بحر الحضارات يحتضر... المشاكل البيئية تخنق البحر المتوسط

بحر الحضارات يحتضر... المشاكل البيئية تخنق البحر المتوسط
TT

بحر الحضارات يحتضر... المشاكل البيئية تخنق البحر المتوسط

بحر الحضارات يحتضر... المشاكل البيئية تخنق البحر المتوسط

لطالما كانت ضفاف البحر المتوسط موطناً لعدد كبير من الحضارات، وعبر أمواجه أبحرت سفن الفينيقيين وقدامى المصريين والإغريق والرومان والمسلمين، فمثّل بذلك جسر تواصل بين الشرق والغرب والجنوب والشمال. وفي مراحل كثيرة، شهد هذا البحر صراعات الشعوب ومغامراتها التي غيّرت وجه التاريخ من دون أن تترك ندوباً ظاهرة على جسده.
وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بدأ كل شيء بالتغيُّر مع شق قناة السويس، فأصبح البحر المتوسط شرياناً رئيسياً للتجارة العالمية. ومع اكتشاف النفط في الخليج، صار المتوسط معبراً هاماً للإمداد بالطاقة، ثم أعلنته الاكتشافات الأخيرة مكمناً واعداً للغاز الطبيعي، مما ينذر بتأجيج نيران الصراعات القائمة على شواطئه الشرقية والجنوبية، ويعمّق الجراح التي تنال من نظمه الطبيعية.
تعاني معظم البحار في العالم مشاكل بيئية، لكن طبيعة الصراع على المتوسط، لا سيما في أجزائه الشرقية، حولته إلى ساحة معركة لا يبالي الكثيرون بحجم التخريب الذي ينالها. ولأن المصائب لا تأتي فرادى، فمياهه هي من بين الأكثر تأثراً بتغيُّر المناخ العالمي، إذ ترتفع حرارتها بمعدلات متسارعة تصل حالياً إلى 0.12 درجة مئوية في السنة. كما تعتبر شواطئ المتوسط من أكثر مناطق العالم تأثراً بارتفاع البحار، لأن معظم النشاطات الصناعية والسياحية في دول الحوض تتركز في الأراضي الساحلية المنخفضة. وكان العالم المصري الراحل الدكتور محمد عبد الفتاح القصاص اقترح بناء حاجز متحرك في مضيق جبل طارق للتحكم بمستوى ارتفاع البحر المتوسط. لكن هذا يحتاج إلى دراسات معقدة، تأخذ في الاعتبار أثر حاجزٍ كهذا على حرارة المياه وتركيزات التلوث في منطقة مغلقة.
وفيما تمثل مساحته أقل من 1 في المائة من مجمل مساحة البحار في العالم، يختنق البحر المتوسط بما يعادل 7 في المائة من كمية المواد البلاستيكية الدقيقة التي تغص بها المحيطات. ويقدر تقرير صدر سنة 2015 عن خطة عمل البحر المتوسط، التي يديرها برنامج الأمم المتحدة للبيئة، أن كمية النفايات البلاستيكية التي ترمى فيه تتجاوز 730 طناً يومياً، حيث تمثل ست دول فقط هي تركيا وإسبانيا وإيطاليا ومصر وفرنسا والجزائر مصدراً لثلاثة أرباع هذه الكمية.
كما يُستخدم المتوسط كمصب لجميع أنواع المنصرفات الملوثة، ابتداءً بمياه الصرف الصحي غير المعالجة مروراً بالمياه العادمة الصناعية وانتهاءً بالمنسكبات النفطية. ورغم كونه مصدر رزق لملايين الناس الذين يعتمدون على البحر في معيشتهم من خلال الصيد والتجارة والسياحة، فإن أكثر أبنائه لا يهتمون برئتهم الزرقاء، التي أصبحت مع الوقت مضرب مثل لهم في اللامبالاة، كما يظهر في القول الشائع: «أعمل منيح وكُب بالبحر».
مأساة المتوسط هي في جغرافيته غير التقليدية، إذ إنه بقلة منافذه على المياه المفتوحة أقرب ما يكون إلى البحيرة المغلقة، حيث تقترح إحدى الدراسات أن قطرة الماء التي تأتيه من المحيط الأطلسي تستغرق مائة عام لتعود إلى مصدرها. ويؤدي انغلاق المتوسط على نفسه إلى زيادة تركيز السموم التي تصب فيه. ولأن كبرى تياراته المائية تتجه من الغرب إلى الشرق، فإن شواطئ بلاد الشام وتركيا ومصر تتحمل العبء الأكبر من الضرر.
وفي الشرق أيضاً، ترمي الصراعات بثقلها في مياه المتوسط. فحسب تقارير رسمية سورية، أدى تخريب خطوط وقود تحت الماء قبالة مصب بانياس النفطي إلى تدفق كميات كبيرة من النفط الخام إلى البحر في نهاية شهر يونيو (حزيران) 2019. حيث كانت آثار التسرب تُشاهد في نطاق 100 كيلومتر. وفي غزة، يستمر صب أغلب الصرف الصحي في البحر مباشرة من دون معالجة، بسبب مصاعب تتصل بتوفير الطاقة وحظر إسرائيلي على استيراد مواد وتجهيزات معالجة المياه والمنصرفات إلى القطاع، بادعاء أن 70 في المائة من مكوناتها تدخل في الاستخدام العسكري.
لعقود كثيرة مضت، ساهمت الأطماع الاستعمارية ونماذج الاحتلال المباشر وغير المباشر في تعميق الفجوة الاقتصادية والسياسية بين بلدان جنوب المتوسط ودول الشمال. وللتغلب على الأزمات المالية المزمنة، كانت أغلب دول شمال أفريقيا وجنوب أوروبا وبلاد الشام تضع حماية البحر المتوسط في مرتبة أدنى على حساب استقطاب الاستثمارات بأي ثمن لتوفير قوت شعوبها.
وأحياناً تأتي المشاكل من حيث لا تكون متوقعة. فقناة السويس، التي جعلت البحر المتوسط مفترق طريق لـ30 في المائة من الملاحة البحرية العالمية، صارت معبراً للأنواع الحية الغازية القادمة من البحر الأحمر، مثل سمكة الأسد العدوانية السامة التي تهدد الشعاب المرجانية ومصائد الأسماك. وازدادت مشكلة الأنواع الغازية بعد توسعة قناة السويس سنة 2014. حتى أصبحنا اليوم نشهد نحو ألف نوع حي غريب عن منظومة المتوسط الأحيائية.
ومع تفاقم المشاكل البيئية يوماً بعد يوم، أشعلت الاكتشافات الغازية والنفطية في قاع المتوسط تسابقاً محموماً للظفر بثرواته البحرية بين عمالقة الطاقة في العالم. ويفتقر الكثير من هذا النشاط إلى دراسات دقيقة للأثر البيئي، إذ إن دول المنطقة تتسابق على تحقيق أرباح سريعة لدعم اقتصاداتها. ويخشى دعاة حماية التنوع الحيوي أن تؤدي فوضى الناقلات والحفارات ومنصات التنقيب إلى ما لا يحمد عقباه. والأمثلة على ذلك كثيرة، ففي مطلع 2019 جرفت الأمواج عشرات السلاحف النافقة على طول سواحل الأراضي الفلسطينية المحتلة، ويعتقد باحثون أن هذا الحادث مرتبط بتفجيرات استكشافية تحت الماء.
وفي اليونان، يؤدي الضجيج الناتج عن حركة الملاحة عبر قناة السويس واستكشاف مكامن الطاقة إلى قتل أو طرد حيتان العنبر والحيتان ذات المنقار، وهي حساسة لأمواج السونار. وربما تزداد الأمور سوءاً إذا نجحت أوروبا في سعيها لإنشاء شبكة أنابيب تمدها بالغاز الطبيعي عبر البحر المتوسط للحد من اعتمادها على الغاز الروسي.
وبينما تزداد المخاوف البيئية، يتحول المتوسط إلى برميل بارود تطمح فيه كل دولة إلى زيادة نفوذها الإقليمي. فتركيا تتبع استراتيجية يرى العديد من جيرانها أنها محاولة للسيطرة على شرق المتوسط، وكذلك تعزز مصر وإسرائيل واليونان قدراتها لحماية ما تراه حقوقاً مكتسبة في حقول الغاز البحرية.
وفي البحر المتوسط، أجرت روسيا مؤخراً كبرى مناوراتها العسكرية منذ انتهاء الحرب الباردة، كما تقوم الولايات المتحدة بتكثيف عملياتها في المنطقة بعد عقود من التجاهل. حتى إيران تسعى إلى موطئ قدم على شواطئ المتوسط، وكذلك الصين التي تلحظه ضمن خطتها التجارية المعروفة باسم مبادرة الحزام والطريق.
وفيما لا تزال فرص الصدام ضئيلة، تبقى التجاذبات والمصالح السياسية كافية لتجميد التعاون العابر للحدود بهدف حماية البحر المتوسط. ومن الواضح أن الإدارة الإقليمية السيئة لهذا المورد الطبيعي والتداخلات السياسية والاقتصادية تفرض واقعاً قد لا يكون على المدى البعيد في صالح جميع الفرقاء.
هناك العديد من الخيارات لإنقاذ البحر المتوسط من مصيره المحتوم، تبدأ أولاً بتعزيز التعاون بين بلدانه باعتبار حماية بيئته هماً مشتركاً يجب تحييده عن الخصومات. ولكن يبدو هذا الخيار بعيداً عن الواقع، حيث تنفق الدول المتوسطية على السلاح أضعافاً مضاعفة، فيما تبقى ميزانيات حماية البيئة أمراً شكلياً.
لايزال المشهد على الشواطئ الشرقية للمتوسط يخطف الأنفاس بجماله في كثير من الأماكن، ولذلك قلما يدرك أحد حجم الكارثة التي تحتضنها الأعماق. ومع تغيُّر المناخ والنمو السكاني المطرد، ستطفو المشاكل إلى السطح على شكل عواصف أكثر عنفاً خلال وقت لا يمكن التنبؤ به.
وبعيداً عن النفط والغاز، قد تكون المكاسب الاقتصادية من البحر المتوسط هي أفضل حافز لحمايته. فعلى شواطئه التي يجتمع عليها 200 مليون سائح كل عام لن يكون من المقبول مشاهدة أكوام القمامة ومعاينة الطفح الجلدي الناجم عن المياه الملوثة وأسراب قناديل البحر. وفي هذه المنطقة الهشة اقتصادياً، لن تتمكن الحكومات من غض النظر طويلاً عن الضربات الموجعة التي يتلقاها أحد أهم مصادر مواردها المالي

(يستند هذا المقال إلى تقرير صدر حديثاً عن مجموعة الأطلسي الشهرية)


مقالات ذات صلة

مصر: غالبية الدول تعتبر مشاريع قرارات «كوب 27» متوازنة

شمال افريقيا وزير الخارجية المصري سامح شكري (إ.ب.أ)

مصر: غالبية الدول تعتبر مشاريع قرارات «كوب 27» متوازنة

أكد رئيس مؤتمر الأطراف حول المناخ (كوب27) سامح شكري اليوم (السبت) أن «الغالبية العظمى» من الدول تعتبر مشاريع القرارات التي قدمتها رئاسة مؤتمر المناخ «متوازنة» بعدما انتقدها الاتحاد الأوروبي. وأوضح وزير خارجية مصر سامح شكري للصحافيين بعد ليلة من المفاوضات المكثفة إثر تمديد المؤتمر في شرم الشيخ أن «الغالبية العظمى من الأطراف أبلغتني أنها تعتبر النص متوازنا وقد يؤدي إلى اختراق محتمل توصلا إلى توافق»، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية. وتابع يقول «على الأطراف أن تظهر تصميمها وأن تتوصل إلى توافق».

«الشرق الأوسط» (شرم الشيخ)
بيئة البيئة في 2021... قصص نجاح تعزز الأمل في تخفيف أزمة المناخ

البيئة في 2021... قصص نجاح تعزز الأمل في تخفيف أزمة المناخ

شهدت سنة 2021 الكثير من الكوارث والخيبات، لكنها كانت أيضاً سنة «الأمل» البيئي. فعلى الصعيد السياسي حصلت تحولات هامة بوصول إدارة داعمة لقضايا البيئة إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة. كما شهدت السنة العديد من الابتكارات الخضراء والمشاريع البيئية الواعدة، قد يكون أبرزها مبادرة «الشرق الأوسط الأخضر» التي أطلقتها السعودية. وفي مجال الصحة العامة، حقق العلماء اختراقاً كبيراً في مواجهة فيروس كورونا المستجد عبر تطوير اللقاحات وبرامج التطعيم الواسعة، رغم عودة الفيروس ومتحوراته. وفي مواجهة الاحتباس الحراري، نجح المجتمعون في قمة غلاسكو في التوافق على تسريع العمل المناخي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق فرقة «كولدبلاي» تراعي المعايير البيئية في جولتها سنة 2022

فرقة «كولدبلاي» تراعي المعايير البيئية في جولتها سنة 2022

أعلنت فرقة «كولدبلاي» البريطانية، الخميس، عن جولة عالمية جديدة لها سنة 2022 «تراعي قدر الإمكان متطلبات الاستدامة»، باستخدام الألواح الشمسية وبطارية محمولة وأرضية تعمل بالطاقة الحركية لتوفير كامل الكهرباء تقريباً، فضلاً عن قصاصات «كونفيتي» ورقية قابلة للتحلل وأكواب تحترم البيئة. وذكرت «كولدبلاي» في منشور عبر «تويتر» أن «العزف الحي والتواصل مع الناس هو سبب وجود الفرقة»، لكنها أكدت أنها تدرك «تماماً في الوقت نفسه أن الكوكب يواجه أزمة مناخية». وأضاف المنشور أن أعضاء فرقة الروك الشهيرة «أمضوا العامين المنصرمين في استشارة خبراء البيئة في شأن سبل جعل هذه الجولة تراعي قدر الإمكان متطلبات الاستدامة» و«

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق بعد انخفاضها بسبب الإغلاق... انبعاثات الكربون تعاود الارتفاع

بعد انخفاضها بسبب الإغلاق... انبعاثات الكربون تعاود الارتفاع

انخفضت انبعاثات الغازات المسببة للاحترار العالمي بشكل كبير العام الماضي حيث أجبر وباء «كورونا» الكثير من دول العالم على فرض الإغلاق، لكن يبدو أن هذه الظاهرة الجيدة لن تدوم، حيث إن الأرقام عاودت الارتفاع بحسب البيانات الجديدة، وفقاً لشبكة «سي إن إن». وتسببت إجراءات الإغلاق لاحتواء انتشار الفيروس التاجي في انخفاض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 7 في المائة على مدار عام 2020 - وهو أكبر انخفاض تم تسجيله على الإطلاق - وفق دراسة نُشرت أمس (الأربعاء) في المجلة العلمية «نيتشر كلايميت شينج». لكن مؤلفيها يحذرون من أنه ما لم تعطِ الحكومات الأولوية للاستثمار بطرق بيئية في محاولاتها لتعزيز اقتصاداتها الم

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
بيئة 5 ملفات بيئية هامة في حقيبة بايدن

5 ملفات بيئية هامة في حقيبة بايدن

أعلن الفريق الانتقالي للرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن أن وزير الخارجية السابق جون كيري سيكون له مقعد في مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، وهي المرة الأولى التي يخصّص فيها مسؤول في تلك الهيئة لقضية المناخ. ويأتي تعيين كيري في إطار التعهدات التي قطعها جو بايدن خلال حملته الانتخابية بإعادة الولايات المتحدة إلى الطريق الصحيح في مواجهة تغيُّر المناخ العالمي ودعم قضايا البيئة، بعد فترة رئاسية صاخبة لسلفه دونالد ترمب الذي انسحب من اتفاقية باريس المناخية وألغى العديد من اللوائح التشريعية البيئية. وعلى عكس ترمب، يعتقد بايدن أن تغيُّر المناخ يهدّد الأمن القومي، حيث ترتبط العديد من حالات غياب الاستقرار

«الشرق الأوسط» (بيروت)

الأمم المتحدة تَصِف ظاهرة «إل نينيو» بأنها «تهديد كبير» للصحة

لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)
لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)
TT

الأمم المتحدة تَصِف ظاهرة «إل نينيو» بأنها «تهديد كبير» للصحة

لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)
لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)

نبّهت الأمم المتحدة، الثلاثاء، إلى عواقب ظاهرة «إل نينيو» الكثيرة على الصحة، مشددة على أن هذا الحدث المناخي الطبيعي يشكّل «تهديداً كبيراً»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضحت منظمة الصحة العالمية أن من بين المخاطر الصحية التي قد تنجم عن هذه الظاهرة، موجات حرّ شديدة قد تُفاقم بعض الأمراض، ورداءة في نوعية الهواء بسبب الحرائق خصوصاً، فضلاً عن تأزُّم سوء التغذية والكوليرا بفعل الجفاف والفيضانات.

وقد تؤدي «إل نينيو» أيضاً إلى زيادة انتشار الأمراض المنقولة عبر البعوض، كالملاريا وحمى الضنك والشيكونغونيا، نظراً إلى أن هذه الظاهرة المناخية تهيئ الظروف لأمطار غزيرة وفيضانات.

وقالت مديرة وحدة الحد من المخاطر والعمليات الإنسانية، وتغيّر المناخ في منظمة الصحة العالمية تيريزا زكريا خلال مؤتمر صحافي في جنيف، إن «من الممكن توقُّع العواقب الصحية لظاهرة إل نينيو، وثمة فرصة تالياً لكي نتحرّك الآن، قبل أن تتحوّل هذه المخاطر إلى أزمة».

وأضافت: «ندعو الحكومات والشركاء والمجتمعات إلى الاستثمار من دون إبطاء، والاستعداد واتخاذ تدابير استباقية، من أجل إنقاذ الأرواح، والحفاظ على خدمات الرعاية الصحية».

وتدعو منظمة الصحة العالمية الدول إلى تحسين جهوزية أنظمتها الصحية، وتعزيز قدرتها على رصد الأمراض، وضمان استمرارية الرعاية، وتوفير مخزونات من المعدات الطبية في المناطق الأكثر عرضة للمخاطر.

وسبق أن أدّت موجة «إل نينيو» الحالية التي قد تصبح الأشد عنفاً على الإطلاق، إلى ظروف مناخية حادة في مختلف أنحاء العالم.

ورأت زكريا أن هذه الظاهرة تشكّل «تهديداً كبيراً للصحة العامة».

وتوقعت «رَصْدَ عواقب صحية في مختلف أنحاء العالم»، ورأت أن أشد هذه العواقب ستُسجَّل حيث «تتقاطع الصدمات المناخية مع هشاشة الأنظمة الصحية، وضعف فرص الحصول إلى الرعاية، وانعدام الأمن الغذائي، ونزوح السكان والأزمات الإنسانية».

وكانت منظمة الأرصاد الجوية العالمية التابعة للأمم المتحدة نبّهت في مطلع سبتمبر (أيلول) من أن موجة «إل نينيو» الحالية قد تكون «الأقوى» تُسجّل منذ بدء قياس هذه الظاهرة المناخية قبل 4 عقود، ومن المقرر أن تصدر نشرتها المقبلة في شأنها في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني).

وأوضح المستشار في المكتب المشترك بين المنظمة العالمية للأرصاد الجوية ومنظمة الصحة العالمية أرمل كاستيلان للصحافيين، أن تأثيراتها يُتوقع أن تزداد حدّة، وأن تستمر تداعياتها إلى ما بعد ذروتها المتوقعة في نهاية السنة.

ومن شأن اجتماع «إل نينيو» مع عواقب تغيّر المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية تعزيز وتيرة الظواهر الجوية القصوى وحدتها.

ولاحظ كاستيلان أن «تأثيرها يتزامن مع درجات حرارة مرجعية مرتفعة جداً أصلاً على مستوى العالم، وهي تالياً ضربة مزدوجة، والواقع مختلف وغير مسبوق بالمقارنة مع ما حدث عام 2015، آخر مرة بلغت فيها الانحرافات في درجات حرارة سطح البحر المرتبطة بـ(إل نينيو) مستويات مرتفعة إلى هذا الحد».

وتسعى المنظمة العالمية للأرصاد الجوية مع شركائها تحسباً لظاهرة «إل نينيو» إلى تحسين التنسيق بين خبراء الأرصاد الجوية والسلطات الصحية، بحيث تحصل هذه السلطات على توقعات الطقس في الوقت المناسب وبصيغة قابلة للاستخدام مباشرة.


العراق يبدأ محاكمة 6 فرنسيين يشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش»

في الأعوام الماضية أصدرت محاكم عراقية أحكاماً بالإعدام والسجن مدى الحياة على خلفية الانتماء إلى «جماعة إرهابية» في قضايا إرهاب وقتل بحق أشخاص بينهم أجانب (واع)
في الأعوام الماضية أصدرت محاكم عراقية أحكاماً بالإعدام والسجن مدى الحياة على خلفية الانتماء إلى «جماعة إرهابية» في قضايا إرهاب وقتل بحق أشخاص بينهم أجانب (واع)
TT

العراق يبدأ محاكمة 6 فرنسيين يشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش»

في الأعوام الماضية أصدرت محاكم عراقية أحكاماً بالإعدام والسجن مدى الحياة على خلفية الانتماء إلى «جماعة إرهابية» في قضايا إرهاب وقتل بحق أشخاص بينهم أجانب (واع)
في الأعوام الماضية أصدرت محاكم عراقية أحكاماً بالإعدام والسجن مدى الحياة على خلفية الانتماء إلى «جماعة إرهابية» في قضايا إرهاب وقتل بحق أشخاص بينهم أجانب (واع)

مثُل 6 فرنسيين، الأحد، أمام القضاء في العراق؛ حيث يُحتَجز الآلاف من المشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش» من جنسيات مختلفة بانتظار محاكمتهم.

وتلا قاضي محكمة الكرخ أمام المتهمين لائحة الاتهام الموجهة إليهم ومن ثم تلا انتداب محامين للدفاع عن المتهمين مع السماح للطرفين بالاجتماع ، ومن ثم تقرر رفع جلسة المحاكمة الأولى إلى الخامس من الشهر المقبل.

وأكّد مصدر قضائي عراقي، الخميس، أن الفرنسيين الـ6 الذين لم يكشف عن هويّاتهم هم ضمن مجموعة أولى من 47 مواطناً فرنسياً نُقلوا إلى العراق سنة 2025 من سوريا المجاورة، حيث استولى التنظيم على مناطق شاسعة اعتباراً من 2014، قبل أن يتمّ دحره من البلدين اللذين ارتكب فيهما مجازر وأعمالاً وحشية، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ومن بين هؤلاء أدريان غييال المعروف بنشاطه الإرهابي والذي تبنّى، خصوصاً باسم تنظيم «داعش»، الهجوم الذي نُفِّذ في نيس (جنوب فرنسا) وأودى بحياة 86 شخصاً في 14 يوليو (تموز) 2016 في يوم العيد الوطني الفرنسي.

وفي الأعوام الماضية، أصدرت محاكم عراقية أحكاماً بالإعدام والسجن مدى الحياة، على خلفية الانتماء إلى «جماعة إرهابية» في قضايا إرهاب وقتل، بحق أشخاص بينهم أجانب.

وفي عام 2019، صدرت أحكام إعدام في حقّ 11 مواطناً فرنسياً حُفّضت عقوباتهم في درجة الاستئناف إلى السجن مدى الحياة.

وندّدت مجموعات حقوقية بالطابع المستعجل لهذه المحاكمات التي تُقام في قضايا «إرهاب»، مشيرة إلى أنها لم تتقيّد بالضمانات الإجرائية اللازمة.

وما زال هناك كثير من الشهادات تنتظر التحقيق فيها حول أعمال العنف الوحشية التي ارتكبها التنظيم المتشدّد في العراق، حيث خلّف مقابر جماعية كثيرة لم تُكتشف كلّها بعد، وبعضها لم يتم فتحه.

محاكم كثيرة مقبلة

وطالب محامون فرنسيون أُبلغوا باقتراب موعد الجلسات، باريس بإعادة مواطنيها الذين قد يواجهون عقوبة الإعدام «على نحو عاجل».

وفي بيان نُشر الخميس، ندَّد المحامون ماري دوزيه، وماتيو باغار، وفيكتوار دوميير، وبولين غامبا-مارتيني، وباتيست فاشون، بانعدام الشفافية في الإجراءات القضائية في العراق وتعذُّر تمثيل الموكِّلين المحرومين، في نظرهم، من حقّهم في الدفاع عن أنفسهم.

وباتت السجون العراقية المكتظة أصلاً بأعضاء يشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش»، تضمّ آلاف السجناء الإضافيين الذين نُقلوا إليها منذ العام الماضي من سوريا.

وفي مطلع عام 2026، نُقل إلى العراق أكثر من 5700 شخص من نحو 60 جنسية يشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش» بعدما أمضوا سنوات في مخيّمات سورية بإدارة القوّات الكردية. ومن بينهم 5 مواطنين فرنسيين على الأقلّ، منهم مَن كان قاصراً عندما التحق أهله بالتنظيم.

وفي مطلع سبتمبر (أيلول)، أعلن القضاء العراقي استكمال استجواب أكثر من 5700 شخص يُشتبه بانتمائهم إلى تنظيم داعش، و«الانتقال إلى المرحلة القضائية التالية المتمثلة في إحالتهم على محكمة الموضوع».

وأسفرت التحقيقات عن «كشف عدد من العناصر شديدة الخطورة (...) وقيادات من الصف الأول» في تنظيم «داعش»، وعن «معلومات مرتبطة بجرائم جسيمة ذات بعد دولي ارتُكبت بحق المجتمع الإيزيدي»، بحسب مجلس القضاء الأعلى العراقي.

والإيزيديون أقلية ناطقة باللغة الكردية تتبع ديانة خاصة، وكانت قد تمركزت بشكل أساسي في شمال العراق قبل تعرضها لهجمات واضطهاد من جانب «داعش» بدءاً من الثالث من أغسطس (آب) 2014، وفرار أفرادها جماعياً بعد ذلك.

وأدّت التحقيقات كذلك إلى تسليم فنلندي وأميركي لسلطات بلديهما في أبريل (نيسان)، وإطلاق سراح7 عراقيين، بينما يجري «استكمال الإجراءات اللازمة لإطلاق سراح 457 محتجزاً من الجنسية السورية ممَّن لم تثبت بحقهم أدلة تستوجب استمرار الإجراءات القضائية بحقهم»، وفق مجلس القضاء الأعلى العراقي.

وكان تنظيم «داعش» سيطر على مساحات واسعة في شمال العراق وغربه اعتباراً من عام 2014، إلى أن تمكَّنت القوات العراقية من دحره في 2017، بدعم من التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن.

وفي سوريا حيث هُزم التنظيم في عام 2019، احتُجز آلاف المشتبه بانتمائهم للجماعات المتطرف مع عائلاتهم، وبينهم أجانب، في سجون ومخيمات تولت إدارتها «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» حتى يناير (كانون الثاني) 2026.


السعودية تؤكد التزامها بحماية الأمن الغذائي العالمي

الدكتور علي الشيخي أكد أن السعودية تنظر إلى البحار والمحيطات بوصفهما إرثاً مشتركاً وركيزة للأمن الغذائي والتنمية (واس)
الدكتور علي الشيخي أكد أن السعودية تنظر إلى البحار والمحيطات بوصفهما إرثاً مشتركاً وركيزة للأمن الغذائي والتنمية (واس)
TT

السعودية تؤكد التزامها بحماية الأمن الغذائي العالمي

الدكتور علي الشيخي أكد أن السعودية تنظر إلى البحار والمحيطات بوصفهما إرثاً مشتركاً وركيزة للأمن الغذائي والتنمية (واس)
الدكتور علي الشيخي أكد أن السعودية تنظر إلى البحار والمحيطات بوصفهما إرثاً مشتركاً وركيزة للأمن الغذائي والتنمية (واس)

أكدت السعودية التزامها بمواصلة جهودها الدولية والإقليمية لتعزيز استدامة الموارد البحرية، ومكافحة الصيد غير القانوني، ودعم الحوكمة الرشيدة للمصايد؛ بما يسهم في حماية الأمن الغذائي العالمي واستدامة النظم البيئية البحرية.

جاء ذلك خلال مشاركة وفدها الذي رأَسه الدكتور علي الشيخي الوكيل المساعد للثروة الحيوانية والسمكية بوزارة البيئة والمياه والزراعة، في أعمال الدورة السابعة والثلاثين للجنة مصايد الأسماك (COFI37)، والحدث الرفيع المستوى للاحتفال بمرور عشر سنوات على دخول اتفاق تدابير دولة الميناء حيز النفاذ، بمقر منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» في العاصمة الإيطالية روما.

وأوضح الشيخي خلال كلمته أن المملكة تنظر إلى البحار والمحيطات بوصفهما إرثاً مشتركاً وركيزة للأمن الغذائي والتنمية والازدهار، وأن التحديات التي تواجه الموارد البحرية تتجاوز الحدود الوطنية، وتتطلب استجابة دولية متكاملة تقوم على التعاون والشفافية والابتكار والالتزام بالتنفيذ.

وأشار إلى أن المملكة انسجاماً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» تواصل تطوير منظومتها الوطنية لإدارة المصايد البحرية، وتعزيز أطر الحوكمة والرقابة والامتثال، ورفع كفاءة التفتيش، وتحسين جودة البيانات، والاستفادة من التقنيات الحديثة في التتبع والرصد؛ بما يعزز الإدارة المستدامة للموارد البحرية، ويرسخ شفافية سلاسل الإمداد، ويدعم تنمية الاقتصاد الأزرق.

وأكد أن البحر الأحمر يحظى بمكانة خاصة في جهود السعودية، لما يتميز به من تنوع أحيائي فريد ونظم بيئية ذات أهمية بيئية واقتصادية وتنموية، مبيناً أن المملكة تعمل على ترسيخ نموذج متوازن بين طموحات التنمية ومتطلبات الاستدامة، عبر حماية الموائل البحرية الحساسة، وتنظيم أنشطة الصيد، وتعزيز الرقابة والتتبع، وتطوير إدارة عمليات الإنزال، وتشجيع ممارسات الصيد المسؤولة والمستدامة.

تشارك السعودية في أعمال الدورة السابعة والثلاثين للجنة مصايد الأسماك (واس)

وشدد على أهمية تعزيز الشراكة الإقليمية بين الدول المطلة على البحر الأحمر، وتبادل المعلومات والبيانات، وتكامل أعمال الرقابة والتفتيش، وبناء القدرات؛ بما يسهم في حماية موارده واستدامتها للأجيال القادمة.

وتشارك السعودية في أعمال الدورة السابعة والثلاثين للجنة مصايد الأسماك، التي تنعقد خلال الفترة من 7 إلى 11 سبتمبر (أيلول) الجاري، وتناقش قضايا رئيسية في قطاعي مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية، بينها تقرير «حالة الموارد السمكية وتربية الأحياء المائية في العالم 2026»، والتقدم المحرز في مكافحة الصيد غير القانوني، وتنفيذ الصكوك الدولية ذات الصلة، والتكيف مع تغير المناخ والتخفيف من آثاره، ودعم مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية صغيرة النطاق.

وأكدت السعودية أهمية الانتقال خلال المرحلة المقبلة من الرقابة التقليدية إلى الرقابة الذكية، ومن الاستجابة للمخالفات إلى استباقها، مع تعزيز التكامل بين دول العلم والساحل والميناء والسوق، وتوسيع استخدام أنظمة الرصد والتتبع وتحليل البيانات والتقنيات الحديثة.

كما جددت التزامها بمواصلة العمل مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة والدول الأعضاء والمنظمات الإقليمية والدولية والشركاء؛ لتعزيز الحوكمة الرشيدة للمصايد، ومواجهة الصيد غير القانوني، ودعم استدامة الموارد البحرية والأمن الغذائي العالمي، وتحويل الالتزامات الدولية إلى نتائج وأثر مستدام.