مكة المكرمة بعيون الرحالة المغاربة

كتاب يرصد الظواهر الطبيعية والآثار العمرانية في المدينة المقدسة خلال القرن الـ18

مكة المكرمة بعيون الرحالة المغاربة
TT

مكة المكرمة بعيون الرحالة المغاربة

مكة المكرمة بعيون الرحالة المغاربة

يُبرز كتاب «الظواهر الطبيعية والآثار العمرانية في مكة المكرمة من خلال كتابات الرحالة المغاربة في القرن الثاني عشر الهجري (الثامن عشر الميلادي)» اهتمام الرحالة المغاربة بوصف الظواهر المناخية التي سادت مكة المكرمة عند زيارتهم لها، وعناية هؤلاء المؤرخين بوصف مظاهر سطح الأرض في مكة المكرمة وتضاريسها من جبال وهضاب وشعاب، ووديان، وما يكسو هذه الأماكن من نباتات وأعشاب، واهتمامهم أيضاً بوصف الآثار العمرانية القديمة التي بقيت معالم تاريخية قائمة أزمنة مديدة.
ويعكس الكتاب صور الحياة الثقافية والدينية في مكة المكرمة في القرن الثامن عشر الميلادي، والتي كانت ممتدة عبر الأزمان، وتجسد التسامح والتعددية الفكرية، كما تصور كتابات الرحالة الطبيعة المكانية للمدينة المقدسة، وتأثير المكان والزمان على مسيرة الحجاج والمعتمرين، حيث تعصف بقوافلهم حالات الطقس الملتهبة، وتؤدي لوفاة أعداد غفيرة منهم. كما تمثل المسارات التي يمرّ بها الحجاج جانباً مهماً من حركة التجارة والعمارة والحضارة.
- كرسي الملك سلمان
الكتاب، الواقع في 300 صفحة من الحجم الكبير وينقسم إلى 3 فصول، من إصدارات «كرسي الملك سلمان بن عبد العزيز لدراسات تاريخ مكة المكرمة»، وهو كرسي علمي نشأ بمبادرة من كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة أم القرى، بالشراكة بين الجامعة و«دارة الملك عبد العزيز»، ويهدف لدراسة تاريخ مكة المكرمة وفق منهج تاريخي، وآليات بحثية أصيلة وحديثة. وخلال 4 أعوام أتمها الكرسي، أصدر عدداً من الكتب والتحقيقات التي تدور حول التاريخ المكي، كما تم تدشين 9 إصدارات تناولت الجوانب الاجتماعية والأدبية والمالية، ومناهج البحث والأوقاف والظواهر الطبيعة والمعالم التاريخية، ويشرف على الكرسي الدكتور عبد الله الشريف، الذي يرى أن المجموعة الأولى من إنجازات الكرسي العلمية تمثّلت في «إنجاز أكثر من 50 بحثاً علمياً، نشر عدداً منها والبقية تحت النشر، إلى جانب عدد من الدراسات البحثية الأخرى التي يعكف عليها الباحثون في تاريخ مكة المكرمة عبر العصور؛ ومنها العصر السعودي».
ويقول الشريف إن الكرسي يسعى «لخدمة وإبراز تاريخ مكة المكرمة ودعم البحث العلمي وتعميق الفكر التاريخي، وكذلك دراسة تاريخ مكة المكرمة، وتمويل المشاريع البحثية فيه، وتحقيق مصادر التاريخ المكي، وترجمة المؤلفات في التاريخ المكي، بالإضافة إلى نشر المصنفات في التاريخ المكي، من خلال جعله حلقة وصل بين الأكاديميين والباحثين في قسم التاريخ بجامعة أم القرى، ومركز تاريخ مكة المكرمة والمدينة المنورة، ومكملاً لدور المركز ورافداً لدارة الملك عبد العزيز في خدمة التاريخ الوطني، علاوة على عقد شراكات بحثية واستشارية مع المراكز العلمية والقطاعات الحكومية والأهلية في مجالات اختصاص الكرسي، وعقد اللقاءات والمناشط العلمية في حقل التاريخ المكي، ودعم طلاب الدراسات العليا بقسم التاريخ، والباحثين في تاريخ مكة المكرمة».
- عينُ الجغرافي عينٌ ثاقبة
تمتاز كتابات الرحالة على العموم باشتمالها على قدر كبير من القضايا والمعلومات عن البلاد والمجتمعات، بنظمها السياسية والاقتصادية، وأنساقها الاجتماعية والثقافية.
وتُعدّ الرحلات المغربية على هذا النحو وثيقة تاريخية ‏مهمة سجلها مثقفون معاصرون، ضمنوها مشاهداتهم للأماكن والبلدان التي مروّا بها منذ خروجهم حتى عودتهم، وتزداد عنايتهم بوصف المكان حسب أهميته لديهم. وتتسم هذه الكتابات الوصفية بالبعد عن التزييف إلى حد كبير «فكتابها لا يرغبون من ورائها في مطمع دنيوي، ولا يتأثرون بتوجه سياسي أو عرقي أو طائفي، فضلاً عن كونهم متلبسين بطاعة الحج» (ص 14).
‏يرى محقق هذه الرحلات، الدكتور سامح عبد العزيز، أن ما دوّنه الرحالة يمثل المصادر غير التقليدية التي عُني أصحابها بتسجيل المشاهدات والأحداث الخاصة بمكة المكرمة في القرن الثاني عشر الهجري (الثامن عشر الميلادي)، وقد دوّن هذه الرحلات الحجاج المغاربة من العلماء والأدباء، وهم يمثلون النخبة المثقفة في بلادهم، فأثروا المكتبة العربية برحلاتهم إلى امتازت باشتمالها على وصف كامل للحياة بشتى صورها، ورصدٍ لكل ما شاهدته أعينهم من مظاهر طبيعية، وآثار عمرانية، مركّزين على بيان أثرها في النشاط البشري عند تأدية مناسك الحج في مكة المكرمة.
ويلاحظ المؤلف أن مشاهدات الغرباء عن المكان تختلف غالباً عن رؤية المؤرخين المحليين، فما ألفه المقيمون بمكة المكرمة حول الظواهر والأحداث وقد لا يعيرون لها انتباهاً، هي موضع عناية الرحالة واهتمام الغرباء؛ «حتى غدت رحلات عبارة عن خريطة مناخية تضاريسية تصف الطقس وسطح الأرض وصفاً دقيقاً، فكلما مروا بظاهرة وصفوها، مع التركيز على أثرها الإيجابي أو السلبي في الحجاج والمعتمرين، ‏ووضع بعض الحلول ليستعين اللاحقون بها لتفادي المعوقات».
أما عنايتهم بالآثار العمرانية في مكة المكرمة؛ من مساجد ومنازل وبيوت وقبور وغيرها، فيرجع إلى التعريف بالمزارات والآثار الشريفة، ووصفها وتحليلها، وتحديد أماكنها، وتسجيل انطباعاتهم عنها، في محاولة لربطها بالواقع، وإخراجها من مصادر التراث، ليستعين بذلك القادمون من الحجاج والزوار.
- الحسّ الجغرافي
يسرد مؤلف الكتاب بداية معرفته بهذه الرحلات المغربية إلى عام 2008 حين كان يُعّد رسالة الدكتوراه في جامعة الأزهر عن العلاقات التجارية بين مصر وولايات المغرب العثمانية في القرن الـ18 الميلادي، حيث قاده البحث لسبر أغوار 15 رحلة مغربية، كانت حافزاً لتخصيص بحث لهذه الدراسة موضوع الكتاب.
ويقول إنه اعتمد في إعداد دراسته على عدد كبير من الرحلات المغربية التي لا يزال أكثرها مخطوطاً في دور الحفظ في الرباط والقاهرة، بالإضافة إلى مصادر التاريخ المكي من المخطوطات والمطبوعات (وهي مثبتة جميعاً في قائمة المصادر والمراجع).
ويذكر المؤلف أن سبب اهتمام الرحالة المغاربة بوصف الظواهر الطبيعية في مكة المكرمة من مناخ وتضاريس وآبار وغيرها، هو أن «هؤلاء الرحالة غلب عليهم الحسّ الجغرافي، فكانت رحلاتهم تحمل كثيراً من المعلومات الجغرافية لا عن مكة وحدها؛ بل عن الطرق والبلاد التي مرّ بها الركبان منذ خروجهم من المغرب وحتى عودتهم إلى بلادهم... وعين الجغرافي عين ثاقبة تلتفت إلى كل غريب ومثير» (ص25).
‏ أما الرحلات التي حققها المؤلف للوصول لهذا الكتاب، فمن بينها: «الرحلة الناصرية»، لأبي العباس أحمد بن ناصر الدرعي (تمت الرحلة بين 1709 و1710)، و«رحلة الإسحاقي» لمحمد الشرقي الإسحاقي (1731 - 1732)، و«رحلة ابن عبد القادر الفاسي» من مدينة فاس إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، وهذه تمت بين عامي 1797 و1798... وغيرها.
- دليل الحجاج
وقد اهتم المؤرخون والرحالة بتسجيل مشاهداتهم في مكة المكرمة وحرصوا على وصف طرقها التي مروا بها؛ من جبالٍ ووديان وعيون ماء، وما زاروا فيها من أماكن وآثار بقيت شاهدة لمن مروا بها أو عاشوا في زمانها. وتمّثلت مقاصد الرحالة في تعريف من يأتي بعدهم بهذه الأماكن التاريخية، وتحقيق مواضعها، أو تنبيههم إلى اجتناب المعوقات والأخطاء التي وقع فيها من سبقهم، وتحذيرهم من المصاعب التي تواجههم في الطريق لأداء مناسكهم.
من أهداف هذه الدراسة، تحديد بعض المواضع التاريخية المهمة في الحجاز التي يتعين أن يوليها الباحثون المختصون عناية خاصة. ويلقي هذا الكتاب الضوء على أحد جوانب هذا التاريخ، حيث يبيّن اهتمام الرحالة المغاربة بوصف الظواهر المناخية التي سادت في مكة المكرمة عند زيارتهم لها في القرن الثاني عشر (هجري/ 18 ميلادي)؛ من حرارة ورطوبة وبرودة وأمطار ‏وسيول، وبيان أثرها على الحجاج، وعنايتهم بوصف مظاهر سطح الأرض وتضاريس مكة المكرمة وما يكسوها من نباتات وأعشاب، واهتمامهم بوصف الآثار العمرانية القديمة التي بقيت معالمها قائمة لأزمنة كثيرة.
- رحلة الحج القاسية
أشدّ ما اشتكى منه الرحالة كان حرّ الطقس، حيث يشتكون من الحرارة في مكة المكرمة وأثرها على الحجاج والدواب، مما أدى إلى وفاة عدد من الحجاج، كما أصيب بعضهم بالإعياء. وقضية حرارة الجو في مكة المكرمة من القضايا التي كانت سبباً رئيسياً في معاناة الحجاج أثناء مسيرهم لأداء المناسك. يقول أبو العباس الفارسي وهو يصف موت بعض الحجاج: «حصد الموت بسبب حرارة الشمس أعداداً كبيرة من الحجاج إما بسبب الإصابة ‏المباشرة بضربة شمس قوية تؤدي إلى الحُمّى، أو بسبب تسخين الماء (بفعل الحرارة) لدرجة أنهم لا يستطيعون تناوله، ثم يورد أن هذه الحادثة وقعت معهم بعد (عسفان) وقبل (وادي فاطمة)». ويقول: «ورحلنا قبل الزوال في حرٍّ شديد مات بسببه خلقٌ كثير» (ص56). وفي طريق العودة أيضاً تعرض الركب نفسه للعطش بفعل الحرارة، يقول: «توفي في هذا اليوم خلقٌ كثير عطشاً من الحر».
‏‏كما يعطي الرحالة وصفاً للحرم المكي الشريف وآثار مكة المكرمة الحدودية وأبواب مكة وما داخلها، وحدود مكة المكرمة الفاصلة بين منطقتي الحِلّ والحرم، ومواقع الإحرام المكانية لأهل مكة ومواقيت الإحرام للقادمين من خارج مكة، ثم وصف المسجد الحرام، والمساجد الأخرى، ووصف الكعبة المشرفة من الداخل.
‏اما مواعيد فتح باب الكعبة، فقد لاحظ الرحالة المغاربة أن باب الكعبة لا يفتح إلا في مواعيد مخصوصة ومناسبات معلومة، ولفترة قصيرة، اجتهد العياشي في تحديدها مستعيناً بما ذكره السابقون في مؤلفاتهم، فقال أبو سالم العياشي: «ويفتح البيت عادة سبع مرات في السنة؛ الأولى يوم النحر لتعليق الكسوة عند طلوع الشمس، ولا يدخل ذلك اليوم إلا من زاحم وتعلق بالقرب، والثانية يوم عاشوراء، والثالثة يوم المولد النبوي في ربيع، والرابعة في شعبان، والخامسة والسادسة في رمضان، والسابعة في ذي القعدة... وقد منّ الله عليّ بدخولها خمس مرات في هذه السنة» (ص168).
- الحياة في مكة المكرمة
كما تحدث الرحالة المغاربة عن أئمة الحرم، ووصف الإسحاقي المنابر الأربعة الموزعة في رواق الحرم لأداء الصلاة حسب مذهب الإمام.
كذلك تحدثوا عن أسعار البيوت وأُجرتها، حيث كانت متفاوتة حسب سعتها وقربها من البيت الحرام. ووصف الرحالة الدور التاريخية في مكة المكرمة، وبينها دار عبد الله بن عبد المطلب، (والد النبي محمد صلى الله عليه وسلم) وتعرف بـ«دار المولد»، التي ولد فيها النبي صلى الله عليه وسلم، ومكانها في سوق الليل؛ «وهي من المزارات المهمة للحجاج المغاربة، وموضعها مشهور في شعب بني هاشم» (ص212). «ومن الملاحظ أن هذه الدار كانت من الأماكن التي يجتمع عندها الناس للاحتفال كل ليلة اثنين، وأما في ليلة الثاني عشر من ربيع الأول فيجتمع الفقهاء والأعيان وناظر الحرمين وقضاة مكة الأربعة ويخرجون بالشموع والمشاعل والفوانيس، ويجتمع معهم مشايخ الطوائف يحملون أعلامهم ويزدحم الناس عند محل ولادته (صلى الله عليه وسلم) في موكب من أعظم مواكب ناظر الحرمين بمكة» (ص212).
إلى ذلك؛ يرصد الرحالة عدداً من المقاهي التي حفلت بها الطرق المؤدية إلى مكة المكرمة، وهي تمثل محطات استراحة للحجاج وتوفر لهم أحياناً أماكن للنوم والراحة. يقول الرحالة العياشي: «في المقاهي مجالس حسنة يبالغ أصحابها في تنظيفها وكنسها ورشها بالماء... وقد اتخذوا فيها أسرّة كثيرة منسوجة بشريط المَسَد وبصنعة محكمة». (ص230).


مقالات ذات صلة

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

ثقافة وفنون «أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق أحياناً يكون ما نبحث عنه أقرب مما نظنّ (مؤسّسة «أوكسفام»)

بَحَثَ 5 سنوات عن كتاب... فوجده مصادفةً في مكتبة قريبة

عبَّر رجل من بلدة دنبلين باسكوتلندا عن «دهشته الشديدة» بعد رحلة بحث عن كتاب ورقي نادر استمرت 5 سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية،

ندى حطيط
كتب البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
يوميات الشرق من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً.

عبير مشخص (لندن)

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا
TT

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية، فإنه يمارس في الوقت ذاته نوعاً من الـ«أمنيزيا» المنهجية، أو الفقدان المتعمّد للذاكرة، حين يتصل الأمر بالإسلام.

في الخطاب اليميني الشعبوي المتصاعد، يُرسم الإسلام على أنه عنصر غريب أو ظاهرة ديموغرافية طارئة، ارتبطت حصراً بموجات الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية، أو بقوارب اللجوء التي عبرت المتوسط في العقد الأخير. هذا الاختزال ليس مجرد خطأ لناحية قراءة التاريخ، بقدر ما أنه عملية تشويه متعمد للهوية الأوروبية، تهدف إلى استئصال جزء بنيوي من تكوينها؛ لتبدو أوروبا جزيرةً مسيحية - يهودية معزولة، لم يطأها «الآخر» إلا بصفة «ضيف ثقيل» أو «وافد مضطر».

معضلة اليمين الأوروبي المتطرف تكمن في أن التاريخ لا يُكتب بالنيات، بل بالشواهد التي لا تقبل الإلغاء. يذكرنا طارق حسين في كتابه الاستقصائي المهم «أوروبا المسلمة (Muslim Europe)»، بأن الإسلام كان في أوروبا منذ عام 647 ميلادية، أي بعد 16 عاماً فقط من وفاة الرسول ﷺ. بمعنى أن الإسلام وصل إلى القارة العجوز قبل أن تصل المسيحية إلى مناطق واسعة في شمال وشرق أوروبا بقرون. ومن قبرص إلى صقلية، ومن ملقة إلى لشبونة، لم يكن المسلمون ضيوفاً عابرين، بل كانوا مجتمعات مستقرة؛ حاكمة، ومنتجة للمعرفة. في صقلية، تحت حكم المسلمين، ازدهرت نظم الريّ المبتكرة، وارتفعت معايير المعيشة لتصبح الأعلى عالمياً، لدرجة أن الملوك النورمان الذين غزوها لاحقاً لم يجدوا بُداً من تبني الثقافة والعلوم واللغة العربية لإدارة ملكهم.

وإذا كان اليمين الغربي المتطرف يحاول محو التاريخ من الكتب، فإنه لا يستطيع محوه من الحجارة أو اقتلاعه من الأفق البصري للمواطن الأوروبي. فالعمارة القوطية التي أبدعت كاتدرائيات باريس ولندن، كما تقول الباحثة ديانا دارك - في كتابها «السرقة من السراسنة (اسم أوروبي قديم يطلق على المسلمين) Stealing from the Saracens» - ليست في جوهرها الهيكلي والجمالي سوى صدىً للعمارة الإسلامية. لقد انتقلت «العقود المدببة» والتقنيات الهندسية التي سمحت ببناء تلك الصروح الشاهقة من الحواضر الإسلامية عبر صقلية والأندلس، لتمتزج بالنسيج العمراني الأوروبي، وتصبح جزءاً من هويته الثقافية الصامتة. إن الأوروبي الذي يتأمل «نوتردام» إنما يتأمل، في حقيقة الأمر، تجلياً من تجليات التلاقح الحضاري الذي كان الإسلام قطبه الأهم.

أما على جبهة السياسة والقانون، فالجدل الثقافي غالباً ما يسقط في فخ تصوير المسلم بوصفه كائناً «ما قبل حداثي». لكن الباحثين في تاريخ البلقان وشرق أوروبا (المؤرخة إميلي غريبل مثلاً) يعلمون بأن المسلمين لم يكونوا مجرد بقايا لإمبراطورية منسحبة، بل كانوا فاعلين أصليين في صياغة مفهوم المواطنة والدولة الحديثة أوروبياً، وخاضت المجتمعات المسلمة في البلقان سجالات قانونية وفلسفية لتعريف «الأوروبية» من منظور تعددي؛ مما أسهم على نحو كبير في تشكيل مفاهيم الحقوق والديمقراطية التي يفاخر بها الغرب اليوم. وبذلك، لم يكن المسلم مشكلة طرأت على الحداثة، بل كان أحد العقول التي هندست شروطها في القارة.

لا تتوقف السردية عند حدود الأطلال الأندلسية أو الروايات التاريخية القديمة، بل تمتد لتشكل النسيج الحيوي لأوروبا اليوم. لذلك؛ تصطدم محاولات اليمين لتصوير المسلمين عالة على «الرفاه الأوروبي» بواقع إسهاماتهم الجوهرية عبر مختلف المجالات الحيوية. ففي أروقة المختبرات العلمية، يقف علماء من أصول إسلامية في طليعة الابتكار؛ ولعل المثال الأنصع في الذاكرة القريبة هو الزوجان أوزليم توريجي وأوغور شاهين، اللذان أنقذا القارة والعالم بأسره عبر تطوير لقاح «بيونتيك» ضد «كورونا»، معيدين الاعتبار إلى إسهام العقل المسلم في صلب العلوم الدقيقة.

أما لناحية المجالين الثقافي والأدبي، فلم يبقَ المسلم موضوعاً للكتابة فحسب، وإنما صار الكاتبَ الذي يسهم في إعادة تعريف الأدب الأوروبي المعاصر؛ فأسماء مثل ليلى سليماني في فرنسا، وطاهر بن جلون، وصولاً إلى المبدعين في السينما والفنون البصرية، يرفدون الثقافة الأوروبية بدماء جديدة تكسر الرتابة وتفتح آفاقاً لأسئلة الهوية والوجود.

اقتصادياً، يمثل المسلمون في مدن كبرى، مثل برلين ولندن وباريس، جزءاً لا يتجزأ من منظومة الخدمات والمهن الحرة والابتكار الرقمي، مسهمين بمليارات اليوروات في الناتج المحلي الإجمالي. إنهم ليسوا جميعهم مهاجرين ينتظرون المعونات كما «يستقصد» اليمين المتطرف أن يصورهم. فأكثريتهم مواطنون دافعون للضرائب، وبناة مؤسسات، ومبدعون في الفلسفة والسياسة والرياضة، وترفع أسماؤهم رايات الدول الأوروبية في المحافل الدولية. وحضورهم اليوم هو استمرار طبيعي لتلك السلسلة التي بدأت ذات وقت من قرطبة، مؤكدين أن الإسلام داخل أوروبا هو طاقة بناء، لا عبء بقاء.

ولذا؛ فالأزمة الراهنة التي تسكن خلايا العقل الأوروبي ليست «أزمة هجرة» بقدر ما أنها أزمة «تعريف للذات». فاليمين المتطرف لدى محاولته الهروب من استحقاقات العولمة، ينكفئ نحو هوية متخيَّلة ثابتة ومغلقة، محاولاً سلب المسلم الأوروبي - سواء أكان من أصول تترية بولندية أم بوسنية أم سليل أسرة مهاجرة من الجيلين الثالث أو الرابع - حقه التاريخي في «الأصالة». إن استحضار شهادة الملك تشارلز الثالث (حين كان أميراً لويلز) ضمن خطابه الشهير عام 1993، يضعنا أمام الحقيقة الفاقعة: «الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخنا المشترك»، وتجاهله ليس سوى إنكار لجزء من الذات الأوروبية نفسها.

من هذا المنظور يكون الدفاع عن الحضور الإسلامي في تاريخ أوروبا دفاع عن الحقيقة التاريخية ضد التزييف السياسي وليس حِجاجاً عن طائفة أو فئة أو أقليّة. أوروبا اليوم تقف أمام مرآة ماضيها؛ فإما تتقبل تعدد وجوهها المتداخلة، وتنوع أصولها، وإما تظل أسيرة صورة مشوهة مذعورة رسمها يمينٌ إقصائي يخشى مواجهة التاريخ. فالإسلام لم يأتِ إلى أوروبا في قوارب اللجوء؛ لقد كان هناك حين بُنيت مداميكها الأولى، وسيبقى جزءاً بنيوياً من هويتها التي لن تكتمل يوماً من دونه.


البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري
TT

البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات المرتبطة بعادات قديمة وجذور تاريخية ومفاهيم خاصة تجمع بين الأساطير الجمعية والحس الطريف المبهج لدى المصريين.

ومن أبرز تلك المفردات نبات البصل الذي يعد من أقدم الخضروات التي عرفها المصري القديم وقدسها، وخلد اسمه على جدران المعابد وأوراق البردي حتى أنه كان يوضع في توابيت الموتى مع الجثث المحنطة لاعتقادهم أنه يساعد الميت على التنفس عندما تعود إليه الحياة مرة أخرى، كما ذكر أطباء الفراعنة البصل في قوائم الأغذية المقوية التي كانت توزع على العمال الذين عملوا في بناء الأهرامات بل وصفوه بأنه مغذ ومنشط ومدر للبول.

وتشير بعض الدراسات إلى أن الاسم الأول للبصل كان يعرف بـ«بدجر» أو «بصر» ثم قلبت الراء إلى لام في اللغات السامية واللغة العربية، كما ارتبط اسمه ببعض القصص والأساطير القديمة ومنها تلك التي تقول إن أحد ملوك الفراعنة كان له طفل وحيد مرض مرضاً عجز الأطباء والكهنة والسحرة في علاجه حتى أقعده عدة سنوات فاستدعى الملك الكاهن الأكبر لمعبد آمون بطيبة الذي قال له إن مرض الطفل يعود إلى وجود أرواح شريرة تسيطر عليه وتشل حركته بفعل السحر الأسود.

قام الكاهن بوضع ثمرة ناضجة من البصل تحت رأس الطفل الصغير في فراشه عند غروب الشمس بعد أن قرأ عليها بعض التعاويذ ثم شقها إلى نصفين ووضعها عند أنف الطفل ليستنشق عصيرها، كما أمر الكاهن بتعليق حزم البصل الطازج فوق السرير وعلى أبواب الغرف وبوابات القصر وبالفعل شفي الطفل وغادر فراشه وخرج ليلعب مع غيره من الأطفال، وشارك الشعب الملك أفراحه بتعليق حزم البصل على أبواب منازلهم لاعتقادهم أنه طارد الأرواح الشريرة.

وانتشرت في أساطير الفلاحين الشعبية أسطورة «النداهة»، حيث يزعم البعض أنها امرأة جميلة تظهر في الليالي المظلمة في الحقول تنادي باسم شخص ما فيقوم مسحوراً ويتبع النداء إلى أن يصل إليها وفي الصباح يتم العثور عليه ميتاً، ولاتقاء شرها يجب أن توضع حزمة من البصل على باب البيت أو عتبته. وتقول أسطورة أخرى إن أرواحاً شريرة قد تظهر في صورة قطة تغري الضحية بكنز من الذهب وبالفعل يكون الكنز حقيقياً، ويعود به إلى بيته فرحاً مسروراً، لكنه يجده في الصباح وقد تحول إلى مجموعة من البصل.

وكان لافتاً أن حاكم محمد على باشا الكبير أنشأ في القرن التاسع ميناء في الإسكندرية أطلق عليه «مينا البصل»، حيث كانت تتجمع به الكثير من المحاصيل كالقطن والبصل من محافظات مصر كافة لتصديره إلى أوروبا، كما ارتبط البصل بالكثير من المرادفات العامية المصرية التي تطلق في بعض المناسبات مثل «بيقشر بصل» للدلالة على الفقر والإفلاس، و«حاشر نفسه زي البصل» للدلالة على التدخل في شؤون الآخرين دون داع انطلاقاً من حقيقة أن البصل يدخل في العديد من الأكلات والوصفات كعنصر أساسي.

أما على صعيد الأمثال الشعبية المصرية فلا يوجد نبات من النباتات أو الخضراوات احتل مكانة مميزة كالبصل، إذ يوجد ما يقرب من مائة مثل تستشهد به وتضرب المثل ومنها «بصلة المحب خروف» كناية عن التقدير الشديد لأي شيء يأتينا من شخص نحبه مهما كان بسيطاً. وهناك أيضاً المثل الشعبي الذي لا يقل شهرة «لما أمك البصلة وأبوك التوم تجيب منين الريحة الحلوة يا شوم»، في إشارة إلى أن الأمور يجب أن تسير وفق وتيرة منطقية ومقدمات تؤدي إلى نتائج.


مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام
TT

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

يشكل السرد على ضفاف زمن قديم مرتكزاً أساسياً في المجموعة القصصية «محكمة الوحي الإلهي» للكاتب المصري أحمد فؤاد الدين، الصادرة عن «دار ديوان للنشر» بالقاهرة.

لا يستدعي المؤلف في مجموعته الزمن بوصفه زمناً مكتملاً، بل تاريخاً متعثراً، لا سيما حين يرتبط بحق الاختيار وسؤال العدالة، الذي يبدو موضع شك؛ «فهل للمسوخ أن تختار؟» كما يتساءل أحد أبطال القصص، الذين يقفون في قلبها تائهين، يفتّشون عن أصواتهم المفقودة، وربما عن لعنتهم.

في هذا الأفق، لا تبدو ثنائية الأب والابن محض رابطة عائلية، بل بنية مركزية يعيد الكاتب اختبارها عبر قصصه، بوصفها واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية التباساً وتعقيداً، لا تُبنى فقط على الامتداد، بل على التكرار، وعلى استعادة جروح قديمة في تمثيلات جديدة.

وسرعان ما تتسع هذه الثنائية لتتحوّل إلى ثلاثية: أب، وابن، وحفيد، في سلسال لا ينقطع، تتوارث فيه الأدوار، والقسوة، وأحياناً الإقصاء، كعقاب قسري على محاولة الخروج من عباءة الأب.

يبلغ هذا التوتر ذروته في قصة «محكمة الوحي الإلهي»، حيث يترك الأب رسالة طويلة مُتوسلة، طالباً إسقاط نسب ابنه عنه، مبرِراً ذلك بما يراه جحوداً وعصياناً وفق منطقه الخاص، حيث يتحول تمرّد الابن إلى جريمة تستدعي محو رابطة البنوّة نفسها.

يستعيد الأب في رسالته الطويلة ملامح برّه بوالده التي لم يجد نظيرها مع ابنه: «لا يُلبي لي أمراً إلا بمساءلة، ولا يُقبّل يدي إلا إذا سألته: هل فعلت ذلك مع أبي؟ أبداً».

ينقل الكاتب هذه المواجهة بين الأب والابن إلى مستويات أكثر عمقاً، حيث يتجاوران في مفارقات سردية حادة داخل الواقع، ويلتقيان في فضاءات الأحلام، التي تتحرر فيها دوافع القُرب والانفصال معاً. وعبر هذا التداخل، تتكشف تدريجياً بواطن الأب، لا بوصفه سلطة غاشمة، بل كذاتٍ مرتبكة، هاربة إلى الوحي.

هاجس الصوت

لا ينفصل توتر العلاقة بين نموذج الأب والابن عن سؤال الهوية، إذ نرى البطل في قصة «صدى الصوت» في فزع فقدان صوته، يطارده هاجس أن صوته قصار هو نفسه صوت أبيه؛ صوت غنائه له في الطفولة، وصراخه وتوبيخه، فلا يعود الصوت محض وراثة، بل بنية قسرية يعيد إنتاجها الأب داخل الابن.

في هذا السياق، يفتح الكاتب هذا التماهي على أفق فانتازي، يوّظف فيه الأحلام بوصفها مساحةً موازيةً لاختبار هذه العلاقة ودفعها إلى أقصاها: «قال لي إن هيبة صوته لن تفارقني أبداً، وأن كل عصياني له سيبقى معي لنهاية عمري، وحتى في الضفة الأخرى من النهر، سيتحول معي، وسيسمعه ابني، كل كلمات ستكون ملكاً له، بكيت، وتوسلت له أن يترك لي صوتي، لم يتوقف، بدأ يغني، كل الأغاني التي أحبها، كل الكلمات التي قلتها في يوم من الأيام تلاها عليّ، حتى ضحكتي كررها، بكيت ولم يتوقف، ثم استيقظت».

من هذا المنظور، تبدو الأحلام مساحة مفتوحة على الدخول والخروج بوعي ذهني، تتكثف داخلها المواجهات المؤجلة، وتنكشف الطبقات التي يعجز الواقع عن قولها، بحيث يصبح الحلم ساحة بديلة تُعاد داخلها صياغة العلاقات، أو تُعرّى فيها على نحو أكثر قسوة.

وعلى امتداد هذه البنية، تتبدى ملامح عالمٍ يحكمه تسلسل هرمي مُجحف، ينقسم فيه البشر إلى سادة وعبيد، ففي قصة «حد السماء»، يصبح الجسد ذاته موضع إدانة، حيث يتحوّل بطلها «القِزم» إلى هدية تُقدّم إلى الحاكم، بوصفه مادة للضحك والسخرية، غير أن هذا التشوّه لا يقف عند حدود الشكل، بل يمتد إلى الوعي، حيث يحمل الابن شعوراً عارماً بالذنب تجاه الأب، كأن وجوده نفسه خطأ يستوجب التبرير: «ما اكتفى الزمان بيديّ القصيرتين حدّ الشذوذ، وقدميّ المقوّستين حدّ الضحك، ولا رأسي الكبير على جسدٍ يكاد لا تُرى له رقبة. لم يكتفِ بأبٍ عاش يحلم بذكرٍ يخلفه، فإذا به يُرزق بمسخٍ بعد خمس بنات».

عناصر الطبيعة

يوّظف الكاتب عناصر الطبيعة محطات وعتبات تُعيد الذوات المنهكة إلى نفسها، كما يتجلى في الحضور المتكرر لشجرة «الجميز»، التي يلجأ إليها أبطال القصص في لحظات إنهاكهم كهدنة مؤقتة داخل مسار مضطرب، سرعان ما تنكشف الشجرة عن خضوعها لقانون أكبر يعيد الشخصيات إلى مسارها الأول، فأحد الأبطال يُساق إليها كالمُسيّر: «مرّ الوقت حتى وصلت إلى شجرة جميز في قرية لا أعرفها»، ويتكرر هذا الحضور أيضاً في قصة «ما دون النباتات»، حيث يستريح البطل تحت ظل شجرة الجميز أمام بيته، منتظراً اصطحاب والده الضرير في رحلتهما اليومية لاكتشاف النباتات.

إلا أن هذه القصة، وفي مقابل سلطة الأب، تفتح أفقاً موازياً تهيمن عليه مملكة النباتات، التي تجمع الأب والابن في طقس يومي قائم على المعرفة الحسية، قبل أن تنتهي إلى مفارقة حادة، حيث يفقد الابن والده في إحدى تلك الرحلات، فيظل ملتصقاً بجثته، رافضاً مغادرتها.

بالموازاة، تبرز «الحِرف» في المجموعة كملاذ آخر، حيث تستعيد «اليد» قدرتها على الفهم والتشكيل خارج أنظمة السلطة والوراثة، فأغلب شخصيات المجموعة يجمعها العمل في الخزف، والنحت، والنجارة، لتنخرط في معرفة حسية تقوم على اللمس والتجربة، وتصبح الحرفة وسيلة فنية لاختبار العلاقة بين الإنسان والأشياء، بما يشكّل منظومة سردية موازية، لا تورّث عبر النسب، بل يُعاد إنتاجها عبر اليد والمهارة الفردية.

يبدو استدعاء المخيال المصري القديم بمثابة مظلة سردية تمنح القصص إيقاعها المشدود بين المقدّس والفاني، وتدفع لغتها إلى نغمية هذا الإيقاع، حيث تتداخل طقوس الموت والبعث مع إشكالات النسب والسيرورة، ففي «هوامش على متون الأهرام»، لا ينقطع الرابط بين الأب ونسله بالموت، بل يُعاد تشكيله عبر رحلة أخرى مؤجلة: «يا نابش قبري، أستجديك أن تترك للمسافر زاداً في رحلة سماوية يخوضها، وستَخوضها من بعده».