مكة المكرمة بعيون الرحالة المغاربة

كتاب يرصد الظواهر الطبيعية والآثار العمرانية في المدينة المقدسة خلال القرن الـ18

مكة المكرمة بعيون الرحالة المغاربة
TT

مكة المكرمة بعيون الرحالة المغاربة

مكة المكرمة بعيون الرحالة المغاربة

يُبرز كتاب «الظواهر الطبيعية والآثار العمرانية في مكة المكرمة من خلال كتابات الرحالة المغاربة في القرن الثاني عشر الهجري (الثامن عشر الميلادي)» اهتمام الرحالة المغاربة بوصف الظواهر المناخية التي سادت مكة المكرمة عند زيارتهم لها، وعناية هؤلاء المؤرخين بوصف مظاهر سطح الأرض في مكة المكرمة وتضاريسها من جبال وهضاب وشعاب، ووديان، وما يكسو هذه الأماكن من نباتات وأعشاب، واهتمامهم أيضاً بوصف الآثار العمرانية القديمة التي بقيت معالم تاريخية قائمة أزمنة مديدة.
ويعكس الكتاب صور الحياة الثقافية والدينية في مكة المكرمة في القرن الثامن عشر الميلادي، والتي كانت ممتدة عبر الأزمان، وتجسد التسامح والتعددية الفكرية، كما تصور كتابات الرحالة الطبيعة المكانية للمدينة المقدسة، وتأثير المكان والزمان على مسيرة الحجاج والمعتمرين، حيث تعصف بقوافلهم حالات الطقس الملتهبة، وتؤدي لوفاة أعداد غفيرة منهم. كما تمثل المسارات التي يمرّ بها الحجاج جانباً مهماً من حركة التجارة والعمارة والحضارة.
- كرسي الملك سلمان
الكتاب، الواقع في 300 صفحة من الحجم الكبير وينقسم إلى 3 فصول، من إصدارات «كرسي الملك سلمان بن عبد العزيز لدراسات تاريخ مكة المكرمة»، وهو كرسي علمي نشأ بمبادرة من كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة أم القرى، بالشراكة بين الجامعة و«دارة الملك عبد العزيز»، ويهدف لدراسة تاريخ مكة المكرمة وفق منهج تاريخي، وآليات بحثية أصيلة وحديثة. وخلال 4 أعوام أتمها الكرسي، أصدر عدداً من الكتب والتحقيقات التي تدور حول التاريخ المكي، كما تم تدشين 9 إصدارات تناولت الجوانب الاجتماعية والأدبية والمالية، ومناهج البحث والأوقاف والظواهر الطبيعة والمعالم التاريخية، ويشرف على الكرسي الدكتور عبد الله الشريف، الذي يرى أن المجموعة الأولى من إنجازات الكرسي العلمية تمثّلت في «إنجاز أكثر من 50 بحثاً علمياً، نشر عدداً منها والبقية تحت النشر، إلى جانب عدد من الدراسات البحثية الأخرى التي يعكف عليها الباحثون في تاريخ مكة المكرمة عبر العصور؛ ومنها العصر السعودي».
ويقول الشريف إن الكرسي يسعى «لخدمة وإبراز تاريخ مكة المكرمة ودعم البحث العلمي وتعميق الفكر التاريخي، وكذلك دراسة تاريخ مكة المكرمة، وتمويل المشاريع البحثية فيه، وتحقيق مصادر التاريخ المكي، وترجمة المؤلفات في التاريخ المكي، بالإضافة إلى نشر المصنفات في التاريخ المكي، من خلال جعله حلقة وصل بين الأكاديميين والباحثين في قسم التاريخ بجامعة أم القرى، ومركز تاريخ مكة المكرمة والمدينة المنورة، ومكملاً لدور المركز ورافداً لدارة الملك عبد العزيز في خدمة التاريخ الوطني، علاوة على عقد شراكات بحثية واستشارية مع المراكز العلمية والقطاعات الحكومية والأهلية في مجالات اختصاص الكرسي، وعقد اللقاءات والمناشط العلمية في حقل التاريخ المكي، ودعم طلاب الدراسات العليا بقسم التاريخ، والباحثين في تاريخ مكة المكرمة».
- عينُ الجغرافي عينٌ ثاقبة
تمتاز كتابات الرحالة على العموم باشتمالها على قدر كبير من القضايا والمعلومات عن البلاد والمجتمعات، بنظمها السياسية والاقتصادية، وأنساقها الاجتماعية والثقافية.
وتُعدّ الرحلات المغربية على هذا النحو وثيقة تاريخية ‏مهمة سجلها مثقفون معاصرون، ضمنوها مشاهداتهم للأماكن والبلدان التي مروّا بها منذ خروجهم حتى عودتهم، وتزداد عنايتهم بوصف المكان حسب أهميته لديهم. وتتسم هذه الكتابات الوصفية بالبعد عن التزييف إلى حد كبير «فكتابها لا يرغبون من ورائها في مطمع دنيوي، ولا يتأثرون بتوجه سياسي أو عرقي أو طائفي، فضلاً عن كونهم متلبسين بطاعة الحج» (ص 14).
‏يرى محقق هذه الرحلات، الدكتور سامح عبد العزيز، أن ما دوّنه الرحالة يمثل المصادر غير التقليدية التي عُني أصحابها بتسجيل المشاهدات والأحداث الخاصة بمكة المكرمة في القرن الثاني عشر الهجري (الثامن عشر الميلادي)، وقد دوّن هذه الرحلات الحجاج المغاربة من العلماء والأدباء، وهم يمثلون النخبة المثقفة في بلادهم، فأثروا المكتبة العربية برحلاتهم إلى امتازت باشتمالها على وصف كامل للحياة بشتى صورها، ورصدٍ لكل ما شاهدته أعينهم من مظاهر طبيعية، وآثار عمرانية، مركّزين على بيان أثرها في النشاط البشري عند تأدية مناسك الحج في مكة المكرمة.
ويلاحظ المؤلف أن مشاهدات الغرباء عن المكان تختلف غالباً عن رؤية المؤرخين المحليين، فما ألفه المقيمون بمكة المكرمة حول الظواهر والأحداث وقد لا يعيرون لها انتباهاً، هي موضع عناية الرحالة واهتمام الغرباء؛ «حتى غدت رحلات عبارة عن خريطة مناخية تضاريسية تصف الطقس وسطح الأرض وصفاً دقيقاً، فكلما مروا بظاهرة وصفوها، مع التركيز على أثرها الإيجابي أو السلبي في الحجاج والمعتمرين، ‏ووضع بعض الحلول ليستعين اللاحقون بها لتفادي المعوقات».
أما عنايتهم بالآثار العمرانية في مكة المكرمة؛ من مساجد ومنازل وبيوت وقبور وغيرها، فيرجع إلى التعريف بالمزارات والآثار الشريفة، ووصفها وتحليلها، وتحديد أماكنها، وتسجيل انطباعاتهم عنها، في محاولة لربطها بالواقع، وإخراجها من مصادر التراث، ليستعين بذلك القادمون من الحجاج والزوار.
- الحسّ الجغرافي
يسرد مؤلف الكتاب بداية معرفته بهذه الرحلات المغربية إلى عام 2008 حين كان يُعّد رسالة الدكتوراه في جامعة الأزهر عن العلاقات التجارية بين مصر وولايات المغرب العثمانية في القرن الـ18 الميلادي، حيث قاده البحث لسبر أغوار 15 رحلة مغربية، كانت حافزاً لتخصيص بحث لهذه الدراسة موضوع الكتاب.
ويقول إنه اعتمد في إعداد دراسته على عدد كبير من الرحلات المغربية التي لا يزال أكثرها مخطوطاً في دور الحفظ في الرباط والقاهرة، بالإضافة إلى مصادر التاريخ المكي من المخطوطات والمطبوعات (وهي مثبتة جميعاً في قائمة المصادر والمراجع).
ويذكر المؤلف أن سبب اهتمام الرحالة المغاربة بوصف الظواهر الطبيعية في مكة المكرمة من مناخ وتضاريس وآبار وغيرها، هو أن «هؤلاء الرحالة غلب عليهم الحسّ الجغرافي، فكانت رحلاتهم تحمل كثيراً من المعلومات الجغرافية لا عن مكة وحدها؛ بل عن الطرق والبلاد التي مرّ بها الركبان منذ خروجهم من المغرب وحتى عودتهم إلى بلادهم... وعين الجغرافي عين ثاقبة تلتفت إلى كل غريب ومثير» (ص25).
‏ أما الرحلات التي حققها المؤلف للوصول لهذا الكتاب، فمن بينها: «الرحلة الناصرية»، لأبي العباس أحمد بن ناصر الدرعي (تمت الرحلة بين 1709 و1710)، و«رحلة الإسحاقي» لمحمد الشرقي الإسحاقي (1731 - 1732)، و«رحلة ابن عبد القادر الفاسي» من مدينة فاس إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، وهذه تمت بين عامي 1797 و1798... وغيرها.
- دليل الحجاج
وقد اهتم المؤرخون والرحالة بتسجيل مشاهداتهم في مكة المكرمة وحرصوا على وصف طرقها التي مروا بها؛ من جبالٍ ووديان وعيون ماء، وما زاروا فيها من أماكن وآثار بقيت شاهدة لمن مروا بها أو عاشوا في زمانها. وتمّثلت مقاصد الرحالة في تعريف من يأتي بعدهم بهذه الأماكن التاريخية، وتحقيق مواضعها، أو تنبيههم إلى اجتناب المعوقات والأخطاء التي وقع فيها من سبقهم، وتحذيرهم من المصاعب التي تواجههم في الطريق لأداء مناسكهم.
من أهداف هذه الدراسة، تحديد بعض المواضع التاريخية المهمة في الحجاز التي يتعين أن يوليها الباحثون المختصون عناية خاصة. ويلقي هذا الكتاب الضوء على أحد جوانب هذا التاريخ، حيث يبيّن اهتمام الرحالة المغاربة بوصف الظواهر المناخية التي سادت في مكة المكرمة عند زيارتهم لها في القرن الثاني عشر (هجري/ 18 ميلادي)؛ من حرارة ورطوبة وبرودة وأمطار ‏وسيول، وبيان أثرها على الحجاج، وعنايتهم بوصف مظاهر سطح الأرض وتضاريس مكة المكرمة وما يكسوها من نباتات وأعشاب، واهتمامهم بوصف الآثار العمرانية القديمة التي بقيت معالمها قائمة لأزمنة كثيرة.
- رحلة الحج القاسية
أشدّ ما اشتكى منه الرحالة كان حرّ الطقس، حيث يشتكون من الحرارة في مكة المكرمة وأثرها على الحجاج والدواب، مما أدى إلى وفاة عدد من الحجاج، كما أصيب بعضهم بالإعياء. وقضية حرارة الجو في مكة المكرمة من القضايا التي كانت سبباً رئيسياً في معاناة الحجاج أثناء مسيرهم لأداء المناسك. يقول أبو العباس الفارسي وهو يصف موت بعض الحجاج: «حصد الموت بسبب حرارة الشمس أعداداً كبيرة من الحجاج إما بسبب الإصابة ‏المباشرة بضربة شمس قوية تؤدي إلى الحُمّى، أو بسبب تسخين الماء (بفعل الحرارة) لدرجة أنهم لا يستطيعون تناوله، ثم يورد أن هذه الحادثة وقعت معهم بعد (عسفان) وقبل (وادي فاطمة)». ويقول: «ورحلنا قبل الزوال في حرٍّ شديد مات بسببه خلقٌ كثير» (ص56). وفي طريق العودة أيضاً تعرض الركب نفسه للعطش بفعل الحرارة، يقول: «توفي في هذا اليوم خلقٌ كثير عطشاً من الحر».
‏‏كما يعطي الرحالة وصفاً للحرم المكي الشريف وآثار مكة المكرمة الحدودية وأبواب مكة وما داخلها، وحدود مكة المكرمة الفاصلة بين منطقتي الحِلّ والحرم، ومواقع الإحرام المكانية لأهل مكة ومواقيت الإحرام للقادمين من خارج مكة، ثم وصف المسجد الحرام، والمساجد الأخرى، ووصف الكعبة المشرفة من الداخل.
‏اما مواعيد فتح باب الكعبة، فقد لاحظ الرحالة المغاربة أن باب الكعبة لا يفتح إلا في مواعيد مخصوصة ومناسبات معلومة، ولفترة قصيرة، اجتهد العياشي في تحديدها مستعيناً بما ذكره السابقون في مؤلفاتهم، فقال أبو سالم العياشي: «ويفتح البيت عادة سبع مرات في السنة؛ الأولى يوم النحر لتعليق الكسوة عند طلوع الشمس، ولا يدخل ذلك اليوم إلا من زاحم وتعلق بالقرب، والثانية يوم عاشوراء، والثالثة يوم المولد النبوي في ربيع، والرابعة في شعبان، والخامسة والسادسة في رمضان، والسابعة في ذي القعدة... وقد منّ الله عليّ بدخولها خمس مرات في هذه السنة» (ص168).
- الحياة في مكة المكرمة
كما تحدث الرحالة المغاربة عن أئمة الحرم، ووصف الإسحاقي المنابر الأربعة الموزعة في رواق الحرم لأداء الصلاة حسب مذهب الإمام.
كذلك تحدثوا عن أسعار البيوت وأُجرتها، حيث كانت متفاوتة حسب سعتها وقربها من البيت الحرام. ووصف الرحالة الدور التاريخية في مكة المكرمة، وبينها دار عبد الله بن عبد المطلب، (والد النبي محمد صلى الله عليه وسلم) وتعرف بـ«دار المولد»، التي ولد فيها النبي صلى الله عليه وسلم، ومكانها في سوق الليل؛ «وهي من المزارات المهمة للحجاج المغاربة، وموضعها مشهور في شعب بني هاشم» (ص212). «ومن الملاحظ أن هذه الدار كانت من الأماكن التي يجتمع عندها الناس للاحتفال كل ليلة اثنين، وأما في ليلة الثاني عشر من ربيع الأول فيجتمع الفقهاء والأعيان وناظر الحرمين وقضاة مكة الأربعة ويخرجون بالشموع والمشاعل والفوانيس، ويجتمع معهم مشايخ الطوائف يحملون أعلامهم ويزدحم الناس عند محل ولادته (صلى الله عليه وسلم) في موكب من أعظم مواكب ناظر الحرمين بمكة» (ص212).
إلى ذلك؛ يرصد الرحالة عدداً من المقاهي التي حفلت بها الطرق المؤدية إلى مكة المكرمة، وهي تمثل محطات استراحة للحجاج وتوفر لهم أحياناً أماكن للنوم والراحة. يقول الرحالة العياشي: «في المقاهي مجالس حسنة يبالغ أصحابها في تنظيفها وكنسها ورشها بالماء... وقد اتخذوا فيها أسرّة كثيرة منسوجة بشريط المَسَد وبصنعة محكمة». (ص230).


مقالات ذات صلة

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً