من شارل بوفاري إلى طاهر باشا

في رثاء «الذكورة المغدورة»

TT

من شارل بوفاري إلى طاهر باشا

«أنت امرأة ضالة» صيحة طاهر باشا (زكي رستم) في فيلم «نهر الحب»، واحدة من أشهر الجمل التي اندفعت من الشاشة الفضية إلى الشارع. ولم تزل هذه الجملة ومقتبسات أخرى من الفيلم ذاته حية إلى اليوم، يرددها مستخدمو تطبيقات التواصل الاجتماعي، ومنتديات النساء بشكل خاص، للسخرية من نموذج الذكر البغيض، وانتصاراً لحب مستحق، من خلال الاستنجاد بقوة التعاطف مع نوال.
عندما أُطلق هذا الفيلم عام 1960 انقسم المجتمع، بين أغلبية تتعاطف مع العاشقين نوال وخالد (فاتن حمامة وعمر الشريف)، وتحتقر الباشا الزوج، وقلة من المتزمتين اجتماعياً رأت في الفيلم حضاً على الرذيلة وتمجيداً للخيانة.
هذه القسمة قائمة حتى اليوم، وهي لا تعكس انفتاحاً وإيماناً بالحب في المجتمع المصري والعربي بقدر ما تعني أن عز الدين ذو الفقار (السيناريست والمخرج في الوقت ذاته) قد أحسن الدفاع عن المرأة العاشقة، وقد جعل من نفسه محاميها لا قاضي التحقيق.
كانت فاتن حمامة محظوظة بوقوفها بين عاشقين أحدهما خلف الكاميرا والآخر أمامها. وربما قلة من المعجبين والمنزعجين من الفيلم توقفت أمام الإشارة إلى الأصل الأدبي، رواية «آنا كارنينا» التي استند إليه صانع الفيلم. وأقل من هذه القلة من حاولوا قراءة الرواية، التي تقدم لوحة اجتماعية ضخمة لروسيا، وتطرح العديد من القضايا الفكرية والأخلاقية في وقت عانت فيه روسيا من أزمة أصابت أعلى وأدنى الطبقات الاجتماعية جراء إصلاح نظام القنانة، حيث تدهور الأغنياء، بينما لم يتحسن وضع المعدمين. ولو اكتفت الرواية بقصة عشق «آنا» لكانت نسخة أخرى عن رواية غوستاف فلوبير «مدام بوفاري». لكن الفيلم اكتفى من الرواية باقتباس حبكة مثلث العشق الشهير (الزوجة والزوج والعشيق) مع تمصير الشخصيات.
كتب تولستوي روايته قبل نحو 90 عاماً من الفيلم المصري، وكما تروي زوجته صوفيا في مذكراتها، فقد أسرَّ إليها برغبته في كتابة رواية تصور حياة امرأة من الطبقة الأرستقراطية ضلت طريقها، وأن مهمته تنحصر في تصويرها على أنها جديرة بالعطف وليست مذنبة. وقد برَّ تولستوي بوعده، طبقاً لما يعرفه كاتب كبير عن طبيعة النفس البشرية (الطبيعة الوسط بين طبيعة الملائكة وطبيعة الشياطين)، فلم يجعل «آنا» بالتسطيح الملائكي الذي بلغته «نوال»، الذي يصب في فكرة احتشام وعفة النجمة فاتن حمامة فيلماً بعد آخر، مثلما كان مرض عبد الحليم حافظ ويُتمه في أفلامه يصبان في صالح نجوميته!
لم يكن زوج آنا (ألكسي ألكسندروفتش كارنينا) الأسنَّ منها في مثل بشاعة طاهر باشا، الذي جعله الفيلم الشخص المثالي لكي يخان. كان ألكسي متشدداً في الطلاق فحسب، وهو ليس الشخص الوحيد المخان في رواية ضخمة تبدأ بمشكلة خيانة ستيفان أركاديفتش (شقيق آنا) لزوجته. ولم يقدم تولستوي أسطورة الحب الأبدي، لأن الضابط فرونسكي سئم في النهاية مزاج آنا الكئيب بسبب بُعدها عن ابنها.
استخدم ذو الفقار كل الحيل الدفاعية التي تجعل العاشقين بمنأى عن الكراهية، بادئاً «الفيلم - المرافعة» بتعليق سردي شاعري يحكي الأسطورة الفرعونية، التي تعتبر النيل نهراً للحب، لأنه في الأصل دموع إيزيس حزناً على أوزوريس، وحافظ على تذكيرنا بنهر الحب حتى كان الختام بدعوة البشر إلى أن يفتحوا في قلوبهم نهراً للحب إن أرادوا للحياة أن تستمر. واختار ذو الفقار للعاشقين واحداً من أعلى المبادئ الدينية والإنسانية: «الفداء» فجعل نوال تفتدي شقيقها في البداية وخالد يفتدي فلسطين في النهاية.
وجدت نوال نفسها في مأزق قبلت فيه زواجاً بالإكراه (إما أن يتزوجها الباشا أو يسجن شقيقها المختلس)، وعندما وقعت في حب الضابط عمر الشريف، كان رد فعل الباشا هو القلق على مستقبله السياسي، وليس الغيرة الإنسانية، وقال لها بوضوح إنه لم يكن يمانع لو أقامت علاقة سرية بدلاً من شبهة حب بريء علنية. ولم تأخذ نوال خطوة الإصرار على الطلاق إلا تحت تأثير احتياج خالد لها بعد إصابته في سباق الخيل. وعندما رافقته في رحلة الاستشفاء بلبنان أقاما في غرفتين منفصلتين، ولم يتبادلا إلا القبلات. والقبلات لمريض أمر يتسامح معه المجتمع، ويمكن أن تمنحه - حتى - ممرضة غريبة.
وسامة الضابط عمر الشريف، مثل وسامة الضابط فرونسكي، تُرجِّح كفة الحبيب في مقابل الزوج المسن في الحالتين، لكن ضابط الفيلم ليس سوى ملاك مثير يحب بلا سأم.
بتأثير أسطورة الحب الخالد، أو نظراً للطبيعة السياسية للمرحلة، لم يضع ذو الفقار ضابطه في امتحان الصبر على حبيبته عندما تصاعد حنينها إلى ابنها، فأرسله إلى حرب 1948، وجعله شهيداً بإصراره على تنفيذ عمل فدائي. بالمقابل كانت الرغبة في تشويه رجال العهد الملكي حافزاً لإلصاق كل سلوك خسيس بطاهر باشا: زواج قسري، ثقل دم، شره، دهاء، تجسس على العاشقين، وعدم الوفاء بوعد الطلاق.
لم يكن طاهر مقبولاً ولا طاهراً من البداية للنهاية، بينما كانت كل الوسائل في خدمة نبل نوال، من تضحيتها وصبرها ورقة صوتها إلى الملابس والديكور: فساتينها بيضاء، سريرها أبيض، وسادتها بيضاء، والورد أبيض. لا يتعدى زمن ظهورها في فستان أسود أو رمادي الدقائق الخمس طوال الفيلم.
الألم الذي عاش في ضمير المشاهدين منذ 1960 إلى اليوم يتعلق بنوال ومصيرها، والغريب هو أن ملحمة تولستوي الكبرى تتلخص عند أغلب القراء في ألم آنا ومصيرها. ربما كان وضع اسم البطلة عنواناً للرواية سبباً في هذا التبسيط؟
قبل «آنا كارنينا» بأكثر من عقد ونصف العقد، كان غوستاف فلوبير قد نشر روايته «مدام بوفاري»، سبق تولستوي إلى وضع اسم المرأة عنواناً لروايته، وفيها عقدة مثلث العشق، وقد تمادى جوستاف فلوبير في تصوير مشاهد الحب، كما تمادى في العطف على بطلته، وتبنى أشواق حبها عندما قال: «أنا إيما بوفاري».
تختلف شخصية إيما عن شخصية آنا، ومستنسخها المصري «نوال»، فلم تكن المرأة الفرنسية ضجرة من خمول وتقليدية زوجها فحسب، لكنها شخصية قلقة بالأساس؛ تكره كل رتابة، وتحب المغامرة والتغيير، وربما لو كانت مع رجل أفضل لتخلت عنه كذلك.
لم تخطفها وسامة مزلزلة. راقصت شاباً من الطبقة الراقية في مصادفة واحدة لم تتكرر. تلك المصادفة الاستثنائية التي يعبرها الكثير من الناس بأمان لم تعبرها آنا، إذ عمَّقت الهوة التي تفصلها عن شارل، ووقعت في الحب مرتين، دون أن يكون لأي من عاشقيها المتتابعين (ليون ورودلف) وسامة فرونسكي أو عمر الشريف.
كذلك يختلف شارل بوفاري (زوج إيما) عن ألكسي ألكسندروفتش كارنينا (زوج آنا) وعن طاهر باشا (زوج نوال). شارل يحب زوجته ذلك الحب الأسطوري الخالد والأعمى. لم ينتقد ولعها بالإنفاق ولم يتذمر من ديونها، وظل يحبها بعد موتها، حتى عندما عثر على رسائلها الغرامية لم يكرهها، بل أحس بالشفقة تجاهها، وخرج يبحث عن قبر أجمل ينقل إليه جثمانها، وأراد أن يكتب فوق شاهده: «هنا ترقد امرأة عاشقة». كان أحب على قلبه أن تعيش، وأن يغفر لها ألف مرة دون مصلحة مادية يجنيها من التواطؤ الذي عرض طاهر مثله على نوال.
عشق لا محدود ولا مشروط، وإيمان بأن وجوده معها في بيت واحد هو حظه الحسن من الدنيا، ولديه إحساس عميق بأنه لا يستحقها، وتكفيه بهجة رؤيتها كلما عاد من جولاته على مرضاه. كان ذنبه الذي لا يُغتفر أنه اعتبرها تحفة لا امرأة، ولم يعرف كيف يكون الشخص الذي يعجبها، والذي يحب بالطريقة التي ترضيها.
ولم تشعر إيما بأي شفقة تجاه ذلك الحب الأبكم، ولم ينل شارل شيئاً من تعاطف القراء، حتى المتزمتين منهم الذين أثاروا عاصفة ضد الرواية، وحتى ممثل النيابة الذي اتهم الكاتب بالحض على الفجور كانت عينه على المرأة، وليس على الرجل، الذي يستحق نظرة عطف بوصفه بطلاً تراجيدياً، أحب دون أن يتكلم، وانهزم لأنه لم يفهم ضرورة الحرب للحب.
بوسعنا أن نرى في آنا كارنينا ونسختها غير البشرية «نوال» طرفاً أضعف، والحس الإنساني ينتصر للأضعف، لكن إيما بوفاري لم تكن ضعيفة، ولم تبذل جهداً في ردم الهوة التي تفصلها عن شارل، وإن فشلت في جعله يحب القراءة كان بوسعها على الأقل أن تختار له ملابسه، ولم يكن ليمانع!
إيما والكاتب والقراء تعاملوا مع الهوة الفاصلة بين الزوجين، وكأنها قدر لا يمكن تخطيه، ولا بد من التفكير بدوافع الحسد لرجل نال امرأة لا يستحقها عندما نفكر بالإهمال الذي يلقاه شارل بوفاري إلى اليوم.
يبدو أن الإبداع يكشف ما لا تكشفه نظريات الجندر، وما لا تعترف به المناضلات النسويات؛ حيث يبدي الذكور ميلاً للوقوف بصف المرأة أكثر من تشيعهم للرجل، سواء كان هذا الوقوف عن وعي وإيمان بقضية المرأة أو برغبة في مناهضة السلطة كامنة في اللاوعي.



بافيت: علاقة غيتس بإبستين «مقززة»... لكنها ليست السبب بتغيير قراراتي الخيرية

وارن بافيت (أ.ب)
وارن بافيت (أ.ب)
TT

بافيت: علاقة غيتس بإبستين «مقززة»... لكنها ليست السبب بتغيير قراراتي الخيرية

وارن بافيت (أ.ب)
وارن بافيت (أ.ب)

أعلن الملياردير الأميركي وارن بافيت، اليوم الأربعاء، أن قراره استبعاد مؤسسة بيل غيتس من تبرعاته الخيرية يعود أساساً إلى قناعته بأن أبناءه الثلاثة أصبحوا جاهزين لتولي مسؤولية كيفية توزيع ثروته بالكامل، وليس بسبب علاقة بيل غيتس بالمدان في قضايا الاعتداء الجنسي جيفري إبستين.

وأضاف المستثمر البالغ من العمر 95 عاماً، في مقابلة مع قناة «سي إن بي سي»، أن علاقة غيتس بإبستين «مقززة»، لكن أشار إلى أن تصرفات غيتس لا تختلف كثيراً عن الأخطاء التي ارتكبها هو نفسه على مر السنين في توظيف الشخص الخطأ أو في اختيار الأصدقاء.

بيل غيتس ووارن بافيت (أرشيفية - أ.ب)

وأوضح بافيت: «لا أحد ينجح بنسبة 100 في المائة عندما يتعلق الأمر باختيار الأشخاص».

وذكر أن غيتس لم يتفاجأ بالقرار الذي أعلنه أمس الثلاثاء بالتبرع بما تبقى من أسهمه في شركة «بيركشاير هاثاواي» والتي تقدر قيمتها بنحو 140 مليار دولار لمؤسسات تابعة لعائلته وأبنائه الثلاثة: هوارد، وسوزي، وبيتر.

وكان غيتس أعلن أنه التقى إبستين فقط لاعتقاده بأن ذلك قد يساعده في جمع التبرعات للأعمال الخيرية، وأنه لم يكن على علم بالجرائم التي كان إبستين يرتكبها في ذلك الوقت.

وسبق أن أعلن بافيت في عام 2024 أنه يعتزم وقف التبرعات لمؤسسة غيتس بعد وفاته، على أن يتولى أبناؤه الثلاثة مسؤولية تحديد كيفية توزيع ما تبقى من ثروته.


8 أفكار قد تسرق منك حياتك

البحث عن اليقين يؤدي إلى تأجيل القرارات وضياع الفرص والوقوع في دوامة التفكير المفرط (بيكسلز)
البحث عن اليقين يؤدي إلى تأجيل القرارات وضياع الفرص والوقوع في دوامة التفكير المفرط (بيكسلز)
TT

8 أفكار قد تسرق منك حياتك

البحث عن اليقين يؤدي إلى تأجيل القرارات وضياع الفرص والوقوع في دوامة التفكير المفرط (بيكسلز)
البحث عن اليقين يؤدي إلى تأجيل القرارات وضياع الفرص والوقوع في دوامة التفكير المفرط (بيكسلز)

يجد الإنسان نفسه في كثير من الأحيان عالقاً داخل دائرة من الأفكار المتكررة، التي قد تؤدي إلى الإصابة بالإرهاق الذهني والقلق المستمريْن، حيث تسيطر المخاوف والاحتمالات السلبية على عقل الشخص وتوجه طريقة تفكيره.

وتُعرف هذه الحالة بفرط التفكير، وقد تؤثر على التركيز، والمزاج، وحتى جودة النوم والحياة اليومية بشكل عام، ونتخيل التفكير المفرط عادة كعقلٍ مُفرط النشاط مليء بأسوأ السيناريوهات. وقد يكون الأمر كذلك بالفعل. ولكن في كثير من الأحيان، يتخفى التفكير المفرط وراء قناعٍ أكثر وداً. وغالباً ما يظهر بمظهر الحذر والمسؤولية، وكأنه محاولة لاتخاذ القرار «الصحيح»، وفق الدكتور جيفري بيرنشتاين، المختص في علم النفس ومؤلف لسبعة كتب شهيرة في هذا المجال.

يقول بيرنشتاين في مقال له نشر، الثلاثاء، على موقع «سيكولوجي توداي»، فكّر في كم من هذه الأفكار يبدو مألوفاً لديك؟

وينصح بأن نقرأ هذه الأفكار، وأن نحاول معرفة كم من هذه الأفكار تُسيطر عليك وتؤثر عليك للدرجة التي تجعلها قد تُفوّت عليك فرصاً قيّمة قد لا تعوض مرة أخرى. يستعرض بيرنشتاين بعضاً من هذه الأفكار التي تتردد داخل عقولنا في صورة عبارات أو أسئلة أثيرة من نوع:

«ماذا لو فشلت؟»، «أنا لست مستعداً»، «ماذا لو حكم عليّ الناس؟»، «أحتاج أن أكون متأكداً بنسبة 100 في المائة»، «ماذا لو خيّبتُ آمالهم؟»، «ماذا لو ندمتُ على هذا القرار؟»، «ماذا لو كان هناك خيار أفضل؟»، وأخيراً: «هل يجب أن أفكر في هذا الأمر لفترة أطول؟».

فخ الأمان الزائف

يقول بيرنشتاين: «لا تفهم كلامي على أنه دعوة للاندفاع في الحياة بتهور. كلا، أنا لا أقول إن أياً من الأفكار المذكورة أعلاه (سيئة). فلكل منها قيمة في السياق المناسب. ولكن تكمن المشكلة عندما تصبح هذه الأفكار مسارات تفكير تلقائية بدلاً من كونها مجرد أفكار عابرة».

ويوضح أن الكثيرين يعتقدون، دون وعي، أنهم إذا فكروا ملياً، أو استعدوا جيداً، أو حللوا بدقة كافية، فسوف يتخلصون من الشك. لكننا نعلم جميعاً أن الحياة لا تقدم ضمانات.

ويتابع: «لا يمكن لأي قدر من التفكير أن يضمن نتيجة مثالية، أو موافقة الجميع، أو اتخاذ قرارات خالية من الأخطاء. في الواقع، بناءً على خبرتي التي تمتد لخمسة وثلاثين عاماً بصفتي أخصائياً نفسياً، رأيت من خلال عيون عملائي أن البحث عن اليقين يؤدي إلى تأجيل القرارات، وضياع الفرص، والبقاء عالقاً لفترة طويلة بعد فوات الأوان للمضي قدماً».

ثمن التفكير المفرط

ويطالب بيرنشتاين بالرجوع إلى قائمة الأفكار التي قدمها، وأن نتذكر جيداً «أن لكل فكرة متكررة من أفكار التفكير المفرط ثمنٌ خفي»، مشدداً على أن للأمر عواقب عاطفية وسلوكية وخيمة نتيجة للأفكار المتضاربة، وموضحاً أن عبارة «ماذا لو فشلت؟» قد تمنعك من المحاولة. وعبارة «ماذا لو حكم عليّ الناس؟» تُبقيك صامتاً. وعبارة «ماذا لو خيبت أمل أحدهم؟» قد تُوقعك في فخ إرضاء الآخرين. ومع مرور الوقت، ستسرق هذه الأفكار حياتك إن سمحت لها بذلك.

ولكنه يستطرد بأن الخبر السار في الأمر هو أن إحدى الاستراتيجيات المفيدة هنا، هي تعلم ملاحظة الأفكار بدلاً من الانقياد لها تلقائياً. لذا، بدلاً من الجدال مع فكرة ثقيلة وسلبية ومُثقلة بالقلق، حاول تصنيفها.

ويضيف: يمكنك أن تقول: «ها هي فكرة (ماذا لو فشلت؟)» أو «ها هي فكرة (أحتاج أن أكون متأكداً بنسبة 100 في المائة)». هذا يخلق مسافة ثمينة بينك وبين هذه الأنواع من الأفكار، مشدداً على أن الأهم من ذلك، أن تتوقف عن التعامل مع كل فكرة كأنها أمرٍ مُلزم، وتبدأ في النظر إليها كأنها نشاط ذهني قد يستحق أو لا يستحق انتباهك الكامل.


ترند يشجع النساء على «الأنانية»... ويربط الضغط النفسي بالأمراض المناعية

«كوني أنانية... أو ستصابين بمرض مناعي ذاتي» (بكسلز)
«كوني أنانية... أو ستصابين بمرض مناعي ذاتي» (بكسلز)
TT

ترند يشجع النساء على «الأنانية»... ويربط الضغط النفسي بالأمراض المناعية

«كوني أنانية... أو ستصابين بمرض مناعي ذاتي» (بكسلز)
«كوني أنانية... أو ستصابين بمرض مناعي ذاتي» (بكسلز)

انتشر على منصات التواصل الاجتماعي شعار مثير للجدل يدعو النساء إلى التوقف عن التضحية الدائمة بأنفسهن، مستخدماً عبارة صادمة مفادها: «توقفي عن إرضاء الآخرين... أو ستصابين بمرض مناعي ذاتي» أو «كوني أنانية... أو ستصابين بمرض مناعي ذاتي».

ويستند أصحاب هذا الطرح إلى فكرة أن الإفراط في إرضاء الآخرين يسبب ضغوطاً نفسية مزمنة قد تؤثر سلباً في الجسم على المدى الطويل. وذهب بعض المستخدمين إلى حد الادعاء بأن السعي الدائم إلى إرضاء الآخرين هو السبب الرئيس وراء إصابة النساء بأمراض المناعة الذاتية.

ويشير هؤلاء إلى حقيقة علمية معروفة، وهي أن نحو 80 في المائة من المصابين بأمراض المناعة الذاتية من النساء، وهي ظاهرة لا تزال تحيّر العلماء منذ سنوات، وفق تقرير نشره موقع «أفريداي هيلث».

وفي المقابل، تشجع بعض النساء على إعطاء الأولوية لاحتياجاتهن الشخصية، وعدم الشعور بالذنب عند الدفاع عن حقوقهن، أو رفض ما يرهقهن، بل إن بعضهن يربطن بين هذا التغيير وتحسن بعض المشكلات الصحية، مثل الإكزيما.

لكن الأطباء يؤكدون أن العلاقة بين التوتر المزمن وأمراض المناعة الذاتية أكثر تعقيداً بكثير مما تروج له هذه المنشورات.

لماذا انتشرت هذه الفكرة؟

يصعب تحديد مصدر هذا الاتجاه، لكنه يعكس استياء كثير من النساء من الضغوط الاجتماعية التي تدفعهن إلى التحلي باللطف الدائم، وتقديم احتياجات الآخرين على احتياجاتهن الشخصية، مهما كان الثمن النفسي، أو الجسدي.

وتوضح الدكتورة راشيل غابلمان، اختصاصية علم النفس السريري في مركز ويكسنر الطبي التابع لجامعة أوهايو، أن كثيراً من الفتيات ينشأن على رسائل اجتماعية تشجعهن على الهدوء، والطاعة، والسعي إلى نيل رضا الآخرين.

وتضيف أن هذه التربية تجعل كثيراً من النساء، مع مرور الوقت، أكثر ميلاً إلى تجنب المواجهة، أو المطالبة بما يحتجنه فعلاً.

الميل إلى إرضاء الآخرين يرافق النساء حتى مرحلة البلوغ

وتشير أبحاث إلى أن النساء أكثر ميلاً من الرجال إلى محاولة إرضاء الآخرين.

ويقول الدكتور آرون برينن، الأستاذ المساعد في الطب النفسي والعلوم السلوكية بجامعة فاندربيلت، إن الشخص الذي يعتاد إهمال احتياجاته الخاصة من أجل الآخرين غالباً ما يعيش مستويات مرتفعة من التوتر.

ويضيف أن الجسم يتأثر بالضغوط النفسية والصدمات مع مرور الوقت، إذ تتراكم آثارها تدريجياً.

ولأن النساء أكثر عرضة للإصابة بأمراض المناعة الذاتية، فقد حاول البعض الربط بين هاتين الظاهرتين.

هل تدعم الدراسات هذه الفرضية؟

استشهد بعض مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي بدراسات علمية لدعم وجهة نظرهم.

ففي إحدى الدراسات المنشورة عام 2021، شمل البحث 290 امرأة، وقيّم مدى ميلهن إلى كبت مشاعرهن، أو تجنب التعبير عن الغضب، ثم قارن ذلك بعدد من المؤشرات الصحية.

وأظهرت النتائج أن النساء اللواتي اعتدن كبت مشاعرهن كن أكثر عرضة للإصابة بتصلب الشرايين السباتية، وهو مرض لا يُعد من أمراض المناعة الذاتية التقليدية، لكنه يتشابه معها في بعض الجوانب.

كما أظهرت دراسة واسعة نُشرت عام 2018 أن الأشخاص الذين يعانون اضطرابات مرتبطة بالتوتر كانوا أكثر عرضة لاحقاً لتشخيصهم بأحد أمراض المناعة الذاتية، ما يشير إلى وجود علاقة محتملة بين التوتر وهذه الأمراض.

«العلاقة ليست بهذه البساطة»

رغم هذه النتائج، يؤكد الأطباء أن القول بأن الميل إلى إرضاء الآخرين يسبب أمراض المناعة الذاتية يُعد استنتاجاً مبالغاً فيه.

ويقول الدكتور ستانلي شوارتز، رئيس قسم الحساسية والمناعة والروماتيزم بجامعة بافالو، إن التوتر يؤثر بالفعل في الجهاز المناعي، لكن أمراض المناعة الذاتية تنتج عادة عن تفاعل معقد بين العوامل الوراثية، والبيئية، وعوامل أخرى لا تزال غير مفهومة بالكامل.

وتحذر الدكتورة غابلمان من أن هذا النوع من الرسائل قد يدفع النساء إلى الشعور بالذنب، وكأنهن مسؤولات عن إصابتهن بالمرض، مؤكدة أن ذلك غير صحيح علمياً.

كما يعترض الدكتور برينن على استخدام أوصاف مهينة للنساء اللواتي يعبرن عن آرائهن، أو يدافعن عن حقوقهن، لأن ذلك يكرس صوراً نمطية قديمة.

ما الذي يصيب هذا الاتجاه؟

رغم المبالغات، يرى الخبراء أن الرسالة الأساسية التي يدعو إليها هذا الاتجاه تحمل جانباً صحيحاً.

فالتضحية المفرطة بالنفس ليست صحية، سواء من الناحية النفسية، أو الجسدية.

ويؤكد الدكتور برينن أهمية وضع حدود صحية في العلاقات، والتعبير بوضوح عما يستطيع الشخص القيام به، وما لا يستطيع تحمله.

وينصح بمراجعة الذات بانتظام، والتساؤل عما إذا كان الشخص يشعر بالاستياء لأنه يوافق باستمرار على تلبية طلبات الآخرين على حساب احتياجاته.

الخلاصة

يرتبط التوتر المزمن بالفعل بزيادة خطر الإصابة بعدد من الأمراض، من بينها بعض أمراض المناعة الذاتية، لكن الأطباء يؤكدون أنه ليس العامل الوحيد، ولا توجد أدلة علمية تثبت أن الميل إلى إرضاء الآخرين هو السبب المباشر لهذه الأمراض.

ويشدد الخبراء على أن الدفاع عن الاحتياجات الشخصية، ووضع حدود صحية لا يعنيان التصرف بعدوانية، أو قسوة، بل يمثلان جزءاً أساسياً من العناية بالنفس، والحفاظ على الصحة النفسية، والجسدية.