«مؤسسة لويس فويتون».. تحفة جديدة في باريس ثمرة زواج الفن والعمارة

فكرة برنار آرنو أغنى رجل في فرنسا وتصميم المعماري فرانك غيري

الخضرة والماء خففت من قوة ودرامية البناية التي تبدو وكأنها على أهبة الإبحار
الخضرة والماء خففت من قوة ودرامية البناية التي تبدو وكأنها على أهبة الإبحار
TT

«مؤسسة لويس فويتون».. تحفة جديدة في باريس ثمرة زواج الفن والعمارة

الخضرة والماء خففت من قوة ودرامية البناية التي تبدو وكأنها على أهبة الإبحار
الخضرة والماء خففت من قوة ودرامية البناية التي تبدو وكأنها على أهبة الإبحار

منذ زمن والحديث يدور حول تلك العلاقة الحميمة التي تربط الفن والموضة بالمعمار، إلا أن هذا الحديث وصل أوجه بعد افتتاح مؤسسة لويس فويتون بباريس في الأسبوع الماضي. المؤسسة، أو بالأحرى المتحف، الذي صممه المعماري الشهير فرانك غيري، البالغ من العمر 85 سنة، بإيعاز من أغنى رجل في فرنسا، برنار آرنو، صاحب مجموعة «إل في إم إتش» التي تنضوي تحتها العديد من بيوت الأزياء والمجوهرات العالمية مثل ديور، بولغاري، لويس فويتون وهلم جرا، يتضمن الكثير من المعاني الثقافية والأهداف الفنية. ما يحسب لهذا العمل، على الرغم من أن العديد من أثرياء صناع الموضة توجهوا لرعاية الفن في السنوات الأخيرة، إما بتمويل أعمال فنية وإما بتصميم متاحف خاصة وغيرها، إنه مختلف عن كل تلك الأعمال، حجما وتصميما وهدفا. فقد شحذ فيه غيري كل أدواته كما وظف كل فنيته في التصميم وقدراته في البناء لتأتي النتيجة عبارة عن تحفة معمارية يمكن أن تنضم بسهولة إلى مركز بومبيدو أو متحف اللوفر وغيرهما كمعلمة ثقافية تفتخر بها باريس، إن لم نقل فرنسا كلها. ما لا يختلف عليه اثنان أن شكل المتحف يتحدى الأسلوب المعماري «الهوسماني» الذي يعطي باريس نكهتها الفريدة، إلا أن هذا الاختلاف لا ينتقص منه بقدر ما يغنيه، كونه يتماهى مع محيطه وفي الوقت ذاته يتميز عنه. فالمبنى يبدو للوهلة الأولى، وكأنه مركبة فضائية تتشرنق إلى السماء، أو سفينة معلقة تتفرع عنها 12 شراعا على شكل جناح من الزجاج مركب فوق هياكل خفيفة من المعدن، كل شراع منها ينحني ويتقوس بشكل مختلف عن الآخر، يخلق إحساسا بأن المتحف سفينة مستعدة للإبحار في أي لحظة، وهو أمر مفهوم بحكم أن المعماري المخضرم يعشق السفن والإبحار. رغم أن اسمها مؤسسة لوي فويتون عوض متحف لويس فويتون، إلا أن الفكرة واحدة، وهي أن تضم أعمالا فنية معاصرة، بعضها سيكون أعمالا ثمينة اقتناها رجل الأعمال برنار آرنو، صاحب المجموعة الاستثمارية الواسعة لدور الأزياء والبضائع الفخمة، «إل في إم إتش» التي تملك، ضمن ما تملك، شركة فويتون للصناعات الجلدية والحقائب، كما سيكون بعضها الآخر ثمرة تعاونات مع فنانين من كل أنحاء العالم. لكن الأهم في كل هذا أنها ستكون امتدادا لـ«إل في إم إتش»، أو إن صح التعبير وجهها الجميل الذي سيلمع صورة مجموعة تجارية ضخمة يشبهها البعض بسمك القرش. كما أن السيد برنار آرنو، بهذه الهدية، التي يقدمها لباريس، يكشف قناع الجدية عن وجه إنساني مرهف، يعشق الفن ويدعمه بكل الوسائل. هذا الربط بين المجموعة والمبنى الفني الجديد يعززه اللوغو الضخم الذي يزين واجهتها من مدخل «افينو ماهاتما غاندي»LV، وهو لوغو صممه غيري على شكل بروش من الصلب المقاوم للصدأ يلمع مثل الماس عندما تنعكس عليه أشعة الشمس، مما يشير إلى أنه بناية مصممة على مقاس المجموعة ومتطلبات صاحبها، مما يجعلها تأخذ صفة الـ«هوت كوتير»، خصوصا وأنها كلفت أكثر من 126 مليون دولار أميركي.
فكرتها لم تكن صدفة أو وليدة نزوة، بل تعود إلى 2001 عندما رأى جون بول كلافيري، «الذي عمل سابقا مع جاك لانغ في وزارة الثقافة الفرنسية، ويعمل حاليا مع مجموعة «إل في إم إتش»، متحف غونغهايم الذي صممه فرانك غيري في بيلباو. أعجب به إلى حد أنه شجع برنار آرنو أن يزور إسبانيا خصيصا لرؤيته. وكما توقع كالفيري، فقد انبهر آرنو بالعمل وطلب مقابلة مصممه، وهو ما حصل في نيويورك بعد عدة أسابيع. جرى الحديث عن رغبة آرنو في تصميم متحف باريسي يختزل رؤيته للمجموعة التي يملكها، وفي الوقت ذاته يجسد هدفه لدعم الفنون بأسلوب قوي ومؤثر وكأنه «هوت كوتير»، وهو ما لباه غيري بحماس وحب. فهذا أول عمل له في باريس منذ عام 1994، عندما صمم المركز الأميركي، الذي يعرف اليوم بـ«سينماتيك فرانسيز». ونظرا للإمكانيات التي وضعت بين يديه، فإنه أدرك مسبقا بأن هذا العمل سيكون أقوى وسيأتي على شكل قصيدة حب لباريس التي سحرته منذ أن زارها لأول مرة في شبابه، قبل 50 عاما.
وبالفعل روض فيه الذوق البورجوازي من دون أن ينسى مغازلة الجانب الوظيفي والشاعري الذي تتميز به غابة بولونيا، «بوا دو بولون»، المؤثثة بالأشجار والبحيرات التي يسبح فيها البط ويتفرع منها متنزه للعب الأطفال، «غاردان داكليماتاسيون» Jardin d›Acclimatation حيث كان يلعب مارسيل بروست في طفولته. وشرح فرانك غيري في يوم الافتتاح أن المشروع مفتوح على كل الاحتمالات «أعتقد بأنه عندما يعمل أي واحد منا بطريقة عفوية معتمدا على حدسه، فإنه يكون متجاوبا إلى حد ما مع المكان والزمان».
ما يشد الانتباه في مبنى «مؤسسة لويس فويتون» من اللحظة الأولى، الاستعمال السخي للزجاج، إلى حد يستحضر «لوغران باليه» الواقع بالقرب من الشانزليزيه، وأيضا الأعمدة المصنوعة من الصلب المكشوف. هذه التفاصيل المكشوفة تعكس أسلوب غيري من جهة، ورغبته في إبراز ما يطلق عليه «العظام» أو هيكل البناء، من جهة ثانية، وكأنه يريد أن يحتفل بما تتضمنه هذه المباني من جماليات وقوة داخلية. وهو اتجاه تبناه منذ عقود عندما كان يترك الإطارات الخشبية واضحة في حيطان البيوت التي كان يصممها، وتطور في هذه البناية الضخمة إلى أعمدة من الصلب وعوارض خشبية تذكر ببرج إيفل على مستوى مصغر. وفيما تمنح هذه العوارض والأعمدة المبنى عضلات قوية، فإن الاستعمال السخي للزجاج والماء يمنحه انسيابية ونعومة، لتتحول صورة السفينة أو المركبة الفضائية المستقبلية في بعض الأحيان إلى راقصة باليه أو «قصيدة شعرية» حسب قول فرانك غيري. فمن بين العناصر التي أخذها بعين الاعتبار أنه جزء من غابة بولونيا، وبالتالي من الضروري أن يضفي عليه الشفافية والانسيابية حتى يتماهى مع هذه الأجواء، عدا أن المصمم يحب أن يدفع بحدود الإبداع إلى أبعد حدود كأي فنان. والجميل فيه أيضا أنه كلما تقدم في العمر زاد جرأة وشجاعة، وكأنه يرى كل عمل ينتهي منه بداية لمغامرة جديدة يجب أن تكون بنكهة مختلفة تماما. فقد أتقن فيه ترويض الزجاج بمنحه انحناءات تخدم أعماله، إلى حد أنها تجلت هنا وكأنها أشكال متراقصة أو أشرعة سفينة تتهادى فوق المياه يمنة ويسرة.
لم ينس أن يشير في يوم الافتتاح بأن الغرض من المبنى هو أن يكون حاضنا للفن، لهذا «ترجمت الفكرة في بناية بحركة، أو بالأحرى بأشرعة»، متعمدا أن تكون الصورة من الداخل بسيطة مثل الكنفس الأبيض، بجعلها شبه عارية من الـ«فذلكات» والألوان حتى يتيح المجال لأعمال فنانين آخرين أن تأخذ مكانها فيه بكل أريحية. وشرح «أحب أن تكون أعمالي غير مكتملة حتى تشجع الناس على اللعب بها والإضافة إليها». والطريف أن المعماري المخضرم كرر أن المبنى ليس «ثمينا» عدة مرات، قاصدا بأنه ليس مقدسا أو غير قابل للتغيير بل يجب الإضافة إليه والاستمتاع باللعب بمساحاته.
ما أكده فرانك غيري في هذا العمل أن تراكم السنوات تمنح أي فنان خبرة وقدرة عالية لا تتوفر في الشباب، بل واعترف بأن هناك بعض الأشياء التي لو كان بيده اليوم لغيرها في هذا العمل رغم رضاه عن نتيجته النهائية، والسبب أنه «على الرغم من أن تنفيذه اكتمل الآن فإني صممته منذ نحو 6 سنوات تقريبا والإنسان يتطور في كل سنة، فما البال بـ6 سنوات».
يمتد المتحف، على مساحة 126 ألف قدم مربع ويحتضن 11 قاعة مترامية على 4 مستويات إضافة إلى صالة عرض كبيرة ستحتضن عدة فعاليات عندما يفتتح في آخر هذا الشهر. لكن يبقى الطابق الأعلى المفتوح على سماء باريس بمدرجاته المتعددة التي تطل على حدائق «بوا دو بولون» وعلى ناطحات «لا ديفونس» من أجمل ما تقع عليه العين، إذ لا يفوتك هنا ملاحظة اهتمام غيري بأدق التفاصيل، مثل الإضاءة الخفية، والانحناءات التي تشير إلى تأثره بالكنيسة التي صممها لوكوربيزييه في رونشون، وهي كنيسة تقع على بعد 250 ميل جنوب شرقي باريس، فضلا عن ربطه مختلف الفضاءات ببعض، وإدخال الدفء عليها رغم ألوانها الهادئة والوظيفية، إلى حد ما.
الاهتمام بالتفاصيل وخض الحواس بالمفاجآت ظهر في كل طابق وفي كل جزئية تقريبا. ففي الطابق السفلي مثلا، يشدك شلال من الماء وما يشبه المسابح الصغيرة المتناثرة على شكل مغارات، توقظ بداخل الزائر الرغبة في الاستكشاف، كما تعكس الضوء على أعمدة بزوايا مثلثة مصنوعة من زجاج مورانو للفنان أولافور إلياسون باسم «إنسايد ذي هورايزون».
وعندما تخرج من هذه الرحلة الاستكشافية متشبعا بالشروحات التي تبرع بها المسؤولون عن هذه التحفة، تشعر بأن فرانك غيري نجح في تطويع البناية وجعلها تتماهى مع المحيط المجاور لها، وبأن السيد برنار آرنو نجح بدوره في تطويع الصعوبات اللوجيستية والبيروقراطية، لاقتناعه بالفكرة وأهدافها البعيدة المدى. فالأرض التي يقع عليها المتحف تخص مدينة باريس، وبالتالي تطلب الحصول على حق البناء فوقها الكثير من التفاوض، وبقيود عديدة تتعلق بالمساحة والارتفاع وشروط تدعو لمراعاة الحديقة المجاورة الخاصة بالأطفال. من هذه الشروط أيضا أنه في عام 2062، أي بعد 50 عاما تقريبا، ستتحول ملكية المتحف إلى باريس وتصبح ملكية عامة. وهذا تحديدا ما يحسب للسيد آرنو، الذي تعامل مع كل هذا بإيجابية، تشير إلى أن المبنى يعني له أكثر من مجرد متحف يحمل اسم واحدة من بيوت الأزياء التي يعتبرها الملياردير جوهرة في تاج مجموعة «إل في إم إتش»، فهو هدية قيمة لمدينة باريس من جهة، وبيت ثان للأعمال التي اقتناها عبر السنوات من جهة ثانية، لهذا كان لا بد أن يكون سخيا من كل الجوانب، بحيث يمكن التفاعل معه بسهولة على المستويين الجمالي والثقافي، حتى يترك بصمة قوية على باريس. هذا ما جعل كل الصعوبات تهون في سبيل تعبيد الطريق لإنجاز هذه التحفة، فضلا أن السيد برنار آرنو تعود على ترويض المصاعب. فعندما قرر ترميم محلات «لاساماريتان» المطل على نهر السين منذ سنوات قوبل قراره بالرفض، لكن الكلمة الأخيرة كانت له وحصل على ما أراد واكتشف الكل كم كان مصيبا في قراره ونظرته، نفس الأمر يمكن أن يقال على هذا المتحف. فهو الآخر واجهته عراقيل بيروقراطية وسخط جماعات تنادي بالحفاظ على شخصية «بوا دو بولون»، لكن في آخر المطاف، تم الاقتناع بفكرة الملياردير بأن المتحف في الصالح الوطني، وسيتضمن أعمالا فنية يمكن للكل الاستمتاع بها. والأهم من هذا، يمكن اعتباره خطوة استراتيجية مهمة لاسترجاع باريس مكانتها الفنية التي تراجعت في العقود الأخيرة لصالح عواصم أخرى مثل نيويورك في زمن أصبحت فيه كل عواصم العالم تستعين بمعماريين لتصميم معالم ثقافية تجذب إليها أنظار العالم، من باكو في أذربيجان إلى بيلباو في إسبانيا.

* يفتتح المتحف للعامة في 27 من شهر أكتوبر الحالي.



عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
TT

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)

لم يكن عرض إيرديم مواليوغلو لخريف وشتاء 2026 عادياً. كان احتفالاً بتأسيس علامة أطلقها شاب في الـ28 عاماً، وكبرت معه لتتحول إلى قصة نجاح بلغت الـ20 عاماً. أعاد المصمم حكاية هذه القصة وعنوانها «المحادثة المتخيلة» بوصفها تحية لكل النساء اللواتي ألهمنه وساهمن من خلال قصصهن وإنجازاتهن في استمراريته وضمان استقلاليته، ولو بشكل رمزي. عاش حياتهن وتخيَّل ما يُمكن أن يُفكِرن فيه وصاغ لكل واحدة تشكيلات تحمل اسمها عبر السنوات.

من هذا المنظور لم يكن العرض الأخير استرجاعاً للذكريات بالمعنى التقليدي، بل مجموعة حوارات ومحادثات مع كل واحدة من ملهماته، مثل ماريا كالاس، دوقة ديفونشر، العالمة النباتية ماريان نورث، راقصة الباليه مارغو فونتين، الشاعرة رادكليف هول، وغيرهن. نساء غير عاديات، من حيث أنهن يُمثلن التقاليد ويتمرّدن عليها في آن واحد.

فستان «بانير» باللون الأحمر من الدانتيل المطرز تزينه خيوط أزهار وشرائط متدلية (إيرديم)

هذه الازدواجية بين التقليدي وغير المألوف، شكَّلت أسلوبه منذ بداياته. ورغم أنها تخلق بعض التوتر لدى الناظر أحياناً، أثبتت مع الوقت أنها مكمن قوته، لأن نتيجتها دائماً تصاميم مطرزة برومانسية غُرست في مخيلته منذ طفولته، وهو يرى والدته في فساتين أنيقة وأحمر شفاه قاني وقارورة عطر شاليمار لا تفارق طاولتها.

كل هذا ظهر في إطلالات أعاد تخيَّلها للحاضر، تارة في فساتين غير مكتملة الأطراف جمع فيها الدانتيل بالجاكار والنعومة بالصرامة، وتارة في معاطف خاصة بالأوبرا تستحضر ماريا كالاس، لكنها أكثر تحرراً، إلى جانب أخرى بقصات وخطوط وزخارف منمقة.

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري ومزين بساتان أزرق يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة مبتكرة (إيرديم)

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري مزين بساتان أزرق، يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة من الدانتيل يربط بحزام على شكل فيونكة من القماش نفسه. بكل تناقضاته جاء متناغماً على المستوى الفني. واختتمه بفستان غير متماثل مركب من الساتان فضي مطبوع وتول أسود، تخترقه قطع من الساتان الأصفر والوردي تزينه فيونكة مطرزة الحدود.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يشرح إيرديم أنه قلب في الدفاتر القديمة على تيمات مألوفة وفككها ليُعيد ابتكارها بما يناسب العصر والخبرات التي اكتسبها طوال الـ20 عاماً. فستان زفاف من عرضه الأول مثلاً يعود في عام 2026 بتنورة تبدو صاخبة ومتحدية، وكأنها تستعرض ماضيه ومستقبله.

48 إطلالة لم تكن استنساخاً لما سبق وقدمه، فكل إطلالة هنا تحكي قصتها الخاصة، وفي كل حوار يدور بين هذه الشخصيات تأخذ التصاميم أشكالاً ربما تعكس عصرها السابق، لكنها تأخذ أيضاً بعين الاعتبار المرحلة الحالية. يقول المصمم أن هذه الخيالات أو التخيلات التي عاد فيها إلى أرشيفه الخاص، حرَرته وأطلقت العنان لخياله. وانطلاقاً من هذا الإحساس بالحرية، جعل الكاتبة مثلاً تميل إلى راقصة، وعالمة النباتات تُنصت إلى ممثلة باهتمام، وهكذا. لا يتفقن دائماً في الهوى والثقافة والذوق، لكن المصمم غزل اختلافهن بخيوط من ذهب وفضة، ما أضفى على التشكيلة تماسكاً.

استوحى المصمم العديد من تصاميمه مجموعات سابقة مثل هذا المعطف الذي يستحضر صورة ماريا كالاس والأوبرا (إيرديم)

يضيف إيرديم في بيانه الصحافي: «قبل عشرين عاماً، بدأت هذه المحادثة المتخيلة. لم تكن مونولوغاً ولا صوتاً واحداً فقط، بل تبادل أفكار وآراء، مستمر بين الماضي والحاضر، وبين الذاكرة والخيال، ركَّزت فيه على نساء لا يزال صداهن يتحدى الزمن ويتجاوز الحدود». لكنه يُصر أن المجموعة ليست عن الحنين بل عن الاستمرارية، وتلك القدرة الفطرية لدى ملهماته على مواجهة النكسات والأزمات، وهو ما ينعكس أيضاً على مسيرته الشخصية.

فستان «بانير» يجمع بين الهندسية الكلاسيكية والأناقة المعاصرة (إيرديم)

فنجاح تجربته مقارنة بغيره من أبناء جيله، تؤكد أنه نجح في اختبار الزمن، بدليل أنه تجاوز الأزمات الاقتصادية التي شهدها العقد الماضي، ونكسات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وإفلاسات الحاضر التي أودت بمحلات كبيرة كان لها فضل كبير في عرض إبداعاته حتى قبل أن يُصبح اسماً لامعاً، مثل «بارنيز» و«ساكس» وموقع «ماتشز» وغيرها. والآن يقف صامداً مع الكبار مثل «بيربري» في أسبوع أصبح ضعيفاً مقارنة بسنوات المجد في التسعينات وبداية الألفية.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يتذكر أنه عندما أطلق مشروعه الخاص في عام 2005 كانت ساحة الموضة في لندن تعج بالمواهب والإبداع. أسماء كثيرة كانت تجذب أنظار العالم للعاصمة البريطانية، منهم جايلز ديكون، جوناثان أندرسون، روكساناد إلينشيك، ريتشارد نيكول، كريستوفر كاين، ماريوس شواب، وآخرون. كانوا مثله في ذلك الزمن، يُسجلون بداياتهم، لكن العديد منهم تعامل مع أسبوع لندن بوصفه مسرحاً يستعرضون فيه جرأتهم الفنية. هؤلاء كانوا يؤمنون أن الإبداع، حتى في أقصى حالات جنونه، فن غير عابئين لجانب التسويق. في هذا المشهد الفائر بروح الشباب، دخل إيرديم مُفضِلاً مساحة جمالية آمنة نسبياً: أكثر أنوثة تعتمد على الورود والتفاصيل الرومانسية أكثر من اعتمادها على الجلود والأساليب القوطية أو «الغرانجية» وما شابه.

جعل الأزهار والورود تيمة تتكرر في أغلب مجموعاته حيث طبعها حتى على الجلود (إيرديم)

وفي الوقت الذي كان فيه أقرانه يختبرون هذه الأساليب إضافة إلى بداية تجاربهم مع «الجندرية» بدمج الأنثوي بالذكوري، وفي كل موسم يزيدون الجرعة، آمن إيرديم أن المرأة لها وجود خاص وقائم بذاته في أعماله، فسخّر لها كل إمكاناته وخبرته في تطريز ورود تتفتح على صدور الفساتين وأذيالها وأكمامها وياقاتها. لم تكن نيته أن تُحدث تصاميمه الصدمات. أرادها فقط أن تحمل بصمة يمكن التعرف عليها من بعيد من دون صراخ «اللوغوهات».


كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
TT

كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)

خلال أسبوع الموضة بميلانو، كشفت «لورو بيانا» داخل «كروتيله ديلا سيتا»، وهو مقرها الرئيسي، عن مجموعة خريف 2026 وشتاء 2027. حوَّلت الدار المساحة مسرحاً يُجسّد فكرة السفر، ليس إلى وجهات جغرافية فحسب، بل أيضاً إلى ثقافات بعيدة مركّزة على الشرق. فهناك إطلالات كثيرة تستحضر الدراويش الرحالة وتنانيرهم المستديرة بطبقاتها المتدفقة والطرابيش العالية، بينما تستحضر أخرى فخامة القصور الأوروبية والعثمانية من خلال قماش البايزلي ونقشته المعروفة.

إيحاءات شرقية واضحة ظهرت في القبعات والكثير من التصاميم (لورو بيانا)

منذ اللحظة الأولى التي يبدأ فيها العرض، يدخل الضيوف عالَماً مُتخيَّلاً رسمته الدار الإيطالية بكل تجليات ألوان «البايزلي»، في حين غطَّت الأرض بسجاد بني وكأنه بساط الريح الذي يعبر الزمن والمحيطات.

تم تتوالى الإطلالات وتتفتَّح كـ«حلم رحال»، وهو عنوان المجموعة؛ لتمنح الضيوف انطباعاً كما لو أنهم يسافرون على متن قطار الشرق السريع ويتابعون العالم وهو يمر أمام أعينهم. عند المدخل، يستقبلهم صوت رخيم يقرأ سلسلة من قصائد قصيرة تتغنى بتبدُّل الفصول وتحوّل الألوان. كان هذا الصوت يتردد في المكان على صدى إيقاع ديناميكي يشبه صوت عجلات القطار. يتصاعد الإيقاع في الممر الضيق المؤدي إلى القاعة الرئيسية، ليجد الحضور أنفسهم في مكان يحاكي في تصميمه مقصورة قطار. تصطف على جوانبها نوافذ تكشف عن مشاهد ضبابية تتلاشى مسرعة، لتظهر المجموعة بتسلسل متناغم يتكرر فيه البايزلي بدرجات دافئة.

نقشة «البايزلي» تكررت في أغلب التصاميم (لورو بيانا)

البايزلي... بطل المجموعة

فهذا القماش بنقشته الشهيرة على شكل دمعة، يغطي الفضاء بأكمله تقريباً. كمية السخاء في استعماله لا تترك مجالاً للشك بأن الدار تريد استعراض مهارتها في تنفيذه رغم ما يشكله من تحديات. تعترف بأن زخارفه معقدة وتتطلب خبرة عالية في الطباعة للحفاظ على نعومة الكشمير وخفة الأقمشة، التي تفخر «لورو بيانا» بأنها متفردة في غزله. فقد قدَّمت للعالم قبل عرضها بأسابيع قليلة آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». استغرق تطويره عامين من البحث والعمل في مشاغلها الواقعة في روكا بييترا وكوارونا الإيطالية، ليأتي إنجازاً استثنائياً جديداً ينضم إلى إنجازاتها السابقة.

بعض الإطلالات تستحضر تنورات الدراويش المستديرة والمتدفقة (لورو بيانا)

ورغم أن اهتمامها بالصوف وتطوير أليافه يبقى على رأس أولوياتها دائماً، فإن الأمر لم يختلف عندما اختارت البايزلي بطلاً لهذه المجموعة، لا سيما وأن علاقته به ليست وليدة الأمس القريب. فمنذ أواخر الستينات والسبعينات وهي تستلهم من زخرفاته وتتفنن في نقشته، ليُصبح مع الوقت توقيعاً مألوفاً على شالاتها وعنصراً مهماً في تصاميمها. نظرة على ما تم طرحه في مجموعتها للخريف والشتاء المقبلين، يؤكد أنها حقَّقت الهدف في تطويعه ومن ثم ترسيخ مهاراتها في التلاعب بالأقمشة. فتأثير البايزلي هنا كان أقوى من ذي قبل؛ نظراً للمعتة الهادئة وخفته، لكن أيضاً لأنه يحمل طابعاً شرقياً وتاريخياً يأخذنا إلى قصور المَهَارَاجَات وبلاطات أرض فارس وغيرهم.

الألوان كانت البوصلة التي حددت رحلة هذه المجموعة من الشرق إلى الغرب (لورو بيانا)

رحلة إلى الشرق

فالمجموعة بنسختيها النسائية والرجالية تتكشَّف كما لو أنها تُرى بعين مسافر على متن قطار يعبر تضاريس متنوعة وثقافات مختلفة. يحطّ لوقت في الشرق قبل أن يتوجه إلى أوروبا، وهو ما يُفسّر أن بعض الإطلالات تعيد إلى الذهن صور الدراويش الذين يسافرون خفيفي الحركة، ليتواصلوا مع المكان والزمن والروح. إلى جانب أهمية الأقمشة، كانت الألوان هي البوصلة هنا. تبدأ بدرجات التراكوتا والأصفر المائل إلى البني ثم البيج والرمادي والبني العميق قبل أن تتعمَّق في الأخضر والأزرق الغامق. لم يغب الأبيض ولا الأسود، فهما ثنائية عابرة للزمن، لكن الدار اقتصرت عليهما في أزياء المساء والسهرة.

تصاميم خفيفة تترك مساحة بينها وبين الجسم لضمان راحته وحركته (لورو بيانا)

مرة أخرى حضر الكشمير وصوف الميرينو والكشمير وصوف الميرينو وألياف «بيكورا نيرا» الطبيعية التي تفخر بها الدار، إلى جانب التويد وخيوط المولينيه وقماش الشانيل الناعم. خامات تلامس الجسد بخفة وتمنحه كل الدفء الذي يحتاج إليه، لكن المسافة بينها وبين الجسد تبقى واسعة إلى حد ما؛ لتتيح له التنفس والانطلاق وفي الوقت ذاته لتعكس مدى خفتها ونعومتها، سواء كانت معاطف طويلة منسدلة، بنطلونات واسعة يصل بعضها إلى نصف الساق أحيانا، أو تنورات تم تنسيقها مع بنطلونات..تناسق الأحجام مع هذه الخامات والألوان زاد من جمالها ورقيِها، رغم غرابة بعض الإكسسوارات المثيرة للنظر.

أزياء السهرة والمساء تميزت هي الأخرى برغبة في أن تمنح الجسد راحة وانطلاق (لورو بيانا)

أزياء المساء

حتى في المساء لا تفقد هذه التصاميم تحررها وانطلاقها. بالعكس، تبقى راقية عبر قصات واسعة وألوان كلاسيكية تعتمد على الأبيض والأسود، في حين ازدانت بدلات التوكسيدو والمعاطف الطويلة بتفاصيل من الساتان، وحلت الياقة العالية محل القميص. وجاءت النتيجة أزياء كلاسيكية بلغة شبابية معاصرة تؤكد أنها هي الأخرى عابرة للزمن وتخاطب كل المواسم.


نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
TT

نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)

قبل أن تقدم «لورو بيانا» مجموعتها لخريف وشتاء 2026 - 2027 بأسابيع، قدَّمت للعالم آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». نسيج يجمع خفة غير مسبوقة ولمعة هادئة.

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك» وأجود أنواع صوف الميرينو (لورو بيانا)

في صيغته الأولى، يأتي خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو، وفي صيغته الثانية يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير بعد أن تم التعامل معهما في ورشاتها بعناية فائقة. تشرح الدار بأن أهمية هذا الخيط تكمن في رقته. فهي تكاد تكون شفافة؛ ما يجعله إنجازاً جديداً رغم أن حياكته تُعدّ تحدياً لحرفيي الدار، وذلك أن التعامل مع هذه الألياف يتطلّب مهارةً استثنائيةً لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها.

مرحلة الخياطة النهائية تتم بتقنية Fell Stitching وهي من أندر أساليب الخياطة إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط (لورو بيانا)

نسيج من حرير التوت والميرينو

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك»، وأجود أنواع صوف الميرينو، بسُمْكٍ بالغ الرقة يبلغ 13.5 ميكرون فقط. ولا تتجاوز نسبة هذا المستوى من النعومة 0.05 في المائة من إجمالي الإنتاج السنوي العالمي لصوف الميرينو، ضمن نطاقٍ يتراوح بين 13.0 و13.8 ميكرون.

يأتي النسيج في البداية خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو قبل أن يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير (لورو بيانا)

تبدأ عملية ابتكاره بتمشيط الألياف وغزلها بعناية، ثم لفّ خيطين معاً وفق قياساتٍ بالغة الدقة. وتُسهِم هذه التقنية في إبراز الخصائص الطبيعية لكل ليفة، تٌنتج بعدها خيطاً فائق الرقة لا يتميّز بخفّةٍ عالية فحسب، بل أيضاً بقدرة على عكس الضوء.

بعدها يتحول إلى قماش Royal Lightness Fabric، بوزن لا يتجاوز 350 غراماً للمتر الواحد، وقابل للارتداء على الوجهين بين حرير الأورغانزينو بسُمْك 21 دنيراً، وكشميرٍ طويل الألياف بسُمْك 15 ميكروناً.

عندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج (لورو بيانا)

في المراحل النهائية، يخضع القماش المنسوج لعملية تمليسٍ دقيقةٍ تمنحه ملمساً زغبياً ناعماً يحمل بصمة «لورو بيانا» المميّزة. وعندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة، تُفصل طبقات القماش وتُعزّز حوافها بشريطٍ رفيع، قبل أن تمرّ بأكثر مراحل التصنيع تعقيداً واستغراقاً للوقت، وهي مرحلة الخياطة بتقنية Fell Stitching، وتُعدّ هذه التقنية الحرفية القديمة من أندر أساليب الخياطة؛ إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط، لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج.