2019... سنة هزيمة «داعش»

خسر فيها التنظيم ما بقي من «دولته»... وفقد «رأسه»

ضابطا تحليل جنائي يقومان بتحقيقات قرب جسر «لندن بريدج» في العاصمة البريطانية حيث الحادث الإرهابي بقتل شخصين طعناً بالسكين في نوفمبر 2019 (أ.ف.ب)
ضابطا تحليل جنائي يقومان بتحقيقات قرب جسر «لندن بريدج» في العاصمة البريطانية حيث الحادث الإرهابي بقتل شخصين طعناً بالسكين في نوفمبر 2019 (أ.ف.ب)
TT

2019... سنة هزيمة «داعش»

ضابطا تحليل جنائي يقومان بتحقيقات قرب جسر «لندن بريدج» في العاصمة البريطانية حيث الحادث الإرهابي بقتل شخصين طعناً بالسكين في نوفمبر 2019 (أ.ف.ب)
ضابطا تحليل جنائي يقومان بتحقيقات قرب جسر «لندن بريدج» في العاصمة البريطانية حيث الحادث الإرهابي بقتل شخصين طعناً بالسكين في نوفمبر 2019 (أ.ف.ب)

كانت سنة 2019، بامتياز، سنة هزيمة تنظيم داعش. ففيها خسر هذا التنظيم المتطرف آخر معقل له في بلدة الباغوز بريف دير الزور، شرق سوريا، وفيها أيضاً فقد التنظيم «رأسه»، ورمزه؛ أبو بكر البغدادي، بعملية كوماندوس أميركية في قرية بريشة بريف إدلب، شمال غربي سوريا. مثّل الحدثان، وبينهما شهور قليلة فقط، أبرز دليل على أن التنظيم الذي سيطر في أوج قوته على مساحة تعادل حجم بريطانيا أقام عليها «دولة» تمتد من العراق إلى سوريا، انتهى كلياً أو أنه يوشك على ذلك.
ولكن هل أصبح «داعش» فعلاً شيئاً من الماضي، لا يُذكر سوى بمذابحه وبأنهار الدم التي سفكها، تماماً كما يُذكر اليوم الخمير الحمر وزعيمهم بول بوت في كمبوديا في سبعينات القرن الماضي (1975 - 1979)؟

شكّل يوم 23 مارس (آذار) من هذه السنة يوماً أساسياً في تاريخ «داعش». ففيه انتهى التنظيم «جغرافياً»، بحسب التعبير المستخدم غربياً الذي يؤرخ للنهاية الفعلية لـ«دولة الخلافة» المزعومة التي لم يبقَ منها سوى اسم يشير إلى «دولة» لم يعد لها وجود على الأرض.
قاتل التنظيم حتى الرمق الأخير في الباغوز، تلك البلدة الصغيرة على ضفاف نهر الفرات. احتمى مقاتلوه وأفراد عوائلهم في كهوف ومغاور صخرية، بجانب مخيّم كبير ضم نازحين من مناطق مختلفة. لجأوا إلى هناك بعدما طُردوا من كل معاقلهم السابقة في سوريا، مثل منبج غرب الفرات بشمال سوريا، والرقة، شرق النهر، نزولاً عبر البلدات الممتدة على جانبي حوض الفرات بريف دير الزور والتي كانت لوقت طويل قاعدة أساسية للتنظيم. في نهاية المطاف، لجأ إلى الباغوز مئات المقاتلين الذين رفضوا رفع الراية البيضاء أمام تقدّم «قوات سوريا الديمقراطية»، وهي تحالف كردي - عربي قاد الحملة ضد «داعش» بدعم جوي وبري من قوات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة. في الباغوز قاتل «الدواعش» حتى نفدت ذخيرتهم. عندها فقط خرجوا من مغاورهم مستسلمين.
كان بين مقاتلي الباغوز، بلا شك، بعض أشد الغلاة في «داعش». فقد أصر هؤلاء على ولائهم للتنظيم حتى بعد أن انهارت دولته المزعومة، وتمسكوا بالقتال تحت رايته على رغم الفظاعات التي ارتكبها خلال سنوات حكمه لمناطق واسعة في سوريا والعراق بين عامي 2014 و2019.
ومع انجلاء غبار المعركة تبيّن أن زعيم «داعش»، البغدادي، لم يكن بين مقاتليه الأسرى. هل فر خلال المعركة، أم قبلها أو حتى بعدها؟ التحقيقات التي خضع لها بلا شك عناصر «داعش» في الباغوز ربما كشفت للمحققين، سواء من أكراد «سوريا الديمقراطية» أو من قوات التحالف الدولي: هل كان البغدادي فعلاً مع مقاتليه قبل سقوط الباغوز؟ في أي حال، لم يدُم غياب زعيم «داعش» طويلاً. فقد كان مضطراً أن يخاطب مؤيديه ويطمئنهم إلى أن المعركة مستمرة، حتى ولو لم يعد لدولتهم أي وجود ملموس على الأرض.

البغدادي ـ بن لادن
وهكذا، في 29 أبريل (نيسان)، وعبر شريط فيديو نادر، ظهر البغدادي مفترشاً الأرض وبجانبه رشاش، ومحاطاً بمجموعة من قادته وهم يعرضون عليه ملفات يحمل كل منها اسم «ولاية» من الولايات التي بايعت «داعش»... من تركيا، إلى اليمن وليبيا، مروراً بالقوقاز والصومال وخراسان وغيرها من «الولايات» التي أراد البغدادي أن يُظهرها ليؤكد أن «دولته» لم تنتهِ، بل هي «باقية وتتمدد»، بحسب الشعار الذي دأب «داعش» على تكراره.
أعاد هذا المشهد، في الواقع، التذكير بسلسلة أحداث حصلت قبل قرابة عقدين من الزمن، ولكن في مكان آخر ومع تنظيم مختلف خرج «داعش» من رحمه. ففي ديسمبر (كانون الأول) 2001، كان تنظيم «القاعدة» يلفظ أنفاسه الأخيرة، أو هكذا ساد الاعتقاد آنذاك. استسلم مقاتلوه أمام القوات الخاصة الأميركية وقوات أفغانية في جبال تورا بورا، شرق أفغانستان. قاتلوا حتى الرمق الأخير أيضاً. ظهروا أمام مغاورهم المحفورة في الصخور وغبار القصف الأميركي يغطيهم. كان زعيمهم أسامة بن لادن بينهم، لكنه نجح في الفرار أمام تقدم القوات الخاصة الأميركية واختفى في مناطق الحدود الأفغانية - الباكستانية. لم يظهر سوى عبر أشرطة فيديو. كان يفترش الأرض وبجانبه رشاشه، متحدثاً عن توسع «القاعدة» بدل انحسارها. كانت جماعته تتوسع فعلاً من خلال جماعات تبايعها وتفتتح فروعاً باسمها في مناطق مختلفة حول العالم. وهكذا ظهرت «القاعدة» عبر «وكلاء معتمدين»، مثل «بلاد الرافدين» (أبو مصعب الزرقاوي) و«المغرب الإسلامي» (أبو مصعب عبد الودود) و«جزيرة العرب» (ناصر الوحيشي)، بالإضافة إلى فروع أخرى أصغر وأقل نفوذاً.
ظل بن لادن يقض مضاجع الأميركيين لسنوات عبر أشرطته المصوّرة والمسموعة، إلى أن تمكنوا من الوصول إليه في مخبئه بأبوت آباد الباكستانية حيث قتله فريق كوماندوس أميركي في الأول من مايو (أيار) 2011، ورموا بجثته في البحر.
بدا البغدادي، من خلال شريطه المصوّر ومن خلال شريط سمعي آخر وُزّع في 16 سبتمبر (أيلول)، كأنه يحاول تكرار تجربة أسامة بن لادن، من خلال إثبات أن «دولة» تنظيمه «باقية وتتمدد»، رغم هزيمتها في سوريا والعراق، وذلك من خلال فروع «داعش» المختلفة حول العالم، أو من خلال «جنوده» الذين ينفذون هجمات، بأي «سلاح» يمكنهم أن يحوزوا عليه، سواء كان ذلك سكين مطبخ أو شاحنة، وذلك ضمن إطار ما بات يُعرف بعمليات «الذئاب المنفردة». لكن زعيم «داعش» لم تُتَح له فرصة الوقت الطويل التي أتيحت لزعيم «القاعدة». ففي حين لم يتمكن الأميركيون من الوصول إلى بن لادن سوى بعد 10 سنوات من فراره من تورا بورا، فإنهم احتاجوا هذه المرة إلى بضعة شهور فقط للوصول إلى البغدادي بعد انتهاء معركة الباغوز.
في 26 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، أنزلت طائرات مروحية جنوداً من القوات الخاصة الأميركية (قوات دلتا) في قرية بريشة بريف إدلب، على بعد كيلومترات معدودة من الحدود التركية. وكما حصل في أبوت آباد، تمكن الجنود الأميركيون بسرعة من الوصول إلى البغدادي الذي فر، بحسب ما تقول الرواية الأميركية الرسمية، في نفق محفور أسفل مخبئه. لاحقه كلب مدرّب داخل النفق، فما كان منه سوى أن فجّر نفسه (مع اثنين من أطفاله). انتشل الأميركيون أشلاءه ودفنوها في البحر، ثم قصفوا المنزل ومحوه من الخريطة. تزامن إنهاء الأميركيين «أسطورة البغدادي» مع نجاحهم في قتل مساعده الأبرز الناطق باسم تنظيمه «أبو حسن المهاجر» (بريف حلب الشمالي)، ومع إعلان تركيا أنها اعتقلت أفراداً من أسرته في مناطق تقع تحت نفوذها في سوريا وحتى داخل تركيا نفسها.
بعد أيام من مقتل البغدادي، سمّى «داعش» زعيماً جديداً له تحت اسم «أبو إبراهيم الهاشمي القرشي»، في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) 2019. قد يكون من المبكر الآن الحكم على «أبو إبراهيم»، نجاحاً أو فشلاً، كونه لم يتولَّ قيادة «داعش» سوى قبل أسابيع، علماً بأنه ورث تنظيماً منهكاً لم يعد له وجود ملموس سوى في مناطق نائية موزعة على أنقاض «الدولة» التي أقام عليها «خلافته» المزعومة عام 2014، في كل من العراق وسوريا.
تمرد منخفض الوتيرة

يقول العقيد مايلز كاغينز، الناطق باسم قوات التحالف لهزيمة «داعش»، إن وجود هذا التنظيم بات اليوم محصوراً في مناطق جبلية أو صحراوية نائية في كل من العراق وسوريا. ويوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن تقديرات التحالف تضع عناصر «داعش» حالياً بحدود «بضعة آلاف» يتوزعون بين سوريا والعراق، وينتشرون على وجه الخصوص في «سلسلة كهوف ومغاور» بمناطق جبلية نائية أو صحراوية. ويشرح أن هؤلاء يقومون حالياً بعمليات ضمن ما يُطلق عليه وصف «التمرد منخفض الوتيرة» (low level insurgency) وذلك عبر قوس يمتد من غرب العراق عبر صحراء الأنبار إلى الأطراف الجنوبية لمحافظة نينوى بشمال البلاد، مروراً بمناطق جبلية متفرقة في محافظات مثل صلاح الدين وديالى. ويلفت إلى أن للتنظيم أيضاً وجوداً في مناطق تقع مباشرة إلى الشمال من العاصمة بغداد، مثل سامراء (التي يتحدر منها زعيم «داعش» السابق أبو بكر البغدادي). أما في سوريا، فيشير العقيد كاغينز إلى أن «داعش» ما زال منتشراً في البادية السورية مترامية الأطراف، من جنوب البلاد إلى شرقها.
وفي تقدير الناطق باسم التحالف، فإن «التمرد منخفض الوتيرة» لا يشكّل تهديداً يمكن مقارنته بذلك الذي مثّله التنظيم لدى صعوده الصاروخي في أواخر عام 2013 ومنتصف عام 2014، عندما تساقطت المدن السورية والعراقية في أيديه كأوراق الخريف، بدءاً بالرقة وانتهاء بالموصل، وكلتاهما تحوّلت لاحقاً إلى عاصمة فعلية لـ«الدولة» التي أقامها «داعش». ويقول كاغينز، في هذا الإطار، إن عمليات «داعش» حالياً تقوم أساساً على شن هجمات بأعداد صغيرة، أو القيام باغتيالات لمسؤولين محليين أو عناصر من قوات الأمن، أو زرع عبوات ناسفة، أو فرض إتاوات على السكان، ومحاولة ترهيبهم. ويضيف أن التنظيم لم يعد يملك الآليات العسكرية التي وقعت في أيديه في عام 2014 وساعدته في إلحاق الهزيمة بالقوات العراقية. ويلفت أيضاً إلى أن القوات الأمنية العراقية التي أعيد بناؤها بعد انهيارها في الموصل وتكريت عام 2014، باتت أقوى بكثير مما كانت عليه في السابق، كما أنها باتت اليوم «تأخذ زمام المبادرة» في ملاحقة خلايا «داعش» في أنحاء العراق. كما أن «قوات سوريا الديمقراطية» (100 ألف مقاتل تقريباً) باتت هي الأخرى قوة يُحسب لها الحساب بعد الدعم الذي تلقته على مدى السنوات الماضية من التحالف الدولي، وكذلك نتيجة خبرتها الميدانية في الحرب ضد التنظيم (تكبد هذا التحالف العربي - الكردي قرابة 10 آلاف قتيل ضد «داعش»).

نسخة ثانية من «داعش»
وفي مقابل الثقة التي يبديها العقيد كاغينز، ثمة مخاوف لا يمكن تجاهلها من عودة «داعش» بنسخة جديدة نتيجة الأوضاع المستجدة في سوريا والعراق. ففي الأولى، أدى تدخل عسكري تركي إلى طرد «قوات سوريا الديمقراطية» من شريط حدودي يمتد من رأس العين إلى تل أبيض في شمال شرقي البلاد، وإلى عودة القوات النظامية السورية إلى أجزاء واسعة من أرياف الحسكة والرقة وحلب للحلول محل «قوات سوريا الديمقراطية». وأدى إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في أكتوبر (تشرين الأول)، نيته سحب القوات الأميركية من سوريا وعدم تدخله لمنع القوات التركية من التدخل عسكرياً لإقامة ما تصفه أنقرة بـ«المنطقة الآمنة» في شمال شرقي سوريا، إلى زعزعة ثقة الأكراد السوريين بحلفائهم الأميركيين. وتراجع ترمب لاحقاً، كما يبدو، بإعلان إبقاء قوات أميركية لحماية آبار النفط في شرق سوريا ومنع وقوعها في أيدي «داعش» أو قوات حكومة دمشق. أما في العراق، فتبدو الصورة أيضاً ملبدة، في ظل احتجاجات شعبية دامية ضد الحكومة العراقية، وفي ظل توتر على الأرض بين القوات الأميركية وميليشيات متحالفة مع إيران تلجأ بين الحين والآخر إلى توجيه «رسائل صاروخية» إلى قواعد عسكرية عراقية ينتشر فيها الأميركيون.
لكن العقيد كاغينز يقلل من خطورة هذه الصورة. إذ يلفت إلى أن الاحتجاجات الشعبية في العراق لا تشمل المناطق التي تنتشر فيها القواعد الأميركية كونها تتركز أساساً في الجنوب (بالإضافة إلى بغداد بالطبع). ويشير إلى أن الصواريخ التي تُطلق على قواعد انتشار التحالف تؤثر سلباً على دوره، بمعنى أنها تدفعه إلى التركيز على حماية عناصره بدل التركيز أكثر على التنسيق مع القوات العراقية في ملاحقة عناصر «داعش». أما في سوريا، فيقول العقيد الأميركي إن قوات التحالف تنتشر إلى جانب «قوات سوريا الديمقراطية» حول آبار النفط في شرق البلاد، كما أنها تنتشر في قاعدة التنف التي وصفها بأنها «استراتيجية» في عمق البادية السورية، إلى جانب فصيل «مغاوير الثورة» المعارض للنظام.

فروع «داعش»
وإذا كانت الصورة التي يقدمها التحالف صحيحة، فإن «داعش» لا يبدو في وضع يسمح له بتشكيل تهديد جدي في سوريا أو العراق. والظاهر أن انكماش التنظيم ليس ظاهرة محصورة في هذين البلدين، بل يشمل أيضاً فروعه حول العالم. ففي اليمن، حيث حاول «داعش» أن يوسع نفوذه مستغلاً الفوضى التي يعيشها هذا البلاد، نجحت قوة سعودية خاصة، بالتعاون مع قوات يمنية، في اعتقال رأس التنظيم «أبو أسامة المهاجر» خلال عملية ضد مخبئه في يونيو (حزيران) الماضي. ومنذ ذلك الوقت، شهد نشاط «داعش اليمن» انحساراً ملحوظاً، لكنه لم ينتهِ بالطبع. أما في خراسان التي راهن «داعش» على جعلها قاعدة أساسية له، فقد ظهرت مؤشرات إلى تراجع كبير لنشاطه فيها، وتحديداً أفغانستان، مع نهايات سنة 2019. ففي نوفمبر (تشرين الثاني)، أعلنت الحكومة الأفغانية أن فرع «داعش» الأفغاني «هُزم في ننغرهار» معقل التنظيم الأساسي بشرق البلاد. وتنسحب هذه الصورة بدورها على وضع فروع «داعشية» أخرى حول العالم. ففي ليبيا، تعرض «داعش» لسلسلة ضربات جوية شنتها طائرات أميركية على مخابئه في جنوب البلاد، حيث انكفأ منذ طرده من معقله الأساسي في سرت الساحلية عام 2016. وفي سيناء المصرية، تراجع نشاط فرع «داعش» المحلي تراجعاً كبيراً في ضوء عملية واسعة شنتها قوات الأمن المصرية منذ أكثر من سنة، وأدت إلى مقتل مئات من عناصر التنظيم وطرده من معاقله الأساسية. ولا يعني هذا التراجع في نشاط فروع «داعش» أن خطرها قد انتهى، علماً بأنها جميعها قد بايعت مجدداً خليفة البغدادي، أبو إبراهيم، بل إن بعضها أظهر إصراراً على رفع وتيرة عملياته، كما ظهر من خلال هجمات فرع «داعش» في منطقة الساحل الأفريقي، ومن خلال هجمات «الذئاب المنفردة» لمناصري التنظيم حول العالم التي شهدت بدورها تصعيداً لافتاً بدا كأنه رد على مقتل البغدادي.
ومع انتهاء سنة وبداية أخرى، سيظل «داعش» بلا شك يمثل تهديداً عالمياً، رغم «اختفاء دولته» في سوريا والعراق، وانحسار نشاط فروعه حول العالم. هل يموت «داعش» بموت أبو بكر البغدادي، أم يعيد أبو إبراهيم القرشي إحياءه؟ ستظهر ملامح هذا الجواب على الأرجح خلال 2020. وهي على الأبواب.


مقالات ذات صلة

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

حصاد الأسبوع في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان

«الشرق الأوسط» (برلين (ألمانيا))
حصاد الأسبوع تظاهرة احتجاجية في تونس العاصمة (آ ف ب)

مشهد سياسي جديد في تونس... وهوّة آخذة في الاتّساع

بعد 15 سنة من اندلاع الثورة التونسية وسقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي، تمرّ تونس بـ«مرحلة مفصلية جديدة»، لا تقلّ تعقيداً عن تلك التي عرفتها إبان مرحلة

كمال بن يونس (تونس)
حصاد الأسبوع ترمب (آ ف ب/غيتي)

ترمب يعيد العلاقات مع العراق إلى المربّع الأول

سواءً بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب أو لمبعوثه إلى العراق مارك سافايا، تتجه علاقة الولايات المتحدة مع العراق إلى الحد الأقصى من الضغط على طبقته السياسية،

حمزة مصطفى (بغداد)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.