الحلف الذي أسقط صنعاء لم يعد لغزا

صالح استغل الحوثيين واجهة لتثبيت نفوذه.. وربما إعادته لكرسي الحكم

الحلف الذي أسقط صنعاء لم يعد لغزا
TT

الحلف الذي أسقط صنعاء لم يعد لغزا

الحلف الذي أسقط صنعاء لم يعد لغزا

من أسقط العاصمة اليمنية صنعاء بيد المتمردين الحوثيين؟ سؤال يردده اليمنيون منذ 21 سبتمبر (أيلول) الماضي، لكنه لم يعد بلا جواب بعد أن اتضحت الصورة رويدا.. رويدا، وتكشفت بعدها اليد التي سلمت عاصمة بلدهم إلى جماعة مسلحة، فظهور القيادات العسكرية والأمنية والحزبية الموالية للرئيس السابق علي عبد الله صالح بأسمائها ومسلحيها في صنعاء و5 مدن أخرى، يكشف عن قدرة صالح على بناء تحالف جديد مع من قاد ضدهم 6 حروب، وكان المستهدف من هذا التحالف خصومه الذين أسقطوه من على كرسي الحكم عام 2011. ورغم ذلك، فإن صالح ظل ينفي وجود هذا التحالف ويعده ضمن محاولات خصومه لتشويه صورته.

لطالما ردد صالح عبارته المشهورة «الحرب من طاقة إلى طاقة»، وقد نجح في ذلك إلى حد كبير، فقد تحولت معظم مدن الشمال إلى مناطق عنف سقط فيها قتلى وجرحى، ويقابل ذلك تمكن صالح الذي يوصف بأنه «مراوغ وماكر» من تضليل الرأي العام والمجتمع الإقليمي والدولي بخروجه من السلطة، لكنه ظل يمتلك زمام السلطة عبر منظومة الحكم التابعة له من قيادات عسكرية وأمنية وحزبية موالية له كان يديرها بعيدا عن سلطة الدولة من خلال غرف تحكم مركزية كان يستخدمها أثناء حكمه، سواء في منزله المحصن بالضاحية الجنوبية للعاصمة صنعاء أو من مسقط رأسه في مديرية سنحان حيث احتفظ بمعسكرات في منطقة «ريمة حُميد»، وتضم جميع أنواع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة ورفض تسليمها الدولة. ويقول نجل رئيس سابق في حديث جانبي مع «الشرق الأوسط»: «في أحد لقاءاتنا مع صالح، نصحناه بترك العملية السياسية وترك الشعب يختار طريقه، لكنه رفض وقال لنا: (علي وعلى أعدائي)».
لم يعد صعبا التوصل إلى حل لغز سقوط صنعاء، فشهادات كثير من العسكريين والجنود تؤكد أن السلطات العسكرية والأمنية سلمتها للحوثيين وبتوجيهات رسمية من قيادة وزارة الدفاع، التي كانت تؤكد مرارا أن الجيش مؤسسة محايدة، فيما يعتبر الحياد في هذه الظروف نوعا من الخيانة كما يقول الخبراء العسكريون، فالسيطرة على العاصمة صنعاء وقبلها سقوط مدينة عمران بيد الحوثيين، كانت بصمات صالح وأنصاره تظهر فيها، مستندا إلى منظومته الإعلامية والمالية والعسكرية والقبلية الذين كانوا يظهرون بأسمائهم وأسلحتهم لمساندة المتمردين الحوثيين. وقد أثبتت لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن ذلك، إذ يسعى المجلس حاليا إلى معاقبة زعماء هذا التحالف الذين حددتهم اللجنة بـ5 أشخاص، يتصدرهم علي عبد الله صالح ونجله أحمد الذي يعمل سفيرا لبلاده لدى الإمارات، وعبد الملك الحوثي وشقيقه عبد الخالق، إضافة إلى القائد الميداني للحوثيين عبد الله الحاكم.

* هادي لغز محير

* لا يزال موقف الرئيس عبد ربه منصور هادي من التحالف بين صالح والحوثيين لغزا محيرا، فهناك روايات متعددة حول صمته الأولي من سيطرة الحوثيين على صنعاء وعدم اتخاذه قرارات حازمة ضد من أسقط صنعاء واقتحم ونهب معسكرات الجيش بما فيها من الأسلحة الثقيلة. وعلى الرغم من أن خطاباته فيها الكثير من الوعيد والهجوم على الحوثيين، لكنها تبقى حبرا على ورق، كما يقول كثير من المحليين. فوزير الدفاع محمد ناصر أحمد علي، المقرب من هادي، أصدر التعليمات للجيش بتسليم المعسكرات للحوثيين بصنعاء، وهناك روايات أخرى مفادها أنه (هادي) ربما هو نفسه ضمن هذا التحالف الذي أسقط هيبة الدولة. ويلاحظ في خطابات هادي أنه كان دائما ما يردد مقولته الشهير: «إن محافظة عمران خط أحمر، وصنعاء خط أحمر»، لكن الحوثيين تجاوزوا هذه الخطوط ووصلوا إلى بوابة قصره الرئاسي بصنعاء وذهبوا إلى أبعد من ذلك عبر مد نفوذهم إلى مدن ذمار والحديدة وإب والبيضاء وحجة.
لقد كان وزير الخارجية اليمني، جمال السلال، واضحا عندما اتهم أنصار صالح بمساعدة المتمردين الحوثيين للسيطرة على العاصمة صنعاء، فقد أكد في كلمته أمام الدورة الـ69 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك الشهر الماضي: «ما كان لذلك أن يحدث لولا الدعم السياسي والتنسيق اللوجيستي من قبل بعض عناصر النظام السابق». وتؤكد الإحصاءات الخاصة بالمعسكرات والمنازل التي تم اقتحامها من قبل الحوثيين وقوف صالح وراء ذلك، فالمعسكرات والمنازل كانت لخصوم صالح، أبرزهم الجنرال علي محسن الأحمر، ورجل الأعمال حميد الأحمر، إضافة إلى مقرات ومنازل قادة حزب الإصلاح الذي قاد ثورة الشباب عام 2011 التي نجحت في إسقاط صالح من الحكم. وتشير الإحصاءات الخاصة بما تم اقتحامه ونهبه من قبل الحوثيين، إلى رصد أكثر من 211 مقرا من المنشآت الحكومية والعسكرية والخاصة، منها 29 مقرا لحزب الإصلاح، و62 منزلا لقياداته أو الموالين له، إضافة إلى 26 مؤسسة تعليمية، و8 مؤسسات إعلامية. وفي المقابل، تركت معسكرات الحرس الجمهوري المنحل وألوية العمليات الخاصة كما هي ولم يتم اقتحامها أو الاقتراب منها، ويعرف عن هذه المعسكرات ولاؤها الكبير لأحمد نجل صالح الذي كان قائدا لها قبل تعيينه سفيرا لدى الإمارات.
ورغم الشواهد الكثيرة التي تثبت تحالف الحوثيين مع صالح، فإن الناطق باسم «المؤتمر» والأحزاب المتحالفة معه ينفي وجود هذا التحالف، واعتبر الناطق الرسمي للحزب عبده الجندي، أن ما حدث بصنعاء كان بين طرفين متصارعين هما الحوثيون وحزب الإصلاح، موضحا أن التحالف مع الحوثيين هو مجرد «أخبار واتهامات ووقائع مكذوبة ولا أساس لها من الصحة وتهدف إلى الإساءة إلى (المؤتمر الشعبي العام) وقيادته ومواقفه»، لكن قيادات محلية معارضة للحوثيين، في صنعاء، ومحافظات الحديدة وإب والبيضاء أكدت وجود قيادات من أنصار صالح وجنود من الحرس الجمهوري الذي كان يقوده أحمد نجل صالح، في صفوف الحوثيين، وأغلبهم يسيطرون على المقرات العسكرية والحكومية في صنعاء، فأغلب المسلحين فيها يدينون بالولاء لصالح ونجله أحمد الذي يعتبرونه الرئيس المقبل لليمن، ويضعون صوره على بنادقهم وعرباتهم.

* تسليم صنعاء

* يشرح الخبير العسكري العميد محسن خصروف أن «علي عبد الله صالح ضالع في دعم الحوثيين لإسقاط صنعاء وبقية المدن، من أعلى الرأس إلى أخمص قدمه»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «كان لصالح شخصيا وقياداته العسكرية السابقة من الحرس الخاص وقيادات من (المؤتمر الشعبي العام)، مخطط تم إعداده منذ سنتين، ولهم علاقة بما حصل في عمران واقتحام صنعاء وبقية المدن ونهب أسلحة الجيش، وقد كان الحوثيون مجرد غطاء لصالح وأنصاره». وأوضح أن مؤشرات هذا الدعم يكمن في «المشاركة المباشرة لقيادات عسكرية وأمنية وبرلمانيين بأسمائهم ومراكزهم في حصار صنعاء، وهم معروفون للجميع». وحول سهولة دخول الحوثيين وسيطرتهم على المدن، يقول العميد خصروف: «صنعاء والمدن الأخرى لم تسقط، ما حدث ببساطة أنه جرى تسليم وتسلم، عبر اتفاق مسبق بين القيادات العسكرية والأمنية والسياسية، وما حدث من معارك أثناء اقتحام صنعاء كان بهدف التغطية على ذلك، لكن مع الأسف كان الضحية الجنود والمدنيين الذين سقطوا فيها حتى تكتمل التمثيلية الإجرامية». وعد خصروف ما يحدث في اليمن «عملية معقدة، وهي نتاج اتفاق محلي وإقليمي ودولي، حيث تم تعطيل سلطات الدولة بفعل فاعل، وصدرت الأوامر بتحييد قوات الجيش والأمن وترك الميدان للحلف الحوثي الصالحي، ليتسلموا المدن». ويتابع خصروف: «لا يفترض أن يكون الجيش محايدا، ولا أن يكون منحازا إلى أي طرف، بل عليه أن يوقف ما يهدد الأمن القومي للبلاد الذي تم تجاوزه خلال هذه الأحداث، فالجيش من واجباته إيقاف الصراع بين طرفين أو فئتين، ويضرب بيد من حديد الجماعات المسلحة التي تنشر العنف في أي منطقة بالبلاد».
ويرجع الخبير العسكري سبب هذا التحالف بين صالح والحوثيين إلى رغبة الأول في العودة للحكم، ويقول: «كان الهدف الرئيس من هذا الحلف هو العودة للحكم، لكن المتضرر المباشر من ذلك هي العملية السياسية التي تم إحباطها وإعاقتها وخلط أوراقها، إضافة إلى أن هذا التحالف يستهدف جهود الدول الشقيقة والصديقة، خاصة المملكة العربية السعودية، التي رعت العملية السياسية ودعمت انتقال السلطة». وأشار إلى أنه ليس في صالح اليمن استمرار هذا التحالف الذي يقود البلاد إلى «مستقبل مدمر» ويخلق جماعات محلية مضادة كما حدث في محافظتي البيضاء، وإب. وبحسب العميد خصروف، فإن «تمدد الحوثيين كان له رد فعل لإقامة حلف مضاد من قيادات مجتمعية وسياسية، وهم على استعداد للوقوف مع أي قوة تواجه ما يسمى بالحلف الصالحي - الحوثي، وذلك سيدخل البلاد في دوامة صراع وحروب أهلية، تكون المذهبية والطائفية هي عنوانها، وربما نصل إلى طريق التجربة السورية والعراقية إذا لم يتم إيقافها».
من جانبه، يرى الكاتب السياسي ياسين التميمي أن الأحداث التي شهدها اليمن وأعادت صياغة المشهد السياسي فيه، بدءا من دماج ومرورا بعمران وانتهاء بسقوط العاصمة صنعاء بيد الحوثيين، ليست إلا مشروعا تبناه الرئيس السابق علي عبد الله صالح، بالتعاون مع الحوثيين، من أجل استعادة السلطة، عبر اللعب بالأوراق الخطرة وأخطرها الورقة المناطقية والطائفية.
ويقول التميمي لـ«الشرق الأوسط»: «التقدم العسكري الذي أحرزه الحوثيون كان بفضل التحاق مئات العناصر من الحرس الجمهوري المنحل الذي لا تزال وحداته المندمجة ضمن ألوية عسكرية جديدة، تدين بالولاء لقادتها السابقين من أبناء الرئيس وأقاربه والمحسوبين عليه، هذا بالإضافة إلى الأسلحة الحديثة والمتطورة»، مضيفا أن «حلف الثورة المضادة (صالح + الحوثيين)، يتمثل في 3 مستويات، الدعم العسكري، والدعم الإعلامي والدعم الاجتماعي، فعملية الاستقطاب الواسعة التي جرت في الأوساط القبلية برعاية صالح، عبر استخدام الحشد القبلي في حصار صنعاء وانضمامهم إلى حركة الاحتجاجات التي عبارة عن غطاء لمخطط الانقلاب على الدولة».
ويؤكد التميمي أن «مشروع استعادة السلطة كان واضحا في خطابات زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي، الذي كان يظهر قدرا من الود تجاه حزب المؤتمر الشعبي العام الذي يتزعمه صالح، ويتبنى خطابا حادا تجاه خصوم صالح الذين أطاحوا به، وعلى رأسهم حزب الإصلاح واللواء علي محسن وغيرهم من القادة العسكريين والساسة الذين دعموا الثورة الشعبية، بالإضافة إلى مشايخ حاشد من آل الأحمر، الذين كانوا أهدافا للحرب الحوثية، التي هي الوسيلة المعتمدة في مشروع استعادة السلطة». وحذر التميمي من خطورة هذا التحالف على اليمن بين صالح والحوثيين لأنه «يستند إلى أسس مذهبية ومناطقية، سيكون من نتائجها إذكاء حرب أهلية وطائفية في اليمن، يصعب التكهن بمآلاتها».

* أطماع متجددة

* لقد جاء الحوثيون من بلدة مران في أقصى شمال اليمن إلى صنعاء مرورا بمدن الوسط والغرب، تحت لافتة حركة احتجاجية ضد الحكومة. لكن الكثير من اليمنيين يقرون بأن إمكانات وقوة الحوثيين لا تمكنهم من تحقيق ذلك، دون التحالف مع صالح. ويفسر المحلل السياسي الدكتور عبد الباقي شمسان ما يحدث باليمن بأنه تكرار لتجارب سابقة، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «بقراءة مقارنة بين اتفاقية التسوية بين الملكيين والجمهوريين في منتصف السبعينات من القرن السابق والتسوية الخليجية عام 2011، نجد أنه لا فرق بينهما، رغم الفارق الزمني، فنجد عودة الملكيين مقابل تجديد شرعية نظام صالح وعودته، ثم الاستفتاء على شكل الدولة مقابل إقامة حكومة مناصفة»، موضحا «تلك التسوية جعلت الحقل السياسي اليمني مضطرب حتى يومنا هذا، أما التسوية الثانية فلم تستفد من علم الانتقال الديمقراطي والتجارب الدولية التي تقتضي إجراء مصالحة مع الذاكرة الوطنية وانسحاب طوعا وجبرا لعدد من الفاعلين السياسيين من الحقل السياسي، خاصة إذا جاءت التسوية بعد احتراب». واعتبر أن «بعض البلدان الراعية اعتقدت أن كل خيوط اللعبة بيدها، فكانت تترك الحقل السياسي يتفاعل باستقلال محفوف بالمخاطر وانساق الجميع في مسار سياسي مضمون بمواد التسوية، لكن في الوقت نفسه استمر الصراع بمختلف الوسائل»، على رأسها المسلحة.
ويؤكد شمسان أن «عودة النظام السابق كان مخططا لها، من قبل صياغة التسوية التي كانت بداية لتجديد شرعية النظام السابق، وفي مرحلة ثانية تركت السلطة الانتقالية دون دعم، لكي تواجه الأزمات الاقتصادية والأمنية وعمال تخريب تمهيدا للانقضاض عليها». وتابع: «لم تكن الأطراف الراعية تدرك مقدار الاحتقان ونزوع العودة للسلطة ودرجة تشابك جماعات المصالح، والأهم من ذلك مدى توغل إيران في اليمن وتحالفاتها مع الجماعات المتصارعة التي تجمعت براغماتيا حول جملة من الأهداف المشتركة المتمثلة في تصفية الخصوم والعودة إلى السلطة بشكليها السلالي الإمامي والعائلي الصالحي». وينتقد شمسان بعض الدول التي كان لها ما وصفه بـ«قصر نظر» تجاه المخاطر التي تحدث في اليمن، إثر تسليم العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر، رغم ما بيده من قدرات مالية وتحالفات وإمكانات استخباراتية. ويقول إن كان على تلك دول «أن تراهن على الشعب اليمني وليس على أشخاص، أو جماعات». ولفت إلى أهمية اهتمام الدول الخليجية بما يدور في اليمن، قائلا: «اليمن هو عمقها الاستراتيجي، وعليها أن تفكر في كيف تحمي ذلك، وتتدخل بقوة فاعلة لإعادة الاستقرار إلى البلاد التي قد تنحدر إلى صراعات قد تمتد عقدين أو ثلاثة».



مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.


أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

عبارة تصف بصدق القارة الأفريقية، التي تمتلك وفق بعض التقديرات نحو 30 في المائة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، إضافة إلى ثروات هائلة من النفط والذهب والأراضي الزراعية، لكن الصراعات المعقدة والانقسامات السياسية والحروب الأهلية تحول دون استثمارها.

والواقع أنه يعيش نحو 44 في المائة من سكان «القارة السمراء»، خاصة، جنوب الصحراء الكبرى في فقر مدقع. وبينما تتفاقم الصراعات الأفريقية الداخلية، تتزايد الأطماع الخارجية وتشتد حدة التنافس العالمي بين القوى الكبرى على استغلال موارد القارة وثرواتها.

تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا»، تشير إلى أنه على الرغم من امتلاك أفريقيا نحو 30 في المائة من احتياطيات المعادن العالمية، فإنها لا تحصل إلا على حصة محدودة من عوائد هذه الثروة نتيجة للاعتماد على تصدير المواد الخام وضعف التصنيع المحلي.

أيضاً، في أفريقيا نحو 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، بحسب التقارير الدولية. ووفق بيانات الأمم المتحدة فإن ثروات القارة تشمل نحو 7.5 في المائة من احتياطيات النفط، و8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، و40 في المائة من احتياطيات الذهب العالمية، بجانب حصص كبيرة من الكروم والبلاتين، ويقدر رأس المال الطبيعي للقارة بنحو 7.6 تريليون دولار، وفق تقديرات البنك الأفريقي.

إلا أن كل هذه الأرقام لا تنعكس بحبوحة على سكان القارة. إذ تشير أرقام البنك الدولي لعام 2025، إلى أن نحو 584 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في فقر مدقع، ما يمثل نحو 44.1 في المائة من السكان. وكأمثلة، تتجاوز نسبة الفقر المدقع 80 في المائة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، وتبلغ نحو 60.5 في المائة في النيجر، ويعيش 7 من كل 10 فقراء في العالم في قارة أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، لا تنفصل الأوضاع الاقتصادية عن النزاعات المسلحة التي تضرب مناطق واسعة من أفريقيا، وتبرز الكونغو واحدةً من أبرز نماذج الصراع في أفريقيا، فالدولة الغنية بالكوبالت والنحاس والذهب والكولتان، تعد من أفقر دول القارة، وتعد النزاعات المحلية على الأرض من أزمتها. ولا يختلف الوضع كثيراً في السودان، الذي يعاني صراعاً ممتداً منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع»، أدى إلى نزوح وتشريد عدد كبير من السكان. أما بالنسبة لليبيا، فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل، لكن الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حال دون استثمار هذه الثروة بصورة مستقرة.

أيضاً، لا يختلف الوضع في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعداً في هجمات الجماعات المتشددة، ما يعوق التنمية والاستفادة من ثرواتها المعدنية الكبيرة من الذهب واليورانيوم. وفي القرن الأفريقي حيث تتعاظم التحديات من حرب أهلية في إثيوبيا، ونزاعات مسلحة في الصومال، وهشاشة في الأوضاع السياسية والأمنية في مختلف أنحاء «القارة السمراء».


شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
TT

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسة المنخرطة فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة حلفائها، وممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة.

أثارت «صفقة الديزل» المُزمعة بين الولايات المتحدة وروسيا جدلاً صاخباً داخل أروقة السياسة الأميركية، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لكن كان مُلاحظاً أن الكرملين لم يتسرّع في إعلان مواقف رسمية حيالها، بل اكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها، كونها تقوّض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا.

هذا الأمر دفع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضرّ باحتياجات المستهلكين المحليين». وهذا مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل.

وبينما سارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراطها رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة، كان هناك بُعد أهم. وتمثّل هذا البُعد في الانعكاس السياسي للصفقة، وكذلك عودة الكلام الأميركي عن «ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا». وهذا ما حدث بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب»، وبالتالي، تعهّد بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية ما دامت موسكو تواصل استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده.

التأثيرات الميدانية

لقد كان متوقّعاً ألّا تصمد طويلاً «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاح الصفقة، من دون تنسيق مع الطرفين الروسي والأوكراني.

وبعد توقف مؤقّت عن استهداف منشآت الطاقة الروسية، أعلن زيلينسكي أن الضربات على مصافي النفط ستُستأنف بسبب عدم التزام موسكو التي واصلت قصف البنى التحتية الأوكرانية. وفي المقابل، تجاهلت موسكو الهدنة، واكتفت بإشارات إلى أنها «تبحث شروطها مع الجانب الأميركي». وهكذا بدا أن الجهد الأميركي في هذا المجال يواجه اختباراً جدّياً لمدى قدرة ترمب على فرض تصوّره لآليات تنفيذ الصفقة.

المثير أن ترمب اختار الطريق الأقصر لذلك، عبر تقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتجميد التعاون عبر شبكة «ستارلينك» و«ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية للشبكة التي كانت تتولّى توجيه التحذيرات المُسبقة للجانب الأوكراني عندما يُصار إلى إطلاق موجات صاروخية نحوه. وهو ما جعل الدفاعات الجوية الأوكرانية عمياء لعدة أيام، ومن ثم، زاد من حجم الضغوط على زيلينسكي. وفي هذا المجال، أكدت موسكو عملياً أنها تستعد للاستفادة إلى أبعد درجة مُمكنة من التدهور الحاد في علاقات القيادة الأوكرانية مع واشنطن.

القطيعة مع زيلينسكي

لقد طرح التطوّر معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالقطيعة بين إدارة ترمب وزيلينسكي، الذي حمّله الرئيس الأميركي المسؤولية عن محاولة تعطيل الصفقة و«الإضرار بإمدادات الطاقة عالمياً»، دفعت نحو إطلاق واشنطن فكرة استبدال القيادة الأوكرانية.

بيد أن التطبيق العملي لهذه الفكرة يبدو احتمالاً بعيداً جداً، في ظروف الوضع الأوكراني الداخلي، وتعذّر فرص إجراء انتخابات، والموقف الأوروبي المعارض لتصعيد الضغوط على كييف و«منح موسكو جوائز»... كما علق أكثر من مسؤول أوروبي.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، المؤجلة منذ سنتين، لا يُمكن إجراؤها، كما يقول الأوكرانيون، تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي.

ولكن هذا أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، لا سيما أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟

لا تبدو موسكو اليوم متحمسة كثيراً

«للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي

على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه

المزاج الشعبي الأوكراني

من جانب آخر، اللافت أنه خلافاً للموقف المتشدّد للرئيس الأميركي حيال العلاقة مع زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً؛ إذ بدا لافتاً في تأكيده له أنه «مهما بلغت الرغبات» تظلّ مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمراً مستحيلاً».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو التي شكّكت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، ورأت «صعوبة» في إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ سنتين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدّد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتكلّم باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها الآن أمام استحقاق جديد مع بلوغ الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية.

لكن موقف الكرملين لا يبدو، في أي حال، معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني.

إذ إن موسكو لا تبدو راهناً متحمسة كثيراً «للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي، على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب، واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة.

بناءً عليه، يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، لكن هذا الالتباس يُخفي فهماً روسيا أعمق، وأكثر دقّة، من الفهم الأميركي للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية. وهنا تدخل «ضرورات» التعامل مع زيلينسكي، بالنسبة إلى موسكو على الرغم من كل الاعتراضات السابقة عليه.

وفي هذا السياق، كتب معلّق روسي بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمُحاط بالضغوط يظل (بالنسبة لموسكو) أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي، والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي؛ إذ يكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)»، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمّل الحرب ما دام الأمر لازماً. واللافت أنه في مقابل غالبية جاهزة لمواصلة تحمّل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينغ» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية مقابل تحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. واللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة - إذا أجريت الانتخابات - بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة.

والملاحظ في كل هذه النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات أجريت قبل شهرين وكذلك نتائج العام الماضي.

وعلى وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان العاصمة كييف الذين شملهم الاستطلاع - 72 في المائة من المستجيبين مستعدّون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

الملاحظ أيضاً أن «معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية» أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر الدنيبر».

غير أن كل هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض؛ إذ أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثّقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

ولدى العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، دلّت الدراسات الحديثة كلها أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المعادلة السياسية في البلاد.

وبالفعل، لا يزال زيلينسكي، بالإضافة فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية) يتصدّرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

والمعنى هنا أن الانتخابات، لو أجريت الآن أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأوفر حظاً بالفوز... أو حتى قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.