التضخم الصيني لأعلى مستوى في 8 سنوات

توقعات باستقرار التجارة الخارجية وانتعاش مطلع العام المقبل

قفز مؤشر أسعار المستهلكين في الصين بنسبة 4.5 % سنوياً خلال الشهر الماضي بما يفوق التوقعات (إ.ب.أ)
قفز مؤشر أسعار المستهلكين في الصين بنسبة 4.5 % سنوياً خلال الشهر الماضي بما يفوق التوقعات (إ.ب.أ)
TT

التضخم الصيني لأعلى مستوى في 8 سنوات

قفز مؤشر أسعار المستهلكين في الصين بنسبة 4.5 % سنوياً خلال الشهر الماضي بما يفوق التوقعات (إ.ب.أ)
قفز مؤشر أسعار المستهلكين في الصين بنسبة 4.5 % سنوياً خلال الشهر الماضي بما يفوق التوقعات (إ.ب.أ)

ارتفع تضخم أسعار المستهلكين في الصين إلى أعلى مستوياته منذ 8 سنوات، وذلك مع ارتفاع أسعار الغذاء. وأظهرت بيانات مكتب الإحصاء الوطني الصيني الصادرة الثلاثاء ارتفاع معدل التضخم في الصين خلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي بسبب ارتفاع أسعار لحوم الخنزير نتيجة تفشي وباء حمى الخنازير.
وارتفع مؤشر أسعار المستهلك وهو المقياس الرئيسي للتضخم في الصين بنسبة 4.5 في المائة سنويا خلال الشهر الماضي، بعد ارتفاعه بنسبة 3.8 في المائة خلال أكتوبر (تشرين الأول) السابق عليه، ليفوق التوقعات البالغة 4.3 في المائة.
وارتفعت أسعار السلع الغذائية بنسبة 19.1 في المائة بعد ارتفاع أسعار لحم الخنزير بنسبة 110.2 في المائة. ويأتي ذلك في الوقت الذي تواجه فيه الصين تفشي وباء حمى الخنازير والذي دفعت الحكومة إلى التدخل من أجل الحد من ارتفاع الأسعار مع الدعوة إلى إعادة هيكلة قطاع تربية الخنازير في البلاد.
من ناحية أخرى تراجع مؤشر أسعار المنتجين (الجملة) بنسبة 1.4 في المائة سنويا خلال نوفمبر الماضي، ليستمر التراجع للشهر الخامس على التوالي. ويشير تراجع المؤشر إلى اضطرار الشركات الصناعية إلى خفض أسعار منتجاتها لمواجهة تباطؤ الاقتصاد في ظل الحرب التجارية مع الولايات المتحدة.
ورغم القلق الدولي العام من تراجع الاقتصاد الصيني، قال تشو هاي بين، كبير الاقتصاديين في الصين ببنك «جي بي مورغان»، إن المقاييس الاقتصادية الصينية الرئيسية من المحتمل أن تنتعش في النصف الأول من عام 2020 معارضا تشاؤم السوق.
وعزا تشو الضغط الاقتصادي النزولي في الصين في 2019 بشكل أساسي إلى عوامل دورية، قائلا إن الاستثمار في التصنيع والبنية الأساسية من المحتمل أن يبدأ في دفع الاقتصاد بحلول العام القادم. وأضاف أن قطاع التصنيع يتطلع للمزيد من الاستثمار وسط التعافي المقدر لمؤشر أسعار الإنتاج، الذي من المحتمل أن يدعم ربح الشركات في الصناعة.
ومن المتوقع أن يرتفع معدل نمو الاستثمار في البنية الأساسية إلى ما يتراوح بين 5 إلى 6 في المائة العام القادم، حيث تقترح الحكومة إصدار سندات حكومة محلية خاصة لتمويل البنية الأساسية، بحسب تشو. والذي تابع أنه من المتوقع أن يتأثر الاستهلاك جزئيا بمؤشر أسعار المستهلكين بسبب ارتفاع أسعار لحم الخنزير في العام القادم، مضيفا أن ارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين مجرد أمر هيكلي، ومن غير المحتمل أن يحدث تحولات في السياسة النقدية.
وبدلا من ذلك، فإن تعهدات السياسات الرئيسية في العام القادم من أجل استقرار الاستهلاك، قد تدعم أصحاب الدخل المتوسط إلى المنخفض وتنعش إنتاج منتجات الخنازير، بحسب تشو.
ومن جانبها، قالت وزارة التجارة الصينية الاثنين، إنه من المحتمل أن تظل التجارة الخارجية مستقرة هذا العام بفضل تحسين هيكل التجارة، بحسب وكالة «شينخوا». وقال لي شينغ تشيان رئيس إدارة التجارة الخارجية بالوزارة، إنه من المتوقع أن يصل حجم التجارة الخارجية للعام بأكمله إلى 30 تريليون يوان (نحو 4.26 تريليون دولار)، وهو تقريبا نفس الحجم للعام الماضي.
وأظهرت بيانات الجمارك، أن التجارة الخارجية للصين توسعت بنسبة 2.4 في المائة على أساس سنوي، لتصل إلى 28.5 تريليون يوان في الأشهر الـ11 الأولي من هذا العام. وأشار لي إلى أن هيكل التجارة تحسن مع توسع صادرات المنتجات ذات التكنولوجيا المتقدمة وعالية الجودة وذات القيمة المضافة العالية، بشكل أسرع من المعدل المتوسط.
وعلى الرغم من احتمال بقاء حالة عدم اليقين الخارجية، يتوقع لي أن تظل التجارة الخارجية الصينية مستقرة في العام القادم. وقال إن الصين سوف تواصل تحسين هيكل التجارة وتقليل تكاليف التجارة ودعم الكفاءة.
في غضون ذلك، تراجعت مبيعات السيارات في الصين للشهر السابع عشر على التوالي في نوفمبر الماضي، وانخفض عدد السيارات التي تعمل بأنواع طاقة جديدة للشهر الخامس على التوالي بحسب بيانات من أكبر اتحاد لصناعة السيارات في البلاد الثلاثاء... وهي مؤشرات مهمة على تراجع الاستهلاك.
وقال اتحاد منتجي السيارات في الصين إن المبيعات في أكبر سوق للسيارات في العالم نزلت 3.6 في المائة مقارنة مع نفس الشهر قبل عام. ويأتي ذلك عقب انخفاض أربعة في المائة في أكتوبر و5.2 في المائة في سبتمبر (أيلول) الماضيين. وانكمشت مبيعات السيارات في البلاد في العام الماضي لأول مرة منذ التسعينات في ظل تباطؤ النمو الاقتصادي والحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة.
وقال الاتحاد إنه في نوفمبر، نزلت مبيعات السيارات التي تعمل بأنواع طاقة جديدة 43.7 في المائة عقب انخفاض 45.6 في المائة في أكتوبر. وقفزت مبيعات تلك السيارات 62 في المائة تقريبا في العام الماضي رغم الانكماش في السوق بشكل عام. وتشمل سيارات التي تعمل بأنواع الطاقة الجديدة السيارات الهجينة، وتلك التي تعمل ببطاريات كهربائية فقط، والتي تعمل بخلايا وقود هيدروجيني.


مقالات ذات صلة

لقاء سعودي - فرنسي يناقش المستجدات الإقليمية والدولية

الخليج الأمير فيصل بن فرحان خلال استقباله جان نويل بارو في الرياض (واس)

لقاء سعودي - فرنسي يناقش المستجدات الإقليمية والدولية

ناقش وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، مع نظيره الفرنسي جان نويل بارو، المستجدات الإقليمية والدولية وتداعياتها على الأمن والاستقرار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص من مراسم استقبال ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الحديقة الجنوبية بالبيت الأبيض نوفمبر 2025 (أ.ف.ب) p-circle

خاص العلاقات السعودية - الأميركية... عام تعزيز المصالح السياسية والتعاون الدفاعي

كرّست الشراكة السعودية الأميركية في 2025 موقع الرياض كوسيط دولي موثوق انعكس أيضاً في حزمة اتفاقيات شملت الدفاع الاستراتيجي والذكاء الاصطناعي والطاقة وغيرها.

غازي الحارثي (الرياض)
يوميات الشرق «فيلا الحجر» أول مؤسّسة ثقافية سعودية - فرنسية مشتركة (حساب الأمير بدر على «إكس»)

«فيلا الحِجر» بالعلا... استثمار في الإبداع

وصف وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو «فيلا الحِجر» الإبداعية في العلا بأنها «مثل زهرة تتشكَّل من رمال الصحراء للمبدعين».

عبد الهادي حبتور (العلا)
يوميات الشرق ستندرج «فيلا الحجر» ضمن البيئة الثقافية للمملكة والمنطقة (الهيئة الملكية للعلا)

«فيلا الحجر»... جسر ثقافي بين السعودية وفرنسا يُزهر من رمال العلا

المشروع يُجسّد متانة العلاقات الفرنسية - السعودية، خصوصاً في مجالات السلام وتعزيز الحوار والثقافة على مستوى العالم.

عبد الهادي حبتور (العلا)
العالم العربي باتريك ميزوناف السفير الفرنسي لدى السعودية (الشرق الأوسط) p-circle

سفير فرنسا لدى السعودية لـ«الشرق الأوسط»: العمل المشترك وراء إنجاح مؤتمر نيويورك

شدد مسؤول فرنسي على ضرورة العمل لإنهاء المذبحة وإنقاذ الرهائن وحماية المدنيين في غزة، محذراً من أن أي ضمّ للضفة الغربية يشكل خطاً أحمر.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)

البنك الدولي: سوق العمل السعودي يتجاوز مستهدفات «رؤية 2030»

امرأتان تسيران أمام الجامع الكبير الإمام تركي بن ​​عبد الله في الرياض (أ.ف.ب)
امرأتان تسيران أمام الجامع الكبير الإمام تركي بن ​​عبد الله في الرياض (أ.ف.ب)
TT

البنك الدولي: سوق العمل السعودي يتجاوز مستهدفات «رؤية 2030»

امرأتان تسيران أمام الجامع الكبير الإمام تركي بن ​​عبد الله في الرياض (أ.ف.ب)
امرأتان تسيران أمام الجامع الكبير الإمام تركي بن ​​عبد الله في الرياض (أ.ف.ب)

حين دشَّن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان عام 2021 برنامجيّ «تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص (شريك)» و«تنمية القدرات البشرية»، كان يعلن عن هندسة متكاملة لمستقبل رأس المال البشري وبنية الاقتصاد الوطني في المملكة؛ فبينما ركَّز المسار الأول على ضخ استثمارات وحزم إنفاق ضخمة لرفع مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي إلى 65 في المائة حتى عام 2030 وخلق مئات الآلاف من الوظائف المستدامة، تولى المسار الثاني بناء استراتيجية وطنية لإعداد مواطن طموح يمتلك مهارات المستقبل والمعرفة لينافس عالمياً، وتوطين الوظائف عالية المهارة عبر مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات السوق المتجددة.

هذا الاستشراف الهيكلي الذي رُسمت ملامحه قبل سنوات في منتصف رحلة «رؤية 2030»، يرصده بشكل تحليلي ومستقل أحدث تقرير مشترك بين البنك الدولي ووزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية. ففي دراستهما الصادرة بعنوان «عقد من التقدم: نظرة عميقة داخل تحول سوق العمل السعودي»، تُظهر المؤشرات والبيانات الإحصائية انعكاس هذه المستهدفات على أرض الواقع. إذ تراجعت البطالة الإجمالية في المملكة إلى مستويات تاريخية بلغت 2.8 في المائة (و6.8 في المائة بين المواطنين)، وانعكست بنية العمل ليصبح نصف المواطنين السعوديين العاملين ينشطون فعلياً في القطاع الخاص. بالتوازي مع صعود لافت لاقتصاد المعرفة والابتكار الرقمي الذي بات يسهم بنحو 15 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

تفاصيل التقرير

شهدت سوق العمل في السعودية طفرة غير مسبوقة في معدلات التوظيف والمشاركة خلال العقد الماضي، مدفوعاً بـ«رؤية 2030» والاستراتيجية الوطنية لسوق العمل. وبحسب مسح أسواق العمل المشترك، قفز معدل المشاركة الإجمالي في القوى العاملة إلى 67.1 في المائة بحلول منتصف عام 2025، متجاوزاً المستهدفات الموضوعة للعام نفسه والمقدرة بـ61.8 في المائة.

وفي الوقت نفسه، سجلت معدلات البطالة تراجعاً تاريخياً حاداً، حيث انخفض المعدل الإجمالي في المملكة إلى 2.8 في المائة وهو رقم يتفوق على مستهدف الرؤية لعام 2030 البالغ 3.8 في المائة. أما على صعيد المواطنين السعوديين، فقد استقر معدل البطالة عند 6.8 في المائة، مما يعكس نجاح سياسات التوطين والتمكين الشامل.

ولعلّ التحول الأبرز تجسد في تمكين المرأة؛ إذ ارتفع معدل توظيف الإناث مقارنة بعدد السكان من 11 في المائة في عام 2015 إلى 32 في المائة في عام 2025. كما رصد التقرير قفزة نوعية في دمج النساء المعيلات لأسرهن، حيث ارتفعت معدلات توظيفهن من 8 في المائة إلى 45 في المائة. وتزامن ذلك مع تراجع نسبة الشباب غير المنخرطين في التعليم أو العمل أو التدريب من 40 في المائة إلى 25 في المائة.

ارتفع معدل توظيف الإناث مقارنة بعدد السكان من 11 % في 2015 إلى 32 % في 2025 (واس)

نقطة التحول

أحدث العقد الماضي تغييراً جذرياً في فلسفة التوظيف السائدة بالمملكة، حيث انتقل الثقل التوظيفي نحو القطاع الخاص، منهياً عقوداً من الاعتماد شبه الكلي على الوظائف الحكومية. وبحلول عام 2025، أصبح نصف المواطنين السعوديين العاملين ينشطون في القطاع الخاص، مقارنة بـ26.5 في المائة فقط في عام 2015.

هذا التحول الهيكلي كان أكثر وضوحاً بين النساء؛ ففي عام 2015 كانت 85 في المائة من السعوديات العاملات يتركزن في القطاع الحكومي، بينما انعكست الصورة تماماً بحلول عام 2025 لتصبح الغالبية الساحقة من الإناث عاملات في القطاع الخاص. توازى ذلك مع تغير عميق في ثقافة العمل، حيث انخفضت نسبة العاطلين الذين يبحثون حصرياً عن وظائف حكومية من 60 في المائة إلى 10 في المائة للرجال، ومن 48 في المائة إلى 22 في المائة للنساء.

طفرة الشركات متناهية الصغر

يتطلب هذا التطور المهني المتسارع توافقاً وثيقاً بين المخرجات التعليمية واحتياجات السوق المتجددة، وهو المحور الاقتصادي الذي رصده التقرير المشترك بعناية؛ حيث كشف عن نمو هائل في بنية الأعمال على صعيد المنشآت متناهية الصغر التي تضم من موظف واحد إلى أربعة موظفين. وبحسب البيانات، قفزت حصة هذه المنشآت من إجمالي التوظيف في المملكة من 6 في المائة في عام 2015 إلى 26 في المائة في عام 2025، لتستوعب هذه الكيانات الصغيرة جداً حالياً نحو 31.1 في المائة من إجمالي العمالة الوطنية السعودية.

ورافق هذا النمو توسع ملحوظ في الاعتماد على المهارات العالية؛ حيث شهدت الشركات بمختلف أحجامها زيادة مستمرة في الوظائف الإدارية والمهنية المتخصصة على حساب العمالة اليدوية. وفي الشركات متناهية الصغر تحديداً، ارتفعت حصة الكوادر المهنية والإدارية من 43 في المائة إلى 49 في المائة، مما يثبت التوجه نحو رفع الكفاءة التشغيلية والاعتماد على الحلول الذكية.

ازدهار الاقتصاد الرقمي

نجحت الإصلاحات التعليمية والمهنية في معالجة فجوات المهارات بشكل ملموس، حيث ارتفعت نسبة السعوديين الذين تتوافق مؤهلاتهم التعليمية تماماً مع متطلبات وظائفهم في القطاع الخاص لتصل إلى 62 في المائة للرجال و60 في المائة للنساء، مقارنة بـ41 في المائة و51 في المائة توالياً في عام 2015.

وفي سياق متصل، برز قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات كأسرع القطاعات نمواً وتوظيفاً في المملكة تلبيةً للتوسع التجاري؛ إذ بلغت نسبة الشركات التي تطلب موظفين جدداً للتوسع في هذا المجال 19 في المائة. ونتيجة لهذه الطفرة الرقمية، بات الاقتصاد الرقمي يسهم بنحو 15 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة، مدعوماً بتغير نوعي في العمالة الوافدة التي ارتفعت نسبة الحاصلين على تعليم جامعي بينها بـ6 نقاط مئوية.

عاملون في وزارة الصحة يقومون بأداء مهامهم الوظيفية (واس)

ديناميكية السوق

إلى جانب تطور المهارات، أصبحت مرونة الأنظمة والتشريعات المحرك الأساسي لديناميكية حركة السوق؛ إذ أظهرت البيانات الإحصائية حركية عالية في سوق العمل السعودي بعد أن ارتفع متوسط عدد أصحاب العمل الذين تنقل بينهم العامل خلال مسيرته الوظيفية من 1.2 إلى 1.7 للرجال السعوديين، ومن 1.9 إلى 2.5 للوافدين، مما ساهم بشكل مباشر في كسر حالة الركود الوظيفي السابقة.

وقد حظيت إصلاحات مبادرة تحسين العلاقة التعاقدية بإشادة واسعة من قطاع الأعمال؛ حيث أكد 65 في المائة من أصحاب العمل الذين شملهم المسح أن إلغاء قيود التنقل للعمالة الوافدة كان له أثر إيجابي مباشر على إنتاجية منشآتهم، إلى جانب زيادة مستويات التنافسية العادلة داخل بيئة العمل المحلية.

تحديات الاستدامة

رغم القفزات التاريخية التي وثقها التقرير المشترك، فإنه أكد أن سوق العمل السعودي يمر بمرحلة انتقالية تتطلب التحول من «التوسع الكمي» في الأرقام إلى «العمق النوعي» في الإنتاجية، حيث حدد حزمة من التحديات والتوصيات لتشكل خريطة طريق للمرحلة المقبلة. وتبرز في مقدمة هذه الأولويات ضرورة ردم فجوة المهارات المرتبطة بالطفرة المتسارعة للذكاء الاصطناعي التوليدي عبر إطلاق مبادرات تأهيل وطنية واسعة النطاق، إلى جانب أهمية تعزيز استدامة المنشآت متناهية الصغر التي باتت تستوعب نحو ثلث العمالة الوطنية، من خلال تكثيف الدعم المالي والتقني الموجه إليها لحمايتها من مخاطر ضعف الإنتاجية على المدى الطويل.

وفي السياق ذاته، شدد التقرير على أهمية الاستمرار في تحديث البيئة التشريعية لتشجيع القطاع الخاص على التوسع في أنماط العمل المرن وعن بُعد، والتي لا تتيحها حالياً سوى 17 في المائة فقط من الشركات السعودية، وهو ما يضمن استقطاب المزيد من الكفاءات الوطنية، وخاصة خارج المدن الرئيسية. وتكاملت هذه الرؤية مع توصية أخيرة تدعو إلى مواصلة إصلاح منظومة الاستقدام عبر منصة «قوى» للتحول الكامل نحو جذب المواهب والمهارات النادرة عالمياً، بما يتواءم مع متطلبات طموحات اقتصاد المعرفة الرقمي في المملكة.

آفاق المستقبل

يؤكد التقرير المشترك أن المملكة دخلت مرحلة جديدة تتطلب التركيز على النوعية والاستدامة بدلاً من الاكتفاء بالنمو الكمي. وتتحدد ملامح المرحلة القادمة في أربعة محاور أساسية: تطوير مهارات الذكاء الاصطناعي التوليدي عبر مبادرة تعلم وطنية، وإصلاح منظومة الاستقدام عبر منصة «قوى» لجذب المهارات النادرة، والتوسع في أنماط العمل المرن وعن بُعد (حيث تتيحه 17 في المائة فقط من الشركات حالياً)، وأخيراً تقديم الدعم المالي والتقني للشركات متناهية الصغر لضمان استمرار نموها وإنتاجيتها.


تكامل الطاقة والصناعة والتعدين... خطوة سعودية لتعظيم الثروة الوطنية

الأمير عبد العزيز بن سلمان خلال زيارته أحد المصانع الوطنية في العاصمة الرياض (واس)
الأمير عبد العزيز بن سلمان خلال زيارته أحد المصانع الوطنية في العاصمة الرياض (واس)
TT

تكامل الطاقة والصناعة والتعدين... خطوة سعودية لتعظيم الثروة الوطنية

الأمير عبد العزيز بن سلمان خلال زيارته أحد المصانع الوطنية في العاصمة الرياض (واس)
الأمير عبد العزيز بن سلمان خلال زيارته أحد المصانع الوطنية في العاصمة الرياض (واس)

يُشير قرار تعيين الأمير عبد العزيز بن سلمان وزيراً للصناعة والثروة المعدنية، مع احتفاظه بحقيبة الطاقة، إلى توجه نحو تعزيز التكامل بين 3 من أبرز القطاعات الاقتصادية في المملكة. ويرى مختصون أن جمع الطاقة والصناعة والتعدين تحت مظلة وزارية واحدة قد يُسرّع مواءمة السياسات، ويُعزز بناء سلاسل القيمة المحلية، بما يدعم مستهدفات «رؤية 2030» لتنويع الاقتصاد وتعظيم الاستفادة من الموارد الوطنية.

ويأتي هذا التوجه انطلاقاً من الترابط الوثيق بين قطاعات الطاقة والصناعة والتعدين، التي تُشكل حلقات متكاملة تبدأ بإنتاج الطاقة، مروراً باستغلال الثروات المعدنية، وصولاً إلى توطين الصناعات وتحويل الموارد الطبيعية إلى منتجات ذات قيمة مضافة. ومن شأن هذا التكامل أن يُعزز من تنافسية الاقتصاد السعودي، ويرفع كفاءة استثمار موارده، ويدعم بناء قاعدة صناعية أكثر تنوعاً واستدامة.

ويؤكد مختصون في حديثهم لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الخطوة تُمثل مرحلة جديدة في تنفيذ الاستراتيجيات الوطنية على أرض الواقع، مشيرين إلى أن قطاع الصناعة في المملكة شهد تحولات مفصلية منذ تأسيس وزارة الصناعة والثروة المعدنية بوصفها جهة مستقلة، وإطلاق الاستراتيجية الوطنية للصناعة.

وأوضح المختصون أن التعيين الجديد، المعني بربط الملفات الاقتصادية الرئيسة، يدعم مواءمة السياسات ويعزز سلاسل القيمة بما ينسجم مع مستهدفات «رؤية 2030».

التنوع الاقتصادي

وقال عضو مجلس الشورى، فضل بن سعد البوعينين، إن التحول الاقتصادي منذ إطلاق «رؤية 2030» اعتمد على استراتيجيات مرحلية تقود إلى الاستراتيجية الأهم المحققة لهدف التنوع الاقتصادي، ورفع إسهام بعض القطاعات الاقتصادية في الناتج المحلي.

وحسب البوعينين، تميّزت المراحل الأولى باستكمال البنى التشريعية، ووضع خريطة طريق تقود لتحقيق الأهداف الاستراتيجية، إضافة إلى مرحلة التنفيذ التي حققت جانباً مهماً من المستهدفات قبل أوانها. مضيفاً: «أعتقد أن الوزير بندر الخريف قام بدور مهم في المراحل السابقة، وحقق نجاحات مهمة في الجوانب التشريعية والتنظيمية والتنفيذية، وترك الوزارة في أوج عطائها، محققة مستهدفاتها».

وتابع خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن هناك تركيزاً أكبر في المرحلة الحالية على تعظيم الأثر الاقتصادي وسرعة تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للصناعة، إضافة إلى المواءمة بين القطاعات الثلاثة: الطاقة، والتعدين، والصناعة، وبما يُسرع عمليات الإنجاز ويُحقق التكامل الأمثل بينها، وتتحقق المواءمة المنشودة تحت مرجعية موحدة تُسهم في تسريع عمليات التنفيذ ومعالجة التحديات وفتح آفاق اقتصادية أرحب.

أحد مصانع مدينة رأس الخير في السعودية (واس)

«وبغض النظر عن المكاسب المتوقعة لربط الصناعة والتعدين بقطاع الطاقة، فإنني أعتقد أن من أهم المكاسب أن يكون الأمير عبد العزيز بن سلمان مسؤولاً عن القطاعات الثلاثة التي تُشكل القلب النابض للاقتصاد السعودي؛ حيث يتميز الأمير بفكر اقتصادي، وخبرات واسعة ليس في الجانب التنفيذي فحسب، بل في الجوانب التنظيمية والتشريعية، ولديه القدرة على معالجة التحديات وتحويل الأفكار إلى واقع، والأهم من ذلك شخصيته المحفزة لكل مَن يعمل معه»، وفق عضو مجلس الشورى.

تكامل سلسلة القيمة

وأضاف أن تسريع عمليات تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للصناعة والتعدين من الإيجابيات المتوقعة للربط بين القطاعات الثلاثة، خصوصاً قطاع التعدين، الذي يمتلك مقومات مهمة ترفع من إسهاماته في الاقتصاد بشكل كبير. ويحتاج في الوقت عينه إلى قرارات جريئة تُسهم في تحقيقه نمواً متسارعاً لمستهدفات الرؤية، ومن أهمها تحقيق التنوع الاقتصادي.

وأضاف عضو مجلس الشورى أن هناك جانباً مهماً، وهو تحقيق تكامل سلسلة القيمة الاقتصادية، وتوحيد القرار فيها، وهو أمر سيتحقق مستقبلاً مع التغييرات الجديدة، إضافة إلى أهمية تدفق الاستثمارات الأجنبية، وهذا يمكن دعمه من خلال الربط بين التعدين والطاقة، وبما يُعطي وزير الطاقة قوة في المفاوضات والربط بين الاستثمارات التي يتسابق عليها المستثمرون الأجانب والاستثمارات الأقل رغبة، وبناء نموذج من الصفقات المربحة للمملكة.

الصناعات المتقدمة

بدوره، يرى المختص في الشأن الاقتصادي أحمد الشهري، أن تعيين الأمير عبد العزيز بن سلمان، وزيراً للصناعة والثروة المعدنية، لها أبعاد اقتصادية، لعل من أبرزها: تكامل سلسلة القيمة الاقتصادية؛ حيث إن الطاقة هي المدخل الأساسي للصناعة، والثروة المعدنية توفر المواد الخام، والصناعة تحول هذه الموارد إلى منتجات ذات قيمة مضافة، ومن ثم وجودها تحت مظلة واحدة يسهل التخطيط المتكامل بدلاً من إدارة كل قطاع بمعزل عن الآخر.

وأضاف الشهري، في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، أن هذه الخطوة تُعزز أيضاً القيمة المحلية، موضحاً أنه «بدلاً من تصدير المواد الخام، يمكن توجيه السياسات نحو تحويل المعادن والموارد إلى صناعات وطنية متقدمة، بما يزيد من العائد الاقتصادي، ويخلق فرص عمل تتطلب مهارات عالية».

وأوضح أن هذه الخطوة من شأنها رفع كفاءة الاستثمار من خلال توحيد السياسات والقرارات، بما يُقلل التعقيدات ويجعل البيئة الاستثمارية أكثر وضوحاً. وأكد، في الوقت نفسه، أن هذه المؤشرات الإيجابية ستُسرِّع وتيرة التنويع الاقتصادي، موضحاً أن «الربط بين الطاقة والصناعة والتعدين يدعم الانتقال من اقتصاد يعتمد على تصدير الموارد إلى اقتصاد قائم على التصنيع والإنتاج».


«الحفر العربية» تستأنف عمل 3 منصات بحرية… والأسطول بكامل طاقته نهاية العام

أحد الحفارات التابعة لـ«الحفر العربية» (موقع الشركة)
أحد الحفارات التابعة لـ«الحفر العربية» (موقع الشركة)
TT

«الحفر العربية» تستأنف عمل 3 منصات بحرية… والأسطول بكامل طاقته نهاية العام

أحد الحفارات التابعة لـ«الحفر العربية» (موقع الشركة)
أحد الحفارات التابعة لـ«الحفر العربية» (موقع الشركة)

أعلنت شركة «الحفر العربية» عن تلقيها إشعاراً باستئناف العمليات لثلاث منصات حفر بحرية، كانت قد علّقت أعمالها بصورة مؤقتة مطلع عام 2026، في إطار إجراءات احترازية اتُخذت على خلفية الظروف الإقليمية، وبالتنسيق مع العملاء والجهات المعنية، مع إعطاء السلامة الأولوية القصوى.

وقالت الشركة، في بيان نشُر على موقع السوق المالية السعودية (تداول)، إن استئناف تشغيل هذه المنصات يمثل خطوة نحو عودة النشاط الكامل لقطاع الحفر البحري، متوقعة أن تستأنف المنصات البحرية المتبقية التي لا تزال معلقة أعمالها خلال النصف الثاني من العام الحالي.

وأضافت أن هذه التطورات ستدعم وصول معدل تشغيل أسطولها البحري إلى 100 في المائة بنهاية عام 2026، بما يعكس تعافياً كاملاً من فترة التوقف المؤقت والعودة إلى مستويات التشغيل الطبيعية.

وقال الرئيس التنفيذي لشركة «الحفر العربية» فهد الباني: «يسعدنا أن نشهد استئناف العمليات بطريقة منظمة وفي التوقيت المناسب، بما يتماشى مع جاهزيتنا التشغيلية والتزاماتنا تجاه عملائنا»، مضيفاً أن الشركة ستواصل التركيز على التنفيذ الآمن والفعال، والحفاظ على معايير تشغيلية عالية ومستقرة في تقديم خدماتها.

وأكدت الشركة التزامها بمواصلة تقديم خدمات حفر موثوقة، وتعظيم كفاءة استخدام أسطولها، بما يسهم في تحقيق قيمة طويلة الأجل للمساهمين والعملاء والشركاء.