عودة إلى الجذور الفنية لظاهرة «السيلفي»

الفكرة تعود لأواخر القرن الـ16 مع ظهور الرسم الذاتي

الرسم الذاتي ظهر على يد كبار الفنانين في أواخر القرن الـ16  -  يفتتح متحف «أوفيزي» 14 قاعة جديدة مطلع العام المقبل (متحف «أوفيزي»)
الرسم الذاتي ظهر على يد كبار الفنانين في أواخر القرن الـ16 - يفتتح متحف «أوفيزي» 14 قاعة جديدة مطلع العام المقبل (متحف «أوفيزي»)
TT

عودة إلى الجذور الفنية لظاهرة «السيلفي»

الرسم الذاتي ظهر على يد كبار الفنانين في أواخر القرن الـ16  -  يفتتح متحف «أوفيزي» 14 قاعة جديدة مطلع العام المقبل (متحف «أوفيزي»)
الرسم الذاتي ظهر على يد كبار الفنانين في أواخر القرن الـ16 - يفتتح متحف «أوفيزي» 14 قاعة جديدة مطلع العام المقبل (متحف «أوفيزي»)

قد يكون «السيلفي» من أبرز مظاهر تكنولوجيا الاتصالات الحديثة عبر الهواتف الذكية المجهزة بآلات التصوير المتطورة، لكن فكرة التقاط الصورة الذاتية تعود في الواقع إلى مئات السنين مع ظهور الرسم الذاتي على يد كبار الفنانين في أواخر القرن السادس عشر.
يقول المؤرخون إن الفضل في ظهور الرسم الذاتي يعود للإيطالي فيليبو بالدينوتشي، الذي كان يؤرخ لسيرة عدد من الفنانين عندما خطر له أن السيرة لا بد أن تُرفَق برسم ذاتي للفنان يكون بمثابة الرابط النهائي بين حياته وأعماله.
تلك كانت بداية قصة أكبر مجموعة للرسوم الذاتية في العالم جمعها ليوبولدو دي ميديتشي ابن دوق فلورانس الأكبر كوزيمو، الذي باشر أواسط القرن السابع عشر باقتناء تلك اللوحات لكبار الرسامين، إلى أن زاد عددها على الألفين، وتوجد اليوم محفوظة في أحد مخازن متحف «Uffizi» الشهير، الذي قرر أن يفتتح 14 قاعة جديدة مطلع العام المقبل يخصصها لعرض هذه المجموعة النادرة بشكل دائم.
وتجدر الإشارة أن ظهور الرسم الذاتي مع بداية عصر النهضة في توسكانة، التي كانت مهده الأول، تزامن مع ارتقاء الرسامين إلى مرتبة أعلى في سلم الفنون، الذي سرعان ما بلغوا ذروته وأصبحوا القطب الرئيسي للحياة الفنية والثقافية في أوروبا. ومع مرور الوقت أصبح الرسم الذاتي بطاقة تعريف لازمة لكل رسام مرموق وأداة تسويقية لأعماله.
صاحب فكرة هذا المعرض الأول من نوعه هو آيكي شميدت الذي منذ عام 2015 يدير متحف «أوفيزي» الذي، إضافةً إلى قاعاته المكتظة بمئات الروائع الفنية لكبار الرسامين العالميين، يضم في مخازنه الضخمة آلاف اللوحات والأعمال الفنية النفيسة التي لم يُعرض معظمها على الجمهور حتى الآن لعدم توفر المساحة والشروط اللازمة لعرضها.
ومن روائع هذه المجموعة التي ستُعرض بشكل دائم اعتباراً من مطلع السنة المقبلة، رسم ذاتي للسويسري جان إيتيان لوتار من القرن الثامن عشر، يقول عنها شميدت إن «درجة إتقانها المذهلة تجعل الناظر إليها يشعر برطوبة القلنسوة التي يعتمرها الرسام، وبنعومة ملمسها، وهي في تفاصيلها غير المنجزة تبدو إيذاناً بولادة المدرسة الانطباعية قبل مائة عام على ظهورها».
ومن غرائب هذه المجموعة رسوم ذاتية لفنانات مثل البريطانية ماريا كوزواي (1760 - 1838)، التي نجت من مذبحة تعرضت لها شقيقاتها الأربع على يد المربية، وكانت عشيقة الرئيس الأميركي الأسبق توماس جيفرسون، أو ابنة «تينتوريتو» أشهر رسامي البندقية التي يعد رسمها الذاتي من روائع الفن الإيطالي في أواخر القرن السادس عشر.
ويقول مدير متحف «أوفيزي»، الذي يضم أكبر مجموعة من اللوحات الفنية التي رسمتها نساء، إن الاعتقاد السائد هو أنه لم تكن هناك فنانات في القرون الماضية، «لكنّ هذا ليس صحيحاً، فبعد فترة كان الرسم النسائي مقصوراً على الراهبات حتى أواخر القرن السادس عشر، انضم عدد من النساء إلى هذا الفن، وكن في معظمهن زوجات أو بنات لرسامين مشهورين، إلى أن اتسعت دائرة الرسامات بشكل حر مع بداية القرن الثامن عشر، حيث برزت البريطانية آنجيليكا كوفمان التي كانت عضواً أصيلاً في الأكاديمية الملكية للفنون، ويتصدر رسمها الذاتي إحدى القاعات المخصصة لهذه المجموعة التي تضم رسوماً ذاتية لعمالقة الفن العالمي مثل فيلازكيز ورامبراندت وفان ديك وشاغال».
وتجدر الإشارة إلى أن شميدت، الذي يعد من أبرز الإخصائيين العالميين في الفنون الكلاسيكية وإدارة المتاحف، كان على وشك الانتقال إلى النمسا لإدارة متحف تاريخ الفنون الشهير في العاصمة فيينا، بعد أن قررت الحكومة الإيطالية السابقة، ذات التوجه الشعبوي وبتأثير من الزعيم اليميني المتطرف ماتيو سالفيني، إلغاء قرار حكومي سابق يسمح للأجانب بإدارة متاحف رسمية في إيطاليا. ومع تشكيل الحكومة الجديدة أواخر الصيف الماضي، وعودة الحزب الديمقراطي اليساري إليها، تقرر إبطال الإلغاء ومعه بقاء شميدت في فلورنسا.
وكانت الحكومة الشعبوية السابقة تعتزم الحد من استقلالية المتاحف والمشرفين على إدارتها، وتطبيق المركزية على برمجة الأنشطة الثقافية بحيث يصبح مديرو المتاحف تحت التوجيه المباشر للسلطة، على غرار ما كان معمولاً به على العهد الفاشي.


مقالات ذات صلة

السيلفي القاتل: أخطر الدول لالتقاط الصور حول العالم

يوميات الشرق  السبب الأكثر شيوعاً للوفيات المرتبطة بصور السيلفي حول العالم هو السقوط (رويترز)

السيلفي القاتل: أخطر الدول لالتقاط الصور حول العالم

قد يُصبح التقاط صورة سيلفي مثالية أمراً مميتاً في بعض الأحيان وذلك وفقاً للمكان الذي يلتقط فيه الشخص الصورة

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
أوروبا هاتف «آيفون 16» الجديد من «أبل» (أرشيفية-أ.ف.ب)

فيديو «سيلفي» على هاتف ضحية يحل لغز جريمة قتل في إيطاليا

بعد أكثر من عام على جريمة قتل في إيطاليا، اقتربت الجريمة من الحل بفضل فيديو «سيلفي» التقطه الجاني المشتبه به.

«الشرق الأوسط» (روما)
يوميات الشرق عدد وفيات صور «السيلفي» تضاعف 3 مرات بعد رفع قيود «كورونا»

عدد وفيات صور «السيلفي» تضاعف 3 مرات بعد رفع قيود «كورونا»

مع خروج العالم من العزلة المرتبطة بكورونا، ارتفعت الوفيات المرتبطة بالتقاط صور «السيلفي» بشكل كبير. وبحسب صحيفة «ديلي ميل» البريطانية، فقد أظهرت بيانات جمعتها شركة راينو سيفتي البريطانية لتقييم المخاطر والسلامة، أنه تم الإبلاغ عن 24 حالة وفاة مرتبطة بالتقاط هذه الصور هذا العام، مقارنة بـ7 حالات فقط في عام 2020. وأشارت البيانات إلى أن السقوط هو السبب الأكثر شيوعاً لوفيات صور السيلفي، وهو المسؤول عن ثلث الوفيات، وبعده الغرق، المسؤول عن حوالي 1 من كل 5 حالات وفاة. كما أكدت البيانات أيضاً أن الرجال أكثر عرضة للوفاة أثناء سعيهم للحصول على صورة «سيلفي» جيدة، مقارنة بالنساء، حيث إن نسبة الوفيات بلغت

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق نظام غذائي غير متوقع للقرش «كوكي كاتر»

نظام غذائي غير متوقع للقرش «كوكي كاتر»

أسماك القرش من نوع «كوكي كاتر»، هي أسماك تتواجد في أعماق البحار، ويبدو أنها لا تظهر على السطح إلا في الليل، ونتيجة لذلك، لا نعرف الكثير عنها، ومع ذلك فإن هناك شيئا واحدا يمكننا قوله على وجه اليقين، وهو أنهم يحبون العض، حيث وجد العلماء على مر السنين في أمعائها قطعا دائرية صغيرة من أجسام الدلافين وسمك أبو سيف والسلاحف البحرية والحيتان وأسماك القرش البيضاء والغواصات العسكرية، وحتى البشر أنفسهم، ويوحي شكلها وكأنها قطعت بقالب الكعك، وهو ما جعلهم يطلقون عليها اسم «كوكي كاتر». وأدى عدد كبير من الأدلة إلى افتراض العلماء أن هذه الحيوانات المفترسة الصغيرة، التي لا يزيد نموها عادة عن 50 سم تفضل تناول فري

حازم بدر (القاهرة)
الأخيرة سمكة متوحشة على شواطئ كاليفورنيا

سمكة متوحشة على شواطئ كاليفورنيا

عثر المارة بأحد شواطئ كاليفورنيا على كائن بحري ذي مظهر غير مألوف بأسنان حادة مثل الزجاج وجسم على شكل كرة قدم جرفتها الأمواج الأسبوع الماضي. حسبما ذكر موقع «سي إن إن». لم يكن ذلك الكائن ذو اللون الأسود بفمه المفتوح الملقى على رمال شاطئ المنطقة البحرية المحمية في منطقة «كريستال كوف ستيت بارك» بشاطئ «لاونج بيتش» الجمعة الماضي سوى «سمكة كرة قدم المحيط الهادي»، المعروفة أيضاً باسم «سمكة أبو الشص».

«الشرق الأوسط» (كاليفورنيا)

الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
TT

الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)

حالة من الغموض تحيط بمدفن الأديبة اللبنانية من أصل فلسطيني مي زيادة «1886-1941» بعد إعلان باحث مصري في شؤون المقابر والجبانات عن اختفائه من موقعه في مدافن الطائفة المارونية.

وكان الباحث في شؤون الجبانات والمقابر إبراهيم طايع أعلن عن اختفاء المقبرة، مشيراً على صفحته بـ«فيسبوك» إلى أنه كان في زيارة هناك، ولم يجد لها أثراً، وقال طايع: «المعروف أن مي زيادة توفيت في القاهرة، وخرجت جنازتها من مستشفى المعادي في 17 أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1941م ودفنت في مقابر الطائفة المارونية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنه «زار القبر أكثر من مرة، وقام بتصويره، وهو مدفن بسيط مرتفع عن الأرض، وموضوع عليه رخامة مكتوب عليها: الأديبة مي زيادة... نابغة الشرق، وعليه تاريخ وفاتها».

ويضيف طايع: «في الأيام الماضية حين دخلنا المقابر الخاصة بالطائفة المارونية، لم نجد أثراً لقبر مي ولا توجد رخامة، وكان مكانها رخامة بديلة دون كتابات أدت إلى تغيير شكل القبر تماماً، اختفى القبر كأن المكان لم يكن فيه مدفن من قبل».

وتساءل طايع أين اختفى قبر مي زيادة ومن فعل هذا؟ وما مصير رفاتها؟ وتابع: «حين توجهنا بهذه الأسئلة لبعض المسؤولين عن مقابر الجاليات أخبرونا أن بعض المدافن، عندما تمر عليها سنوات طويلة دون أن يسأل أحد عنها، تتم إزالتها وإعادة استخدام المكان لدفن موتى آخرين، لكن هل ينطبق هذا على مي زيادة، صاحبة الصالون الأدبي الشهير، التي اجتمع حولها كبار أدباء ومثقفي عصرها، وقال عنها أحمد شوقي: (إذا نطقت صبا عقلي إليها، وإن بسمت إليَّ صبا جناني)، ووصفها الشيخ مصطفى عبد الرازق بأنها: رائدة النهضة النسوية في الشرق».

شاهد قبر قديم لمي زيادة (الباحث إبراهيم طايع)

من جهته، قال ميشيل حنا الأديب والباحث في عمارة القاهرة، «إن قبر مي زيادة كان موجودا في خانة في الحائط، وإنه زارها منذ عامين، كان القبر هناك، لكن هذا المدفن لم يكن أول مكان دفنت به، كان هناك مدفن آخر لها، لكن رفاتها نقل إلى مكانها الذي رأيت المقبرة به آخر مرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «هي عادة يلجأ لها المسؤول عن المقابر عندما يجد مكاناً ليس له صاحب ولا يسأل عنه أحد فيقوم بنقل الرفات لإعادة وضع متوفى جديد».

كان لمي في الأصل مدفن خاص بها، حسب قول ميشيل حنا، لكنها نقلت بعد ذلك لمربع في الجدار، وتساءل: «لا أعرف كيف يحدث هذا مع شخصية مثل مي؟ فهي أديبة، وكاتبة، ومترجمة، وشاعرة مهمة، وتُعد واحدة من أبرز رائدات النهضة الأدبية والعمل النسوي في العالم العربي خلال النصف الأول من القرن العشرين».

مي مع والدتها في الناصرة (من الباحث إبراهيم طايع)

من جانبه، قال الأب نبيل رفُّول مسؤول الطائفة المارونية بالقاهرة لـ«الشرق الأوسط» إنهم لا يعلمون شيئاً عن اختفاء مدفن مي زيادة «فقد كان موجوداً بالفعل»، ويضيف رفُّول أن «هناك قضية مقامة ضد حارس المدافن بعد أن اكتشفنا أنه يتم العبث بها، فهو يدعي أنه ورثها عن جده»، ويضيف رفُّول أن «الطائفة المارونية في انتظار كلمة القضاء في هذا الشأن».

ولدت مي زيادة في مدينة الناصرة بفلسطين لأب لبناني وأم فلسطينية، وانتقلت لاحقاً مع عائلتها إلى مصر واستقرت في القاهرة حيث درست في جامعة القاهرة، واشتهرت بثقافتها الواسعة وإتقانها لعدة لغات أجنبية، وأنشأت صالونها الأدبي الأسبوعي الشهير في القاهرة، الذي كان ملتقى لكبار أدباء ومفكري العصر، مثل أحمد لطفي السيد، وخليل مطران، وعباس محمود العقاد، وطه حسين، ومصطفى صادق الرافعي.


السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
TT

السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

في كل صيف، تتكرر على شواطئ البحر المتوسط معجزة طبيعية عمرها ملايين السنين، حين تشق صغار السلاحف البحرية طريقها من الأعشاش الرملية إلى البحر. لكن هذا المشهد الآسر بات يحمل مؤشرات مقلقة لعلماء البيئة؛ إذ تكشف السلاحف ضخمة الرأس عن التأثير المتنامي لتغير المناخ على النظم البحرية، مع ارتفاع درجات الحرارة الذي يخلّ بالتوازن الطبيعي بين الذكور والإناث ويهدد مستقبل أحد أبرز الكائنات المهاجرة في المتوسط.

على شاطئ إيزتوزو التركي، أحد أهم مواقع تعشيش السلاحف البحرية في البحر المتوسط، تشق نحو 30 ألف سلحفاة صغيرة طريقها إلى البحر كل موسم بعد خروجها من مئات الأعشاش المنتشرة على امتداد الساحل. ورافقت «رويترز» عالم الأحياء البحرية يعقوب كاسكا وفريقه من المتطوعين خلال جولاتهم الليلية لمراقبة الأعشاش وحماية البيوض المدفونة في الرمال. وتنتشر فوق الأعشاش أقفاص هرمية الشكل تحول دون وصول الثعالب إليها، في حين يتحول الشاطئ، الذي يعج بالسياح نهاراً، إلى ملاذ هادئ لحماية السلاحف ليلاً.

صغار السلاحف البحرية تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو الواقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​في مقاطعة موغلا بتركيا (رويترز)

تميمة «كوب 31»

وأصبحت السلحفاة ضخمة الرأس، التي تحفر أعشاش بيوضها على شواطئ البحر المتوسط، التميمة الرسمية لمؤتمر الأطراف (كوب 31) للمناخ الذي تستضيفه تركيا الشهر المقبل. وستكون حماية البيئة البحرية من المحاور الرئيسية للقمة التي ستنعقد على ساحل أنطاليا.

ويقول باحثون إن تلك السلحفاة توضح كيفية تأثير تغير المناخ على النظم البيئية بمنطقة البحر المتوسط، التي تشهد اتجاهاً طويل الأمد نحو ارتفاع درجات الحرارة منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي.

درجات حرارة أعلى

أظهر تحليل أجرته «رويترز» أن المياه الأوروبية سجلت أعلى درجات حرارة صيفية على الإطلاق، مع تداعيات خطيرة على بعض المجتمعات الساحلية.

ويقول باحثون إن تغير المناخ يؤدي أيضاً إلى ارتفاع تدريجي في درجات حرارة الشواطئ في أنحاء البحر المتوسط ‌وهي الشواطئ التي ‌تضع فيها السلاحف بيوضها.

ويتحدد جنس صغار السلاحف وفقاً لدرجة حرارة العش؛ إذ تؤدي الرمال الأكثر ​دفئاً ‌إلى ⁠إنتاج أعداد ​أكبر ⁠من الإناث.

وقالت آيفر شيرين، المحاضرة في علم البيئة بجامعة أسكودار والتي أجرت أبحاثاً موسعة على السلاحف ضخمة الرأس: «تقدم لنا السلاحف البحرية نظام إنذار مبكراً وسريعاً للغاية». وأضافت أن تلك الكائنات تظهر عليها آثار التغيرات البيئية التي تؤثر في النظم الساحلية والبحرية لأنها من الأنواع التي تعتمد على اليابسة والبحر معاً.

وفي دراسة دكتوراه استمرت خمس سنوات في جامعة باموكالي، خلصت شيرين إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يرتبط بتبكير مواعيد وضع البيوض وتقليص فترات الحضانة لها في الأعشاش وزيادة نسبة الإناث.

يراقب عالم الأحياء البحرية المتخصص في السلاحف البحرية يعقوب كاسكا وأحد المتطوعين سلحفاة صغيرة وهي تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو (رويترز)

وقدرت الدراسة التي أجريت على شاطئ باتارا أن نحو 70 في المائة في المتوسط من صغار السلاحف ضخمة الرأس عند الفقس من الإناث، وخلصت إلى أن تعديل السلوكيات وحده قد لا يكون كافياً للتخفيف ⁠من آثار تغير المناخ.

وقال كاسكا إن درجات حرارة الأعشاش في إيزتوزو ارتفعت بنحو درجة مئوية ‌واحدة خلال العشرين عاماً الماضية، مضيفاً أن تحليلات أوسع أشارت إلى أن الإناث ‌تمثل ما بين 80 و90 في المائة من صغار السلاحف في العديد من التجمعات.

ويقول ​العلماء إن استمرار ارتفاع درجات الحرارة قد يؤدي في نهاية المطاف ‌إلى انخفاض أعداد الذكور إلى حد لا يكفي لضمان نجاح التكاثر.

وأضافت شيرين أن درجات حرارة الأعشاش التي تتجاوز 30 ‌درجة مئوية تزيد أيضاً من خطر نفوق الأجنة. ووفقاً لفريق الخبراء المختص بالسلاحف البحرية، تصنف السلاحف ضخمة الرأس على أنها معرضة لخطر الانقراض على مستوى العالم.

أما في البحر المتوسط فتدرج ضمن فئة يقل القلق عليها، وهو ما يعكس نجاح جهود الحفاظ على الأنواع، لكن العلماء يقولون إن تغير المناخ يفرض ضغوطاً جديدة.

تعاون بين الدول

قال كاسكا إن نمط الهجرة الذي تتبعه السلاحف يبرز الحاجة إلى تعاون عابر للحدود خلال مؤتمر «كوب 31».

وتابع قائلاً: «قد ‌تضع بيوضها في تركيا، لكنها تتغذى في تونس أو في البحر الأدرياتيكي وغيرها من المناطق»، ودعا الدول إلى التعاون لحماية التنوع البيولوجي في البحر المتوسط.

وأشار كاسكا إلى أن إناث السلاحف ضخمة الرأس تعود عادة بعد عقود إلى الشواطئ التي فقست فيها لوضع البيوض، لكن التغيرات في الأنظمة البيئية دفعت بعضها إلى وضع البيوض في مناطق أبعد شمالاً وهو أمر لم يكن شائعاً من قبل.

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

ويراقب المتطوعون على الشاطئ صغار السلاحف مستخدمين أضواء حمراء خافتة لتقليل أي إزعاج للحد الأدنى في أثناء توجهها نحو البحر، لكن الصغار يواجهون في البحر مخاطر أخرى، من بينها شباك الصيد والقوارب والنفايات البلاستيكية.

وقالت شيرين: «السلحفاة البحرية التي تعلق في شبكة صيد لا تستطيع الصعود إلى السطح للتنفس، وللأسف تموت غرقاً».

ويشكل التلوث بالبلاستيك مصدر قلق على وجه الخصوص. وقال كاسكا إن 60 في المائة من السلاحف التي تنقل إلى مركز للتأهيل يوجد في أجهزتها الهضمية ما لا يقل ​عن خمس قطع من البلاستيك.

وتابع قائلاً: «إلقاء كيس بلاستيكي في ​البحر يشبه ضرب السلاحف بالرصاص».


«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
TT

«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)

في معرضه الأحدث، الذي يحمل عنوان «ناس من شارعنا»، يقدم الفنان المصري عبد الرازق عكاشة حكايات وقصصاً من فرنسا، إذ يرصد أحد الشوارع الباريسية التي عاش فيها واختلط بسكانها وروادها من الفنانين والمبدعين، ويقدم رؤيته الجمالية عنهم في نحو 30 لوحة تتداخل فيها الألوان الساخنة والباردة لتنسج حكايات باريسية مشوقة.

ويواصل عكاشة، في المعرض الذي افتُتح الخميس بغاليري «فلك» بوسط القاهرة، الرهان على جرأة استخدام الألوان، مع تكوينات تعبيرية وتجريدية تجعل للحكاية أبعاداً مختلفة في ذهن المتلقي، فتتعدد الرؤى والحكايات المنبثقة من العمل الواحد بقدر تعدد المشاهدين.

من أعمال المعرض (فيسبوك)

ويقول الفنان عبد الرازق عكاشة إن فكرة معرض «ناس من شارعنا» تستند إلى شارع «ريدي ذا بيس» في فرنسا، الذي عاش فيه، ويصفه بأنه شارع مهم جداً في منطقة مونمارتر، التي يعيش فيها الفنانون والأدباء والكتّاب، وتضم أيضاً «مولان روج» أو الطاحونة الحمراء، ويمر بها طريق بيكاسو إلى الهضبة العليا، كما سكنت داليدا بالقرب من هذا الشارع.

ويضيف، في كلمة مصورة تعريفية بالمعرض، أنه لم يختر الرسم عن شارع باريسي تنازلاً عن هويته أو تبادلاً للهويات، وإنما تعبير عن التفاعل الإنساني مع شارع وأشخاص من الفنانين والمبدعين عاش بينهم وقرر أن يرسمهم.

ويوضح: «في هذا المعرض، أعرِّف الجانب العربي أو المصري بكيفية تفكير الآخر ونمط حياته، وأحاول أن أصوِّر له هذا النمط وأنقله إليه كاملاً، فليس هناك تضارب في الهويات، بل محاولة للتقريب بينها».

لوحة تعبر عن حكاية بالمعرض (الفنان)

وتشي اللوحات بالعديد من الحكايات في الشارع الذي اختاره الفنان، من المقاهي وجلسات السمر إلى النزهات بالدراجات والجداريات على المترو، وجميعها تأتي في إطار من الألوان المبهجة والتكوينات الفنية ذات الدلالات المفتوحة على أكثر من حكاية وتفسير.

وأشار الفنان أيضاً إلى أن شغفه برسم الشارع لا يقتصر على الشارع الباريسي، إذ لديه، كما يقول، «مشروع فني منذ 10 سنوات عن العمارة في شوارع مصر»، يحاول من خلاله رصد كيفية عيش الناس في مصر، خصوصاً في الأحياء الإسلامية التراثية وبعض المناطق الشعبية، بما تشهده من زحام، مثل الحسين والعتبة والجمالية وحارة اليهود، وغيرها من الأماكن التي تتجلى فيها هوية الإنسان وخصوصيته.

جانب من المعرض (فيسبوك)

وفيما يلفت عكاشة إلى شروع متحف بيكاسو في باريس في دراسة عرض لوحاته عن غزة، يؤكد أن هذه اللوحات، التي خصص لها معرضاً سابقاً في القاهرة ورسم جدارية كبيرة عنها، تظل من أهم الأعمال التي قدمها، إذ تعبّر عما يشعر به فنان عربي تجاه مأساة غزة.

وسبق أن قدم عكاشة معرضاً بعنوان «جدارية غزة»، ضم أعمالاً ملحمية ومشاهد موجعة من المأساة التي شهدها القطاع جراء الحرب. ورصد في لوحاته مشاهد متعددة من داخل القطاع، استلهمها من نشرات الأخبار والصور والوقائع التي شاهدها العالم.