مكة المكرمة بعيون الرحالة المغاربة

كتاب يرصد الظواهر الطبيعية والآثار العمرانية في المدينة المقدسة خلال القرن الـ18

مكة المكرمة بعيون الرحالة المغاربة
TT

مكة المكرمة بعيون الرحالة المغاربة

مكة المكرمة بعيون الرحالة المغاربة

يُبرز كتاب «الظواهر الطبيعية والآثار العمرانية في مكة المكرمة من خلال كتابات الرحالة المغاربة في القرن الثاني عشر الهجري (الثامن عشر الميلادي)» اهتمام الرحالة المغاربة بوصف الظواهر المناخية التي سادت مكة المكرمة عند زيارتهم لها، وعناية هؤلاء المؤرخين بوصف مظاهر سطح الأرض في مكة المكرمة وتضاريسها من جبال وهضاب وشعاب، ووديان، وما يكسو هذه الأماكن من نباتات وأعشاب، واهتمامهم أيضاً بوصف الآثار العمرانية القديمة التي بقيت معالم تاريخية قائمة أزمنة مديدة.
ويعكس الكتاب صور الحياة الثقافية والدينية في مكة المكرمة في القرن الثامن عشر الميلادي، والتي كانت ممتدة عبر الأزمان، وتجسد التسامح والتعددية الفكرية، كما تصور كتابات الرحالة الطبيعة المكانية للمدينة المقدسة، وتأثير المكان والزمان على مسيرة الحجاج والمعتمرين، حيث تعصف بقوافلهم حالات الطقس الملتهبة، وتؤدي لوفاة أعداد غفيرة منهم. كما تمثل المسارات التي يمرّ بها الحجاج جانباً مهماً من حركة التجارة والعمارة والحضارة.
- كرسي الملك سلمان
الكتاب، الواقع في 300 صفحة من الحجم الكبير وينقسم إلى 3 فصول، من إصدارات «كرسي الملك سلمان بن عبد العزيز لدراسات تاريخ مكة المكرمة»، وهو كرسي علمي نشأ بمبادرة من كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة أم القرى، بالشراكة بين الجامعة و«دارة الملك عبد العزيز»، ويهدف لدراسة تاريخ مكة المكرمة وفق منهج تاريخي، وآليات بحثية أصيلة وحديثة. وخلال 4 أعوام أتمها الكرسي، أصدر عدداً من الكتب والتحقيقات التي تدور حول التاريخ المكي، كما تم تدشين 9 إصدارات تناولت الجوانب الاجتماعية والأدبية والمالية، ومناهج البحث والأوقاف والظواهر الطبيعة والمعالم التاريخية، ويشرف على الكرسي الدكتور عبد الله الشريف، الذي يرى أن المجموعة الأولى من إنجازات الكرسي العلمية تمثّلت في «إنجاز أكثر من 50 بحثاً علمياً، نشر عدداً منها والبقية تحت النشر، إلى جانب عدد من الدراسات البحثية الأخرى التي يعكف عليها الباحثون في تاريخ مكة المكرمة عبر العصور؛ ومنها العصر السعودي».
ويقول الشريف إن الكرسي يسعى «لخدمة وإبراز تاريخ مكة المكرمة ودعم البحث العلمي وتعميق الفكر التاريخي، وكذلك دراسة تاريخ مكة المكرمة، وتمويل المشاريع البحثية فيه، وتحقيق مصادر التاريخ المكي، وترجمة المؤلفات في التاريخ المكي، بالإضافة إلى نشر المصنفات في التاريخ المكي، من خلال جعله حلقة وصل بين الأكاديميين والباحثين في قسم التاريخ بجامعة أم القرى، ومركز تاريخ مكة المكرمة والمدينة المنورة، ومكملاً لدور المركز ورافداً لدارة الملك عبد العزيز في خدمة التاريخ الوطني، علاوة على عقد شراكات بحثية واستشارية مع المراكز العلمية والقطاعات الحكومية والأهلية في مجالات اختصاص الكرسي، وعقد اللقاءات والمناشط العلمية في حقل التاريخ المكي، ودعم طلاب الدراسات العليا بقسم التاريخ، والباحثين في تاريخ مكة المكرمة».
- عينُ الجغرافي عينٌ ثاقبة
تمتاز كتابات الرحالة على العموم باشتمالها على قدر كبير من القضايا والمعلومات عن البلاد والمجتمعات، بنظمها السياسية والاقتصادية، وأنساقها الاجتماعية والثقافية.
وتُعدّ الرحلات المغربية على هذا النحو وثيقة تاريخية ‏مهمة سجلها مثقفون معاصرون، ضمنوها مشاهداتهم للأماكن والبلدان التي مروّا بها منذ خروجهم حتى عودتهم، وتزداد عنايتهم بوصف المكان حسب أهميته لديهم. وتتسم هذه الكتابات الوصفية بالبعد عن التزييف إلى حد كبير «فكتابها لا يرغبون من ورائها في مطمع دنيوي، ولا يتأثرون بتوجه سياسي أو عرقي أو طائفي، فضلاً عن كونهم متلبسين بطاعة الحج» (ص 14).
‏يرى محقق هذه الرحلات، الدكتور سامح عبد العزيز، أن ما دوّنه الرحالة يمثل المصادر غير التقليدية التي عُني أصحابها بتسجيل المشاهدات والأحداث الخاصة بمكة المكرمة في القرن الثاني عشر الهجري (الثامن عشر الميلادي)، وقد دوّن هذه الرحلات الحجاج المغاربة من العلماء والأدباء، وهم يمثلون النخبة المثقفة في بلادهم، فأثروا المكتبة العربية برحلاتهم إلى امتازت باشتمالها على وصف كامل للحياة بشتى صورها، ورصدٍ لكل ما شاهدته أعينهم من مظاهر طبيعية، وآثار عمرانية، مركّزين على بيان أثرها في النشاط البشري عند تأدية مناسك الحج في مكة المكرمة.
ويلاحظ المؤلف أن مشاهدات الغرباء عن المكان تختلف غالباً عن رؤية المؤرخين المحليين، فما ألفه المقيمون بمكة المكرمة حول الظواهر والأحداث وقد لا يعيرون لها انتباهاً، هي موضع عناية الرحالة واهتمام الغرباء؛ «حتى غدت رحلات عبارة عن خريطة مناخية تضاريسية تصف الطقس وسطح الأرض وصفاً دقيقاً، فكلما مروا بظاهرة وصفوها، مع التركيز على أثرها الإيجابي أو السلبي في الحجاج والمعتمرين، ‏ووضع بعض الحلول ليستعين اللاحقون بها لتفادي المعوقات».
أما عنايتهم بالآثار العمرانية في مكة المكرمة؛ من مساجد ومنازل وبيوت وقبور وغيرها، فيرجع إلى التعريف بالمزارات والآثار الشريفة، ووصفها وتحليلها، وتحديد أماكنها، وتسجيل انطباعاتهم عنها، في محاولة لربطها بالواقع، وإخراجها من مصادر التراث، ليستعين بذلك القادمون من الحجاج والزوار.
- الحسّ الجغرافي
يسرد مؤلف الكتاب بداية معرفته بهذه الرحلات المغربية إلى عام 2008 حين كان يُعّد رسالة الدكتوراه في جامعة الأزهر عن العلاقات التجارية بين مصر وولايات المغرب العثمانية في القرن الـ18 الميلادي، حيث قاده البحث لسبر أغوار 15 رحلة مغربية، كانت حافزاً لتخصيص بحث لهذه الدراسة موضوع الكتاب.
ويقول إنه اعتمد في إعداد دراسته على عدد كبير من الرحلات المغربية التي لا يزال أكثرها مخطوطاً في دور الحفظ في الرباط والقاهرة، بالإضافة إلى مصادر التاريخ المكي من المخطوطات والمطبوعات (وهي مثبتة جميعاً في قائمة المصادر والمراجع).
ويذكر المؤلف أن سبب اهتمام الرحالة المغاربة بوصف الظواهر الطبيعية في مكة المكرمة من مناخ وتضاريس وآبار وغيرها، هو أن «هؤلاء الرحالة غلب عليهم الحسّ الجغرافي، فكانت رحلاتهم تحمل كثيراً من المعلومات الجغرافية لا عن مكة وحدها؛ بل عن الطرق والبلاد التي مرّ بها الركبان منذ خروجهم من المغرب وحتى عودتهم إلى بلادهم... وعين الجغرافي عين ثاقبة تلتفت إلى كل غريب ومثير» (ص25).
‏ أما الرحلات التي حققها المؤلف للوصول لهذا الكتاب، فمن بينها: «الرحلة الناصرية»، لأبي العباس أحمد بن ناصر الدرعي (تمت الرحلة بين 1709 و1710)، و«رحلة الإسحاقي» لمحمد الشرقي الإسحاقي (1731 - 1732)، و«رحلة ابن عبد القادر الفاسي» من مدينة فاس إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، وهذه تمت بين عامي 1797 و1798... وغيرها.
- دليل الحجاج
وقد اهتم المؤرخون والرحالة بتسجيل مشاهداتهم في مكة المكرمة وحرصوا على وصف طرقها التي مروا بها؛ من جبالٍ ووديان وعيون ماء، وما زاروا فيها من أماكن وآثار بقيت شاهدة لمن مروا بها أو عاشوا في زمانها. وتمّثلت مقاصد الرحالة في تعريف من يأتي بعدهم بهذه الأماكن التاريخية، وتحقيق مواضعها، أو تنبيههم إلى اجتناب المعوقات والأخطاء التي وقع فيها من سبقهم، وتحذيرهم من المصاعب التي تواجههم في الطريق لأداء مناسكهم.
من أهداف هذه الدراسة، تحديد بعض المواضع التاريخية المهمة في الحجاز التي يتعين أن يوليها الباحثون المختصون عناية خاصة. ويلقي هذا الكتاب الضوء على أحد جوانب هذا التاريخ، حيث يبيّن اهتمام الرحالة المغاربة بوصف الظواهر المناخية التي سادت في مكة المكرمة عند زيارتهم لها في القرن الثاني عشر (هجري/ 18 ميلادي)؛ من حرارة ورطوبة وبرودة وأمطار ‏وسيول، وبيان أثرها على الحجاج، وعنايتهم بوصف مظاهر سطح الأرض وتضاريس مكة المكرمة وما يكسوها من نباتات وأعشاب، واهتمامهم بوصف الآثار العمرانية القديمة التي بقيت معالمها قائمة لأزمنة كثيرة.
- رحلة الحج القاسية
أشدّ ما اشتكى منه الرحالة كان حرّ الطقس، حيث يشتكون من الحرارة في مكة المكرمة وأثرها على الحجاج والدواب، مما أدى إلى وفاة عدد من الحجاج، كما أصيب بعضهم بالإعياء. وقضية حرارة الجو في مكة المكرمة من القضايا التي كانت سبباً رئيسياً في معاناة الحجاج أثناء مسيرهم لأداء المناسك. يقول أبو العباس الفارسي وهو يصف موت بعض الحجاج: «حصد الموت بسبب حرارة الشمس أعداداً كبيرة من الحجاج إما بسبب الإصابة ‏المباشرة بضربة شمس قوية تؤدي إلى الحُمّى، أو بسبب تسخين الماء (بفعل الحرارة) لدرجة أنهم لا يستطيعون تناوله، ثم يورد أن هذه الحادثة وقعت معهم بعد (عسفان) وقبل (وادي فاطمة)». ويقول: «ورحلنا قبل الزوال في حرٍّ شديد مات بسببه خلقٌ كثير» (ص56). وفي طريق العودة أيضاً تعرض الركب نفسه للعطش بفعل الحرارة، يقول: «توفي في هذا اليوم خلقٌ كثير عطشاً من الحر».
‏‏كما يعطي الرحالة وصفاً للحرم المكي الشريف وآثار مكة المكرمة الحدودية وأبواب مكة وما داخلها، وحدود مكة المكرمة الفاصلة بين منطقتي الحِلّ والحرم، ومواقع الإحرام المكانية لأهل مكة ومواقيت الإحرام للقادمين من خارج مكة، ثم وصف المسجد الحرام، والمساجد الأخرى، ووصف الكعبة المشرفة من الداخل.
‏اما مواعيد فتح باب الكعبة، فقد لاحظ الرحالة المغاربة أن باب الكعبة لا يفتح إلا في مواعيد مخصوصة ومناسبات معلومة، ولفترة قصيرة، اجتهد العياشي في تحديدها مستعيناً بما ذكره السابقون في مؤلفاتهم، فقال أبو سالم العياشي: «ويفتح البيت عادة سبع مرات في السنة؛ الأولى يوم النحر لتعليق الكسوة عند طلوع الشمس، ولا يدخل ذلك اليوم إلا من زاحم وتعلق بالقرب، والثانية يوم عاشوراء، والثالثة يوم المولد النبوي في ربيع، والرابعة في شعبان، والخامسة والسادسة في رمضان، والسابعة في ذي القعدة... وقد منّ الله عليّ بدخولها خمس مرات في هذه السنة» (ص168).
- الحياة في مكة المكرمة
كما تحدث الرحالة المغاربة عن أئمة الحرم، ووصف الإسحاقي المنابر الأربعة الموزعة في رواق الحرم لأداء الصلاة حسب مذهب الإمام.
كذلك تحدثوا عن أسعار البيوت وأُجرتها، حيث كانت متفاوتة حسب سعتها وقربها من البيت الحرام. ووصف الرحالة الدور التاريخية في مكة المكرمة، وبينها دار عبد الله بن عبد المطلب، (والد النبي محمد صلى الله عليه وسلم) وتعرف بـ«دار المولد»، التي ولد فيها النبي صلى الله عليه وسلم، ومكانها في سوق الليل؛ «وهي من المزارات المهمة للحجاج المغاربة، وموضعها مشهور في شعب بني هاشم» (ص212). «ومن الملاحظ أن هذه الدار كانت من الأماكن التي يجتمع عندها الناس للاحتفال كل ليلة اثنين، وأما في ليلة الثاني عشر من ربيع الأول فيجتمع الفقهاء والأعيان وناظر الحرمين وقضاة مكة الأربعة ويخرجون بالشموع والمشاعل والفوانيس، ويجتمع معهم مشايخ الطوائف يحملون أعلامهم ويزدحم الناس عند محل ولادته (صلى الله عليه وسلم) في موكب من أعظم مواكب ناظر الحرمين بمكة» (ص212).
إلى ذلك؛ يرصد الرحالة عدداً من المقاهي التي حفلت بها الطرق المؤدية إلى مكة المكرمة، وهي تمثل محطات استراحة للحجاج وتوفر لهم أحياناً أماكن للنوم والراحة. يقول الرحالة العياشي: «في المقاهي مجالس حسنة يبالغ أصحابها في تنظيفها وكنسها ورشها بالماء... وقد اتخذوا فيها أسرّة كثيرة منسوجة بشريط المَسَد وبصنعة محكمة». (ص230).


مقالات ذات صلة

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

كتب كاثرين جيزير-مورتون

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

لا تكاد تخلو جريدة أو مجلّة في أيّامنا من مقالة أو أكثر تحذر من إدمان الشاشات وتآكل قدرات التركيز التي انتهى إليها الإنسان المعاصر

ندى حطيط
كتب «حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

تؤسس الكاتبة المصرية هبة الله أحمد عالم مجموعتها «حكايات الغماز» على مفارقة مكانية وحركية

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

تفتتح الكاتبة أحلام نواف بارود كتابها «لم نُخلَق للقاع» بإهداء يشرع أمام القارئ أبواب الأمل: «إلى آخر يوم في حياتك، مُصرّح لك بالتجربة والخطأ والتعلّم»

«الشرق الأوسط» (عمّان)
يوميات الشرق الأدب الكلاسيكي عائد بقوَّة من خلال الأفلام والمسلسلات (إنستغرام) p-circle 01:30

من «الأوديسة» إلى «شرق عدن»... كيف فتحت شهيَّة هوليوود و«نتفليكس» على الأدب الكلاسيكي؟

أكثر من أي وقت تلجأ كبرى استوديوهات الإنتاج إلى الروايات الكلاسيكية القديمة، لصناعة أفلام ومسلسلات منها. فما مردُّ هذه الظاهرة؟

كريستين حبيب (بيروت)
ثقافة وفنون التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟

شوقي بزيع

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

كاثرين جيزير-مورتون
كاثرين جيزير-مورتون
TT

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

كاثرين جيزير-مورتون
كاثرين جيزير-مورتون

لا تكاد تخلو جريدة أو مجلّة في أيّامنا من مقالة أو أكثر تحذر من إدمان الشاشات وتآكل قدرات التركيز التي انتهى إليها الإنسان المعاصر، بعدما حولت الأجهزة الذكيّة تطبيقات التواصل الاجتماعي إلى خبز يوميّ لا تستغني عنه مليارات من البشر، وأصبحت أقرب إلى أدوات لإعادة هندسة وعي الجمهور وفق اعتبارات سياسية وتجاريّة تتحكم فيها نخبة متنفذة فوق الحكومات والحدود.

بروفسورة علم الاجتماع الأميركية كاثرين جيزير-مورتون في كتابها «قصة حياتك: كيف تشكّل وسائل التواصل الاجتماعي تجربتنا لكل شيء - 2026»*، تتجاوز تلك التحذيرات المألوفة نحو منطقة أكثر عمقاً، وربما أشد إزعاجاً، إلى حيث تتشكل السرديات التي يرويها الأفراد في المجتمعات الحديثة عن أنفسهم وفق قوالب جاهزة تفرضها الخوارزميات، لتغدو العلامة التجارية الشخصية التي يسوّقها المرء عن ذاته بنية تحتية للهوية، وهواء يستنشقه يومياً داخل فضاءات رقمية تعيد نحت أدق تفاصيل الحياة العائلية والشخصية لتلائم صيغة العرض على الآخرين.

غلاف كتابها

ينطلق «قصة حياتك»، الذي يستند بشكل كبير إلى مادة عمود المؤلفة الدوري في مجلة «ذا كت» الأميركية وأطروحتها للدكتوراه حول «المؤثرات الأمهات»، من فكرة مركزية مفادها أن المنصات الرقمية تحولت إلى «مواقع للعرافة»، يبحث فيها المستخدمون عن نماذج سردية يستعيرونها لحياتهم، وعن قوالب جاهزة يصوغون بها تجاربهم اليومية، ما يفرض التساؤل حول تأثير تلك القوالب المستعارة على التجارب الإنسانية، وعن الثمن الذي يدفعه الفرد عندما يستبدل بالتعقيد الإنساني اللانهائي خيوط سرديات مكتملة ومعدة مسبقاً للعرض. وتلاحظ جيزير-مورتون أن الأجيال الشابة التي نشأت مع الهواتف الذكية تجد صعوبة في إدراك العلامة التجارية الشخصية كمفهوم منفصل عن ذواتها؛ لأنها تشبه الهواء الذي تنفسوه طوال حياتهم، ما يجعل الكتاب أقرب إلى سجل تاريخي يلتقط حالة «هستيريا» جماعية تتجاوز السلوك الفردي.

تقدم المؤلفة تحليلاً لما تسميه «فرط الواقعية الخانق»، وهي الحالة التي يذعن فيها الواقع لمتطلبات الصورة، فيتحول العالم إلى مسرح مصمم لإنتاج المحتوى، والوجهات السياحية إلى خلفيات للعرض الرقمي، وحفلات الزفاف إلى معارض تجارية لمقاولين متخصصين، وتصمم المطاعم والفنادق لتوفر زوايا تصوير مناسبة، وتقدّم الوجبات كمادة خام لمحتوى بصري... وتلتقط هذا التحول بلغة سلسة تمزج التحليل الاجتماعي المتقدم بالسرد الشخصي الحميم، مع نبرة ترفض الوعظ الأخلاقي، وتتجنب لوم المستخدمين الذين يقعون ضحايا، ويكونون شركاء فاعلين في الوقت ذاته.

يتميز الطرح في «قصّة حياتك» بقدرته على إظهار كيف أدى التبسيط السردي الذي تفرضه الخوارزميات، والذي يكافئ الإيجاز المخلّ والدراما والتطرف العاطفي، إلى تواري تجارب إنسانية كاملة من الفضاء العام مثل التّردد في خيارات الحياة، والارتياح لما يخالف الموضة، والاستسلام للحزن، وخيبة الأمل، والقبول بالواقع. ويوثّق كذلك كيف تلمّع المنصات لحظات التحول الكبرى والقصص ذات «أقواس التضحية المكتملة» كما تسميها، وهو نمط أميركيّ بامتياز حيث يخرج المرء من كل محنة معافى وممتناً، فكأن السرديات الرائجة تنتمي إلى عالم آخر يختلف عن عالم البشر العاديين الذي نعيشه، في وقت يخضع فيه السرد عن الضعف لقواعد اجتماعية صارمة، القاسم المشترك بينها جميعاً هو إعادة تقديمه لضمان بقاء العلامة التجارية الشخصيّة على المنصات قوية وتحظى بالمتابعة.

ولا شك أن أحد أهم فصول الكتاب ذلك الذي يحلل ما يمكن تسميته بتبني قواعد الخوارزمية في عادات النشر، فيشير إلى تعلّم المستخدمين التفكير مثل الخوارزميات، وممارسة الأفراد للرقابة الذاتية والتحريف والكذب «بسهولة التنفس»، في سياق رسم صورة بديلة عن أنفسهم تكون «قابلة للتسعير» من قبل الآخرين، سواء كانت العائدات من ذلك مالية أو رمزية أو متخيلة. وتؤكد جيزير-مورتون ما سبق أن ذهب إليه كوري دوكتورو في «الإنشيتيفيكيشن - 2025» عن حتميّة تردي المنصات الرقمية مع مرور الوقت، فتقول إن سنوات الشعور بالحرية والمرح على وسائل التواصل تزامنت مع أوقات كانت فيها الشركات المالكة للتطبيقات خارج مرحلة توقع تحقيق الأرباح، في حين أدى تصاعد المتطلبات التجارية لاحقاً إلى تغيير صيغة التعامل مع المستخدمين وممارسة الضغوط عليهم كي يقدموا أنفسهم بشكل متزايد كسلع.

ثمة سؤال بالغ الأهمية يطرحه الكتاب حول علاقة السرديات المعلّبة ببعض أكبر التحديات التي تواجه المجتمعات المعاصرة مثل العدالة الاجتماعية والمساواة، وقدرة الأفراد على تأكيد هويات أطفالهم، والصحة النفسية للبالغين والمراهقين، وتفتح الباب لربطها بأزمات الصحة النفسية المتفشية بدلالة أن «العلامة التجارية» قد تكون حلت محل الذات نفسها، وأن استيعاب قواعد الخوارزمية يجعل الأفراد يعيدون اجترار القوالب التي تخدم مصالح شركات كبرى تعمل على تحويل التجارب الإنسانية إلى بيانات قابلة للتسويق.

قواعد الخوارزمية تعمل على تحويل التجارب الإنسانية إلى بيانات قابلة للتسويق

تستدعي جيزير-مورتون في معرض التدليل على استنتاجاتها سرديات شخصية ومقابلات مع مؤثرين وعاملين في قطاعات متعددة، من عروض الأزياء إلى حفلات الزفاف المبالغ فيها، ما يمنح نصّها دفئاً وصدقاً، مع إدراك القارئ بالطبع لمحدودية تمثيل تلك الحكايا إحصائياً لأجيال كاملة نشأت في ظل هذه المنصات، على أن قوتها تظل في قدرتها على التقاط لحظة تاريخية فارقة؛ أي تلك اللحظة التي أصبح فيها «الشخص الرقمي» يدير مجمل العرض، في حين يكتفي «الشخص الفعلي» بالمشاهدة من بعيد مدركاً أن شيئاً ما قد ضاع منه بيدَيه. ويبدو هذا التباين واضحاً بين الجيل الذي عاش طفولته في فضاءات ما قبل الرقمنة، والجيل الذي تشكّل وعيه داخل هذه الفضاءات، وهو تباين يشير إلى تحول عميق في بنية التجربة الإنسانية ذاتها.

في الفصل المخصص للإعلانات المستهدفة إضاءة على صعوبة التمييز بين منشورات الأصدقاء والمواد المدفوعة، وهو تداخل يجعل الوعي اختباراً يومياً عندما تتفكك الحدود بين العلاقات الشخصية والعلاقات التجارية، ويتحوّل كل تفاعل اجتماعي إلى مادة للاستثمار الرأسمالي.

وتعترف المؤلفة ضمنياً بأن البديل لهذا النظام التحفيزي المنحرف الذي تقدمه وسائل التواصل الاجتماعي يظل قيد البحث، وتتقبل حقيقة أن العيش داخل هذه السرديات الافتراضية هو بدوره جزء من تجربة الوجود ذاتها، والطريق إلى الخروج منها يظل متاحاً لمن أراد، في حين تظل موضوعة السردية التي يتبناها الفرد قضية وجودية وسياسية في ذات الآن، ومسألة تستحق التأمّل العميق بعيداً عن الأحكام المسبقة أو الحلول السريعة.

*The Story of Your Life How Social Media Shapes the Way We Experience Everything, Kathryn Jezer-Morton, Icon Books, 2026.


«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات
TT

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

تؤسس الكاتبة المصرية هبة الله أحمد عالم مجموعتها «حكايات الغماز» على مفارقة مكانية وحركية؛ فمحطة القطار، التي تبدو مسرحاً واحداً تتوالى عليه الشخصيات، تنطوي على ديناميكية لا تهدأ، قوامها اللهاث والعبور وتلاقي المصائر. وتستثمر الكاتبة هذه الطبيعة في بناء عالم تتقاطع فيه الحركة الخارجية مع تحوّلات إنسانية أكثر خفاءً، وتتجاور فيه أزمنة لا تتطابق، وأصوات لا تصدر عن وعي واحد، رغم انتظامها جميعاً حول راوٍ ثابت.

ومن خلال هذه الجدلية لا يعود ثبات المكان نقيضاً للحركة، بل شرطاً لرصدها، فيما تتجاوز المحطة وظيفتها بوصفها مكاناً للسفر، لتصبح إطاراً لاختبار ما يتغيّر في الإنسان، وما يظل عالقاً فيه، حتى حين يواصل العالم حركته.

ورغم تصنيف «حكايات الغماز» (دار العين للنشر- القاهرة) بوصفه متتالية قصصية، فإن البناء يتيح أكثر من صيغة للتلقي؛ إذ يمكن قراءة الحكايات بوصفها نصوصاً تحتفظ باستقلالها النسبي، أو فصولاً من رواية قصيرة تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات المتكررة واستمرار الصوت السردي، ولا يبدو هذا التردد بين الأجناس الأدبية مجرد مسألة تصنيفية، بل نتيجة لطريقة تنظيم المادة الحكائية؛ فالشخصيات تدخل المشهد وتغادره، فيما يستمر عالم المحطة خارج حدود كل حكاية منفردة. ومن ثم، لا تتحقق وحدة العمل بتتابع الأحداث حول بطل مركزي، وإنما بتراكم الخبرات الإنسانية داخل فضاء واحد.

اختيار الراوي

تمنح الكاتبة هذا الفضاء راوياً فانتازياً هو عمود نور المحطة، الذي يقول: «أقف هنا منذ الأزل». وهو اختيار يضاعف المفارقة المؤسسة للعمل؛ فالراوي أكثر عناصر المكان ثباتاً، لكنه الأكثر اتصالاً بحركة الآخرين، والأقدر على الاحتفاظ بأثر عبورهم. غير أن ثباته المادي لا يعني سكوناً في وعيه؛ إذ تمنحه الكاتبة القدرة على الإصغاء والتعاطف والحنين، بل وإدراك عجزه عن التدخل، لتتجاوز فانتازيا أنسنة الجماد مجرد إضفاء صفات بشرية على شيء، لتؤسس مسافة بين القدرة على إدراك العالم والأمل في تغييره.

يشمل هذا التحوّل الشخصيات التي تبدو جزءاً مستقراً من المكان، فيما تخضع في داخلها لتحوّلات اجتماعية ونفسية متباينة، فالقط العجوز «جاكوار»، الذي ينتقل من حياة القط المنزلي إلى حياة الشارع، لا يواجه تغيراً في شروط معيشته فحسب، وإنما يبدأ في إعادة تشكيل تصوره لذاته وعلاقته بمحيطه، وتبرز في حكايته فكرة الاستقواء بالانتماء إلى «نقابة»، بما تحمله من محاكاة ساخرة لأشكال التنظيم والتضامن، حين تصبح الجماعة وسيلة لتعويض فقدان الأمان الفردي.

لا تبدو هذه الآلية بعيدة عن شخصية الطفل اللقيط الذي يتحوّل إلى أحد أبناء المحطة، ويستعير بدوره لغة الاستقواء، لتقيم الكاتبة بين القط والطفل تناظراً يتجاوز التشابه في الهامشية أو التشرد؛ فكلاهما يتعلم أن البقاء في فضاء مكشوف يقتضي أن يتحوّل الضعف إلى قوة أدائية، تتجلى في اللغة والمظهر وطريقة الحضور.

وفي مقابل هذه التحولات التي تفرضها شروط البقاء، تنفتح المجموعة على تحوّلات أخرى أكثر التصاقاً بالعلاقات العائلية والذاكرة، فحضور شخصية الأم المصابة بألزهايمر يضع علاقة الأمومة والبنوة أمام اختلال بالغ التعقيد؛ ويطرح سؤالاً عن مصير الروابط الإنسانية حين تتراجع قدرة أحد أطرافها على استحضار تاريخها المشترك، كما تفتح علاقة الابن والأب مجالاً لمساءلة الأدوار العائلية، بما تنطوي عليه من اعتماد متبادل، وتوقعات، ومسافات قد تتسع رغم استمرار رابطة القرابة.

تتقاطع هذه العلاقات مع حضور الأنوثة في مراحل عمرية مختلفة، حيث يتكرر من خلال أكثر من شخصية الوعي بقصر المدة التي يسمح فيها المجتمع للمرأة بأن تظل مرغوبة أو مرئية وفق معاييره، وبهذا المعنى لا يكون التحوّل مرتبطاً دائماً بانتقال الشخصية من وضع إلى آخر، بل قد ينشأ من تغير نظرة الآخرين إليها، أو من إدراكها أن الزمن يعيد تحديد موقعها داخل العلاقات الاجتماعية.

 تتجاور داخل المحطة أزمنة متعددة: زمن الساعة وزمن الذاكرة وزمن الانتظار وزمن الشاهد الذي لا يغادر مكانه

زمن نفسي

يؤدي الوقت وظيفة بنائية في تنظيم هذه التحولات، ففي محطة القطارات يصبح الزمن الكرونولوجي جزءاً من نظام المكان، وتستهل الكاتبة عدداً من مشاهدها بتحديد دقيق للوقت: «السابعة والنصف والمحطة تعج بأطياف من البشر بين القادم والمسافر»، غير أن هذا الزمن الخارجي، الذي تضبطه حركة القطارات ومواعيدها، يتقاطع مع أزمنة داخلية لا تخضع لمنطقه. ففي حكاية الحبيبة التي تواصل انتظار حبيبها الغائب، وتحاول أن تشرح له أن مواعيد القطارات تغيرت، تنشأ المفارقة بين زمن موضوعي يمضي ويعيد ترتيب العالم، وزمن نفسي يستبقي علاقة لم تعد تستجيب لتحولاته.

وهنا يتجاوز الانتظار وظيفته بوصفه فعلاً مؤقتاً يسبق الوصول، ليصبح وضعاً وجودياً تستقر فيه الشخصية، حتى حينما يتغير كل ما يحيط بها. وفي المقابل، فإن العمود الذي يقف «منذ الأزل» لا يعيش الزمن بوصفه تعاقباً محايداً للساعات، وإنما من خلال تراكم الحكايات التي يشهدها.

وهكذا تتجاور داخل المحطة أزمنة متعددة: زمن الساعة، وزمن الذاكرة، وزمن الانتظار، وزمن الشاهد الذي لا يغادر مكانه. ولا تقتصر أهمية هذا التعدد على اختلاف خبرات الشخصيات، بل تمتد إلى تشكيل إيقاع السرد نفسه، بين الحركة المتسارعة للمشهد الخارجي والاستبطاء الذي تفرضه الخبرات الفردية.

اللافت أن وحدة الصوت السردي لا تحول دون تمايز أصوات الشخصيات، التي تتكشف عبر الحوارات، وتفضح أحياناً طرائق تفكيرها دون حاجة إلى تدخل تفسيري مباشر، ويبرز هنا صوت شخصية «المتحرش» الذي يجد في ازدحام المحطة ملاذاً آمناً لممارسة انتهاكاته، ويتباهى بأنه يتحرك «بخفة فهد» ليكون دقيقاً وسريعاً ومباغتاً، مستدعياً مفردة «الدوبامين» لوصف اللذة التي يستمدها من أفعاله. لتصبح المحطة التي تمنح بعض شخصياتها فرصة للنجاة أو الاختباء من هشاشتها، هي من توفر للمتحرش غطاءً لممارسة العنف، فالازدحام الذي يجعل الجميع مرئيين لا يجعلهم بالضرورة محميين.

وهذه إحدى المفارقات الاجتماعية التي يتيحها اختيار المكان السردي في المتتالية، فالفضاء المفتوح لا ينتج معنى واحداً للأمان أو الخطر، وإنما تتحدد وظيفته وفق موقع كل شخصية داخله، فهو مأوى للطفل اللقيط، ومجال لإعادة التكيف بالنسبة إلى القط العجوز، ووعد للحبيبة، وغطاء للمتحرش، وبذلك تتجنب المحطة أن تكون مسرحاً محايداً، لتتحوّل إلى بنية اجتماعية مُصغرة تتجاور داخلها علاقات الحماية والافتراس، والانتماء والاستبعاد.


كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»
TT

كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

تفتتح الكاتبة أحلام نواف بارود كتابها «لم نُخلَق للقاع» بإهداء يشرع أمام القارئ أبواب الأمل: «إلى آخر يوم في حياتك، مُصرّح لك بالتجربة والخطأ والتعلّم»، ثم برسالة إلى القارئ تقول: «ارتدِ أجمل ما لديك، وتَعطّر، واقرأ، وتعلّم، واعتنِ بنفسك كل يوم؛ فالمناسبة الحقيقية هي أنك ما زلت حياً».

وتوضح الكاتبة في مقدمة كتابها الصادر عن «الآن ناشرون وموزعون» (2026)، أن نصوصها موجّهة إلى «كل شخص شعر يوماً أنه عالق، أو ضائع، أو متأخر، أو أن الطريق أمامه مغلق»، مؤكدة أن هذه النصوص إن استطاعت أن تغيّر فكرةً واحدةً بداخل القارئ، أو توقظ رغبةَ البدء من جديد في نفسه، فهذا يكفي ليكون الكتاب قد حقّق هدفه.

ويتضمن الكتاب الواقع في نحو 135 صفحة موزعة على 53 فصلاً قصيراً تدور جميعها في فلك فكرة واحدة، يشير إليها العنوان في البدء، وهي أن الوصول إلى القاع لا يعني نهاية الطريق، بقدر ما يمكن أن يتحول إلى محطة عابرة في الحياة. نقرأ في هذا السياق: «القاع لا يأتي دائماً ليهدمك، بل ليعيد بناءك»، وتضيف المؤلفة: «لم نُخلَق للقاع... خُلقنا لنعبره ونتغير خلاله، ثم نخرج منه ونحن بأجمل وأرقى وأعظم وأنجح صورة لنا».

لذا تبدو قائمة عناوين النصوص شبيهةً إلى حد بعيد بخريطة تقود طريق القارئ للخروج من ذلك القاع، وتحثّه على طرح عديد من الأسئلة ذات الأبعاد الوجودية: «لم نُخلَق عبثاً»، و«مداخل الألم»، و«الإنسان»، و«وضوح»، و«إلهام»، و«الأحلام»... ثم يتجه الكتاب إلى مواجهة الخوف عبر: «الخوف... القاتل الصامت»، و«الشجاعة»، و«لا تنظر لنفسك بعين الفشل»، ليأتي فصل: «إجابات معلّقة بين السؤال والوقت» مستحضراً قصصاً من التراث الديني لتأكيد أن الحكمة قد تتأخر عن الحدث.

ويخصص الكتاب مساحة لفهم النفس، فيقسّم الإنسان في فصل «افهم نفسك أولاً» إلى قلب وعقل وروح، وتستعين فيه المؤلفة بكتابَي «لغات الحب الخمس» و«مَن حرّك قطعة الجبن الخاصة بي؟»، يتبعه فصل بعنوان «الضمير»، ثم قائمة عملية بعنوان «21 عادة تزيد ثقتك بنفسك»، وفصل «كن طيباً دون أن يستغلّك أحد».

ويحمل الفهرس ثلاث إشارات بنيوية لافتة، فقد وَسمت الكاتبة ثلاثة فصول بأنها «القلب»، و«العقل»، و«الروح» للكتاب، الأول فصل «القاع (قلب الكتاب)»، والثاني «استرجع عقلك (عقل الكتاب)»، والثالث «علاقتك بالله (روح الكتاب)». وتمثل هذه الأضلاع الثلاثة، حسب الكاتبة، مدخلاً لفهم الإنسان لنفسه، ذلك الفهم الذي لا يكتمل إلا بالموازنة بين هذه الأضلاع الثلاثة.

اعتمدت المؤلفة في نسج نصوصها على عديد من الحكايات التي تصنع أحداثَها شخصياتٌ معروفة، منها قصة أسطورة مايكل جاكسون، وأقراط مورغان فريمان، وقصة صبي ياباني يحمل جسد شقيقه الميت على ظهره... وفي الشأن المعاصر يتناول الكتاب «الثراء الحقيقي»، و«علاقتنا بالمال» مستلهماً كتاب «أغنى رجل في بابل»، ويتوقف عند «التعفن الدماغي» الذي تصفه المؤلفة بأنه حالة يعتاد فيها العقل على المحتوى السريع والسطحي، لتقدم في فصل «استرجع عقلك» خطة من مرحلتين هما: «ترميم الدماغ» ثم «بناء الدماغ» وتشمل التنفس والتأمل والقراءة الورقية والتغذية والنوم.

وتتصل الفصول الأخيرة من الكتاب بموضوعات القيم والأثر من مثل: «قوة النوايا»، و«لماذا تُعَدّ الأخلاق أساس بقاء الأمم والأفراد؟»، و«قوة الاستمرار الهادئ»، و«استمتع بالرحلة... فالوصول لحظة»... وينتهي الكتاب بخاتمة من ثلاثة أسطر تقول الكاتبة فيها: «إنه وقت المتاهة. لقد بدأت متاهتك الآن... انطلق».