اتفاق التجارة الأميركي الصيني يدعم السوق النفطية

إضافة لقرار {أوبك +} بتعميق تخفيضات الإنتاج

حقل نفطي في روسيا (رويترز)
حقل نفطي في روسيا (رويترز)
TT

اتفاق التجارة الأميركي الصيني يدعم السوق النفطية

حقل نفطي في روسيا (رويترز)
حقل نفطي في روسيا (رويترز)

ارتفعت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ ثلاثة أشهر، بعد إقرار أعضاء أوبك وحلفائها خفض حصص الإنتاج مجدداً في الاجتماع الذي عقد خلال الأسبوع الأول من ديسمبر (كانون الأول) الحالي، حيث وافقت المجموعة على خفض الإنتاج بمقدار 0.5 مليون برميل يومياً بما يرفع إجمالي كمية الخفض المستهدفة إلى 1.7 مليون برميل يومياً بدءاً من الربع الأول من العام 2020،
ومن ضمن هذه الكمية، سيتم اقتسام نحو 0.7 مليون برميل يومياً ما بين السعودية وروسيا بمعدل 0.4 مليون برميل و0.3 مليون برميل يومياً على التوالي وفقاً لتصريحات وزراء الطاقة، حيث صرح وزير الطاقة السعودي أن المملكة ستقوم طوعا بتقليص إنتاجها بواقع 0.4 مليون برميل يومياً، علاوة على حصة الخفض المقررة بما سيساهم، إلى جانب التزام المنتجين الآخرين، في تعميق خفض الإنتاج إلى نحو 2.1 مليون برميل يومياً.
وقال تقرير صادر عن شركة «كاكو» للاستثمار وإدارة الأصول، إنه رغم ذلك، أدى الارتفاع غير المتوقع للمخزون الأميركي وخاصة بالنسبة لمخزونات البنزين ونواتج التقطير خلال الأسبوع المنتهي في 6 ديسمبر 2019 إلى تعويض جزء من اتجاه سعر النفط الإيجابي. وأظهر التقرير الأسبوعي الصادر عن إدارة معلومات الطاقة الأميركية زيادة قدرها 822 ألف برميل بعد تسجيل تراجع بمقدار 4.9 مليون برميل خلال الأسبوع الذي سبق. وتظهر البيانات الأسبوعية السابقة أن مخزون الولايات المتحدة من النفط الخام ارتفع خلال 11 من أصل 13 أسبوعاً بإضافة نحو 31.9 مليون برميل إلى إجمالي مخزون الولايات المتحدة من الخام الذي بلغ 447.9 مليون برميل. كما أبرز تقرير إدارة معلومات الطاقة أيضاً الانخفاض الحاد في استهلاك البنزين الذي بلغ 8.8 مليون برميل يومياً، فيما يعد أدنى مستوياته منذ فبراير (شباط) 2019، كما ساهم ذلك أيضا في دفع مصافي التكرير إلى خفض معدلات الاستخدام التي تراجعت بنحو 130 نقطة أساس إلى 90.6 في المائة من إجمالي الطاقة الاستيعابية الفعلية.
أضاف التقرير من جهة أخرى، أن الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين استمرت في التأثير سلباً على توقعات الطلب على النفط في ظل استعداد الولايات المتحدة لفرض رسوم جمركية إضافية على واردات صينية. ومع ذلك، أوقفت المرحلة الأولى من صفقة نهاية الأسبوع بين البلدين القيود المفروضة على التعريفة الجمركية الجديدة وأعطت أملا لسوق النفط.
وفقا للصفقة، وافقت الولايات المتحدة على التخلي عن التعريفة الجمركية الجديدة وفي المقابل وافقت الصين على استيراد المنتجات الزراعية الأميركية وغيرها من المنتجات. في ذات الوقت، أشارت أحدث البيانات المتعلقة بالصادرات القادمة من الصين إلى تأثير الحروب التجارية على نشاط التجارة في البلاد، حيث أظهرت أرقام التصدير في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 انخفاضا للشهر الرابع على التوالي. من جهة أخرى، كانت بيانات الوظائف الأميركية متفائلة في نوفمبر 2019، ولم يشر الاحتياطي الفيدرالي الأميركي إلى أي تغيير في أسعار الفائدة في العام 2020 بما يؤكد استمرار النمو الاقتصادي المطرد خلال العام المقبل. هذا، وبالإضافة إلى إجراء الانتخابات الأميركية العام المقبل من شأنه أن يساهم في إبقاء الطلب على النفط ثابتاً.
على صعيد العرض، سلطت أحدث توقعات الطاقة الصادرة عن إدارة معلومات الطاقة الأميركية الضوء على أن الولايات المتحدة ستواصل إنتاجها بوتيرة قياسية خلال العام المقبل، وإن كان من المتوقع أن تكون وتيرة النمو أقل مما كان متوقعاً في السابق. ووفقاً للتقرير، من المتوقع أن يصل إنتاج النفط الخام الأميركي إلى 13.18 مليون برميل يوميا في العام المقبل بما يمثل زيادة قدرها 930 ألف برميل يومياً مقابل توقعات بتسجيل نمو يصل إلى 1 مليون برميل يومياً في التقرير الذي سبق، كما تم خفض تقديرات الإنتاج للعام 2019 إلى 12.25 مليون برميل يومياً مقابل 12.3 مليون برميل يومياً في التقرير السابق. كما أشارت أوبك في تقريرها الشهري إلى ثقتها في أن تراجع العرض خلال العام المقبل سيؤدي إلى عجز. وفي تقريرها الشهري الأخير، أوضحت الأوبك أن منتجي النفط الصخري الأميركي بدأوا في خفض الإنتاج بوتيرة أسرع مما كان متوقعاً في السابق، ومن المتوقع أن يكون تباطؤ التجارة العالمية قد وصل إلى القاع وهو الأمر الذي سينعكس إيجابياً على الطلب على النفط في العام المقبل، وهي النقطة التي أكدتها أيضا وكالة الطاقة الدولية في تقريرها الشهري.
وقامت وكالة الطاقة الدولية، في تقريرها الشهري الأخير، بخفض توقعات نمو إنتاج النفط العالمي للعام المقبل بمقدار 0.2 مليون برميل يومياً لتصل إلى 2.1 مليون برميل يومياً، إلا أنها ذكرت أنه على الرغم من التخفيضات الإضافية التي أدخلتها الأوبك على حصص الإنتاج في الربع الأول من العام 2020 فإنه من المتوقع ارتفاع مخزونات النفط العالمية خلال الربع. وعزت الوكالة خفض التوقعات لإعلان الأوبك إلى تعميق خفض حصص الإنتاج، هذا بالإضافة إلى تراجع معدلات نمو الإنتاج المتوقعة للولايات المتحدة وغانا والبرازيل. وفي المقابل، رسم التقرير صورة إيجابية لنمو الاقتصاد العالمي في العام المقبل وذكر أن تباطؤ النشاط التجاري والاقتصادي قد يكون قد انتهى في الربع الأخير من هذا العام. وفي ذات الوقت، أبرز التقرير الشهري لإدارة معلومات الطاقة الأميركية انخفاض عدد منصات الحفر في الولايات المتحدة بما أدى إلى تباطؤ نمو إنتاج النفط، وأضاف أنه من المتوقع أن تستمر تلك الأوضاع خلال العام 2020 وإن كان تحسين كفاءة منصات الحفر وإنتاجية الآبار قد ساهم في تعويض بعض من تأثيرات انخفاض عدد منصات الحفر.
تم الإبقاء على تقديرات الطلب العالمي على النفط للعام 2019 دون تغير عن المستويات الصادرة عن الأوبك خلال الشهر الماضي عند مستوى 0.98 مليون برميل يومياً، حيث يتوقع أن يصل في المتوسط إلى 99.80 مليون برميل يومياً. كما لم يطرأ أي تغير على بيانات نمو الطلب الإجمالية لكل من الدول التابعة وغير التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وظل اتجاه الطلب الشهري في الولايات المتحدة ضعيفاً خلال نوفمبر 2019 خاصة بالنسبة للبنزين نظراً لتراجع معدلات الطلب التي وصلت إلى أدنى مستوياتها منذ فبراير 2019 على خلفية استخدام بدائل الوقود وارتفاع كفاءة الوقود إلى جانب انخفاض مبيعات المركبات. في المقابل، ساهم تزايد الطلب على الغاز الطبيعي المسال - غاز البترول المسال، الكيروسين ونواتج التقطير في تعويض تباطؤ معدلات الطلب على البنزين وزيت الوقود المتبقي. وظل اتجاه الطلب على النفط في الدول الأوروبية التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إيجابيا حتى الآن هذا العام مقارنة بمستويات العام 2018 في ظل تسجيل مكاسب بنسبة 0.6 في المائة على أساس سنوي. وكانت أرقام الطلب في أكتوبر (تشرين الأول) 2019 إيجابية بالنسبة لألمانيا وفرنسا وإيطاليا والتي قابلها جزئيا انخفاض الطلب من جهة المملكة المتحدة. على صعيد منطقة آسيا والمحيط الهادي التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أظهرت بيانات الطلب الأولية لليابان تراجع معدلات الطلب في أكتوبر 2019 لجميع فئات المنتجات. أما بالنسبة للدول غير التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فقد ظلت معدلات الطلب على النفط قوية في الصين، حيث ارتفع الطلب بمقدار 0.35 مليون برميل يومياً على أساس سنوي في أكتوبر 2019 فيما يعزى في المقام الأول إلى ارتفاع متطلبات وقود الطائرات - الكيروسين والنافتا والديزل. إلا أن ذلك الارتفاع قابله انخفاض الطلب على البنزين. وواصلت مبيعات السيارات تراجعها في أكتوبر 2019، حيث انخفضت بنسبة 4 في المائة على أساس سنوي في ظل فشل النمو الذي سجلته مبيعات سيارات الدفع الرباعي في تعويض التراجعات التي شهدتها الفئات الأخرى. وأظهرت أرقام الطلب على النفط في الهند انخفاضا في أكتوبر 2019 على خلفية تراجع الطلب على نواتج التقطير المتوسطة والثقيلة التي تم تعويضها جزئياً من خلال زيادة متطلبات غاز البترول المسال.
كما تم الإبقاء على توقعات نمو الطلب على النفط للعام 2020 دون تغير عند مستوى 1.08 مليون برميل يومياً مع توقع أن يصل الطلب إلى 100.88 مليون برميل يومياً. ومن المتوقع أن يرتفع الطلب من جهة الدول التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بواقع 0.07 مليون برميل يومياً، وأن يرتفع الطلب من خارج المنظمة بمقدار 1.01 مليون برميل يومياً نظراً لتزايد الطلب من الصين بصفة خاصة.
وفقاً للبيانات الأولية، شهد المعروض العالمي من النفط نمواً بلغ 0.41 مليون برميل يوميا في نوفمبر 2019 على أساس شهري ليصل في المتوسط إلى 99.78 مليون برميل يومياً. وتعزى تلك الزيادة في الإنتاج في المقام الأول لارتفاع الإنتاج في الولايات المتحدة وكندا والنرويج والمملكة المتحدة وروسيا وأذربيجان وسائل الغاز الطبيعي من الدول التابعة لمنظمة الأوبك. في حين تراجعت حصة الأوبك في السوق بمقدار 30 نقطة أساس على أساس شهري إلى 29.6 في المائة في نوفمبر 2019.
وبالنسبة للعام 2019 بأكمله، استقرت توقعات نمو المعروض النفطي من خارج منظمة الأوبك دون تغيير عند مستوى 1.82 مليون برميل يومياً مع توقع أن يبلغ إجمالي المعروض 64.30 مليون برميل يومياً، إلا أن مراجعة مستويات العرض الإقليمية نظراً للطلب على البيانات الخاصة بالعام الحالي والتي نتج عنها ارتفاع مستويات المعروض النفطي أكثر مما كان متوقعاً لكل من تايلاند (+ 18 ألف برميل يومياً) وروسيا (+ 3 آلاف برميل يومياً) والتي قابلها تراجع البيانات الخاصة بكل من المملكة المتحدة (- 14 ألف برميل يومياً) وإندونيسيا والهند وكندا. كما تم إجراء مراجعات ربع سنوية عكست ارتفاع إمدادات النفط من الولايات المتحدة في الربع الثالث من العام 2019، إلا أنه قابلها تراجع تقديرات الربع الأخير من العام.
أما بالنسبة للعام 2020 ظل نمو المعروض من خارج الأوبك دون تغيير عند مستوى 2.17 مليون برميل يومياً مع توقع وصول المعروض النفطي خلال العام إلى 66.46 مليون برميل يومياً. كان هناك رفع لتوقعات المملكة المتحدة (+ 14 ألف برميل يومياً) وإندونيسيا والهند وكندا، إلا أنه تم تعويض ذلك من خلال خفض توقعات روسيا (- 18 ألف برميل يومياً) وتايلاند. تراجع إنتاج الأوبك خلال نوفمبر 2019 بعد النمو الذي شهده الشهر الذي سبق. ووفقاً لبيانات وكالة بلومبرغ، انخفض إنتاج الأوبك بمقدار 110 آلاف برميل يومياً خلال الشهر على خلفية انخفاض الإنتاج بشكل رئيسي في أنغولا (- 60 ألف برميل يومياً) وإيران (- 40 ألف برميل يومياً) وهو الأمر الذي قابله جزئياً ارتفاع الإنتاج في الإكوادور والعراق بإجمالي بلغ 80 ألف برميل يومياً. وباستثناء التراجع الحاد للإنتاج خلال شهر سبتمبر (أيلول) 2019 على خلفية الهجمات التي تعرضت لها المنشآت النفطية السعودية، بلغ معدل الإنتاج في نوفمبر 2019 أدنى مستوياته منذ ستة أعوام، وفقا لبيانات وكالة بلومبرغ. وفي ذات الوقت، أظهرت المصادر الثانوية لمنظمة الأوبك انخفاضا حاداً في الإنتاج الشهري وصولاً إلى 193 ألف برميل يومياً فيما يعزى أساساً إلى انخفاض الإنتاج السعودي بواقع 151 ألف برميل يومياً، والذي قابله زيادة هامشية للإنتاج من جهة الإكوادور والكويت وليبيا.


مقالات ذات صلة

الاقتصاد شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)

صندوق النقد الدولي: الحرب تسرّع نزوح رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة

حذَّر صندوق النقد الدولي من أنَّ الصراع الدائر في منطقة الشرق الأوسط بات يُشكِّل «اختباراً قاسياً» لاستقرار الأسواق الناشئة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد ناقلة نفط راسية في ميناء تشينغداو، بمقاطعة شاندونغ شرقي الصين (أ.ف.ب)

برنت يتجاوز الـ111 دولاراً مع تصعيد ترمب تهديداته لإيران

ارتفعت أسعار النفط العالمية في تعاملات يوم الأربعاء، مدفوعةً بتصعيد غير مسبوق من الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه طهران.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد جناح «أوبك» بمؤتمر «كوب 28» في دبي عام 2023 (د.ب.أ)

«أوبك» تتسلم خطط التعويض المحدثة... وكازاخستان «المطالب الوحيد» بتقليص الفائض

أعلنت الأمانة العامة لمنظمة «أوبك» عن تسلمها خطط التعويض المحدثة من كل من العراق، والإمارات، وكازاخستان، وسلطنة عُمان.

«الشرق الأوسط» (فيينا)
خاص من اليمين: رئيس بنك إنجلترا أندرو بيلي ولاغارد ورئيس بنك اليابان كازو أويدا وباول في ندوة جاكسون هول (أرشيفية - رويترز)

خاص من كورونا إلى «هرمز»... «التيسير النقدي» يعود من نافذة الطوارئ الجيوسياسية

بينما كان العالم يستعد لطي صفحة «الأموال السهلة» التي خلّفتها جائحة كورونا، جاءت شرارة النزاع بالشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز لتعيد خلط الأوراق النقدية عالمياً.

هلا صغبيني (الرياض)

النفط «المادي» يكسر حاجز الـ150 دولاراً... وفجوة قياسية تفصله عن «العقود الآجلة»

متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

النفط «المادي» يكسر حاجز الـ150 دولاراً... وفجوة قياسية تفصله عن «العقود الآجلة»

متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

سجلت أسعار النفط الخام «المادي» (Physical Oil) مستويات قياسية تاريخية، حيث اقتربت من حاجز الـ150 دولاراً للبرميل، متجاوزة بكثير أسعار العقود الآجلة «الورقية» المتداولة في البورصات. ويعكس هذا الانفجار السعري أزمة إمدادات خانقة ناتجة عن تداعيات الحرب، التي أدت إلى إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز، مما وضع المصافي العالمية في مواجهة مباشرة مع نقص مادي حاد في البراميل الجاهزة للتسليم.

تسببت الأزمة الراهنة في توقف ما لا يقل عن 12 مليون برميل يومياً من النفط القادم من الشرق الأوسط، وهو ما يعادل نحو 12 في المائة من إجمالي الإمدادات العالمية. هذا الإغلاق الفعلي للمضيق دفع بأسعار عقود «برنت» الآجلة للوصول إلى 119.50 دولار للبرميل الشهر الماضي (وهو أعلى مستوى منذ 2022). لكن هذا الرقم لا يعكس الحقيقة المرة التي تواجهها المصافي؛ إذ إن العقود الآجلة الحالية هي لتسليم شهر يونيو (حزيران)، بينما تحتاج المصافي إلى النفط «الآن».

وفي مؤشر على حجم الكارثة، أظهرت بيانات «إل إس إي سي» أن السعر الفعلي لخام «فوراتيس» بحر الشمال قفز يوم الثلاثاء إلى 146.09 دولار للبرميل. وهذا الرقم لا يمثل فقط سعراً قياسياً جديداً، بل إنه يكسر الرقم التاريخي المسجل في عام 2008 (147.50 دولار للبرميل لبرنت) بالنظر إلى طبيعة العلاوات السعرية الحالية، ليصبح الأعلى على الإطلاق لهذا الخام.

خزانات النفط والمنشآت في مجمع يوسو الصناعي الوطني في كوريا الجنوبية (أ.ف.ب)

النفط «الآن» وليس غداً

ويؤكد عدي إمسيروفيتش، أحد كبار تجار النفط المخضرمين، أن المحرك الأساسي لهذه القفزات هو حالة «الذعر» بشأن التوفر المادي للشحنات. ويقول: «عندما يكون هناك نقص حقيقي وملموس، لا يفكر المتعاملون في تسليمات يوليو (تموز) أو عقود يونيو الورقية، بل يتركز تفكيرهم على تأمين النفط فوراً».

هذا التهافت المادي أدى إلى اتساع الفجوة بين «برنت المؤرخ - وهو المعيار المادي للشحنات الفورية - وبين عقود برنت الآجلة لشهر يونيو بمقدار 20 دولاراً كاملة، وهو فارق استثنائي يظهر حجم التوتر في الجزء الأقرب للتسليم من منحنى الأسعار.

سباق المصافي وأزمة المشتقات

المصافي الأوروبية والآسيوية، التي وجدت نفسها محرومة فجأة من النفط الخليجي، دخلت في منافسة محمومة للحصول على البدائل من خامات أفريقيا وبحر الشمال. ولم يتوقف الأمر عند الخام؛ بل امتدت النيران إلى أسعار المشتقات المكررة في أوروبا التي سجلت مستويات وصفت بالمرعبة:

وقود الطائرات: حوّم عند 226.40 دولار للبرميل، مقترباً من ذروته التاريخية المسجلة في منتصف مارس (آذار).

الديزل: استقر عند 203.59 دولار للبرميل، وهو رقم يقل قليلاً عن مستويات 2022 القياسية لكنه يضغط بقوة على قطاعات النقل والصناعة.

من جانبه، أشار مصرف «مورغان ستانلي» في تقرير حديث إلى أن السوق حالياً تتسابق للحصول على «براميل فورية قابلة للاستخدام». ويرى محللو البنك أن الأسواق العالمية دخلت مرحلة «التدافع المحموم» لتأمين براميل نفطية فورية قابلة للاستخدام الفني في المصافي.

وحسب التقرير، فإن المصافي لا تستطيع الانتظار حتى وصول شحنات بديلة قد تستغرق أسابيع للدوران حول طريق رأس الرجاء الصالح، مما جعل «البرميل الموجود الآن» أغلى من أي وقت مضى، بغض النظر عن سعره في بورصات العقود الآجلة.

ولفت التقرير الانتباه إلى ظاهرة تقنية تسمى «الباكورديشن الحاد»؛ حيث يظهر الإجهاد بشكل صارخ في الجزء الأقرب من المؤشر القياسي للمشكلة المادية المباشرة.

ويشرح محللو «مورغان ستانلي» أن الفجوة التي اتسعت إلى 20 دولاراً بين برنت «المادي» و«الورقي» هي «صافرة إنذار» تشير إلى أن الأسواق لم تعد تثق باستمرارية تدفق الإمدادات، وهي تعوض النقص الفوري بأي تكلفة كانت.


صندوق النقد الدولي: الحرب تسرّع نزوح رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة

شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: الحرب تسرّع نزوح رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة

شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)

حذَّر صندوق النقد الدولي من أنَّ الصراع الدائر في منطقة الشرق الأوسط بات يُشكِّل «اختباراً قاسياً» لاستقرار الأسواق الناشئة، حيث تسبب في عكس مسار تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية؛ نتيجة الحساسية المفرطة للمستثمرين غير المصرفيِّين تجاه الأزمات.

وأوضح الصندوق في فصل تحليلي ضمن «تقرير الاستقرار المالي العالمي» لعام 2026، قبل انطلاق اجتماعات الربيع الخاصة بصندوق النقد والبنك الدوليَّين، التي تنعقد الأسبوع المقبل، أنَّ اعتماد الدول الناشئة المتزايد على «المقرضين غير المصرفيين» ضاعف من وطأة هذه الصدمات، مما جعل هروب الاستثمارات أسرع وأكثر حدة مما كان عليه في فترات التمويل المصرفي التقليدي.

وكانت رئيسة صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، قالت لـ«رويترز»، الاثنين، إن الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي.

وقد تسببت الحرب في أسوأ اضطراب على الإطلاق في إمدادات الطاقة العالمية، حيث توقف إنتاج ملايين البراميل من النفط؛ بسبب الحصار الإيراني الفعلي لمضيق هرمز، وهو ممر حيوي لشحن خُمس إنتاج النفط والغاز في العالم. وحتى لو تمَّ حلُّ النزاع سريعاً، فمن المتوقع أن يخفِّض صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو الاقتصادي ويرفع توقعاته للتضخم، وفقاً لما صرَّحت به غورغييفا لـ«رويترز».

4 تريليونات دولار تحت التهديد

وكشف التقرير أن تدفقات المَحافظ الاستثمارية إلى الأسواق الناشئة شهدت قفزةً هائلةً بمقدار 8 أضعاف منذ الأزمة المالية العالمية، لتصل قيمتها التراكمية إلى نحو 4 تريليونات دولار بحلول عام 2025. وأصبحت الديون هي المحرك الأساسي، حيث تمثل التزامات ديون المَحافظ حالياً 15 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في الأسواق الناشئة، ارتفاعاً من 9 في المائة فقط في عام 2006. ويقدِّم المستثمرون غير المصرفيين - مثل صناديق التحوط وصناديق الاستثمار المشترك - نحو 80 في المائة من هذا الرأسمال، وهي نسبة تضاعفت عمّا كانت عليه قبل 20 عاماً.

آليات الهروب

ويشرح التحليل الفني للصندوق كيف تتحوَّل التوترات الجيوسياسية إلى نزوح مالي؛ فعندما ترتفع مخاطر الحرب، يرتفع مؤشر الخوف العالمي (VIX). وتؤدي زيادة بمقدار انحراف معياري واحد في هذا المؤشر (وهو ما يشبه القفزة التي حدثت عند رفع الاحتياطي الفيدرالي الفائدة في 2022) إلى خروج تدفقات ديون تعادل 1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الفصلي للدول الناشئة.

وتعدّ صناديق الاستثمار المشترك وصناديق التحوط الأكثر تأثراً، حيث تتراجع حيازاتها من الأوراق المالية للأسواق الناشئة بنسبة تصل إلى 1.3 في المائة فور وقوع الصدمة، نظراً لاستخدامها «الرافعة المالية» التي تضطرها للبيع السريع لتغطية هوامش المخاطرة.

الصناديق السلبية و«الائتمان الخاص»

ونبّه الصندوق إلى خطر «الاستراتيجيات المعتمدة على المؤشرات»، حيث تقوم الصناديق السلبية وصناديق المؤشرات المتداولة (ETFs) بتعديل مَحافظها آلياً؛ مما يؤدي إلى «عمليات بيع متزامنة» تزيد من وطأة تراجع الأسعار. كما سلّط الضوء على قطاع «الائتمان الخاص» الذي نما 5 أضعاف ليصل حجمه ما بين 50 و100 مليار دولار، ووصفه الصندوق بالقطاع «المعتم» الذي تفتقر بياناته للشفافية، مما يصعّب على صانعي السياسات رصد الثغرات المالية قبل انفجارها.

توصيات لحماية الاستقرار المالي

وفي ظلِّ استمرار حالة عدم اليقين الناجمة عن الحرب، دعا صندوق النقد الحكومات في الأسواق الناشئة إلى تبني استراتيجيات دفاعية تشمل: تعزيز الهوامش المالية؛ حيث إن الدول التي تمتلك احتياطات نقدية وافرة ومؤسسات قوية تعاني بنسبة أقل من تخارج الأموال، والسماح للعملات بالتحرك لامتصاص الصدمات، مع تدخلات محدودة في سوق الصرف عند الضرورة القصوى، ومحاكاة سيناريوهات صدمات اقتصادية قاسية لضمان قدرة المؤسسات المالية على الصمود أمام التوقف المفاجئ للتمويل الخارجي.


صندوق التنمية الزراعية السعودي يضخ 1.7 مليار دولار لتعزيز الأمن الغذائي

موَّل الصندوق مشاريع زراعية بـ7.1 مليون دولار لدعم التشجير وزيادة الغطاء النباتي (واس)
موَّل الصندوق مشاريع زراعية بـ7.1 مليون دولار لدعم التشجير وزيادة الغطاء النباتي (واس)
TT

صندوق التنمية الزراعية السعودي يضخ 1.7 مليار دولار لتعزيز الأمن الغذائي

موَّل الصندوق مشاريع زراعية بـ7.1 مليون دولار لدعم التشجير وزيادة الغطاء النباتي (واس)
موَّل الصندوق مشاريع زراعية بـ7.1 مليون دولار لدعم التشجير وزيادة الغطاء النباتي (واس)

يواصل صندوق التنمية الزراعية السعودي خطواته المتسارعة لتعزيز الأمن الغذائي، واستدامة القطاع الزراعي في المملكة، عبر رفع معدلات الاكتفاء الذاتي وتعزيز المخزون الاستراتيجي.

وتأتي هذه التحركات ضمن استراتيجية شاملة توازن بين تمويل الإنتاج المحلي وسلاسل الإمداد، وبين البرامج الخارجية لاستيراد المنتجات المستهدفة والاستثمار الزراعي العابر للحدود.

وقال المتحدث الرسمي لصندوق التنمية الزراعية، حبيب الشمري، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن ما يقوم به الصندوق يأتي ضمن استراتيجيته المتوافقة مع الاستراتيجية الوطنية للزراعة واستراتيجية الأمن الغذائي، موضحاً أن الصندوق يواصل دعمه وتشجيعه لاستخدام التقنيات الحديثة في مشاريع القطاع الزراعي، للحفاظ على الموارد الطبيعية وتحسين الإنتاجية الزراعية.

وأضاف الشمري أن التقنيات تسهم في توفير الاحتياجات في قطاعات البيئة والطاقة والمياه؛ إذ صرف صندوق التنمية الزراعية في 2024 أكثر من 1.2 مليار ريال (300 مليون دولار) للمشاريع التي تستخدم التقنيات الحديثة؛ حيث ساهمت في الحفاظ على الموارد المائية بتوفير ما يقارب 4 ملايين متر مكعب من المياه، وساهم في خفض استهلاك الطاقة بنحو 330 ألف ميغاواط/ ساعة.

ومن مزايا التقنية المستخدمة في قطاع الزراعة، وفقاً للشمري، تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، من خلال تحسين كفاءة الاستهلاك، وذلك ضمن «مبادرة السعودية الخضراء»؛ إذ موَّل الصندوق مشاريع زراعية بما قيمته 26.6 مليون ريال (7.1 مليون دولار) لدعم التشجير وزيادة الغطاء النباتي، كاشفاً أن الصندوق ساهم في حماية التنوع الحيوي والبيولوجي للبيئة، من خلال تمويل برامج تدعم تطوير تربية النحل وإنتاج العسل، وتنمية زراعة الورد والمحاصيل البعلية، إضافة إلى قروض تجاوزت قيمتها 12 مليون ريال لتمويل مشاتل مركزية.

وبلغت موافقات القروض التي قدَّمها الصندوق حتى نهاية عام 2025 نحو 6.47 مليار ريال (1.72 مليار دولار)، حسب المتحدث الرسمي الذي أشار إلى أنه جرى خلال العام المنصرم توقيع مذكرة تفاهم مع الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد) في روما، بهدف دعم التنمية الريفية الزراعية المستدامة، وتبادل الخبرات، بما يسهم في رفع كفاءة العمل التنموي وتحقيق الاستدامة في القطاع الزراعي.

ولفت الشمري إلى أهمية هذه الاتفاقيات التي تنعكس على القطاع الزراعي، ومنها عدد من الاتفاقيات مع بعض الجهات المحلية، مثل مدينة جازان للصناعات الأساسية والتحويلية، وذلك بهدف تعزيز التكامل في مجال الفرص الاستثمارية في القطاع الغذائي، وتعظيم الاستفادة من البرامج التي يقدمها الصندوق للمستثمرين والمزارعين، في سبيل تعزيز وتحقيق الأمن الغذائي.

كما قام الصندوق بإبرام اتفاقية مع المركز الوطني للنخيل والتمور، لتعزيز واستدامة قطاع النخيل والتمور والصناعات التحويلية، من خلال تمويل التكاليف التشغيلية لشراء التمور، وتوفير حلول تمويلية مبتكرة تناسب احتياجات القطاع، وكذلك مع هيئة تطوير محمية الإمام عبد العزيز بن محمد الملكية، بهدف التعاون المشترك في مجالات تنمية الغطاء النباتي، واستدامة الأنظمة البيئية، ودعم المجتمعات المحلية داخل نطاق المحمية.

وفي خطوة لتعزيز قطاع الثروة الحيوانية، أبرم الصندوق اتفاقية مع شركة «الراعي الوطنية للمواشي» لتمويل مشروع تربية أغنام في منطقة حائل بقيمة تبلغ 1.106 مليار ريال (295 مليون دولار)، وبتكلفة استثمارية إجمالية تصل إلى مليارَي ريال (533 مليون دولار). كما وقَّع اتفاقية مع مركز الإسناد والتصفية (إنفاذ) لتنظيم آليات بيع العقارات المحجوزة وتسخير الخبرات المتاحة بين الجانبين.