«سينيكا» وحاضرنا التراجيدي

آمن بأن مفاهيم الأخلاق والسماحة هي أساس القانون الطبيعي للإنسانية كلها

سينيكا الأصغر
سينيكا الأصغر
TT

«سينيكا» وحاضرنا التراجيدي

سينيكا الأصغر
سينيكا الأصغر

تأتي للمرء ومضات حنين لفكر الفيلسوف الروماني «سينيكا الأصغر»، وبعض روايته وكتبه، في أثناء متابعة نشرات الأخبار العربية خلال هذه الأيام. وأياً كانت أسباب ذلك، فإن «سينيكا الأصغر» يعد واحداً من أهم اثنين من المفكرين الذين أنجبتهم الدولة الرومانية على مدار امتدادها الزمني الطويل. فهو، مع «شيشيرون»، يعد ركناً مهماً في مدرسة الفكر، وبدرجة أقل الأدب، فالرجل ولد لأسرة ميسورة الحال، لأب مفكر كاتب، هو «سينيكا الأكبر»، فتنقل في أرجاء الإمبراطورية الرومانية، وتدرج في المناصب، وصارت مؤلفاته الأدبية والفكرية الممتدة أساساً فكرياً مهماً، وامتداداً للمدرسة الرواقية (Stoic) التي روجت لأهمية الأخلاق والفضيلة والعفة والزهد، وغيرها من المبادئ الحميدة للسلوك البشري، وذلك إلى جانب ما ناهز من الروايات التراجيدية العشر، على رأسها رائعته «ميديا»، حيث تأثر وسعى لمنافسة الأديب اليوناني القديم «سوفوكليس» مؤسس الأدب التراجيدي، فضلاً عن مئات الرسائل والكتيبات المختلفة التي عكست فكراً إنسانياً عميقاً، وآراءً سياسية لا بأس بها.
ولقد أولى سينيكا أهمية خاصة للمجتمع، بصفته أساس الحياة البشرية، ولكنه خرج عن الفكر التقليدي للحضارتين اليونانية والرومانية، الداعي بأن الدولة هي أسمى كيان اجتماعي، إذ عدها مجرد ضرورة عملية لا غير، بعد أن سادت حالة الاضطراب والفوضى بالإنسانية بسبب عناصر الإفساد الطبيعي، ممثلة في الملكية الخاصة وتقدم أساليب الحياة، التي أبعدت الإنسان عن جوهره وإنسانيته، فعوامل الإفساد هي التي جاءت بهذه المؤسسات بعدما استشرت مفاهيم الجشع بين الإنسانية، مصحوبة بالطموح الفردي والجماعي، ومن ثم أهمية إيجاد آلية سياسية للسيطرة على المجتمعات والأفراد من خلال القوانين لكبح الجشع المستشري، ولعل في هذه النظرة ما يبرر رفضه الكامل لمفهوم «العصر الذهبي» الذي كثيراً ما تتشدق به المجتمعات، فهذا العصر بالنسبة له يتمثل في المرحلة البدائية للإنسان، عندما كان يعيش حياة بسيطة المطلب بريئة الطابع، فكان يخضع لسلطة الحكماء من المجتمع دون الحاجة للدولة والحكومة وآلياتهما الممتدة.
لقد كان إيمان «سينيكا» بالإنسانية وعظمتها عميقاً، شأنه في ذلك شأن من سبقوه ولحقوه من الروائيين، فلقد رأى أن مفاهيم الأخلاق والسماحة هي أساس القانون الطبيعي للإنسانية كلها، فلا نحتاج لأي تفسير أو وسيط لإدراك هذه الطبيعة لأنه يمكن إدراكها بالحدس لكوننا ننتمي للإنسانية. وكل هذه الفضائل محفورة في هذا القانون الإنساني الذي يجب أن تسود قيمه أفراد المجتمع، مرجعاً أنواع الخروج عن هذا القانون كافة لصناعة الإنسان ذاته والتقنية المرتبطة بتقدمه. وبهذه الرؤية المتشائمة، فرق هذا المفكر بين مفهومي «المواطنة» و«الإنسانية»، فالأولى من صناعة الدولة، تحكمها قوانين السياسة والحكومة، بينما الثانية من صناعة القوى الطبيعية، ويحكمها مفهوم إنسانية الفرد ورفعة الأخلاق والفضائل الأخرى. وبالطبع، كان الرجل يميل في كتاباته إلى المفهوم الثاني، فعد البعد عن السياسة وأدوات الحكم أفضل ما يمكن أن يسلكه المرء لأنها أدوات إفساد للخير بالنسبة له كفرد.
ولعل هذا ما يبرر رفضه تحديد أفضل أنواع الحكومات، مثل سابقيه من المفكرين، لأن المجتمع تم إفساده بالفعل، فأصبحت المسألة في النهاية مرتبطة بمن سيحكم، ومدى استبداده أو عدمه، وليس نوعية مؤسسات الحكم، فلمح إلى جواز الاعتماد على حاكم مستبد لأنه خير من الاعتماد على مجتمع سيطر عليه العنف والجشع والبعد عن الإنسانية. ومن هنا، ارتأى الرجل العزوف عن المناصب السياسية، وأن يستبدل بها الانخراط في العمل الإنساني لرفعة الفرد، بتعليمه الفضيلة لإعادته لإنسانيته المفقودة، فوجد المواساة الحقيقية في البعد الإنساني عنه في المادي أو السياسي.
ويبدو أن جزءاً من رؤية الرجل المتشائمة كانت مرتبطة إلى حد كبير بالصعود والهبوط السياسي الذي غلب على حياته المهنية، فالرجل كان يحظى بمكانة عليا إلى أن تم نفيه إلى جزيرة «كورسيكا»، بعد غضب الإمبراطور «كلوديوس» عليه، إلى أن عفا عنه فعاد وأصبح مقرباً من أسرة الإمبراطور المختل «نيرون»، وأصبح مُعلماً له وعضواً في «مجلس الشيوخ» الروماني بسلطات سياسية قوية، ثم دارت عليه الدوائر، فتم اتهامه في قضية «زنا»، وحكم عليه أستاذه الإمبراطور الروماني المختل «نيرون» بالإعدام منتحراً، فحزا الرجل حذو سقراط وانصاع للحكم.
ويداعبني خيال أتوقع معه أنه لو كان «سينيكا» يعيش بيننا اليوم ويشاهد نشرات الأخبار لكان قد نحى نحواً أكثر حدة في صياغة رؤيته السياسية المتشائمة وكتاباته التراجيدية وهو يشاهد نشرات الأخبار التعيسة، فالتراجيديا هي الرابط الأساسي الذي كان سيجمع بين عبقريته الفكرية والأدبية ومتن نشرات الأخبار هذه، والتقدير أن تعاسة هذه الأخبار كان سيكون وقعها عليه مزيداً من التراجيديا، وتعميقاً لرؤيته السياسية والفكرية المتشائمة للمجتمعات والحكومات التي دونها منذ قرابة ألفي عام، والتقدير أنه ما كان سيحتاج لصدور حكم له بالانتحار من إمبراطور مختل مثل «نيرون»، فأغلب الظن أنه كان سيُقطَّع شرايينه مرة أخرى، كما فعلها منذ ألفي عام طواعية، ليس انصياعاً لشذوذ حاكم مختل، ولكن غماً وحزناً على ما آلت إليه أحوالنا.



إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
TT

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)

أنهى ولي العهد البريطاني الأمير ويليام جولة له في العلا التاريخية، أمس، في إطار زيارته للمملكة العربية السعودية، وذلك بعد إعلان السعودية والمملكة المتحدة 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً لتعزيز التبادل الثقافي والفني والتعليمي بين البلدين الصديقين.

وكان وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان قد استقبل الأمير ويليام، واصطحبه في جولة شملت أبرز المعالم الأثرية، إضافة إلى البلدة القديمة بالعلا ومحمية شرعان الطبيعية.

ورحّب وزير الثقافة السعودي بالأمير ويليام في تغريدة على حسابه على موقع «إكس»، قائلاً: «أهلاً بسمو الأمير ويليام، أمير ويلز، في العلا، حيث يعزز التعاون بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا والمؤسسات الثقافية البريطانية الشراكة الاستراتيجية والتاريخية بين البلدين الصديقين».


نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.