأمراض المعدية تواجه تحديات متزامنة، في وقت تحتاج فيه مناطق النزوح إلى استجابة تجمع بين توفير الخدمات العلاجية والمياه النظيفة وتحسين الظروف الصحية في أماكن الإيواء.