من شارل بوفاري إلى طاهر باشا

في رثاء «الذكورة المغدورة»

TT

من شارل بوفاري إلى طاهر باشا

«أنت امرأة ضالة» صيحة طاهر باشا (زكي رستم) في فيلم «نهر الحب»، واحدة من أشهر الجمل التي اندفعت من الشاشة الفضية إلى الشارع. ولم تزل هذه الجملة ومقتبسات أخرى من الفيلم ذاته حية إلى اليوم، يرددها مستخدمو تطبيقات التواصل الاجتماعي، ومنتديات النساء بشكل خاص، للسخرية من نموذج الذكر البغيض، وانتصاراً لحب مستحق، من خلال الاستنجاد بقوة التعاطف مع نوال.
عندما أُطلق هذا الفيلم عام 1960 انقسم المجتمع، بين أغلبية تتعاطف مع العاشقين نوال وخالد (فاتن حمامة وعمر الشريف)، وتحتقر الباشا الزوج، وقلة من المتزمتين اجتماعياً رأت في الفيلم حضاً على الرذيلة وتمجيداً للخيانة.
هذه القسمة قائمة حتى اليوم، وهي لا تعكس انفتاحاً وإيماناً بالحب في المجتمع المصري والعربي بقدر ما تعني أن عز الدين ذو الفقار (السيناريست والمخرج في الوقت ذاته) قد أحسن الدفاع عن المرأة العاشقة، وقد جعل من نفسه محاميها لا قاضي التحقيق.
كانت فاتن حمامة محظوظة بوقوفها بين عاشقين أحدهما خلف الكاميرا والآخر أمامها. وربما قلة من المعجبين والمنزعجين من الفيلم توقفت أمام الإشارة إلى الأصل الأدبي، رواية «آنا كارنينا» التي استند إليه صانع الفيلم. وأقل من هذه القلة من حاولوا قراءة الرواية، التي تقدم لوحة اجتماعية ضخمة لروسيا، وتطرح العديد من القضايا الفكرية والأخلاقية في وقت عانت فيه روسيا من أزمة أصابت أعلى وأدنى الطبقات الاجتماعية جراء إصلاح نظام القنانة، حيث تدهور الأغنياء، بينما لم يتحسن وضع المعدمين. ولو اكتفت الرواية بقصة عشق «آنا» لكانت نسخة أخرى عن رواية غوستاف فلوبير «مدام بوفاري». لكن الفيلم اكتفى من الرواية باقتباس حبكة مثلث العشق الشهير (الزوجة والزوج والعشيق) مع تمصير الشخصيات.
كتب تولستوي روايته قبل نحو 90 عاماً من الفيلم المصري، وكما تروي زوجته صوفيا في مذكراتها، فقد أسرَّ إليها برغبته في كتابة رواية تصور حياة امرأة من الطبقة الأرستقراطية ضلت طريقها، وأن مهمته تنحصر في تصويرها على أنها جديرة بالعطف وليست مذنبة. وقد برَّ تولستوي بوعده، طبقاً لما يعرفه كاتب كبير عن طبيعة النفس البشرية (الطبيعة الوسط بين طبيعة الملائكة وطبيعة الشياطين)، فلم يجعل «آنا» بالتسطيح الملائكي الذي بلغته «نوال»، الذي يصب في فكرة احتشام وعفة النجمة فاتن حمامة فيلماً بعد آخر، مثلما كان مرض عبد الحليم حافظ ويُتمه في أفلامه يصبان في صالح نجوميته!
لم يكن زوج آنا (ألكسي ألكسندروفتش كارنينا) الأسنَّ منها في مثل بشاعة طاهر باشا، الذي جعله الفيلم الشخص المثالي لكي يخان. كان ألكسي متشدداً في الطلاق فحسب، وهو ليس الشخص الوحيد المخان في رواية ضخمة تبدأ بمشكلة خيانة ستيفان أركاديفتش (شقيق آنا) لزوجته. ولم يقدم تولستوي أسطورة الحب الأبدي، لأن الضابط فرونسكي سئم في النهاية مزاج آنا الكئيب بسبب بُعدها عن ابنها.
استخدم ذو الفقار كل الحيل الدفاعية التي تجعل العاشقين بمنأى عن الكراهية، بادئاً «الفيلم - المرافعة» بتعليق سردي شاعري يحكي الأسطورة الفرعونية، التي تعتبر النيل نهراً للحب، لأنه في الأصل دموع إيزيس حزناً على أوزوريس، وحافظ على تذكيرنا بنهر الحب حتى كان الختام بدعوة البشر إلى أن يفتحوا في قلوبهم نهراً للحب إن أرادوا للحياة أن تستمر. واختار ذو الفقار للعاشقين واحداً من أعلى المبادئ الدينية والإنسانية: «الفداء» فجعل نوال تفتدي شقيقها في البداية وخالد يفتدي فلسطين في النهاية.
وجدت نوال نفسها في مأزق قبلت فيه زواجاً بالإكراه (إما أن يتزوجها الباشا أو يسجن شقيقها المختلس)، وعندما وقعت في حب الضابط عمر الشريف، كان رد فعل الباشا هو القلق على مستقبله السياسي، وليس الغيرة الإنسانية، وقال لها بوضوح إنه لم يكن يمانع لو أقامت علاقة سرية بدلاً من شبهة حب بريء علنية. ولم تأخذ نوال خطوة الإصرار على الطلاق إلا تحت تأثير احتياج خالد لها بعد إصابته في سباق الخيل. وعندما رافقته في رحلة الاستشفاء بلبنان أقاما في غرفتين منفصلتين، ولم يتبادلا إلا القبلات. والقبلات لمريض أمر يتسامح معه المجتمع، ويمكن أن تمنحه - حتى - ممرضة غريبة.
وسامة الضابط عمر الشريف، مثل وسامة الضابط فرونسكي، تُرجِّح كفة الحبيب في مقابل الزوج المسن في الحالتين، لكن ضابط الفيلم ليس سوى ملاك مثير يحب بلا سأم.
بتأثير أسطورة الحب الخالد، أو نظراً للطبيعة السياسية للمرحلة، لم يضع ذو الفقار ضابطه في امتحان الصبر على حبيبته عندما تصاعد حنينها إلى ابنها، فأرسله إلى حرب 1948، وجعله شهيداً بإصراره على تنفيذ عمل فدائي. بالمقابل كانت الرغبة في تشويه رجال العهد الملكي حافزاً لإلصاق كل سلوك خسيس بطاهر باشا: زواج قسري، ثقل دم، شره، دهاء، تجسس على العاشقين، وعدم الوفاء بوعد الطلاق.
لم يكن طاهر مقبولاً ولا طاهراً من البداية للنهاية، بينما كانت كل الوسائل في خدمة نبل نوال، من تضحيتها وصبرها ورقة صوتها إلى الملابس والديكور: فساتينها بيضاء، سريرها أبيض، وسادتها بيضاء، والورد أبيض. لا يتعدى زمن ظهورها في فستان أسود أو رمادي الدقائق الخمس طوال الفيلم.
الألم الذي عاش في ضمير المشاهدين منذ 1960 إلى اليوم يتعلق بنوال ومصيرها، والغريب هو أن ملحمة تولستوي الكبرى تتلخص عند أغلب القراء في ألم آنا ومصيرها. ربما كان وضع اسم البطلة عنواناً للرواية سبباً في هذا التبسيط؟
قبل «آنا كارنينا» بأكثر من عقد ونصف العقد، كان غوستاف فلوبير قد نشر روايته «مدام بوفاري»، سبق تولستوي إلى وضع اسم المرأة عنواناً لروايته، وفيها عقدة مثلث العشق، وقد تمادى جوستاف فلوبير في تصوير مشاهد الحب، كما تمادى في العطف على بطلته، وتبنى أشواق حبها عندما قال: «أنا إيما بوفاري».
تختلف شخصية إيما عن شخصية آنا، ومستنسخها المصري «نوال»، فلم تكن المرأة الفرنسية ضجرة من خمول وتقليدية زوجها فحسب، لكنها شخصية قلقة بالأساس؛ تكره كل رتابة، وتحب المغامرة والتغيير، وربما لو كانت مع رجل أفضل لتخلت عنه كذلك.
لم تخطفها وسامة مزلزلة. راقصت شاباً من الطبقة الراقية في مصادفة واحدة لم تتكرر. تلك المصادفة الاستثنائية التي يعبرها الكثير من الناس بأمان لم تعبرها آنا، إذ عمَّقت الهوة التي تفصلها عن شارل، ووقعت في الحب مرتين، دون أن يكون لأي من عاشقيها المتتابعين (ليون ورودلف) وسامة فرونسكي أو عمر الشريف.
كذلك يختلف شارل بوفاري (زوج إيما) عن ألكسي ألكسندروفتش كارنينا (زوج آنا) وعن طاهر باشا (زوج نوال). شارل يحب زوجته ذلك الحب الأسطوري الخالد والأعمى. لم ينتقد ولعها بالإنفاق ولم يتذمر من ديونها، وظل يحبها بعد موتها، حتى عندما عثر على رسائلها الغرامية لم يكرهها، بل أحس بالشفقة تجاهها، وخرج يبحث عن قبر أجمل ينقل إليه جثمانها، وأراد أن يكتب فوق شاهده: «هنا ترقد امرأة عاشقة». كان أحب على قلبه أن تعيش، وأن يغفر لها ألف مرة دون مصلحة مادية يجنيها من التواطؤ الذي عرض طاهر مثله على نوال.
عشق لا محدود ولا مشروط، وإيمان بأن وجوده معها في بيت واحد هو حظه الحسن من الدنيا، ولديه إحساس عميق بأنه لا يستحقها، وتكفيه بهجة رؤيتها كلما عاد من جولاته على مرضاه. كان ذنبه الذي لا يُغتفر أنه اعتبرها تحفة لا امرأة، ولم يعرف كيف يكون الشخص الذي يعجبها، والذي يحب بالطريقة التي ترضيها.
ولم تشعر إيما بأي شفقة تجاه ذلك الحب الأبكم، ولم ينل شارل شيئاً من تعاطف القراء، حتى المتزمتين منهم الذين أثاروا عاصفة ضد الرواية، وحتى ممثل النيابة الذي اتهم الكاتب بالحض على الفجور كانت عينه على المرأة، وليس على الرجل، الذي يستحق نظرة عطف بوصفه بطلاً تراجيدياً، أحب دون أن يتكلم، وانهزم لأنه لم يفهم ضرورة الحرب للحب.
بوسعنا أن نرى في آنا كارنينا ونسختها غير البشرية «نوال» طرفاً أضعف، والحس الإنساني ينتصر للأضعف، لكن إيما بوفاري لم تكن ضعيفة، ولم تبذل جهداً في ردم الهوة التي تفصلها عن شارل، وإن فشلت في جعله يحب القراءة كان بوسعها على الأقل أن تختار له ملابسه، ولم يكن ليمانع!
إيما والكاتب والقراء تعاملوا مع الهوة الفاصلة بين الزوجين، وكأنها قدر لا يمكن تخطيه، ولا بد من التفكير بدوافع الحسد لرجل نال امرأة لا يستحقها عندما نفكر بالإهمال الذي يلقاه شارل بوفاري إلى اليوم.
يبدو أن الإبداع يكشف ما لا تكشفه نظريات الجندر، وما لا تعترف به المناضلات النسويات؛ حيث يبدي الذكور ميلاً للوقوف بصف المرأة أكثر من تشيعهم للرجل، سواء كان هذا الوقوف عن وعي وإيمان بقضية المرأة أو برغبة في مناهضة السلطة كامنة في اللاوعي.



«الليلة الكبيرة»... طقس مصري يجتذب الملايين ويجدد الجدل حول الموالد

ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)
ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)
TT

«الليلة الكبيرة»... طقس مصري يجتذب الملايين ويجدد الجدل حول الموالد

ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)
ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)

في روايته «أيام الإنسان السبعة»، يقدم الكاتب المصري عبد الحكيم قاسم ملحمة فنية عن مجتمع الدراويش في دلتا مصر، وكيف تكرس قرية كاملة نفسها للإعداد للذهاب إلى مولد السيد البدوي في سبعة أيام، ليصبح هذا الحدث الكبير أقرب لذروة الطقوس الشعبية التي يمارسها الدراويش والصوفية في هذه القرية وشبيهاتها.

ومع انتهاء «الليلة الكبيرة» لمولد السيد البدوي في مدينة طنطا (وسط الدلتا) والحضور الحاشد الذي شهدته تلك الليلة وما بها من طقوس شعبية وروحانية على السواء، تجدد الجدل حول الموالد في مصر، بين من يراها طقساً شعبياً وروحانياً يجذب الملايين من المحبين للأولياء والصالحين، ومَن يراها ظاهرة شعبية دون أساس روحاني سليم ترتكز عليه.

ومع توافد الحشود المليونية (البعض قدرها بنحو 5 ملايين زائر) على مولد السيد البدوي، أكدت محافظة الغربية، العام الماضي، أن المولد حضره أكثر من مليوني شخص، ونشرت محافظة الغربية على صفحتها الرسمية بـ«فيسبوك»، الخميس، تحية لزائري المدينة، وكتبت: «طنطا تتلالأ بأنوار مولد السيد البدوي، أجواء روحانية عامرة بالابتهالات والمدائح النبوية، وحركة تجارية نابضة بالحياة، مع توافد الزائرين من مختلف محافظات مصر والدول العربية والإسلامية لإحياء ذكرى العارف بالله سيدي أحمد البدوي، وسط أجواء من البهجة وجهود مكثفة من محافظة الغربية لتوفير الخدمات اللازمة وتنظيم الاحتفالات والحفاظ على سلامة وراحة الزائرين».

حشود غفيرة حضرت المولد (محافظة الغربية)

ومع تصدر مولد السيد البدوي «الترند» على «إكس» بمصر، الجمعة، تصاعد الجدل حول التبرك والاحتفال بالموالد، وهو ما رد عليه المتحدث باسم الطرق الصوفية في مصر، أحمد قنديل، وكتب على صفحة المشيخة بـ«فيسبوك»: «ليس كل من رفع صوته امتلك الحقيقة، وليس كل من تطاول على مقامات الصالحين أصبح عالماً بالدين، وليس من الشجاعة الفكرية أن يهدم الإنسان تاريخاً لا يعرفه، أو يطعن في رموز الأمة دون علم أو تحقيق أو إنصاف».

مضيفاً أن «الحديث عن سيدي أحمد البدوي، رضي الله عنه، أحد أعلام التصوف الإسلامي، لا ينبغي أن يكون ساحة للتجريح أو السخرية أو تصفية الحسابات الفكرية، وإنما ميدان للبحث العلمي الرصين، والرجوع إلى المصادر المعتبرة، والتمييز بين الحقائق التاريخية والروايات الشعبية التي تحتاج إلى تحقيق وتمحيص».

ويرى الباحث في التصوف الإسلامي الدكتور أحمد شتية، مدرس الدراسات الإسلامية بجامعة دمنهور، أن «تجمع الناس حول أحد الصالحين لا سيما من أصحاب التاريخ الكبير في العلم ونشر علوم التصوف ومجاهدة الأعداء كسيدي أحمد البدوي، جزء لا يتجزأ من الثقافة المصرية الدينية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الثقافة في الآونة الأخيرة شهدت تراجعاً بسبب عوامل فكرية كثيرة وتسرب بعض الأفكار التي تشوش على المسلمين دينهم بأن التعلق بالصالحين فيه شيء من الشرك، وفيه شيء من المغالاة، وهذا في الحقيقة خلط كبير وإسقاط للأمور على غير مواضعها. فالسيد أحمد البدوي، رضي الله عنه، إمام كبير، شهد له العلماء، سلفهم وخلفهم، وهذا ما لا يعرفه كثيرون من الناس الآن، ويكتفون بتناقل ما يكتب عبر (السوشيال ميديا) في شأن السيد أحمد البدوي، وفي شأن غيره من العلماء والأولياء والصالحين».

المولد شهد ملايين الزوار وفق تقديرات متابعين (محافظة الغربية)

وتشهد مصر الكثير من الموالد، من بينها موالد لآل البيت مثل «السيدة زينب»، و«مولد الحسين»، وغيرهما، وموالد أخرى للصالحين مثل «السيد البدوي»، و«إبراهيم الدسوقي»، و«عبد الرحيم القناوي»، و«المرسي أبو العباس»، وغيرهم.

ويرى المتخصص في التراث الشعبي الدكتور عبد الكريم الحجراوي أن الموالد ليست ظاهرة دينية أو روحانية فقط، بل هي أيضاً ظاهرة اجتماعية احتفالية أشبه بكرنفال سنوي يلتقي فيه المصريون من أنحاء البلاد، خصوصاً الموالد الكبيرة مثل مولد السيد البدوي.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «المولد به العديد من الأنشطة التجارية والألعاب، وقديماً كانت تقدم فيه فنون السيرك وما زالت تقدم فيه السيرة الهلالية والسير الشعبية، بالتوازي مع الفعاليات الروحانية مثل حلقات الذكر والندوات الدينية وغيرها، فهو نشاط كبير متشعب، ويجب عدم قصره على صفته أو طبيعته الروحانية».

ويرى الحجراوي أن هذا الجدل لا يتجاوز وسائل التواصل الاجتماعي، بينما على أرض لواقع هناك الملايين المتصالحون مع الموالد والذين يعدُّونها فرصة سنوية وموسمية لأنشطة كثيرة روحانية وترفيهية وتجارية.


5 دقائق مع كلبك قد تغيّر استجابة دماغك للضغوط

للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)
للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)
TT

5 دقائق مع كلبك قد تغيّر استجابة دماغك للضغوط

للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)
للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)

بيّنت دراسة أجرتها جامعة إنسبروك في النمسا أنّ مداعبة الكلاب قد تساعد الجسم على الاستعداد لمواجهة المواقف المسبّبة للتوتّر؛ إذ يمكن للتلامس الجسدي مع الحيوان الأليف أن يخفّف استجابة الجسم البيولوجية للتوتّر عند التعرّض لضغط جديد، حتى إن لم يُسرّع تعافيه من التوتّر السابق.

ووجد الباحثون أنّ الأشخاص الذين داعبوا كلابهم خلال استراحة قصيرة بعد أداء مهمة مرهقة أظهروا استجابة بيولوجية أكثر هدوءاً عند مواجهة مهمة أخرى مسبّبة للتوتّر، مقارنةً بمن بقوا بالقرب من كلابهم من دون لمسها. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية «علم النفس البيولوجي».

وتشمل المواقف المسبّبة للتوتّر ضغوط العمل والاختبارات والمشكلات اليومية والتعرّض للنقد أو التقييم، وهي ظروف تتطلّب من الإنسان بذل جهد ذهني أو عاطفي للتعامل معها. وقد تؤدّي هذه المواقف إلى تنشيط استجابة الجسم للتوتّر، فتتغيّر معدّلات ضربات القلب وأنماط نشاط الدماغ استعداداً لمواجهة التحدّي.

وشملت الدراسة 64 شخصاً من أصحاب الكلاب، بينهم 51 امرأة و13 رجلاً، بمتوسّط عمر بلغ 34 عاماً. وشارك جميعهم في التجارب برفقة كلابهم الأليفة، التي اشترط الباحثون ألّا يقلّ عمرها عن عامين، وأن تتمتّع بصحة جيدة وتكون مرتاحة في البيئات الجديدة.

ولإثارة التوتّر لدى المشاركين، طلب الباحثون منهم أداء مهمّتين ذهنيّتين صعبتين تحت المراقبة، مع تلقّي تعليقات سلبية من أحد الباحثين عبر مكالمات مرئية.

وتمثّلت المهمة الأولى في الإجابة عن أسئلة في المعلومات العامة، مع منح المشاركين خمس ثوانٍ فقط للإجابة عن كلّ سؤال. أما الأخرى، فكانت إجراء عمليات حسابية ذهنية عبر العدّ التنازلي بفواصل رقمية ثابتة، وفق إيقاع تحدّده نقطة حمراء وامضة، من دون السماح للمشاركين بإبطاء وتيرتهم.

وأجرى كلّ مشارك مجموعتين من الاختبارات في اليوم نفسه. وخلال المجموعة الأولى، سُمح للكلب بالتجوّل بحرية داخل الغرفة؛ مّا أتاح لصاحبه مداعبته أو لمسه أو احتضانه. أما في المجموعة الأخرى، فبقي الكلب بالقرب من صاحبه مربوطاً بمقود قصير؛ إذ أمكن للمشارك رؤيته والتحدّث إليه من دون تلامس جسدي.

وراقب الباحثون نشاط الدماغ باستخدام تخطيط كهربائية الدماغ، وتتبّعوا نشاط القلب بواسطة تخطيط كهربائية القلب، قبل الاختبارات وأثناءها وبعدها. كما طلبوا من المشاركين تقييم حالتهم الشعورية في مراحل مختلفة، بما يشمل مدى شعورهم بالهدوء أو الإثارة، وطبيعة مشاعرهم الإيجابية أو السلبية، ومدى إحساسهم بالسيطرة على الموقف.

وأظهرت النتائج أنّ مداعبة الكلاب لم تساعد المشاركين على التعافي من التوتّر الأول بسرعة أكبر؛ إذ عادت مؤشّرات نشاط القلب وأنماط الموجات الدماغية إلى مستويات الراحة بوتيرة متشابهة، سواء داعب المشاركون كلابهم أم اكتفوا بالجلوس بالقرب منها من دون لمسها.

لكن التأثير ظهر عند مواجهة المشاركين مهمة أخرى مسبّبة للتوتّر بعد استراحة استمرّت خمس دقائق. فقد أظهرت تسجيلات الدماغ ارتفاعاً أكبر في نشاط موجات ألفا لدى الأشخاص الذين لمسوا كلابهم خلال الاستراحة، واستمرّ هذا الارتفاع خلال المجموعة الثانية من الاختبارات؛ ما يشير إلى انخفاض مستوى التنشيط الدماغي خلال مواجهة المهمة المجهدة.

في المقابل، لم يظهر التأثير نفسه لدى المشاركين الذين أمضوا الاستراحة بالقرب من كلابهم من دون تلامس جسدي.

وكشفت النتائج أيضاً أنّ المشاعر التي أبلغ عنها المشاركون لم تتطابق دائماً مع استجابات أجسامهم؛ إذ اختلفت تقييماتهم الذاتية للتوتّر أحياناً عن المؤشّرات التي سجّلتها أجهزة قياس نشاط القلب والدماغ.

ويرى الباحثون أنّ التلامس الجسدي قد يكون أحد العوامل التي تفسّر بعض الفوائد الصحية والنفسية المرتبطة بالتفاعل مع الحيوانات الأليفة.


«قساطل» دراما لبنانية تواجه «العطش» و«الوحدة» و«الفقد»

الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)
الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)
TT

«قساطل» دراما لبنانية تواجه «العطش» و«الوحدة» و«الفقد»

الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)
الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)

يكشف الفيلم اللبناني «قساطل - Pipes» للمخرج كريم قاسم جانباً من المعاناة اليومية في قرية أنهكها الجفاف بعد انقطاع إمدادات المياه، حيث يواجه أبطاله تحديات الوحدة والعزلة والفقد وسط واقع قاسٍ يفرض نفسه على تفاصيل حياتهم. ويشارك الفيلم في مسابقة الأفلام الروائية بالدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي، بعد عرضه العالمي الأول في الدورة الستين من مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي، حيث حصد بطله غسان سعد جائزة أفضل ممثل.

مع تفاقم أزمة انقطاع المياه في القرية، يُستدعى «حسن»، الموظف المتقاعد من مصلحة المياه، للعودة إلى عمله مستنداً إلى خبرة طويلة اكتسبها على مدى سنوات. وفي محاولة لإنقاذ القرية من شبح الجفاف الذي يلوح في الأفق، يتولى مهمة البحث عن أسباب الأزمة وإيجاد حلول لها. وقد عُرف حسن بين الأهالي بمبادرته الدائمة إلى مساعدتهم كلما انقطعت المياه عن منازلهم، إذ يجد في خدمة الآخرين وفي صداقاته متنفساً يخفف وطأة الوحدة التي يعيشها. لكن حياته تتقاطع مع سلسلة من الخسارات المؤلمة؛ فيكافح مشاعر الفقد بعد وفاة صديقه إثر تسرب غاز في ظروف غامضة، فيما يرزح تحت حزن عميق وهو يودع والدته.

تتفاقم مشكلة انقطاع المياه وتتحول إلى مهمة مستحيلة، تدفع بـ«حسن» للتحرك والتحقيق فيما حدث، فيما تتقاطع مهمته لإعادة المياه مع محاولته لفهم ملابسات الموت والفقد.

يتخذ المخرج كريم قاسم من «القسطل» أداة استكشاف، ليتجول بين المنازل والذكريات والالتزامات بالقرية، كمكان حي شاهد على تفاصيل الحياة اليومية.

يعثر «حسن» على زر معطف مفقود يخص شخصاً يُشتبه به في جريمة مقتل زميله البنغلاديشي «رضا»، فيقول بلهجته اللبنانية بآخر مشاهد الفيلم «نبلش»! أي نبدأ، ما يلفت إلى توجهه وأصدقائه للبحث عن الفاعل، وهو ما أعلن عنه المخرج كريم قاسم عن تقديم جزء ثالث ليكمل ثلاثيته الفيلمية.

ملصق الفيلم اللبناني (مهرجان الجونة)

وقال قاسم، في تصريحات صحافية، إن الشخصية الرئيسية بالفيلم تحظى باهتمام كبير كما في فيلمه «موندوف» الذي شارك به غسان سعد في دور صغير، «لذا جعلت منها محور أحداث الفيلم لإتاحة التعرف أكثر على ماضيها والغوص في حالتها النفسية، عبر رؤية سينمائية تربط التفاصيل بعضها ببعض من خلال «القساطل.

يتماهى أداء غسان سعد مع شخصية «حسن»، وتتقاطع مهنته بالفيلم مع مهنته الحقيقية في عمله بمصلحة المياه، فيقدم أداءً طبيعياً يتسم بالسلاسة، كما أن تجاربه المسرحية أكسبته خبرة أيضاً، ما أضفى على أدائه كثيراً من المصداقية في أول بطولة سينمائية له.

وهو ما يتوقف عنده الناقد طارق الشناوي متسائلاً: «هل الشخصية التي يؤديها الممثل عموماً لو عاشها بشكل فعلي سيؤديها بشكل أفضل، كما حدث مع بطل الفيلم غسان سعد الذي حاز جائزة التمثيل بمهرجان كارلو في فاري»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «سواء عاش الفنان الحالة أو عايشها فقانون الفن يجعل الإحساس بالشخصية أسبق من الجزء الواقعي، وعلى المبدع إذا لم يكن قد مر بالتجربة في حياته فيكفيه أن يحاول الوصول إلى عمقها، والمميز في فيلم (قساطل) أن أداء البطل وصل لعمقها ومارسها أيضاً».

وأشار الشناوي إلى أن انقطاع المياه ظرف عشناه، وما زلنا نعيشه في أغلب بلدان عالمنا العربي، لأن المقدرات الأساسية في حياتنا يظل جانب منها غير متحقق، وبالتالي القضية التي يطرحها الفيلم تمسنا وتمس العالم الثالث كله، لكن المخرج نسب القصص الموازية لمجموعة الأصدقاء الذين لا يحلون مشكلة القساطل بقدر محاولتهم التصالح مع قانون الحياة، لافتاً إلى أن «الفيلم به حالة من الصدق سواء على مستوى الكتابة أو الإخراج أو الأداء».

ويصف الناقد الفني محمد نبيل «قساطل» بأنه «فيلم شاعري قدّمه المخرج كريم قاسم بأسلوب يجمع بين الروائي والوثائقي»، وأنه يعد بمثابة استكمال لتجربة المخرج في فيلم «موندوف». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الفيلم يوجه نقداً حاداً للمجتمع عبر عديد من التفاصيل التي قدّمها المخرج بشكل واعٍ، مجسداً ما يحدث داخل لبنان اجتماعياً واقتصادياً، مقدماً إيقاعاً متمهلاً لمشكلة المياه التي تمثل الحياة نفسها، وتأثيرها على الناس».