تغيير مركز هندرسون عوض غياب فابينيو ودعم دفاعات ليفربول

بعد تسع سنوات من تجربة فاشلة مع المنتخب الإنجليزي

جوردان هندرسون (أ.ب)
جوردان هندرسون (أ.ب)
TT

تغيير مركز هندرسون عوض غياب فابينيو ودعم دفاعات ليفربول

جوردان هندرسون (أ.ب)
جوردان هندرسون (أ.ب)

في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2010، أعطى المدير الفني الإيطالي فابيو كابيلو، جوردان هندرسون، الفرصة للمشاركة في أول مباراة دولية مع المنتخب الإنجليزي في مباراة ودية ضد فرنسا، ولعب هندرسون إلى جانب غاريث باري في خط الوسط، بينما كان المنتخب الإنجليزي يعتمد على طريقة 4 - 2 - 3 - 1. وفي الشوط الثاني، وبعد أن تم استبدال باري بآدم جونسون، تراجع ستيفن جيرارد لكي يلعب بجوار هندرسون؛ لكن الأمور لم تسر على ما يرام، ولم يبدأ هندرسون أي مباراة أخرى مع إنجلترا حتى المباراة الودية التي لعبها أمام الدنمارك في مارس (آذار) 2014.
لكن لماذا سارت الأمور بشكل جيد بعد ذلك؟ في البداية، يجب التأكيد على أن هندرسون ليس محور ارتكاز، حتى قبل أن تبدأ في التفكير في مدى صعوبة أن تحاول أن تلعب كمحور ارتكاز في ظل وجود لاعب رائع بجوارك مثل جيرارد. ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي كان يرى فيها جمهور سندرلاند - الذي كان يلعب له هندرسون آنذاك – أن كابيلو لا يهتم برؤية مباريات الفريق من أجل اختيار أحد لاعبيه لصفوف المنتخب الإنجليزي، إذ إن أحد الأسباب التي جعلت دارين بينت يرحل عن سندرلاند - بعد شهرين من المشاركة الدولية الأولى لهندرسون مع المنتخب الإنجليزي - هو شعوره بأن فرصه في الانضمام لصفوف المنتخب الإنجليزي ستكون أكبر إذا ما لعب في أي مكان آخر.
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه الآن، هو: كيف يمكن لأي شخص كان يشاهد هندرسون يلعب بشكل مستمر ويبذل مجهوداً خرافياً داخل الملعب، ولديه قدرة هائلة على التحمل، ودقة كبيرة في إرسال الكرات العرضية بقدمه اليمنى، أن يغير مركزه ليلعب أمام الأربعة مدافعين؟ لقد لعب هندرسون على الجهة اليمنى مع نادي سندرلاند، عندما تم تصعيده من فريق الشباب للفريق الأول، قبل أن يغير ستيف بروس مركزه ويدفع به في خط الوسط؛ لكنه كان يلعب دائماً في مراكز تسمح له بالانطلاق في الأماكن الخالية، للدرجة التي تجعلك تشعر بأنه إذا لم يجد المكان المناسب للركض فإنه سيواصل الركض في أي مكان، بسبب الطاقة الهائلة التي يمتلكها.
وحتى بعد انتقال هندرسون إلى ليفربول، ظلت هذه المشكلة تلاحقه، حتى بعد أن تغلب على نية المدير الفني السابق للريدز، بريندان رودجرز، في بيعه في بداية الأمر. وحتى بعدما تولى المدير الفني الألماني يورغن كلوب قيادة الفريق، بدا الأمر وكأن طريقة لعب هندرسون لا تناسب ليفربول، وأن النادي سوف يستغني عن خدماته ويستبدل به لاعباً آخر. وكان الأمر يبدو وكأنه لا يملك الانضباط الخططي والتكتيكي الذي يجعله يلعب كمحور ارتكاز، في خط وسط مكون من ثلاثة لاعبين. وكانت نقطة الانطلاقة الحقيقية لهندرسون – ولليفربول – الموسم الماضي عندما لعب فابينيو كمحور ارتكاز، في الوقت الذي لعب فيه هندرسون بحرية أكبر في خط الوسط ناحية اليمين. وأصبح هندرسون لاعباً أساسياً في صفوف «الريدز» في عدد من المباريات المتتالية، أمام ساوثهامبتون، وبورتو، وتشيلسي، الموسم الماضي.
وبالتالي، عاد هندرسون للعب في المركز الذي يساعده على تقديم أفضل ما لديه داخل الملعب، وقاد الفريق للحصول على لقب دوري أبطال أوروبا، ورأيناه وهو يحتفل بشكل عاطفي مع والده، بعد رفع كأس البطولة الأقوى في القارة العجوز.
لكن ما الذي حدث بعد فوز ليفربول بدوري أبطال أوروبا؟ في الحقيقة، يمكن التأكيد على أن الفوز على توتنهام هوتسبير في نهائي دوري أبطال أوروبا بمدريد، كان هو أفضل لحظة في مسيرة هندرسون الكروية؛ حيث لم يعد لديه ما يريد أن يثبته للآخرين. كان ينقصه بالطبع مساعدة ليفربول على الفوز بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز بعد 30 عاماً – ومن المؤكد أن ليفربول سوف يفعل ذلك خلال الموسم الجاري – لكن ذلك يعد هدفاً جماعياً للفريق كله، وليس لهندرسون وحده. لقد حقق هندرسون كل ما كان يحلم به، وربما أكثر، فذلك اللاعب الذي رفض المدير الفني الأسطوري لمانشستر يونايتد، السير أليكس فيرغسون، التعاقد معه في عام 2011 بسبب طريقته الغريبة في الركض، واصل التألق وقاد ليفربول للحصول على لقب دوري أبطال أوروبا، وفي طريقه لحصد لقب الدوري الإنجليزي الممتاز بعد 30 عاماً من الغياب عن ملعب «أنفيلد».
لقد كانت إصابة فابينيو في نوفمبر الماضي إحدى اللحظات التي كان من الممكن أن تعرقل ليفربول وتخرجه عن مساره الصحيح هذا الموسم؛ لكن هندرسون عوض غياب اللاعب البرازيلي على أكمل وجه، بسبب مجهوده الكبير ورغبته الدائمة في التعلم. إن أي شخص رأى هندرسون وهو يلعب أول مباراة له في خط الوسط مع سندرلاند، والتي كانت أمام برمنغهام سيتي على ملعب الأخير، قد شكك في قدرة هندرسون على اللعب في هذا المركز؛ لكنه أصبح بعد أسابيع قليلة أفضل لاعب في خط وسط الفريق، ولا يمكن الاستغناء عنه.
وفي أربع مباريات بالدوري الإنجليزي الممتاز، شارك خلالها اللاعب البالغ من العمر 29 عاماً أمام رباعي خط الظهر وخلف خط الوسط، لم تهتز شباك الفريق سوى مرة وحيدة، كما أن ثلاثاً من الخمس مباريات التي نجح الفريق خلالها في الحفاظ على نظافة شباكه كانت خلال هذه الفترة. كما شارك هندرسون في مركز محور الارتكاز في المباراة النهائية لكأس العالم للأندية، أمام فلامنغو البرازيلي.
وأمام ليستر سيتي «الوصيف»، وعلى الرغم من أن ترينت ألكسندر أرنولد هو من خطف الأضواء بسبب تسجيله لهدف، واشتراكه في الثلاثة أهداف الأخرى، فإن هندرسون لعب دوراً محورياً في فوز «الريدز» بتلك المباراة، بفضل مجهوده الوفير واستخلاصه للكرات وتعطيل الهجمات الخطيرة.
لكن ما كان ملحوظاً في أداء ليفربول – بعد الدقائق العشر الأولى التي بدا فيها كل فريق معرضاً لاستقبال أهداف من الهجمات المرتدة الخطيرة – هي الطريقة التي سيطر بها على مجريات الأمور، والضغط المتواصل على حامل الكرة والاستحواذ على الكرة لفترات طويلة. وجاء هندرسون في المركز الأول بين جميع لاعبي الفريقين؛ من حيث التمريرات الصحيحة بنسبة 93.4 في المائة، بما في ذلك عشر تمريرات طويلة ودقيقة، من بين 11 تمريرة طولية. إنه ليس تشابي أو أندريا بيرلو، ولن يصل لهذا المستوى مطلقاً؛ لكنه أمام ليستر سيتي على ملعب «كينغ باور» قدم أداء قريباً من أداء هذين النجمين اللامعين.
لقد أخطأ كابيلو قبل تسع سنوات عندما لم يشرك هندرسون في المركز المناسب؛ لكن هندرسون أصبح لاعباً كبيراً بعد ذلك، بفضل رغبته الدائمة في التعلم والتطور يوماً بعد يوم.


مقالات ذات صلة


نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.