بكين تجدد «مبادرة الحزام والطريق» لتحفيز الزخم العالمي

وسط انتقادات أميركية وأوروبية

مشروعات بنية تحتية في بكين عاصمة الصين
مشروعات بنية تحتية في بكين عاصمة الصين
TT

بكين تجدد «مبادرة الحزام والطريق» لتحفيز الزخم العالمي

مشروعات بنية تحتية في بكين عاصمة الصين
مشروعات بنية تحتية في بكين عاصمة الصين

يبدو أن المبادرة الضخمة المعنية بإنفاق المبالغ المالية الهائلة على تشييد الموانئ وخطوط السكك الحديدية وشبكات الاتصالات المختلفة حول العالم - مع زيادة النفوذ السياسي الصيني في خضم هذه العملية - قد نفدت طاقاتها قبل أن تبدأ منذ عام واحد فقط.
أما الآن، فقد عاد البرنامج الصيني الكبير الذي يحمل اسم «مبادرة الحزام والطريق» إلى التفاعل من جديد. ويجدد المسؤولون الغربيون والشركات الغربية المعنية تحذيراتهم بشأن أن المكاسب الصينية المتوقعة على صعيد المال والأعمال، وعلى الصعيد السياسي، سوف تكون على حسابهم.
وكانت الشركات الصينية قد وقعت على تعاقدات «الحزام والطريق» التي تبلغ قيمتها التقريبية نحو 128 مليار دولار خلال أول 11 شهراً من العام الماضي، وذلك وفقاً لبيانات وزارة التجارة الصينية، بزيادة بلغت 41 في المائة عن الفترة نفسها من عام 2018. وتتعلق أغلب التعاقدات بمشاريع البناء والمعدات من جانب الشركات الصينية العملاقة التي تستعين بالعمالة الصينية الماهرة، فضلاً عن القروض من البنوك الصينية، مع حقيقة أن تلك المشاريع تخلق كثيراً من فرص العمل للعمالة الصينية المحلية أيضاً.
وتشتمل آخر تلك التعاقدات على إنشاء نظام لمترو الأنفاق في مدينة بلغراد الصربية، وخط للسكك الحديدية المعلقة في مدينة بوغوتا الكولومبية، مع مركز لبيانات الاتصالات السلكية واللاسلكية بالقرب من مدينة نيروبي الكينية.
ومن المرجح لعودة العمل بـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية أن تثير المزيد من التوترات مع الولايات المتحدة التي يساورها القلق بشأن بناء الصين لتكتل عالمي شمولي يضم البلدان التي تبتاع أغلبها السلع والبضائع الصينية، مع الميل الواضح إلى اعتماد النموذج السياسي الاستبدادي الصيني في الحكم والسياسة. وتشرف المبادرة الصينية على كثير من أوجه الخلاف بين البلدين من زاوية الأمن القومي والتكنولوجيا.
وجاء الاندفاع الجديد على مسار «الحزام والطريق» إثر التراجع الرسمي الذي اتخذه المسؤولون الصينيون في عام 2018، في أعقاب الانتقادات اللاذعة التي نالت من المسؤولين المحليين في كل من ماليزيا وسريلانكا وباكستان وغيرها من البلدان المعنية بسبب المشاريع الضخمة ذات التكاليف الهائلة والعوائد الطفيفة. وقالت الحكومة الصينية إنها عكفت - منذ تلك الأثناء - على تنقيح الممارسات بهدف الحد من النفايات!
وصرح الرئيس الصيني خلال زيارة قام بها إلى البرازيل في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي: «سوف نواصل متابعة المنهج المستدام القائم على المعايير الفائقة، والمعني بالعنصر البشري في المقام الأول، بغية تعزيز التعاون في (مبادرة الحزام والطريق) مع البلدان المشاركة».
وطالما حاول المسؤولون الصينيون تسويق تلك المبادرة باعتبارها فرصة لمنح الأسواق الناشئة البنية التحتية المطلوبة من المستوى العالمي، التي ساعدت الصين على التحول إلى قوة اقتصادية عالمية. وبموجب بنود «مبادرة الحزام والطريق»، تقوم البنوك الصينية المملوكة للدولة بإقراض الأموال لصالح المشاريع الإنشائية التي تتولاها الشركات الصينية، ثم يتعين على البلدان المقترضة للأموال سدادها، إما بالنفط أو بالموارد الطبيعية الأخرى.

انتقادات أوروبية وأميركية

تعرض المسؤولون في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية بالانتقادات للمبادرة الصينية، ووصفوها بالمبادرة العدائية. وفي السنوات الأخيرة، بدأ بعض المسؤولين في البلدان النامية المعنية في الموافقة على الانضمام إلى المبادرة الصينية. وفي عام 2018، قررت حكومة سريلانكا فتح مينائها الرئيسي أمام الحكومة الصينية، بعد عجزها عن سداد القروض الصينية، في حين أوقفت الحكومة الماليزية مشاريعها الخاصة بـ«مبادرة الحزام والطريق» منذ ذلك الحين.
وشرع الزعماء في الصين في الاعتراف بالانتقادات المشار إليها. وأثار نائب رئيس مجلس الدولة الصيني المخاوف في أوائل عام 2018 بشأن عمليات الإقراض الكبيرة التي وافقت عليها البنوك الصينية، والتي لا تتعلق بـ«مبادرة الحزام والطريق» فحسب.
وفي الشهور التالية لذلك، شنت الجهات الرقابية المالية الصينية حملات شديدة على ممارسات الإقراض، المحلية والخارجية على حد سواء. وأسفر ذلك عن تراجع واضح في تعاقدات مشاريع «الحزام والطريق»، كما أظهرت البيانات الصينية ذات الصلة. وطلبت الجهات الرقابية الصينية من البنوك المحلية التفكير ملياً قبل الموافقة على إقراض البلدان الفقيرة. كما توقف كبار الزعماء في الصين عن محاولة ذكر البرنامج والمبادرة في وسائل الإعلام.
غير أن أزمة الائتمان قد أسفرت عن تباطؤ واسع النطاق أكثر من المتوقع في الاقتصاد الصيني في عام 2018ن ومن ثم اعتمدت الجهات الرقابية المالية في الصين عكس مسار العمل، الأمر الذي أفضى إلى إعادة العمل بنظام القروض لمشاريع البنية التحتية المحلية ولمشاريع «مبادرة الحزام والطريق» على حد سواء. وبدأت التعاقدات في التوارد بصورة جدية مرة أخرى خلال الأسابيع الأخيرة من عام 2018، وتوالى الزخم في اندفاعه خلال العام الماضي كذلك.
وفي الأيام الأخيرة، أثارت مجموعتان دوليتان تمثلان الحكومات والشركات والبنوك الغربية التساؤلات حول عودة «مبادرة الحزام والطريق» إلى الحياة من جديد.
وخلص تقرير عن غرفة التجارة الأوروبية في الصين، صدر صباح الخميس، إلى أن شبكات الموانئ والاتصالات صينية الصنع التي جرى إنشاؤها قد شُيدت بطريقة تجعل من الصعب على شركات الشحن الأوروبية وموفري خدمات البرمجيات الحاسوبية، وغيرها من الشركات والأعمال الأخرى، الدخول في منافسة مع الشركات الصينية.
كما خلصت دراسة استقصائية أعدتها الغرفة ذاتها إلى أنه قد جرى استبعاد أعضاء الغرفة بالكامل من التقدم بعطاءات المشاركة في والحصول على تعاقدات مشاريع «الحزام والطريق»، التي ذهب أغلبها لصالح الشركات الصينية المملوكة للدولة.
وقال السيد جورغ ووتكي، رئيس غرفة التجارة الأوروبية في الصين: «كان من المنطقي توقع ذلك الأمر بالنسبة إلى الشركات، ولقد كان من غير المهم ما سوف نحققه من وراء ذلك».
وأصدر معهد التمويل الدولي، وهو المؤسسة البحثية في العاصمة واشنطن التي تدعمها البنوك الغربية الكبرى بصفة أساسية، تحذيراً مختلفاً يوم الاثنين، في جزء من تقرير واسع أعده المعهد حول الديون العالمية.

فخ الديون

وجاء في تقرير المعهد أن كثيراً من البلدان الفقيرة المنضمة إلى «مبادرة الحزام والطريق» وجدت نفسها الآن ترزح تحت وطأة الديون الهائلة المتزايدة بصورة كبيرة. وأفاد التقرير بأن كثيراً من هذه البلدان تتأهل بصعوبة بالغة للحصول على القروض الخارجية، فضلاً عن تحملها للديون الجديدة.
كما أفاد التقرير بأن هناك نسبة 85 في المائة من مشاريع «الحزام والطريق» ضالعة في ممارسات الانبعاثات الهائلة للغازات الدفيئة ذات الصلة الوثيقة بالتغيرات المناخية العالمية، حيث تتضمن هذه المشاريع نحو 63 محطة لتوليد الطاقة الكهربائية على الأقل تعمل بالفحم.
وجاءت التقارير الجديدة في أعقاب التحذير الذي أصدرته شركة «المقاولون الأوروبيون الدوليون»، وهي عبارة عن تكتل تجاري أوروبي من شركات المقاولات والاستشارات الهندسية. وحذر التكتل التجاري الأوروبي من أن القروض الصادرة لمشاريع «مبادرة الحزام والطريق» تميل إلى تحمل أسعار فائدة أعلى بكثير من تلك التي تقدمها مؤسسات الإقراض الدولية، مثل البنك الدولي.
وقالت مجموعة صناعات التشييد، وكذلك الغرفة الأوروبية، إن تكاليف مشاريع «مبادرة الحزام والطريق» غالباً ما يُستهان بشأنها إلى حد كبير، حتى يسهل تمريرها من تحت أنوف المسؤولين في الصين. ثم ينتهي الأمر بالبلدان الفقيرة في النهاية إلى سداد التجاوزات الكبيرة في التكاليف.
وركزت مجموعات الأعمال الأوروبية، التي تضم شركات صناعة معدات الاتصالات السلكية واللاسلكية، في الآونة الأخيرة على اهتمام «مبادرة الحزام والطريق» بمجال الاتصالات. وتملك كثير من البلدان النامية حالياً شبكات الاتصالات الوطنية من أعمال شركتين صينيتين، هما «هواوي» و«زد تي إي»، وهما من الشركات ذات المشاركات الكبيرة في مشاريع «الحزام والطريق». وحصلت شركة «هواوي» على تعاقد في الربيع الماضي لبناء مركز كبير لبيانات الاتصالات في كينيا.
وذكر تقرير الغرفة الأوروبية أن تلك الشبكات مصممة بطرق زادت من صعوبة الشركات الأوروبية في بيع أي معدات أو برمجيات أخرى في تلك الأسواق. وعلى العكس من ذلك، تعد الأسواق الأوروبية لمعدات الاتصالات أكثر انفتاحاً من النموذج الصيني، وفقاً للتقرير. وكانت شركة «هواوي»، على سبيل المثال، قد حاولت توفير معدات الاتصالات إلى ألمانيا وبريطانيا.
وإلى جانب الاتصالات السلكية واللاسلكية، فإن أكبر الشواغل الأمنية لدى الغرب بشأن مبادرة الحزام والطريق تتمثل في بناء أو التوسع الصيني الكبير في بناء الموانئ الخارجية، إذ تطوق هذه الموانئ الآن المحيط الهندي، وتمتد حتى السواحل الغربية الأفريقية، وحتى البحر الأبيض المتوسط.
وقال تقرير الغرفة الأوروبية إن شركات الشحن الأوروبية، التي تصنف ضمن أكبر شركات الشحن على مستوى العالم منذ العصور الوسطى، تجد نفسها الآن وبصورة متزايدة في أوضاع غير مواتية على صعيد المنافسة، إذ تخضع الموانئ الجديدة للتصاميم والإدارة من قبل الشركات الصينية المملوكة للدولة تحت سيطرة الوكالة الحكومية نفسها، مثل شركات بناء السفن وشركات الشحن الصينية.
وتزعم الصين أن النمو الاقتصادي يعالج صعوبات جمة لدى كثير من الأسواق الناشئة بسبب ارتفاع تكاليف النقل، وأن بناء الموانئ الجديدة من شأنه التقليل من وطأة هذه التكاليف.
- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

العلاقات السعودية - الأميركية... عام تعزيز المصالح السياسية والتعاون الدفاعي

خاص من مراسم استقبال ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الحديقة الجنوبية بالبيت الأبيض نوفمبر 2025 (أ.ف.ب) play-circle

العلاقات السعودية - الأميركية... عام تعزيز المصالح السياسية والتعاون الدفاعي

كرّست الشراكة السعودية الأميركية في 2025 موقع الرياض كوسيط دولي موثوق انعكس أيضاً في حزمة اتفاقيات شملت الدفاع الاستراتيجي والذكاء الاصطناعي والطاقة وغيرها.

غازي الحارثي (الرياض)
يوميات الشرق «فيلا الحجر» أول مؤسّسة ثقافية سعودية - فرنسية مشتركة (حساب الأمير بدر على «إكس»)

«فيلا الحِجر» بالعلا... استثمار في الإبداع

وصف وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو «فيلا الحِجر» الإبداعية في العلا بأنها «مثل زهرة تتشكَّل من رمال الصحراء للمبدعين».

عبد الهادي حبتور (العلا)
يوميات الشرق ستندرج «فيلا الحجر» ضمن البيئة الثقافية للمملكة والمنطقة (الهيئة الملكية للعلا)

«فيلا الحجر»... جسر ثقافي بين السعودية وفرنسا يُزهر من رمال العلا

المشروع يُجسّد متانة العلاقات الفرنسية - السعودية، خصوصاً في مجالات السلام وتعزيز الحوار والثقافة على مستوى العالم.

عبد الهادي حبتور (العلا)
العالم العربي باتريك ميزوناف السفير الفرنسي لدى السعودية (الشرق الأوسط) play-circle

سفير فرنسا لدى السعودية لـ«الشرق الأوسط»: العمل المشترك وراء إنجاح مؤتمر نيويورك

شدد مسؤول فرنسي على ضرورة العمل لإنهاء المذبحة وإنقاذ الرهائن وحماية المدنيين في غزة، محذراً من أن أي ضمّ للضفة الغربية يشكل خطاً أحمر.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
يوميات الشرق جانب من مراسم توقيع البرنامج التنفيذي في باريس الجمعة (واس)

تعاون سعودي - فرنسي في مجال الموسيقى

وقَّعت هيئة الموسيقى السعودية مع «فيلهارموني باريس»، برنامجاً تنفيذياً لترسيخ التعاون في عدة مجالات، بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي

«الشرق الأوسط» (باريس)

السعودية تفتح باب التملك العقاري للأجانب


جانب من العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
جانب من العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
TT

السعودية تفتح باب التملك العقاري للأجانب


جانب من العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
جانب من العاصمة السعودية الرياض (رويترز)

دخلت السعودية، أمس (الخميس)، حقبة اقتصادية تاريخية بدخول نظام تملك غير السعوديين للعقار حيز التنفيذ، مُحوّلة سوقها المحلية إلى منصة استثمارية عالمية.

ويمثل هذا الحدث حجر زاوية في منظومة التشريعات العقارية الهادفة إلى إعادة صياغة ملامح السوق العقارية السعودية.

ويستهدف النظام، المنسجم مع «رؤية 2030»، تعزيز الاستثمار الأجنبي المباشر ورفع جودة الحياة، من خلال تمكين الأفراد والشركات من التملك عبر رحلة رقمية ميسرة من بوابة «عقارات السعودية». ويمنح النظام مرونة واسعة في مختلف المدن كالرياض وجدة، مع وضع ضوابط سيادية خاصة لمكة المكرمة والمدينة المنورة، تحصر التملك فيهما على المسلمين والشركات السعودية.

ومن المتوقع أن يساهم هذا التحوّل في تنشيط القطاعات الرديفة، مع ضمان أعلى مستويات الموثوقية القانونية عبر الربط بنظام التسجيل العيني، ترسيخاً لبيئة استثمارية شفافة وآمنة.


دافوس... «هندسة الأثر» تضع السعودية في قلب الاقتصاد العالمي الجديد

جلسة خاصة بالاقتصاد السعودي في دافوس (الشرق الأوسط)
جلسة خاصة بالاقتصاد السعودي في دافوس (الشرق الأوسط)
TT

دافوس... «هندسة الأثر» تضع السعودية في قلب الاقتصاد العالمي الجديد

جلسة خاصة بالاقتصاد السعودي في دافوس (الشرق الأوسط)
جلسة خاصة بالاقتصاد السعودي في دافوس (الشرق الأوسط)

في وقتٍ يبحث فيه العالم عن بوصلة وسط «ضبابية» المشهد الاقتصادي، قدمت السعودية من فوق جبال دافوس السويسرية نموذجاً فريداً في «هندسة الأثر» الاقتصادي. ومن المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، رسم وزراء ومسؤولون خريطة طريق لمرحلة قوامها «الذكاء التشغيلي»، حيث لم يعد الطموح مجرد تحقيق النمو، بل جودة هذا النمو وتكلفته المستدامة. وبينما كان العالم يترقب صدمات جديدة، كانت الرياض تعلن انتقالها من مرحلة «التخطيط الهيكلي» إلى مرحلة «تعظيم النتائج»، محولةً الاستقرار من مجرد حالة سياسية إلى «فرصة تنافسية» نادرة تجذب رؤوس الأموال العالمية في زمن التجزؤ.

وقد عُقدت جلسة حوارية خاصة في المنتدى تحت عنوان «نظرة على الاقتصاد السعودي»، بمشاركة وزير المالية محمد الجدعان، ووزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم، ورئيس البنك الدولي أجاي بانغا، وعدد من المسؤولين.

الجدعان و«ضريبة الغموض»

أطلق وزير المالية، محمد الجدعان، مصطلحاً جوهرياً بوصفه «ضريبة الغموض» كأكبر تحدٍّ يواجه المستثمرين عالمياً. وأكد أن دور المملكة يتجاوز صياغة التشريعات إلى استئصال آفة هذا الغموض.

وشدد الجدعان على أن «المالية العامة هي مرساة الاقتصاد»، معلناً بوضوح: «لا نساوم على استدامة المالية من أجل الاقتصاد»، في إشارة إلى الموازنة الدقيقة بين تسريع المشاريع والحفاظ على متانة المركز المالي للدولة.

وأوضح أن «إبطاء» بعض المشاريع أحياناً ليس تراجعاً، بل هو إجراء ضروري لمنع «سخونة الاقتصاد» وضمان قدرة القطاع الخاص على المواكبة، وصولاً إلى جعل فلسفة الإصلاح «سلوكاً مؤسسياً» يتجاوز لغة الأرقام والمستهدفات.

البيئة الاستثمارية

وأكد وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، أن المشهد الاقتصادي العالمي بات محكوماً بقاعدة «عدم اليقين»، وهو الواقع الذي ترفضه قطاعات الأعمال وتتحاشاه الشركات الكبرى.

وشرح الجدعان فلسفة المملكة في إدارة البيئة الاستثمارية، مشيراً إلى أن الشركات تمتلك القدرة والخبرة لتحديد أسعار تجارتها بناءً على التعريفات الجمركية الواضحة أو الضرائب الإضافية المعلنة، إلا أنها تقف عاجزة أمام غياب الرؤية والتقلبات غير المتوقعة. ومن هنا، شدد على أن الدور الجوهري لصنّاع السياسات يكمن في استئصال شأفة هذا الغموض، وضمان توفير «ملاذ آمن»، وبيئة مستقرة تتيح للأعمال النمو دون مفاجآت تشريعية أو إجرائية.

الجدعان يتحدث خلال جلسة خاصة في منتدى دافوس عن الاقتصاد السعودي (الشرق الأوسط)

القطاع الخاص

وفي سياق تعزيز جاذبية السوق السعودية، أكد الوزير أن المملكة تعمل جاهدةً على بناء «المرونة» في مفاصل اقتصادها الوطني، ومنح القطاع الخاص أهم أداة يحتاج إليها للنجاح، وهي «القدرة على التنبؤ».

وأوضح أن استقرار عملية صنع القرار ووضوح مساراتها يمثلان التزاماً سعودياً لضمان أن تكون العوائد الاستثمارية متسقة ومجزية، ومناسبة لحجم المخاطر التي يتحملها المستثمر، بما يعزز من ثقة الشركاء الدوليين في استدامة النهضة الاقتصادية التي تشهدها المملكة.

وشدد الجدعان على أن مرساة الاقتصاد هي المالية العامة، قائلاً: «لا نساوم عليها من أجل الاقتصاد». وأضاف: «نوازن بين نمو الاقتصاد والتنوع ونحافظ على هذا التوازن بدقة».

العجز والدين

بدوره، قال وزير الاقتصاد والتخطيط، فيصل الإبراهيم، إن الاقتصاد السعودي انتقل إلى مرحلة «التوظيف الأمثل لرأس المال»، موضحاً أن المنظومة الاقتصادية اليوم تمتلك «ذكاءً تشغيلياً» يُمكّنها من التمييز بدقة بين توقيت تسريع النمو وتوقيت ضبط الإيقاع.

وأشار إلى ارتفاع العجز أو الدين وأنه لم يعد مجرد أرقام حسابية، بل أصبح «إنفاقاً استراتيجياً» موجهاً إلى قطاعات ذات قيمة مضافة وعوائد اقتصادية واضحة ومستدامة.

وحسب الإبراهيم، فإن الزخم الاقتصادي قوي في عدد كبير من القطاعات، وإن الأنشطة غير النفطية تمثل اليوم 56 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي وذلك للمرة الأولى، وبيَّن أن هذا التحول لم يحدث بشكل مفاجئ، بل جاء نتيجة نمو تدريجي خلال السنوات الماضية، حيث يبلغ معدل نمو الأنشطة غير النفطية نحو 5 في المائة.

وأضاف أن التوقعات تشير إلى نمو الأنشطة غير النفطية خلال السنوات الثلاث المقبلة بمعدل يتراوح بين 4.5 و5.5 في المائة مع وجود حوكمة واضحة لإقرار هذه التقديرات، وذكر أن 74 نشاطاً غير نفطي شهدت نمواً سنوياً بنسبة 5 في المائة أو أكثر خلال السنوات الخمس الماضية، فيما سجل 38 نشاطاً نمواً تجاوز 10 في المائة، مؤكداً أن هذا يعكس جودةً وتنوعاً في الأداء الاقتصادي.

وزير الاقتصاد والتخطيط يتحدث خلال جلسة خاصة عن الاقتصاد السعودي في دافوس (الشرق الأوسط)

الإصلاحات الهيكلية

ولفت إلى أن المؤشرات الداعمة لهذا التوجه تشمل نمو الصادرات غير النفطية، وزيادة عدد المصانع قيد التأسيس أو التشغيل، واتساع مشاريع قطاع السياحة، إضافةً إلى تحول ميزان تجارة الخدمات إلى فائض خلال فترة زمنية قصيرة، مما يعكس فاعلية السياسات الاقتصادية المتبعة.

وواصل الوزير أن السؤال لم يعد مرتبطاً بجدوى النمو أو زخمه بل بتكلفته، مؤكداً أهمية ضمان استمرار الزخم الاقتصادي بأثر أمثل وتكلفة مناسبة، وأن المرحلة السابقة استلزمت إنفاقاً مرتفعاً لتعويض عقود من الإمكانات غير المستغلة، غير أن المرحلة المقبلة ستركز على: لماذا يتم الإنفاق مقروناً بإصلاحات هيكلية مدروسة تحقق النتائج المطلوبة مع ضبط مستويات الصرف؟

وفيما يتعلق بالقطاعات، أوضح الوزير أن مجالات مثل الطاقة بمفهومها الواسع بما في ذلك حلول التحول الطاقي والرعاية الصحية وتقنيات الدفاع والذكاء الاصطناعي والتعدين ستواصل لعب دور محوري في النمو، مشيراً إلى أن الطلب على الرعاية الصحية يزداد، في ظل أن 70 في المائة من السكان دون سن 35 عاماً، مع توقعات ببدء مرحلة الشيخوخة بعد نحو 18 إلى 20 عاماً.

في سياق آخر، أشار الوزير إلى أن العالم يشهد حالة متزايدة من التجزؤ، معتبراً أن الوفاء بالالتزامات أصبح عملة نادرة، وأن الثقة باتت عنصراً أساسياً في استمرارية التجارة وكفاءة الأسواق، وأكد أن الاستقرار في هذا السياق أصبح قيمة نادرة وفرصة تنافسية.

وبيَّن أن السعودية تتعامل مع الاستقرار بوصفه نهجاً مؤسسياً يشمل السياسات والتنظيم والتنفيذ، مشيراً إلى أنه في عام 2024 وبينما انخفض الاستثمار الأجنبي المباشر عالمياً بنسبة 11 في المائة، ارتفع في المملكة بنحو 24 في المائة.

سوق العمل

من جانبه، قدّم رئيس مجموعة البنك الدولي، أجاي بانغا، خلال الجلسة نفسها، خريطة طريق للفصل بين التقلبات العابرة والأزمات الهيكلية الجسيمة. وبينما أبدى بانغا تفاؤلاً حذراً بقدرة القوى الكبرى على الصمود، أطلق صرخة تحذير تجاه «قنبلة موقوتة» تتعلق بسوق العمل في الدول الناشئة، معتبراً أن العالم اليوم يقف أمام مفترق طرق: إما صناعة الأمل وإما مواجهة عدم الاستقرار العالمي.

رئيس البنك الدولي يتحدث في جلسة خاصة بالاقتصاد السعودي في دافوس (الشرق الأوسط)

وأبدى بانغا دهشته من مرونة الاقتصاد العالمي، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة والصين والهند حققت معدلات نمو تجاوزت التوقعات. وعزا هذا التفوق إلى الاستثمارات الضخمة في قطاعات الذكاء الاصطناعي، والبيانات، والبنية التحتية، مؤكداً أن هذه الاقتصادات تمتلك أنظمة مؤسسية مكَّنتها من تجاوز الظروف الصعبة؛ إذ سجلت الصين نمواً بنحو 5 في المائة، فيما لامست الهند حاجز الـ8 في المائة.

في المقابل، لفت بانغا إلى واقع مؤلم يواجه ربع الاقتصادات الناشئة، إذ لا يزال نصيب الفرد من الناتج المحلي أقل بنسبة 10 في المائة ممّا كان عليه قبل «كوفيد-19». وأرجع هذا التعثر إلى مشكلات متراكمة تتعلق بالديون والسيولة وسوء الإدارة المالية، منتقداً الإفراط في الاقتراض خلال حقبة الفائدة المنخفضة التي جعلت الاستدانة تبدو خياراً سهلاً ومغرياً لكنها أصبحت اليوم عبئاً ثقيلاً.

وسلَّط بانغا الضوء على تحدٍّ بشريّ هائل يواجه العالم في السنوات الـ15 المقبلة، إذ سيصل نحو 1.2 مليار شاب في الأسواق الناشئة إلى سن العمل. وحذر من فجوة مرعبة في الفرص، إذ تشير التقديرات إلى توفر 400 مليون وظيفة فقط، مما يترك 800 مليون شاب دون مسار مهني واضح، وهو تحدٍّ يراه بانغا أكثر إلحاحاً من النقاشات الدائرة حول الذكاء الاصطناعي.

وختم رئيس البنك الدولي تصريحاته بتحذير من أن الفشل في خلق فرص عمل لهؤلاء الشباب سيقود العالم إلى دفع ثمن باهظ يشمل الهجرة غير الشرعية، والانقلابات العسكرية، والاضطرابات الاجتماعية، مبيناً أنه في حال إحسان التعامل مع هذا الملف، سيتحول هؤلاء الشباب إلى محرك نمو عالمي يمتد لأربعين عاماً، أما الإخفاق فيعني تقويض الاستقرار العالمي لعقود قادمة.

التكنولوجيا والتعدين

وفي جلسة أخرى من المنتدى، كشف وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي، بندر الخريف، عن وجود «علاقة تكافلية» بين التكنولوجيا والتعدين؛ ففي حين يقود الذكاء الاصطناعي الطلب على المعادن، توفر التكنولوجيا الحلول لتأمين هذا الإمداد.

ووفق الخريف، فإن التكنولوجيا تقدم للقطاع التعديني الكفاءة والسلامة، من خلال المساعدة في تسريع استكشاف المعادن، وفهم أنواعها، ومكامن تركيزها، فضلاً عن معالجتها والمساهمة في تصنيع منتجاتها النهائية بطرق كالطباعة ثلاثية الأبعاد.

في المقابل، لفت إلى أن التوسع الهائل في تقنيات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات يمثل المحرك الأكبر للطلب على المعادن الحرجة.

الخريّف يتحدث خلال جلسة خاصة في دافوس (الشرق الأوسط)

الذكاء الاصطناعي

من ناحية أخرى، أكد وزير الاتصالات وتقنية المعلومات السعودي، المهندس عبد الله السواحه، أن بلاده تتبنى طموحات عالمية لقيادة عصر الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أن «الاستراتيجية الوطنية لا تستنسخ تجارب الآخرين، وتهدف إلى المساهمة في إضافة 100 تريليون دولار للقيمة الاقتصادية العالمية المقبلة».

السواحه يتحدث في إحدى الجلسات في دافوس (الشرق الأوسط)

وفي رده على تساؤلات بشأن طبيعة التوجه السعودي مقارنةً بالنموذجين الأميركي والصيني، أوضح السواحه، خلال جلسة حوارية في «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس، أن توجيهات الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، «تدفع دائماً نحو مضاعفة الأهداف 3 مرات سنوياً».


وزير الصناعة السعودي من دافوس: علاقة التكنولوجيا والتعدين «تكافلية»

الخريّف يتحدث في إحدى الجلسات التي استضافها «البيت السعودي» على هامش اجتماعات دافوس (الشرق الأوسط)
الخريّف يتحدث في إحدى الجلسات التي استضافها «البيت السعودي» على هامش اجتماعات دافوس (الشرق الأوسط)
TT

وزير الصناعة السعودي من دافوس: علاقة التكنولوجيا والتعدين «تكافلية»

الخريّف يتحدث في إحدى الجلسات التي استضافها «البيت السعودي» على هامش اجتماعات دافوس (الشرق الأوسط)
الخريّف يتحدث في إحدى الجلسات التي استضافها «البيت السعودي» على هامش اجتماعات دافوس (الشرق الأوسط)

شدد وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي، بندر الخريّف، على وجود «علاقة تكافلية» بين التكنولوجيا والتعدين؛ قائلاً إنه في حين يقود الذكاء الاصطناعي الطلب على المعادن، توفر التكنولوجيا الحلول لتأمين هذا الإمداد.

وأوضح الخريّف، خلال جلسة في المنتدى الاقتصادي العالمي، أن التكنولوجيا تقدم للقطاع التعديني الكفاءة والسلامة، من خلال المساعدة في تسريع استكشاف المعادن، وفهم أنواعها، ومكامن تركيزها، فضلاً عن معالجتها والمساهمة في تصنيع منتجاتها النهائية بطرق كالطباعة ثلاثية الأبعاد.

وفي المقابل، أشار إلى أن التوسع الهائل في تقنيات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات يمثل المحرك الأكبر للطلب على المعادن الحرجة.

وقال الوزير إن عائد التكنولوجيا في الكفاءة والسلامة شجع السعودية للجوء إليها، مضيفاً: «نحن جريئون جداً في السعودية بشكل عام تجاه التكنولوجيا، ليس فقط في التعدين بل في كل شيء».

وأكد الخريّف أنها قدمت إمكانية رؤية مستقبل المناجم، خاصة المناجم تحت الأرض، مما عزز السلامة، وقلل التكلفة، ووفر استهلاك الطاقة، ومكّن من إدارة المناجم عن بُعد.

وعلى صعيد الاستثمار، أكد الخريّف أن نقص الاستثمار يمثل عائقاً رئيسياً أمام نمو القطاع، مشدداً على ضرورة تغيير «المفاهيم القديمة» لدى شركات الاستثمار والمصرفيين حول تخصيص الأصول في التعدين.

وفي هذا الإطار، أوضح الوزير أن «منتدى مستقبل المعادن»، الذي انطلق من الرياض قبل خمس سنوات، تحول إلى آلية دولية لفهم قيود شركات الاستثمار والمصرفيين، سعياً لتعزيز الاستثمار والابتكار في القطاع.