عودة إلى الجذور الفنية لظاهرة «السيلفي»

الفكرة تعود لأواخر القرن الـ16 مع ظهور الرسم الذاتي

الرسم الذاتي ظهر على يد كبار الفنانين في أواخر القرن الـ16  -  يفتتح متحف «أوفيزي» 14 قاعة جديدة مطلع العام المقبل (متحف «أوفيزي»)
الرسم الذاتي ظهر على يد كبار الفنانين في أواخر القرن الـ16 - يفتتح متحف «أوفيزي» 14 قاعة جديدة مطلع العام المقبل (متحف «أوفيزي»)
TT

عودة إلى الجذور الفنية لظاهرة «السيلفي»

الرسم الذاتي ظهر على يد كبار الفنانين في أواخر القرن الـ16  -  يفتتح متحف «أوفيزي» 14 قاعة جديدة مطلع العام المقبل (متحف «أوفيزي»)
الرسم الذاتي ظهر على يد كبار الفنانين في أواخر القرن الـ16 - يفتتح متحف «أوفيزي» 14 قاعة جديدة مطلع العام المقبل (متحف «أوفيزي»)

قد يكون «السيلفي» من أبرز مظاهر تكنولوجيا الاتصالات الحديثة عبر الهواتف الذكية المجهزة بآلات التصوير المتطورة، لكن فكرة التقاط الصورة الذاتية تعود في الواقع إلى مئات السنين مع ظهور الرسم الذاتي على يد كبار الفنانين في أواخر القرن السادس عشر.
يقول المؤرخون إن الفضل في ظهور الرسم الذاتي يعود للإيطالي فيليبو بالدينوتشي، الذي كان يؤرخ لسيرة عدد من الفنانين عندما خطر له أن السيرة لا بد أن تُرفَق برسم ذاتي للفنان يكون بمثابة الرابط النهائي بين حياته وأعماله.
تلك كانت بداية قصة أكبر مجموعة للرسوم الذاتية في العالم جمعها ليوبولدو دي ميديتشي ابن دوق فلورانس الأكبر كوزيمو، الذي باشر أواسط القرن السابع عشر باقتناء تلك اللوحات لكبار الرسامين، إلى أن زاد عددها على الألفين، وتوجد اليوم محفوظة في أحد مخازن متحف «Uffizi» الشهير، الذي قرر أن يفتتح 14 قاعة جديدة مطلع العام المقبل يخصصها لعرض هذه المجموعة النادرة بشكل دائم.
وتجدر الإشارة أن ظهور الرسم الذاتي مع بداية عصر النهضة في توسكانة، التي كانت مهده الأول، تزامن مع ارتقاء الرسامين إلى مرتبة أعلى في سلم الفنون، الذي سرعان ما بلغوا ذروته وأصبحوا القطب الرئيسي للحياة الفنية والثقافية في أوروبا. ومع مرور الوقت أصبح الرسم الذاتي بطاقة تعريف لازمة لكل رسام مرموق وأداة تسويقية لأعماله.
صاحب فكرة هذا المعرض الأول من نوعه هو آيكي شميدت الذي منذ عام 2015 يدير متحف «أوفيزي» الذي، إضافةً إلى قاعاته المكتظة بمئات الروائع الفنية لكبار الرسامين العالميين، يضم في مخازنه الضخمة آلاف اللوحات والأعمال الفنية النفيسة التي لم يُعرض معظمها على الجمهور حتى الآن لعدم توفر المساحة والشروط اللازمة لعرضها.
ومن روائع هذه المجموعة التي ستُعرض بشكل دائم اعتباراً من مطلع السنة المقبلة، رسم ذاتي للسويسري جان إيتيان لوتار من القرن الثامن عشر، يقول عنها شميدت إن «درجة إتقانها المذهلة تجعل الناظر إليها يشعر برطوبة القلنسوة التي يعتمرها الرسام، وبنعومة ملمسها، وهي في تفاصيلها غير المنجزة تبدو إيذاناً بولادة المدرسة الانطباعية قبل مائة عام على ظهورها».
ومن غرائب هذه المجموعة رسوم ذاتية لفنانات مثل البريطانية ماريا كوزواي (1760 - 1838)، التي نجت من مذبحة تعرضت لها شقيقاتها الأربع على يد المربية، وكانت عشيقة الرئيس الأميركي الأسبق توماس جيفرسون، أو ابنة «تينتوريتو» أشهر رسامي البندقية التي يعد رسمها الذاتي من روائع الفن الإيطالي في أواخر القرن السادس عشر.
ويقول مدير متحف «أوفيزي»، الذي يضم أكبر مجموعة من اللوحات الفنية التي رسمتها نساء، إن الاعتقاد السائد هو أنه لم تكن هناك فنانات في القرون الماضية، «لكنّ هذا ليس صحيحاً، فبعد فترة كان الرسم النسائي مقصوراً على الراهبات حتى أواخر القرن السادس عشر، انضم عدد من النساء إلى هذا الفن، وكن في معظمهن زوجات أو بنات لرسامين مشهورين، إلى أن اتسعت دائرة الرسامات بشكل حر مع بداية القرن الثامن عشر، حيث برزت البريطانية آنجيليكا كوفمان التي كانت عضواً أصيلاً في الأكاديمية الملكية للفنون، ويتصدر رسمها الذاتي إحدى القاعات المخصصة لهذه المجموعة التي تضم رسوماً ذاتية لعمالقة الفن العالمي مثل فيلازكيز ورامبراندت وفان ديك وشاغال».
وتجدر الإشارة إلى أن شميدت، الذي يعد من أبرز الإخصائيين العالميين في الفنون الكلاسيكية وإدارة المتاحف، كان على وشك الانتقال إلى النمسا لإدارة متحف تاريخ الفنون الشهير في العاصمة فيينا، بعد أن قررت الحكومة الإيطالية السابقة، ذات التوجه الشعبوي وبتأثير من الزعيم اليميني المتطرف ماتيو سالفيني، إلغاء قرار حكومي سابق يسمح للأجانب بإدارة متاحف رسمية في إيطاليا. ومع تشكيل الحكومة الجديدة أواخر الصيف الماضي، وعودة الحزب الديمقراطي اليساري إليها، تقرر إبطال الإلغاء ومعه بقاء شميدت في فلورنسا.
وكانت الحكومة الشعبوية السابقة تعتزم الحد من استقلالية المتاحف والمشرفين على إدارتها، وتطبيق المركزية على برمجة الأنشطة الثقافية بحيث يصبح مديرو المتاحف تحت التوجيه المباشر للسلطة، على غرار ما كان معمولاً به على العهد الفاشي.


مقالات ذات صلة

السيلفي القاتل: أخطر الدول لالتقاط الصور حول العالم

يوميات الشرق  السبب الأكثر شيوعاً للوفيات المرتبطة بصور السيلفي حول العالم هو السقوط (رويترز)

السيلفي القاتل: أخطر الدول لالتقاط الصور حول العالم

قد يُصبح التقاط صورة سيلفي مثالية أمراً مميتاً في بعض الأحيان وذلك وفقاً للمكان الذي يلتقط فيه الشخص الصورة

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
أوروبا هاتف «آيفون 16» الجديد من «أبل» (أرشيفية-أ.ف.ب)

فيديو «سيلفي» على هاتف ضحية يحل لغز جريمة قتل في إيطاليا

بعد أكثر من عام على جريمة قتل في إيطاليا، اقتربت الجريمة من الحل بفضل فيديو «سيلفي» التقطه الجاني المشتبه به.

«الشرق الأوسط» (روما)
يوميات الشرق عدد وفيات صور «السيلفي» تضاعف 3 مرات بعد رفع قيود «كورونا»

عدد وفيات صور «السيلفي» تضاعف 3 مرات بعد رفع قيود «كورونا»

مع خروج العالم من العزلة المرتبطة بكورونا، ارتفعت الوفيات المرتبطة بالتقاط صور «السيلفي» بشكل كبير. وبحسب صحيفة «ديلي ميل» البريطانية، فقد أظهرت بيانات جمعتها شركة راينو سيفتي البريطانية لتقييم المخاطر والسلامة، أنه تم الإبلاغ عن 24 حالة وفاة مرتبطة بالتقاط هذه الصور هذا العام، مقارنة بـ7 حالات فقط في عام 2020. وأشارت البيانات إلى أن السقوط هو السبب الأكثر شيوعاً لوفيات صور السيلفي، وهو المسؤول عن ثلث الوفيات، وبعده الغرق، المسؤول عن حوالي 1 من كل 5 حالات وفاة. كما أكدت البيانات أيضاً أن الرجال أكثر عرضة للوفاة أثناء سعيهم للحصول على صورة «سيلفي» جيدة، مقارنة بالنساء، حيث إن نسبة الوفيات بلغت

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق نظام غذائي غير متوقع للقرش «كوكي كاتر»

نظام غذائي غير متوقع للقرش «كوكي كاتر»

أسماك القرش من نوع «كوكي كاتر»، هي أسماك تتواجد في أعماق البحار، ويبدو أنها لا تظهر على السطح إلا في الليل، ونتيجة لذلك، لا نعرف الكثير عنها، ومع ذلك فإن هناك شيئا واحدا يمكننا قوله على وجه اليقين، وهو أنهم يحبون العض، حيث وجد العلماء على مر السنين في أمعائها قطعا دائرية صغيرة من أجسام الدلافين وسمك أبو سيف والسلاحف البحرية والحيتان وأسماك القرش البيضاء والغواصات العسكرية، وحتى البشر أنفسهم، ويوحي شكلها وكأنها قطعت بقالب الكعك، وهو ما جعلهم يطلقون عليها اسم «كوكي كاتر». وأدى عدد كبير من الأدلة إلى افتراض العلماء أن هذه الحيوانات المفترسة الصغيرة، التي لا يزيد نموها عادة عن 50 سم تفضل تناول فري

حازم بدر (القاهرة)
الأخيرة سمكة متوحشة على شواطئ كاليفورنيا

سمكة متوحشة على شواطئ كاليفورنيا

عثر المارة بأحد شواطئ كاليفورنيا على كائن بحري ذي مظهر غير مألوف بأسنان حادة مثل الزجاج وجسم على شكل كرة قدم جرفتها الأمواج الأسبوع الماضي. حسبما ذكر موقع «سي إن إن». لم يكن ذلك الكائن ذو اللون الأسود بفمه المفتوح الملقى على رمال شاطئ المنطقة البحرية المحمية في منطقة «كريستال كوف ستيت بارك» بشاطئ «لاونج بيتش» الجمعة الماضي سوى «سمكة كرة قدم المحيط الهادي»، المعروفة أيضاً باسم «سمكة أبو الشص».

«الشرق الأوسط» (كاليفورنيا)

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.