«المرونة المناخية»... الأولوية للبشر لا للحجر

البراعة البشرية سوف تسهم في تنظيم استهلاك رشيد لموارد البيئة كما أسهمت في تدميرها

«المرونة المناخية»... الأولوية للبشر لا للحجر
TT

«المرونة المناخية»... الأولوية للبشر لا للحجر

«المرونة المناخية»... الأولوية للبشر لا للحجر

من بين ملايين الأجناس الحيّة التي تعيش على كوكب الأرض، يعتبر الإنسان العاقل أكثرها مرونة. ومنذ التطوّر الأوّل الذي شهدته البشرية في القارّة الأفريقية قبل نحو 200 ألف عام، بنى الإنسان لنفسه مساكن في كلّ زاوية في هذا العالم: من أعماق القطب الشمالي الكندي إلى الصحراء الأسترالية الملتهبة.
- نهب العالم الطبيعي
نجح البشر في التعايش مع هذه التغيرات الجامحة في مناخ الأرض بفضل مهارتهم العالية في تغيير محيطاتهم بما يتناسب مع حاجاتهم. ولكنّهم لتحقيق هذه الغاية، فإنهم نهبوا العالم الطبيعي. ففي السنوات الـ250 الماضية، تسارعت وتيرة النهب بعد أن عمد البشر إلى استخراج المزيد من موارد الطاقة على الكوكب واستغلّوها بشكل متزايد لتلبية احتياجات أساليب حياتهم المريحة.
وبسبب هذا الاستغلال، ساهم البشر في تغيير وجه الكوكب أكثر بكثير مما تخيّل أجدادهم يوماً. وفي حال بقيت معضلة التغيّر المناخي الناتج عن استخدام الوقود الأحفوري دون حلّ، ستصبح مواطن ملايين البشر غير قابلة للحياة. وأخيراً، بدأ البشر يكتشفون حدود مرونتهم، وللخروج من أزمة المناخ التي نعيشها، نحتاج إلى رسم مشهد جديد للتعامل مع التهديدات الكبرى التي تضع استمرار العرق البشري على المحكّ.
- التكيّف لا يكفي
عندما يواجه البشر تهديداً آنياً، فإنهم يسارعون غالباً إلى حماية أغلى ما يملكون. فعندما يشتعل منزل إحدى العائلات، يسارع مالكوه إلى إنقاذ أغلى ممتلكاتهم. هذا الأمر يسري على مدننا ومجتمعاتنا البشرية التي بنيناها والتي باتت اليوم معرّضة للفيضانات، والجفاف، والأعاصير المدمّرة، كنتيجة للتغيّر المناخي.
في أعقاب إعصار «ساندي»، الذي شلّ جزءا من مترو الأنفاق في مدينة نيويورك عام 2012 اقترح قادة المدينة استثماراً بقيمة 20 مليار دولار لبناء جدار بحري حول أطراف الجزيرة. وفي قلب الحرائق المتفاقمة، تخطّط منشأة «بي جي آند إي». المفلسة للطاقة في كاليفورنيا لدفن (بدل رفع) 322 كلم من الأسلاك الكهربائية في أحياءٍ أعيد بناؤها على رماد حريق «بارادايز» القاتل.
وفي ظلّ الاستعدادات القائمة للتغيّر المناخي، تدخل هذه الأفعال في إطار التكيّف أي أنها مساع لإنقاذ المجتمعات البشرية والبنى التحتية من تأثيرات التغيّر المناخي.
صحيح أنّ هذه الإجراءات التكيّفية قد تساهم في تهدئة المخاوف في الوقت الحالي، ولكنّها لا تعالج جذور المشكلة. وقد يحمي الجدار البحري منطقة صغيرة من ارتفاع مستوى مياه البحر، ولكنّه لن يغيّر الاحتمال المتنامي لحصول فيضانات ضخمة حول العالم. وقد يساهم دفن الأسلاك الكهربائية في تقليص خطر اشتعال خطوط الطاقة خلال الحرائق، ولكنّ المحيط لن ينجو من خطر الاشتعال الناتج عن الجفاف المستمرّ.
ولن تتغيّر هذه الوقائع إلّا في حال اتفقنا جميعنا على تخفيف الانبعاثات لتفادي أسوأ تأثيرات التغيّر المناخي. ويشدّد جون ستيرنمان، الأستاذ المحاضر في ديناميكيات النظم في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، أنّ «المضي بالتكيّف دون تغيير لن يجدي نفعاً».
- البراعة البشرية
> تنظيم الموارد. وبدل تطويع بيئاتنا بما يتناسب مع حاجاتنا، حان الوقت لقلب الطاولة واستغلال البراعة البشرية التي أدّت إلى التغيّر المناخي في تنظيم استهلاكنا بناءً على ما تستطيع بيئاتنا المحيطة توفيره على المدى البعيد والمستدام.
يستخدم ستيرنمان مثال المنزل المحترق، فيقول إنّ الناس سيرون غالباً صورة رجل إطفاء ينقذ صبياً صغيراً من بناء محترق على الصفحة الأولى لإحدى الصحف، ولكنّهم لن يروا بالطبع صورة مهندس وضع قوانين بناء تقي مئات الأبنية من نيران الحرائق. يعتبر الأستاذ المحاضر بديناميكيات النظم أنّ «شجاعة رجل الإطفاء تستحقّ التهليل، ولكنّ الأكيد أنّ المهندس أنقذ عدداً أكبر من الأرواح».
> هندسة استمرار العرق البشري. في مواجهة التغيّر المناخي، يجب وضع الجهود الهندسية في الطليعة لنتمكّن من إنقاذ عدد أكبر من الأرواح من خلال نظم طاقة تحدّ من الاستهلاك العالمي للوقود الأحفوري وتخفّف (وحتّى تلغي) انبعاثات الكربون في الجوّ.
لنتحدّث مثلاً عن جزيرة بورتوريكو التي وصلت إلى حالة يرثى لها بعد إعصار ماريا الذي ضربها قبل عامين. غرقت الجزيرة في الظلام بسبب انقطاع في الكهرباء صُنّف كثاني أسوأ حالة انقطاع للطاقة في العالم. وعند إعادة إعمار البنى التحتية في الجزيرة، فضّل الكثيرون اعتماد خيارات أكثر نظافة ومرونة كالطاقة الشمسية والبطاريات.
يؤكد الوضع الحالي للتغيّر المناخي أنّ بورتوريكو ستبقى معرّضة للأعاصير المدمّرة التي لا تقلّ قوّة عن «ماريا». لذا، فإنّ الشبكات المصغّرة الجديدة لن تساهم في تخفيف انبعاثات الكربون فحسب، بل ستضمن أيضاً استمرارية تأمين الأنظمة الغذائية والصحية في مواجهة الكوارث الطبيعية.
يعتبر التغيير الذي شهدته بورتوريكو صورة عن ما وصفه ستيرنمان بـ«الحلّ المتعدّد». فبينما تحقّق نظم الطاقة الجديدة في الجزيرة الهدف الأساسي المتمثّل بخفض انبعاثات الكربون، تساهم أيضاً في التكيّف مع التهديد المستمرّ للتغيّر المناخي.
> أولوية الإنسان. من جهته، يقول فريديريكي أوتّو، مدير معهد التغيّر البيئي التابع لجامعة أكسفورد، إنّ «الطريقة الوحيدة لوضع معالجة حقيقية للتغيّر المناخي هي وضع الناس في الأولوية، وليس الممتلكات والبنى التحتية ورأس المال. ففي حال كان معيار النجاح يتمحور حول سلامة واستمرار البشرية، سيسهل علينا أن نخرج بحلول رابحة على جميع الصعد، أي تلك الحلول التي تجمع التكيّف والتخفيف».
- الاقتصاد بالطاقة
تشير إحصاءات منظّمة الصحة العالمية إلى أنّ تلوّث الهواء يتسبب بوفاة ملايين الأشخاص سنوياً، ما يعني أنّ تخفيفه سيساهم في تحسين صحّة الناس وتقليص تكاليف الصحة العامّة. ولكنّ تخفيف تلوّث الهواء يتطلّب أيضاً تقليص استهلاك الوقود الأحفوري، الذي يؤدي بدوره إلى تخفيف انبعاث غازات الدفيئة.
توجد أمثلة أخرى تطرحها مبادرات حكومية وخيرية في المملكة المتّحدة والولايات المتحدة ونيوزيلندا. في هذه البلاد، لا يستطيع الناس تحمّل تكاليف التدفئة المطلوبة في فصول الشتاء الباردة. لذا، تساهم هذه المبادرات في تحديث منازل هؤلاء الأشخاص عبر تزويدها بوسائل فعّالة على صعيد الطاقة كعزل الأسقف وتعزيز سمك النوافذ. والنتيجة: تكلفة التحديثات أقلّ بكثير من الأموال التي يدفعها السكان على فواتير أنظمة التدفئة التقليدية.
تبدو هذه الإجراءات التكيّفية مختلفة عن التغييرات التي تطال البنى التحتية كالجدران البحرية وخطوط الطاقة المدفونة في الأرض، لأنّها تلبّي حاجات متعدّدة في وقت واحد. يقول أوتّو إنّه «لا يمكننا معالجة مشاكل حياتية حقيقية كالتغيّر المناخي من خلال حلّ أجزاء وقطع من المشكلة». وفي مواجهة أزمة المناخ الطارئة والمتنامية، تتطلّب المرونة الحقيقية، والتي تتجلّى في استمرارية الكائنات الحيّة، خيارات صعبة تتراوح بين قصيرة الأمد كالتكيّف وأخرى طويلة الأمد كالتخفيف، أو البراعة البشرية في تطبيقهما مع بعضهما.
أمّا في حال فشلت جهودنا، فيبقى للبشرية اللجوء إلى أقصى أنواع التكيّف تطرّفاً، أي التراجع المنظّم.
في الوقت الحالي، ستعيد بورتوريكو بناء ما تهدّم رغم علمها بأنّ الأعاصير ستستمرّ في ضرب سواحلها. ولكنّ في مواجهة بعض الكوارث المناخية، قد نضطرّ إلى كبح نزعتنا لحماية المباني التي بنيناها والمدن التي نعيش فيها. بمعنى آخر، قد نضطرّ إلى التنازل عن إعادة إعمار بلدة تهدّمت جرّاء حريق عنيف لأنّ المنطقة معرّضة لحرائق أخرى مماثلة، أو التخلّي عن خطط بناء الجدران البحرية وترك بعض المدن تنغمر لصالح بناء مجتمعات مستدامة في الداخل.
على المدى البعيد، لن تتمحور المرونة في مواجهة التغيّر المناخي حول قدرة منازلنا ومدننا على الصمود في وجه التغيرات الجويّة، بل حولنا نحن: مرونة البشر في مواجهة هذا التغيير. وكما فعل أجدادنا، يمكننا أن نتعلّم من جديد كيفية إدارة حاجاتنا بالتوافق مع محيطنا، أو ببساطة، المضي قدماً في حال اضطررنا لذلك.
- «كوارتز»
خدمات «ميديا تريبيون»


مقالات ذات صلة

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها

أوروبا وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال استقباله مفوضة شؤون التوسع بالاتحاد الأوروبي مارتا كوس في أنقرة الجمعة (الخارجية التركية)

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها... ولا تقدم في مفاوضات «شنغن» أو تحديث الاتحاد الجمركي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا منزل غمرته المياه قرب نهر غواداليتي مع وصول العاصفة «ليوناردو» إلى أجزاء من إسبانيا (رويترز)

فيضانات «ليوناردو» تجتاح المغرب وإسبانيا والبرتغال... وإجلاء عشرات الآلاف (صور)

ضربت العاصفة «ليوناردو» المغرب وجنوب إسبانيا والبرتغال، ما دفع السلطات إلى إعلان حالات التأهب القصوى وإجلاء عشرات الآلاف من السكان.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
علوم اختراقات 2026 العلمية

اختراقات 2026 العلمية

انطلاق البرمجة التوليدية وتصاميم لبطاريات مطورة وإحياء الكائنات المنقرضة

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص مديرة السياسات الاجتماعية في مجموعة البنك الدولي عفت شريف (الشرق الأوسط) p-circle 01:59

خاص البنك الدولي من الرياض: وظائف الغد خارج «المنطق التقليدي»

في وقت يواجه فيه العالم منعطفات اقتصادية حاسمة لم يعد الحديث عن «وظائف المستقبل» مجرد توقعات نظرية بل ضرورة تفرضها التحولات العالمية

زينب علي (الرياض)
الولايات المتحدة​ عامل يزيل الجليد من أحد الشوارع في أوكسفورد بميسيسيبي الأميركية (أ.ب)

عاصفة قطبية توقع 30 قتيلاً في الولايات المتحدة

ارتفعت حصيلة ضحايا البرد القارس الذي يضرب الولايات المتحدة إلى 30 قتيلاً، بينهم سبعة قضوا في حادث تحطم طائرة ليلة الأحد، في ظل استمرار موجة الصقيع القطبية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها
TT

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها

مع كل قفزة يحققها الذكاء الاصطناعي في الطب، يتسلّل إلى الوعي الجمعي شعور مريح بالاطمئنان: أن هذه الخوارزميات لا «تحتفظ» ببيانات المرضى، بل تتعلّم منها ثم تمضي، كما يفعل الطبيب حين يستخلص الخبرة دون أن يحمل أسرار مرضاه معه.

غير أن هذا الاطمئنان، الذي بدا طويلاً بديهياً، بدأ يتآكل بهدوء داخل المختبرات البحثية الغربية، مع ظهور دراسات حديثة أعادت فتح سؤال كان يُفضَّل تأجيله: ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالتعلّم من البيانات، بل يحتفظ ببعضها في ذاكرته الخفية؟ وماذا لو تحوَّل هذا التذكُّر، غير المقصود، إلى خطر صامت لا يُرى في الاستخدام اليومي، لكنه يظهر حين لا ينبغي له أن يظهر؟

تفكيك السر قبل تفكيكه

الذاكرة الخفية

في مطلع عام 2026، كشف فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتقنية، عبر معهد جميل للذكاء الاصطناعي في الصحة، عن دراسة علمية دقيقة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الطب الرقمي: قدرة النماذج الطبية الذكية على الاحتفاظ غير المقصود بجزء من البيانات التي تتدرَّب عليها. ولا تشكك الدراسة في القيمة السريرية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، ولا تقلّل من دوره في تحسين التشخيص ودعم القرار الطبي، لكنها تلفت الانتباه إلى أثر جانبي خفيّ قد يتنامى بصمت كلما اتّسع نطاق استخدام هذه النماذج داخل البيئات السريرية. فمع تعاظم حجم البيانات وتعقيد الخوارزميات، قد يتحوَّل ما يُفترض أنه «تعلّم آمن» إلى شكل من أشكال الذاكرة الرقمية غير المرئية، بما يحمله ذلك من تبعات أخلاقية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

* متى يتحوَّل التعلّم إلى تذكّر؟ صُمِّمت النماذج الذكية، من حيث المبدأ، لاستخلاص الأنماط العامة من البيانات الصحية، لا للاحتفاظ بتفاصيل تعود إلى أفراد بعينهم. فهي تتعلَّم الاتجاهات، لا القصص الشخصية، وتستنتج العلاقات، لا السجلات الفردية. غير أن هذا الفصل النظري بين التعلُّم والتخزين يبدأ في التآكل مع تضخُّم أحجام النماذج وزيادة عمقها الحسابي، ومع تغذيتها بملايين السجلات الصحية الإلكترونية المتشابكة.

وفي هذه المرحلة، لا تعود الحدود واضحة تماماً، خصوصاً عندما تُختبر النماذج عبر استفسارات دقيقة ومتكررة قد تدفعها - من دون قصد - إلى استدعاء تفاصيل جزئية من بيانات حقيقية، فتتحوّل القدرة على التعلّم، في بعض الحالات، إلى شكل من أشكال التذكّر غير المرئي.

* خصوصية طبية لا تحتمل التساهل. تختلف البيانات الطبية جذرياً عن سائر أشكال البيانات الرقمية، لأنها لا تتعلَّق بعادات الاستهلاك أو أنماط التصفُّح، بل تمسُّ الجسد والهوية والصحة والكرامة الإنسانية. فهي تحمل في طياتها قصص المرض والألم والهشاشة، وقد تترتَّب على تسريبها أو إساءة استخدامها تبعات اجتماعية وقانونية ونفسية طويلة الأمد. لذلك، فإن أي خلل في التعامل مع هذه البيانات لا يمكن اختزاله في خطأ تقني عابر أو ثغرة برمجية مؤقتة، بل يجب النظر إليه بوصفه احتمالاً حقيقياً لإلحاق أذى إنساني مباشر، يطال المريض قبل النظام، والثقة قبل التقنية

الطبيب امام عقل رقمي

مفارقة الذكاء المتقدّم

تسلّط الدراسة الضوء على مفارقة علمية دقيقة في صميم تطوّر الذكاء الاصطناعي الطبي: فالنماذج الأكثر تقدّماً، والأعلى دقة في التنبؤ والتحليل، هي نفسها الأكثر عرضة للاحتفاظ بتفاصيل فردية من البيانات التي تتدرّب عليها. فالسعة الحسابية الهائلة، وعمق البنية الخوارزمية، وهما مصدر قوة هذه النماذج، قد يتحوّلان في الوقت ذاته إلى نقطة ضعف خفية، تجعلها أقل قدرة على «النسيان». وهكذا، يصبح التقدّم التقني ذاته سيفاً ذا حدّين، يرفع كفاءة التشخيص من جهة، ويضاعف التحديات الأخلاقية المرتبطة بالخصوصية من جهة أخرى.

* بين الحلّ التقني والمسؤولية الأخلاقية. يقترح الباحثون بالفعل حلولاً تقنية متقدمة تهدف إلى الحدّ من قابلية النماذج الذكية على الاحتفاظ بتفاصيل فردية، من خلال أساليب تدريب أكثر حذراً وآليات إخفاء للبيانات الحساسة. غير أن الدراسة تؤكد بوضوح أن التقنية وحدها لا تكفي لحل الإشكال. فالمسألة في جوهرها ليست حسابية فحسب، بل أخلاقية وتنظيمية بامتياز، وتتطلب أطر مساءلة واضحة تحدد من يتحمّل المسؤولية عند الخطأ، وكيف تُدار المخاطر قبل وقوعها لا بعدها. وفي غياب هذا الإطار، قد يتحوَّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم سريري إلى منطقة رمادية تُختبر فيها الحدود دون مرجع أخلاقي ثابت.

* اتساع الاستخدام واتساع المخاطر. مع توسُّع استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة سحابية ومنصات صحية رقمية عابرة للحدود، لم تعد البيانات الطبية محصورة داخل جدران مستشفى أو خوادم محلية يمكن التحكم بها بسهولة. بل أصبحت تتنقّل بين بيئات تقنية متعددة، تخضع لتشريعات مختلفة، وتدار أحياناً من جهات لا ترى المريض ولا تتحمَّل مسؤوليته المباشرة. وفي هذا السياق، تتسع دائرة المخاطر المحتملة بقدر اتساع دائرة الاستخدام، ويزداد السؤال إلحاحاً حول الجهة التي تتحمّل المسؤولية عند حدوث انتهاك غير مقصود للخصوصية: هل هي المؤسسة الصحية التي استخدمت النظام، أم الجهة المطوّرة للخوارزمية، أم المنصة السحابية التي تستضيف البيانات؟ هذا الغموض في تحديد المسؤولية لا يقل خطورة عن الخلل التقني ذاته، لأنه يترك المريض في منطقة رمادية، بلا حماية واضحة ولا مساءلة محددة.

* ذكاء يعرف متى يصمت. لا يدعو هذا البحث إلى التراجع عن الذكاء الاصطناعي في الطب، ولا إلى كبح قدراته أو التشكيك في جدواه، بل إلى نضجه. فالنضج هنا لا يعني مزيداً من المعرفة أو سرعةً أعلى في التحليل، بل قدرة واعية على احترام الحدود.

أن نعلّم الخوارزميات كيف تستنتج وتربط وتنبّه، نعم، لكن أيضاً كيف تنسى، ومتى تتوقف عن الاستدعاء، وما الذي لا يجوز لها الاحتفاظ به أصلاً. ففي الطب، كما في الأخلاق، لا تُقاس الحكمة بكمّ ما يُقال، بل بوعي ما ينبغي أن يبقى صامتاً.

يعيد هذا البحث إحياء مبدأ طبي قديم بلغة رقمية معاصرة: أولاً- لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته التحليلية، يظل أداة تحتاج إلى ضبط ومساءلة، لا عقلاً يُترك بلا حدود. نعم، قد يغيّر مستقبل الطب ويمنحه دقة غير مسبوقة، لكنه لا ينبغي أن يُعفى من المحاسبة، ولا أن يُطلق بذاكرة مفتوحة في عالم شديد الفضول وسريع الاستغلال.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُعينه الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحفظه عن ظهر قلب.


كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
TT

كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم

كشف علماء في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة عن استراتيجية مفاجئة تستخدمها الخلايا السرطانية للانتشار؛ إذ ظهر أنها تقوم بسرقة الميتوكوندريا وهي «محطات الطاقة» داخل الخلايا، من الخلايا المناعية. وتُضعف هذه السرقة دفاعات الجهاز المناعي وتساعد الأورام على الانتقال إلى العقد اللمفاوية وهي خطوة مبكرة ومهمة في تطور السرطان.

وتُعدّ العقد اللمفاوية مراكز رئيسية للنشاط المناعي؛ إذ تحتوي على أعداد كبيرة من الخلايا التي تعمل عادةً على اكتشاف الخلايا السرطانية والقضاء عليها. لكنها في الوقت نفسه تُعدّ من أكثر الأماكن التي تنتقل إليها الخلايا السرطانية في المراحل الأولى من انتشار المرض. وحتى الآن لم يكن مفهوماً بشكل كامل كيف تتمكن الخلايا السرطانية من البقاء والنمو في بيئة غنية بالخلايا المناعية.

الاستحواذ على العقد اللمفاوية

• من ساحة مواجهة إلى بوابة الانتشار. تُظهر الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة Cell Metabolism في 12 يناير (كانون الثاني) 2026، أن الخلايا السرطانية قادرة على نقل الميتوكوندريا مباشرةً من الخلايا المناعية، إليها. والميتوكوندريا مسؤولة عن إنتاج الطاقة وتنظيم بقاء الخلية. ومن خلال الاستيلاء عليها تكتسب الخلايا السرطانية مزايا تساعدها على النمو والحركة بينما تصبح الخلايا المناعية أضعف وأقل كفاءة.

ودرس فريق البحث بقيادة ديريك أوكوان دودو من قسم علم الأمراض ومعهد ستانفورد للسرطان جامعة ستانفورد الولايات المتحدة الأميركية عدة أنواع من السرطان منها سرطان القولون والثدي والميلانوما (سرطان الخلايا الصبغية في الجلد) باستخدام نماذج فئران. وقد وُسِمت الميتوكوندريا (أي تم تعليمها بعلامة يمكن تتبّعها) بعلامات خاصة لتتبع حركتها بين الخلايا. وباستخدام تقنيات تصوير متقدمة وأدوات وراثية لاحظ الباحثون انتقال الميتوكوندريا من الخلايا المناعية إلى الخلايا السرطانية سواء في موقع الورم الأصلي أو - وبنسبة أكبر - في العقد اللمفاوية القريبة.

وتبيّن أن هذا الانتقال يتطلب تلامساً مباشراً بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية، ويزداد حدوثه في ظروف الضغط الخلوي مثل نقص الأكسجين أو الالتهاب وهي ظروف شائعة داخل الأورام.

• تأثيرات ضارة. وكان لهذه العملية تأثيران رئيسيان:

- أولاً: الخلايا المناعية التي فقدت ميتوكوندريا أصبحت أقل فاعلية. فقد أظهرت خلايا مناعية مهمة مثل الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية قدرة أضعف على التعرّف على الخلايا السرطانية وقتلها. كما تراجعت قدرتها على عرض الإشارات المناعية وإطلاق استجابة قوية ضد الورم ما أدى إلى ضعف الرقابة المناعية.

- ثانياً: الخلايا السرطانية التي حصلت على ميتوكوندريا من الخلايا المناعية فعّلت مسارات داخلية تساعدها على الإفلات من الجهاز المناعي. ومن أبرز هذه المسارات مسار cGAS -STING إلى جانب إشارات الإنترفيرون من النوع الأول. وعلى الرغم من أن هذه المسارات تُعدّ عادةً جزءاً من الدفاع المناعي فإنها في هذه الحالة ساعدت الخلايا السرطانية على البقاء والتخفي من المناعة والاستقرار داخل العقد اللمفاوية.

تحليل بيانات السرطان

• هروب الخلايا السرطانية من الجهاز المناعي. كما وجد الباحثون أن تسرّب الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا داخل الخلايا السرطانية بعد انتقالها، يلعب دوراً في تنشيط هذه المسارات. وعند منع انتقال الميتوكوندريا أو تثبيط مسارات STING - cGAS أو إشارات الإنترفيرون انخفض انتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية في النماذج التجريبية.

ومسار cGAS-STING هو نظام إنذار داخلي في الخلية. فعندما يظهر الحمض النووي «دي إن إيه» في مكان غير طبيعي داخل الخلية، مثلاً خارج النواة، تلتقطه أداة استشعار اسمها cGAS. وهذا الاستشعار يفعّل بروتيناً آخر يُدعى STING الذي يرسل إشارة طوارئ داخل الخلية. ونتيجة لهذه الإشارة يتم تشغيل الإنترفيرون من النوع الأول وهي مواد تحفّز الاستجابة المناعية. ويتم تنشيط جينات دفاعية تساعد الجسم على مقاومة العدوى أو الخلايا غير الطبيعية مثل الخلايا السرطانية.

وفي بعض أنواع السرطان تستغل الخلايا الورمية هذا المسار بذكاء فتُفعّله بطريقة تساعدها على الهروب من المناعة والانتشار بدل القضاء عليها.

وللتأكد من أهمية هذه النتائج لدى البشر، حلّل العلماء أيضاً بيانات من مرضى السرطان. وبيّنت التحليلات أن الأورام التي تحمل مؤشرات أعلى على انتقال الميتوكوندريا كانت أكثر ارتباطاً بانتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية وتنشيط المسارات المناعية نفسها التي لوحظت في المختبر.

• آفاق علاجية. تُسلّط هذه الدراسة الضوء على انتقال الميتوكوندريا بوصفه آلية غير متوقعة تستخدمها الخلايا السرطانية للتلاعب ببيئتها. فمن خلال إضعاف الخلايا المناعية بحرمانها من مصادر الطاقة ثم استخدام هذه المكونات نفسها لتفعيل برامج تساعدها على الهروب والانتشار تحقق الخلايا السرطانية فائدة مزدوجة.

ويشير الباحثون إلى أن استهداف «سرقة» الميتوكوندريا هذه، أو المسارات الإشارية التي تنتج عنها قد يفتح آفاقاً جديدة لعلاج السرطان. فالحد من انتقال السرطان إلى العقد اللمفاوية قد يساهم في إبطاء تطور المرض وتحسين فرص العلاج.

ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات فعلية فإن هذا الاكتشاف يضيف فهماً جديداً ومعمقاً للتفاعل المعقد بين الأورام والجهاز المناعي ويكشف طريقة أخرى تستغل بها الخلايا السرطانية دفاعات الجسم لصالحها.


«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد
TT

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

يُعدّ مبنى الحياة والعقل الجديد بجامعة أكسفورد Life and Mind Building (LaMB)، الذي افتُتح في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، مثالاً بارزاً على التصميم المبتكر الذي يدمج بين الهندسة المعمارية والاستدامة وعلم الأعصاب.

مبنى بتصميم رمزي

يضمّ هذا المختبر، الذي تبلغ مساحته 269000 قدم مربعة (24991 متراً مربعاً)، وهو الأكبر في الحرم الجامعي، قسمي علم النفس التجريبي وعلم الأحياء، ليُشكّل مركزاً للبحوث المتطورة في علوم الدماغ وعلم الحيوان وعلوم النبات. إلا أن تصميم المبنى يتضمن تفصيلاً خفياً مثيراً للاهتمام: فواجهته، المصنوعة من الخرسانة ذات السطح المتموج، تقدم في الواقع رموزاً لمسح دماغي لإحدى الباحثات من أكسفورد.

لا يقتصر هذا العنصر التصميمي على الجانب الجمالي فحسب، بل يخدم غرضاً رمزياً أعمق. فقد استُمدّ نسيج واجهة المبنى الخارجية من مسح دماغ «سيج بوتشر»، الطالبة في قسم علم النفس التجريبي، وهو المسح الذي أُجري في أثناء تخيّلها لمستقبل مبنى الحياة والعقل. وقد سُجّل نشاط دماغها في لحظة وجيزة، مدتها ثانيتان، ما أسفر عن نمط موجي جيبي فريد نُحت لاحقاً على ألواح حجرية. وتُرمز التموجات في خرسانة المبنى إلى الأفكار الإيجابية، وتُنشئ صلةً مباشرةً بين وظيفة المبنى ومجال علم الأعصاب.

أكّد المهندسون المعماريون في شركة «إن بي بي جيه»، المسؤولة عن تصميم المبنى، على أهمية الاستدامة، فاختاروا مواد متينة كالخرسانة والحجر والمعادن، قادرة على الصمود أمام اختبار الزمن، وهو أمر بالغ الأهمية لجامعة عمرها قرابة ألف عام.

وكان الهدف هو إنشاء مبنى يُكمّل حرم جامعة أكسفورد التاريخي، مع تقديم تصميم عصري وجذاب بصرياً. ويعكس تضمين واجهة المبنى لصورة مسح الدماغ، إلى جانب المواد المتينة المستخدمة، هذا الالتزام بالخلود.

مختبرات مستدامة

وإلى جانب جاذبيته الجمالية، يُرسي المبنى معياراً جديداً لتصميم المختبرات المستدامة. فالمختبرات عادةً ما تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، مع متطلبات عالية للتحكم في المناخ للحفاظ على ظروف التجارب. ونظراً لأن المختبرات تستهلك ما يصل إلى عشرة أضعاف الطاقة التي يستهلكها مكتب عادي، فقد صُمم المبنى مع مراعاة هذا التحدي.

يتميز المبنى بنظام تغليف محكم الإغلاق يجمع بين ألواح خرسانية وعزل حراري ونوافذ ثلاثية الزجاج وتفاصيل دقيقة لتقليل فقدان الطاقة إلى أدنى حد. كما يساهم استخدام أنظمة تهوية متطورة وألواح شمسية وردهة مركزية لزيادة الإضاءة الطبيعية في خفض استهلاك الطاقة. ونتيجةً لهذه الابتكارات، ينبعث من المبنى نحو 40 في المائة أقل من انبعاثات الكربون مقارنةً بمبنى مختبر تقليدي من الحجم نفسه.

وبشكل عام، يُعدّ مبنى «لايف آند مايند» إنجازاً بارزاً في مجال العمارة المستدامة، إذ يرتقي بمستوى ما يمكن أن تحققه مرافق البحث الجامعية من حيث المسؤولية البيئية والقيمة الجمالية. ولا يقتصر دور «لايف آند مايند» على تلبية احتياجات الباحثين فحسب، بل يرسي أيضاً معياراً رفيعاً لمباني العلوم المستقبلية، سواء في أكسفورد أو على مستوى العالم، في ظل تزايد تركيز الجامعات على الاستدامة في مبانيها الجديدة.