انتخابات الرئاسة في الجزائر: المنعرج الأخير

بين دور الجيش وضغط الشارع والمواقف الخارجية

انتخابات الرئاسة في الجزائر: المنعرج الأخير
TT

انتخابات الرئاسة في الجزائر: المنعرج الأخير

انتخابات الرئاسة في الجزائر: المنعرج الأخير

تشتد المواجهة في الجزائر، على مقربة من انتخابات الرئاسة المقررة في 12 من ديسمبر (كانون الأول) الحالي، بين آلاف المتظاهرين الرافضين لها، بحجة أنها لا تحقق التغيير الذي يطالبون به منذ أكثر من 9 أشهر، ومؤسسة الجيش التي تصر على انتخاب رئيس جديد مهما كانت الظروف حتى يبدأ في أقرب وقت، حسبها، بتصحيح الأخطاء الكثيرة التي تسبب فيها الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، خصوصاً في مجال الاقتصاد والحكم الراشد.
ويبذل المترشحون الخمسة لـ«الرئاسية»، عبد المجيد تبون وعلي بن فليس وعز الدين ميهوبي وعبد القادر بن قرينة وعبد العزيز بلعيد، جهوداً كبيرة في تجمعات الدعاية الانتخابية الجارية منذ أسبوعين لإقناع الجزائريين بالتصويت. وقال أحدهم: «المهم هو أن تتوجهوا بكثافة إلى صناديق الاقتراع، وأن تختاروا واحداً منا»، وكان ذلك دالاً على كون الاستحقاق مسألة مصيرية بالنسبة لسلطات البلاد، وبأنها غير مستعدة لتأجيلها من جديد، كما حدث في اقتراع 18 أبريل (نيسان) الماضي، وبعدها اقتراع 0 يوليو (تموز). وكان الأول قد ألغي بسبب ثورة الشارع ضد ترشح الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة، والثاني بسبب عدم توفر مترشحين.

مع استمرار حدة الرفض الشعبي للانتخابات الرئاسية في الجزائر، ومحاولات كثيرة للمتظاهرين لمنع المترشحين من عقد تجمعاتهم في إطار حملة الانتخابات، نزلت على السلطات «هدية من السماء» تتمثل في لائحة أصدرها البرلمان الأوروبي أخيراً تدين اعتقال نشطاء الحراك، وتطالب بالإفراج عنهم، كما تطالب الحكومة الجزائرية بـ«وقف تكميم الصحافة». وشجب القرار «سيطرة الجيش على المؤسسات المدنية».
كان قرار البرلمان الأوروبي، الذي جاء باقتراح من نائب فرنسي اشتراكي، فرصة للسلطات للتلويح من جديد بفزاعة «التدخل الأجنبي في شؤوننا الداخلية»، وبأن «الغرب خصوصاً فرنسا تخشى من ضياع مصالحها بمستعمرتها القديمة»، بحجة أن السلطة الجديدة التي يمثلها قائد الجيش الفريق أحمد قايد صالح «قررت تصفية أتباع فرنسا من النظام السابق».
وأطلقت الحكومة، بعد يومين، بواسطة تنظيمات وجمعيات، مظاهرات بالعاصمة، وفي كثير من الولايات، لاستنكار «التدخل الأجنبي»، وفي الوقت نفسه دعم مسعى الانتخاب، والإشادة بالجيش الذي «خلص البلاد من العصابة، وسجن رموزها»، في إشارة إلى عدد كبير من كبار المسؤولين الحكوميين، مدنين وعسكريين، ورجال أعمال، تابعهم القضاء بالفساد وبـ«التآمر على سلطة الجيش».

- «شرذمة» في برلمان أوروبا تثير سخط الجزائر
البروفسور أرضا دغبار، أستاذ القانون، يقول عن «التدخل الأجنبي» الذي يشغل اهتمام وسائل الإعلام والسلطة حالياً: «في الدول التي تملك أنظمة سياسية حقيقية، حينما تريد السلطة إقناع الشعب بمسائل وهمية، كمسرحية التدخل الأوروبي في شؤوننا الداخلية، فإنها تشكل لجاناً تضم مختصين في العلوم السياسية والقانونية والعلاقات الدولية، وحتى مختصين في كتابة السيناريو، ليضعوا لها تصوراً توزع فيه الأدوار على كل المشاركين... فيحدد هؤلاء طريقة إخراج الفعل ورد الفعل، وتصورات التبعات التي يمكن أن تنجر عنه. أما لدينا، فالأمر يتم بقرارات ارتجالية... وإلا كيف نفسر رد فعل الحكومة عندنا على ما صدر عن البرلمان الأوروبي، إذ لم يتجاوز (الشجب) و(التنديد) على طريقة جامعة الدول العربية!».
وأضاف: «رد الفعل الحقيقي يستدعي أن تقوم وزارة الخارجية باستدعاء سفير الاتحاد الأوروبي في الجزائر، وكذا السفير الفرنسي، وتحذيرهما بلهجة شديدة. رد الفعل الحقيقي يتطلب أن تقوم وزارة الخارجية باستدعاء سفير الجزائر لدى الاتحاد الأوروبي ولدى فرنسا من أجل التشاور. ويتطلب قراراً من السلطات العليا بالانسحاب من اتفاقيات ثنائية مع دول أوروبية، أو إلغاء عقود تجارية مع الاتحاد الأوروبي. رد الفعل الحقيقي يتطلب أن يلتئم البرلمان لدينا لمناقشة انتهاك حقوق السترات الصفراء في فرنسا، أو في غيرها من الدول الأوروبية. المسرحية تنقصها الحبكة، والإخراج كان سيئاً جداً، أعطى الانطباع بأن الأمر كله يتعلق فقط بمساعدة النظام على الدفع ببعض الجزائريين إلى مساندة خيارات السلطة، في طريقة الحل المتمثلة في انتخابات 12 ديسمبر (كانون الأول). فعلى السلطة أن تفكر جدياً في تسريح كاتب المسرحية ومخرجها، دونما إشعار ولا تعويض».
ومن جهة ثانية، صرح وزير الإعلام المتحدث باسم الحكومة، مندداً بلائحة الأوروبي، قائلاً إنها «أسقطت القناع عن شرذمة من البرلمانيين يتربصون بالجزائر، ويسعون لزرع البلبلة والتشويش على الرئاسية التي يتعاطى معها جل الشعب الجزائري بإيجابية عالية. فالشعب تفطن لمكائد هؤلاء، وهو على عزم تام من أجل التصدي لها (...) من خلال مشاركته في الانتخابات المقررة يوم 12 ديسمبر (كانون الأول)».
وتابع: «تجسيداً لمبدأ عدم التدخل في شؤون الغير، الذي ولد في رحم مبادئ ميثاق هيئة الأمم المتحدة، التي يتعين على الجميع احترامها، فإن الجزائر لا تقبل تدخل الغير في شؤونها الداخلية، وهو مبدأ قار في سياستها استوحته من تاريخها المتألق ونضالها السياسي». وأردف أن «توقيت إصدار اللائحة ليس بريئاً، كما أن هذه المجموعة من البرلمانيين الأوروبيين لا يساوون شيئاً بالنظر للعدد الكبير من الأصدقاء الذين تتوفر عليهم الجزائر في أوروبا وكل دول العالم».

- مستقبل المظاهرات
وتطرح الأوساط السياسية والإعلامية أسئلة كثيرة مرتبطة بمستقبل المظاهرات، وكيف سيتعامل معها الرئيس الجديد، في حال أجريت الانتخابات. وقال رابح لونيسي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة وهران (غرب) بهذا الخصوص: «أعتقد أن السلطة ستعمل بكل ما بوسعها لإجراء الانتخابات في وقتها. فهي لا يمكن أن تفشل في تنظيمها ثلاث مرات متتالية. ففي حالة العكس، يعني ذلك عدم قدرتها على التحكم في الوضع، وأن الجزائر تعيش حالة استثنائية، وهو ما لا يخدمها، خصوصاً في الخارج». وفي نظر لونيسي «يوجد طرف داخل السلطة يريد إفشال الانتخابات، والتخلص من كل الأجنحة الأخرى التي تشكل النظام، كما لا يريد للحراك أن يحقق أهدافه، فلو فشلت الانتخابات، سيقفز هذا الطرف إلى الواجهة بقوة. ويمكن وصف هذا الجناح بالتيار الوطني داخل النظام». وتوقع الأستاذ الجامعي لونيسي مشاركة ضعيفة للناخبين في الاستحقاق المرتقب «مما يعني أن الصندوق سيفرز رئيساً ضعيفاً سياسياً، كما هو ضعيف الرئيس الانتقالي عبد القادر بن صالح. ومثلما تم إسقاط بوتفليقة في 02 أبريل (نيسان) الماضي، سيتم إسقاط الرئيس الجديد الذي سيستحيل عليه استخدام القوة مع الحراك، بعكس ما تفعل السلطة الحالية، ولوجود ضغوط من دول أوروبية في شمال المتوسط لا تقبل وقوع اضطرابات في الجزائر، لأن بها مصالح قد تصبح عرضة للتهديد». ويعتقد لونيسي أن الانتخابات المنتظرة «ستكون شبيهة بالانتخابات في إيران، فمن يفوز بها لن يضر مصلحة الحاكم الفعلي في إيران، وهو الولي الفقيه والمؤسسة الدينية المتحكمة في اللعبة السياسية وصناعة القرار، فالرئيس مجرد واجهة لها، وعندنا الشيء نفسه، فكل المرشحين مقبولين من النظام، وليس مهماً من يفوز، ولو أن البعض يعتقد أن النظام يميل للمترشح تبون (رئيس الوزراء سابقاً)، لكن في الحقيقة المرشح الوحيد الذي يمكن أن يخشى النظام منه هو بن فليس».

- عبد المجيد تبون
وفي الموضوع نفسه، يذكر المحلل السياسي محمد هناد أن «السلطة ماضية بخريطة طريقها، أحب من أحب وكره من كره، مثلما ردد رئيس أركان الجيش في كثير من تصريحاته. وعليه، ليس هناك أدنى شك في إجراء الانتخابات الرئاسية كما هو مقرر... انتخابات سيكون الفائز فيها السيد عبد المجيد تبون منذ الدور الأول، وهو معروف بقربه من رئيس الأركان، لأن القيادة العسكرية تريد تفصيل المسألة على مقاسها، في أقرب وقت. لقد طالعتنا إحدى اللافتات المرفوعة في المظاهرات الشعبية أن الانتخابات عندنا هي من الشفافية ما يسمح بمعرفة الفائز بها قبل إجرائها! ومع ذلك، كان من الصعب تصور إمكانية أن تجري الحملة الانتخابية بسبب الرفض الشعبي. إضافة لذلك، نستطيع القول إن الانتخابات المقررة تبقى في حكم المجهول».
ويرجح هناد «لجوء السلطة الفعلية، بعد انتخاب رئيس جمهورية مباشرة، إلى العصا الغليظة لأنها ستلقى معارضة شرسة من طرف الحراك ضد الرئيس الجديد. وعليه، سيسعى هذا الأخير لفرض سلطته بالقوة، كما سيجد طاقمه الحكومي نفسه مضطراً إلى حل المشكلات الاقتصادية العويصة التي تعرفها البلاد على حساب المستضعفين، وذلك من خلال تقليص حجم النفقات العمومية، وكذا الاستدانة الخارجية المصحوبة بشروط دولية قاسية، في مقدمتها رفع أشكال الدعم الحكومي عن المواد الغذائية والبنزين وغيرها من المنتجات، علماً بأنه يكفي الجزائر أن تسترجع تلك المليارات المنهوبة كي تجتاز الصعوبات الاقتصادية الحالية، ريثما تتم الانطلاقة الاقتصادية المرتقبة، بفضل تفتق طاقات المجتمع بعد تحرره من النظام الفاسد».

- «مرشح الجيش»... جدل يعود مع كل انتخابات
وحقاً، يحتدم جدل كبير في البلاد، حالياً، حول «مرشح الجيش» في الانتخابات، رغم أن قائده أكد أنه يقف على المسافة نفسها من كل المترشحين. فواقع الأمر أنه (المؤسسة) سبق أن تعهدت في مواعيد سياسية سابقة بأنها «لا تتدخل في السياسة» ولا في الانتخابات، ولكن ثبت العكس فيما بعد. ويعود ذلك، بحسب مراقبين، إلى طبيعة نظام الحكم الموروث عن ثورة مسلحة ضد الاستعمار، فجرها عسكريون هم من سيطروا على السلطة بعد الاستقلال.
وحول هذه القضية، يقول الكاتب الصحافي المعروف احميدة عياشي: «أتصور أن الجيش لديه أكثر من مرشح، وليس مرشحاً بعينه، انطلاقاً من تطورات الوضع وتوجهاته على الميدان، لكن قد تكون له أولويات في التعاطي مع كل مرشح، كما أن الانتخابات هي أقرب إلى التعيينات... وليست بالضرورة تعبر عن الأصوات الحقيقية التي سيتحصل عليها فعلاً كل مترشح».
وقال عياشي إن «مراقبين يتحدثون عن كون عبد المجيد تبون مقرباً من رئيس أركان الجيش، وإنه كان رجله في صراعه مع جماعة الرئاسة خلال فترة حكم الرئيس بوتفليقة (1999-2019)، خصوصاً شقيقه السعيد بوتفليقة (يقضي حالياً عقوبة السجن لمدة 15 سنة) الذي لم يكن يخفي طموحاته في استخلاف الرئيس، لكن بعض الشكوك تحوم حول السيد تبون، فهو غير مؤتمن، ويمكن أن يتحول إلى خصم إن أصبح رئيساً بكل الصلاحيات الكبرى التي يمنحها الدستور لرئيس الجمهورية، وهذا ما يفتح الاحتمال لصعود المرشح الشاعر الأديب عز الدين ميهوبي الذي يعرف عنه أنه مدلل قائد أركان الجيش. أضف إلى ذلك إمكانية تسويقه إلى العالم العربي بصفته شاباً، بالمقارنة مع تبَون وبن فليس، و(معرباً) وليس (فرنكفونياً)، كغالبية الرؤساء السابقين، وقريباً من عدة دوائر عربية نافذة، وأمضى معظم شبابه في المدينة التي ينحدر منها نائب وزير الدفاع قايد صالح (باتنة بشرق البلاد)، إلى جانب شخصيته الرخوة التي يسهل التحكم فيها. أما بالنسبة للمرشح عبد العزيز بلعيد فهو، رغم انتمائه إلى مسقط رأس نائب وزير الدفاع (قايد صالح) نفسه، فإن حظوظه بالفوز بالرئاسة ضعيفة. وهذا ما يطرح ورقة علي بن فليس التي قد تكون صالحة، في حالة اشتد رفض أغلبية الجزائريين للانتخابات، وذلك رغم برودة علاقته بقايد صالح. بن فليس، يمثل برأيي، رجل المرحلة الذي بقدرته استعمال القوة وفرض النظام لاستعادة السيطرة على الوضع».
وللعلم، تناول قائد الجيش، أخيراً، الجدل الدائر حول «مرشح الجيش»، فقال في أثناء وجوده بمنشأة عسكرية: «لقد تعهدنا أمام الله، ولا رجوع عن ذلك... لقد قلنا إن الجيش لن يدعم أي مترشح، فالشعب هو من يختار الرئيس، والشعب هو المسؤول عن اختيار الرئيس الجديد، الذي يجب أن يكون قادراً على قيادة الجزائر». وأشار، ضمناً، إلى ما يدور حول «طموحه المفترض في الحكم»، فقال: «تعهدت أمام الله، وسأبقى على عهدي، بأن أكون في خدمة الشعب، فنحن من صلب هذا الشعب». ورد على الاحتجاج ضد «تدخل الجيش في السياسة» بقوله: «نسيّر هذه الأزمة منذ 9 أشهر، وهذا ليس أمراً سهلاً، ودون إراقة قطرة دم واحدة، والجيش هو الشعب والشعب هو الجيش، وعندما يقف الشعب بجانب جيشه، لن تكون أي قوة يمكنها فك هذا الارتباط».

- محاكمة رموز الفساد: هل هي قطيعة مع نظام بوتفليقة؟
بدأت هذا الأسبوع محاكمة مسؤولين بارزين من فترة حكم بوتفليقة، وقال مراقبون إن السلطة «تحاول إقناع الجزائريين بالتوجه إلى الانتخاب بقوة» من خلال تنظيم هذه المحاكمات.
ويقول الكاتب احميدة عياشي بهذا الخصوص: «يعتقد أصحاب الحل والعقد، أمام عدم قدرتهم على إقناع الجزائريين بحسن نيتهم ورغبتهم في إجراء انتخابات جادة صادقة، أنه بلجوئهم إلى محاكمة بعض رموز نظام بوتفليقة يبرهنون على أنه لا رغبة لهم في تجديد النظام القديم، وأنهم جادون في إحداث القطيعة مع نظام بوتفليقة، وذلك بعد انتشار أخبار مفادها أن بوتفليقة لا يزال يحظى بالرعاية في إقامة الدولة، وأن بعض رموز النظام سيخفف عنهم وسيطلق سراح بعضهم. كما أن هذه المحاولة تسعى السلطة من ورائها لتمرير خطاب مضاد للخطاب الرائج في أوساط الداعمين للحراك الرافض لإجراء الانتخابات ذات التوجه الأحادي، المفبركة مسبقاً كما يقولون، ويتمثل هذا الخطاب المضاد في أن هذه الانتخابات ستمثل الخطوة الأولى العملية في حلحلة الوضع المتأزم، والانسداد بتكلفة أقل، وبصورة تسمح بالانتقال التدريجي إلى وضع يساعد على إشاعة مناخ تغيير بشكل تدريجي، غير صادم ولا مفاجئ، يضمن الخروج من المأزق وتجنب أي انزلاق، لكن المؤشرات المتوفرة حالياً تكشف أن كل محاولات السلطة باتت فاقدة للصدقية، بل تكشف عن مخاطر متوقعة في حال أصرت على إجراء انتخابات لا تتوفر على الحد الأدنى من الاتفاق العام أو الشرعية».

- رؤساء الجزائر
- فرحات عباس (1958-1961) - رئيس الحكومة المؤقتة
- بن يوسف بن خدة (1961-1962) - رئيس الحكومة المؤقتة
- عبد الرحمن فارس (1962) - رئيس السلطة التنفيذية المؤقتة
- فرحات عباس (1962-1963) - رئيس المجلس الوطني
- أحمد بن بلة (1963-1965) - أول رئيس للجمهورية
- هواري بومدين (1965-1976) - رئيس المجلس الثوري
- هواري بومدين (1976-1978) - ثاني رئيس للجمهورية
- رابح بيطاط (1978-1979) - رئيس بالوكالة
- الشاذلي بن جديد (1979-1992)
- عبد المالك بن حبيلس (1992) - رئيس المجلس الدستوري
- محمد بوضياف (1992) - رئيس المجلس الأعلى للدولة
- علي كافي (1992-1994) - رئيس المجلس الأعلى للدولة
- الأمين زروال (1994-1999)
- عبد العزيز بوتفليقة (1999-2019)
- عبد القادر بن صالح (2019- ...) - رئيس بالوكالة


مقالات ذات صلة

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

حصاد الأسبوع مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري،

فتحية الدخاخني ( القاهرة)
حصاد الأسبوع تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه»

كمال بن يونس (تونس)
حصاد الأسبوع مقر "الاتحاد" (رويترز)

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي

«الشرق الأوسط» ( تونس)
حصاد الأسبوع النيران تلتهم غابات معمّرة في باتاغونيا (آ ب)

الأرجنتين: بين معطيات التاريخ... ومصالح الحاضر والمستقبل

في صباح اليوم التاسع من الشهر الماضي، وبينما كانت منطقة الشرق الأوسط تشهد أخطر الأعمال الحربية التي عرفتها منذ عقود، وقف الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي أمام

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)

الأردن بين قرارات حكومية مثيرة للجدل وضغوط «الإخوان»

انتبهت الحكومة الأردنية متأخرةً لأهمية وضع المواطنين في صورة التحدّيات المتوقعة مع استمرار الحرب الإيرانية الدائرة، والمخاوف من تأثير النمط الاستهلاكي على

محمد خير الرواشدة (عمّان)

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
TT

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري، وتعيق مسار الإصلاح والتنمية، مع محاولات لم تكتمل للتعافي والتقاط الأنفاس من صدمات جيوسياسية متلاحقة عصفت باقتصاد البلاد منذ جائحة «كوفيد - 19». وهكذا وجدت القاهرة نفسها في مواجهة أزمة طاقة عالمية دفعتها لإجراءات استثنائية، آملة أن تنجح في امتصاص الصدمة. لقد اندلعت الحرب الإيرانية بينما كانت مصر تعوّل على تدفقات استثمارية مستقرة، وموسم سياحي قوي، لا سيما مع تحقيق السياحة معدلات «غير مسبوقة»، باستقبالها نحو 19 مليون سائح خلال العام الماضي، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، ومع استقرار ملحوظ في قيمة العملة المحلية في مقابل الدولار تحت حاجز الخمسين جنيهاً. لكن حالة الاستقرار والتفاؤل التي دفعت رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في وقت سابق للتعهد بتخفيض الديون بنسب غير مسبوقة، تبدّلت مع أولى شرارات الحرب، لتتوالى التحذيرات الرسمية من تداعيات وخيمة للتصعيد على الأوضاع الاقتصادية. ولمواجهة الأزمة فعّلت الحكومة المصرية «غرفة الأزمات التابعة لمجلس الوزراء» بهدف ضمان استقرار شبكة الطاقة الكهربائية وأرصدة السلع الغذائية.

التحذيرات الرسمية المصرية من تداعيات وخيمة للتصعيد الحربي على الأوضاع الاقتصادية تزامنت مع ارتفاعات قياسية للعملة الأميركية لتقترب من حاجز الـ55 جنيهاً للدولار الواحد قبل أن يسترد الجنيه جزءاً من قيمته مع الإعلان عن وقف العمليات العسكرية لمدة أسبوعين (الدولار بـ53.15 جنيه). وكذلك استمر تراجع عائدات قناة السويس مع إعلان شركات شحن كبرى وقف العبور في الممر الملاحي.

الغاز في مقدمة الصدمات

مع بداية الحرب، أعلنت إسرائيل إغلاقاً مؤقتاً لبعض حقول الغاز كإجراء أمني، فأكدت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية تنفيذ حزمة من الخطوات الاستباقية، مستهدفة تأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلية من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية.

وتبعت ذلك قرارات وصفت بـ«الاستثنائية» لرفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، تزامناً مع إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، ورفع أسعار تذاكر القطارات والكهرباء.

وحقاً، «تعرّضت مصر لضغوط قوية نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المُسال، حيث تعتمد مصر على الاستيراد لتغطية نحو ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وتأتي نصف الواردات من إسرائيل»، بحسب ديفيد باتر، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس» - وهي مؤسسة فكرية بحثية بريطانية - كما أشار، في تقرير نشر أخيراً.

في تقريره الصادر في الأول من أبريل (نيسان)، أفاد «المجلس الوطني المصري للتنافسية» بأن «الحرب تحوّلت بالفعل إلى صدمة اقتصادية ذات طابع نظامي، تتمحور حول الطاقة، والشحن، والتأمين، والتضخم، وانتقال أثر الثقة، وليس مجرد مواجهة عسكرية إقليمية». وأضاف المجلس أن التقديرات تشير إلى احتياج مصر إلى نحو 3.75 مليار دولار لمشتريات طارئة من الغاز الطبيعي المسال، وأن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط قد تُفاقم عجز الحساب الجاري بنحو 2.5 مليار دولار.

بدوره، قال الدكتور نبيل زكي، أستاذ الاقتصاد الدولي والتمويل في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حالة عدم اليقين بشأن الأوضاع الإقليمية تهدد أي انفراجة اقتصادية»، لافتاً إلى ما وصفه بـ«سوء الحظ»، لكون حرب إيران جاءت بعد شهور من الاستقرار الاقتصادي النسبي في مصر لتعصف بالأوضاع وتوقف التقدم والنمو قبل اكتماله.

وأردف زكي أن «فاتورة استيراد الغاز والمنتجات البترولية في مصر بلغت نحو 20 مليار دولار في موازنة العام الماضي التي قدّرت سعر برميل النفط بـ69 دولاراً، ما يعني زيادة الفاتورة بنسبة كبيرة مع اقتراب سعره من 100 دولار للبرميل».

من جهته، صرّح الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة التجارة المصرية للبحوث الاقتصادية سابقاً، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «أزمة الغاز ومشاكل الطاقة ليست جديدة في مصر، لكنها تبدو أكثر وضوحاً في ظل الأزمات... وثمة ضرورة للتعامل معها عبر خطة طويلة الأمد بعيداً عن سياق معالجة الأزمة». واقترح «التوسع في استخدام الطاقة الشمسية، جنباً إلى جنب مع السير في مسار استكشاف حقول غاز جديدة».

حقل نفطي مصري في الصحراء الغربية (آجنزيا نوفا)

اقتصاد مصر ليس معزولاً عن العالم

من جهة ثانية، وفقاً لتصريحات رئيس البنك الدولي أجاي ‌بانجا، الأسبوع الماضي، فإن «الحرب ستؤدي إلى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وارتفاع التضخم بغض النظر عن سرعة انتهائها». والأمر ذاته أكدته مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا في تصريحات لـ«رويترز»، الأسبوع الماضي، موضحة أن «الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي».

صدمات متتالية

الواقع أنه دائماً ما تُرجع مصر أزماتها الاقتصادية إلى ظروف جيوسياسية، وهنا، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة لـ«الشرق الأوسط»، أن حرب إيران «فاقمت أزمات مصر الاقتصادية... وأن مصر منذ عام 2020 واجهت صدمات متكررة بدأت بجائحة (كوفيد – 19) التي أدت إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في العالم، ما أثر على حركة الاستثمار. وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الجائحة جاءت الحرب الروسية - الأوكرانية لتؤثر على السياحة وعلى فاتورة استيراد القمح».

ويضيف بدرة: «لقد تراكمت الأضرار الاقتصادية للأزمات الجيوسياسية حتى جاءت حرب غزة وأثرت على إيرادات قناة السويس، وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الأزمات المتتالية جاءت حرب إيران لتزيد من أزمات اقتصاد مصر».

عودة إلى الدكتور نبيل زكي، الذي أوضح أن «مصر شهدت أزمات متتالية منذ عام 2016 لتبدأ مسار إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي ركز على أسعار الصرف، وضبط أوضاع المالية العامة، مع محدودية التوسع في القدرة الإنتاجية، ما يفسر استمرار مصر في مواجهة أزمات سيولة متكررة واللجوء المتكرر إلى برامج الدعم المالي الدولي». واستطرد شارحاً أن «هيكل إيرادات مصر يعتمد بشكل كبير على مجموعة محدودة من مصادر الدخل الحساسة للعوامل الخارجية، بما يجعل اقتصادها عرضة للصدمات الخارجية، وحساساً للمخاطر الجيوسياسية، من بينها الأموال الساخنة والسياحة وقناة السويس».

جدير بالذكر هنا أن تقرير باتر تطرّق إلى «سحب استثمارات بقيمة 6 مليارات الدولار من سوق محافظ الاستثمار الأجنبية». وتعد «الأموال الساخنة» من مصادر التمويل التي تعتمد عليها مصر، وكان العملاء الأجانب يمتلكون نحو 45.7 مليار دولار من أذون الخزانة بالجنيه المصري في نهاية سبتمبر (أيلول)، بحسب النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي.

وفي نهاية الأسبوع الأول من مارس (آذار)، أعلنت البورصة المصرية بيع مستثمرين عرب وأجانب أذون خزانة محلية بقيمة 2.2 مليار دولار، في إطار اتجاه للمستثمرين الأجانب إلى الخروج من الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، بسبب استمرار حرب إيران.

لترشيد الاستهلاك بدأت الحكومة سلسلة إجراءات منها تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية التاسعة ليلاً

إجراءات حكومية

لترشيد الاستهلاك، بدأت الحكومة المصرية بنهاية الشهر الماضي تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً يومياً، باستثناء يومي الخميس والجمعة في الـ10مساءً، ما عدا المخابز ومحال البقالة والصيدليات، إضافة إلى المحال العامة والمنشآت السياحية في بعض المحافظات.

أيضاً، قررت تطبيق نظام العمل عن بُعد، يوم الأحد، بدءاً من أبريل الحالي لمدة شهر مع استثناء المصانع والمصالح الخدمية. وقال الدكتور عبد المطلب إن «هذه الإجراءات، وإن كانت قد وفرت في الاستهلاك اليومي للكهرباء ما نسبته 10 في المائة من واقع التصريحات الرسمية، فإن لها تداعيات سلبية تتمثل في تراجع الدخول والتأثير على القوة الشرائية والطلب الفعال». وتابع أن «حالة عدم اليقين بشأن التوترات الإقليمية تشكل عوامل ضغط على الاقتصاد وعلى إيرادات السياحة وقناة السويس».

وهنا نذكّر بأنه سبق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن حذّر مراراً من تداعيات التوتر الإقليمي على الملاحة بمنطقة البحر الأحمر. وأعلن، مطلع مارس الماضي، أن مصر «خسرت نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس إثر الحرب في غزة». وبالفعل، سجلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة لتحقق 3.9 مليار دولار مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023. وثمة تخوّفات الآن من تراجع عائدات السياحة التي سجّلت قفزة كبيرة في معدلات الإقبال والإشغال العام الماضي.

سبل التعافي

رغم ذلك، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن «مرونة سعر الصرف سمحت للعملة بأداء دور ممتص للصدمات لاحتواء جزء من الضغوط الخارجية، إلى جانب الحفاظ على احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي».

وأعلن البنك المركزي المصري، خلال الأسبوع الماضي، ارتفاع صافي ‌احتياطات البلاد من النقد الأجنبي إلى 52.831 مليار ‌دولار ‌في مارس من ‌52.746 مليار ‌خلال فبراير (شباط) الذي سبقه.

وبحسب «المجلس الوطني المصري للتنافسية»، فإن الاقتصاد المصري من أكثر الاقتصادات تضرراً في المنطقة، بسبب «ضغط عدة قنوات معاً؛ وهي تكلفة الطاقة المستوردة، تضخم الغذاء، هشاشة إيرادات قناة السويس، حساسية السياحة، ضغوط سعر الصرف، وتشدد شروط التمويل السيادي».

وخلص «المجلس» إلى أن «الخطر الأكبر على مصر لا يتمثل في صدمة منفردة، بل في تراكم عدة ضغوط تتحول مجتمعة إلى مشكلة أوسع في الاقتصاد الكلي وبيئة الأعمال والتنافسية».

هذا، وقد أكد الدكتور زكي أن «التعافي سيستغرق وقتاً يتجاوز الشهور الأربعة بعد توقف العمليات العسكرية تماماً»، وقال الدكتور بدرة إن «التعافي ليس سهلاً، وله آليات ومؤشرات من بينها تحسن قيمة العملة وعودة السياحة والتصدير والاستثمارات وتقليل التضخم وعجز الموازنة، وهذه أمور يتطلب تحقيقها قدراً من الاستقرار واليقين».

وبالتوازي، بينما تعوّل الحكومة على إجراءاتها الاستثنائية لمواجهة تداعيات الحرب واستكمال الإصلاح، يظل ملف الديون الخارجية أحد عوامل الضغط الرئيسة، حيث من المفترض أن تسدد مصر نحو 50.8 مليار دولار من ديونها الخارجية بنهاية سبتمبر المقبل، بحسب البنك الدولي، الذي أشار إلى ارتفاع الدين الخارجي بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025 ليسجل 163.7 مليار دولار.

الأزمات السياسية والجنيه المصري

على صعيد آخر، منذ أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، نذكر أن مصر تعرّضت لتقلبات سياسية وأزمات داخلية وخارجية، انعكست على حال الاقتصاد والظروف المعيشية للمواطنين، وواكبتها رحلة تراجع للجنيه المصري أمام الدولار بلغت ذروتها مع أزمة «شح الدولار»، بخروج نحو 20 مليار دولار بين يناير وسبتمبر 2022.

واليوم تتزايد أهمية «العملة الصعبة» بوصفها مؤشراً على الاقتصاد، مع اعتماد مصر على الاستيراد، حيث تجاوزت فاتورة الواردات في العام المالي 2024 - 2025 ما قيمته 91 مليار دولار، بارتفاع نسبته 29 في المائة عن العام المالي السابق، بحسب الإحصائيات الرسمية.

وتعرّضت العملة المحلية لصدمات عدة بدأت من حالة اللااستقرار التي أعقبت أحداث 2011، مروراً بالحرب على الإرهاب التي تجاوزت تكلفتها 120 مليار جنيه خلال عشر سنوات، وفق التقديرات الرسمية المصرية، ثم جائحة «كوفيد - 19» والحرب الروسية الأوكرانية و«حرب غزة»... وأخيراً الحرب الإيرانية.

أيضاً، سجلت الفترة اللاحقة لأحداث يناير 2011 بداية تراجع سعر صرف العملة المحلية، ليبلغ سعر الدولار 6.5 جنيه مقابل 5.8 في السنوات الخمس السابقة، لتبدأ رحلة صعود الدولار بنسب محدودة مع محاولات الحكومة تثبيت سعره الرسمي تحت الثمانية جنيهات للدولار الواحد. واستمرّ الحال كذلك حتى نهاية عام 2016 التي شهدت أول قرارات تحرير سعر الصرف. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قرر البنك المركزي «تعويم الجنيه»، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي. وهكذا، قفز الدولار من 7.8 جنيه إلى 18.7 جنيه، قبل أن يستقر ما بين 15 و16 جنيهاً.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021، أصدر البنك المركزي قراراً بالانتقال إلى سعر صرف مرن، لتتراجع قيمة الجنيه بشكل متسارع، ويتجاوز الدولار في يناير 2022 نحو 27 جنيهاً، قبل أن يرتفع مرة أخرى في مارس من العام نفسه. ويستقر سعره الرسمي في البنوك عند 30.85 جنيه للدولار الواحد، وإن ظل سعره يرتفع في السوق الموازية مع نقص النقد الأجنبي حتى تجاوز حاجز الـ70 جنيهاً للدولار.

وفي مارس 2024، أعلن البنك المركزي المصري «تحرير» سعر صرف الجنيه، والسماح بتحديده وفقاً لآليات السوق، ليتم تخفيض قيمة الجنيه مرة أخرى وتقترب قيمته من حاجز الـ50 جنيهاً للدولار، وتراجع العام الماضي إلى نحو 47 جنيهاً قبل أن ترتفع قيمة الدولار مرة أخرى جراء الحرب الإيرانية وتبلغ قيمة الدولار الواحد نحو 53.15.

صندوق النقد الدولي أفاد في تقرير صدر أخيراً، بأنه «يجب استكمال مرونة سعر الصرف في مصر بإطار أقوى للتدخل في سوق النقد الأجنبي، وبرنامج قائم على آليات السوق لتراكم الاحتياطيات بما يعزز كفايتها بشكل عام». وحقاً، تنخرط مصر حالياً في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي تم الاتفاق عليه في نهاية 2022، بقيمة ثلاثة مليارات دولار، قبل أن تزيد قيمته في مارس الماضي إلى ثمانية مليارات دولار، وتلتزم مصر في إطار البرنامج بخفض دعم الوقود والكهرباء.


صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
TT

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه» الذي عقده مئات النقابيين التونسيين أخيراً في المنطقة السياحية بمدينة المنستير، موطن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة وعدد كبير من كوادر الدولة التونسية الحديثة. بل جاء صعوده إلى الموقع الأول في واحدة من أكبر النقابات والأطراف السياسية التونسية والعربية وزناً وتأثيراً، ثمرة مسار طويل من التدرج داخل العمل النقابي، وتتويجاً لاحتكاك طويل بروّاد الحراك السياسي والنقابي في أكثر مستوياته التصاقاً بالقاعدة: المدرسة، والجهة، والقطاع، والمستوى المحلي، ثم القيادة الجهوية، وصولاً إلى المكتب التنفيذي الوطني، قبل أن ينتهي به المطاف إلى المقر المركزي، حيث تفاعل مبكراً مع «الجيل الثاني للرموز الثقيلة للاتحاد»، تلاميذ الزعيم النقابي السابق الحبيب عاشور، مثل عبد السلام جراد وعلي بن رمضان ومحمد بن سعد ثم نور الدين الطبوبي وفريقه.

لا يبدو صلاح الدين السالمي طارئاً على «الاتحاد العام التونسي للشغل» على الرغم مما عرف عنه من استقلالية عن الأحزاب العلنية والتنظيمات «السرّيّة» الماركسية والقومية والإسلامية، التي ازداد تأثيرها نقابياً منذ تسعينات القرن الماضي، بل هو ابن صريح من أبنائه التقليديين. إنه من صنف النقابيين الذين لا تصنعهم الأضواء بقدر ما تصنعهم الممرّات الداخلية، وتفاصيل اللوائح، والاشتباك الطويل مع الهياكل، والصبر على التراكم.

وهو ليس رجل اقتحام خاطف، بل هو رجل مسار؛ وليس ابن لحظة إعلامية، بل ابن مدرسة نقابية قديمة لا تزال تؤمن بأن الشرعية تُبنى من الأسفل إلى الأعلى، لا من القمة إلى القاعدة.

من منطقة قبائل أرياف القيروان

ينحدر السالمي من أرياف مدينة القيروان، العاصمة العربية الإسلامية الأولى لكامل شمال أفريقيا (170 كلم جنوب العاصمة تونس)، وتحديداً من منزل المهيري بمعتمدية نصر الله، وهذه خلفية ليست تفصيلاً جغرافياً في سيرته بقدر ما هي مفتاح أول لفهم صورته العامة. فالرجل يأتي من منطقة قبائل «الجلاص» الأمازيغية - العربية في «الداخل» التونسي، أي في المجال حيث ظل «الاتحاد العام التونسي للشغل» لعقود، منذ مرحلة بدء بناء الدولة الحديثة قبل 70 سنة، أكثر من مجرد منظمة نقابية. إذ لعب دور القناة النادرة للتعبير الاجتماعي، وللترقي الرمزي، وللدفاع عن الفئات التي لا تملك دائماً منفذاً مباشراً إلى المركز.

ولد السالمي يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1959، وحصل على شهادة البكالوريا في شعبة الرياضيات التقنية عام 1980، ثم التحق بالتدريس عام 1981، وفي عام 1982 انخرط في «الاتحاد»، ليبدأ بذلك علاقة لا تنقطع باتت ما يشبه القدر الشخصي.

محنة السجن والطرد

لم تكن بداياته سهلة، ولا محايدة. فالسالمي ينتمي إلى جيل من النقابيين الذين عرفوا مبكراً أن العمل النقابي في تونس لم يكن مجرد نشاط مطلبي محدود التكلفة، بل قد يتحول إلى سبب مباشر في السجن والطرد والتضييق. بالذات، في خضم أزمة الاتحاد مع السلطة إبان الصراعات القوية حول خلافة الحبيب بورقيبة منتصف الثمانينات.

وحقاً، سُجن النقابي والمعلم الشاب ستة أشهر بداية من نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، كما طُرد من عمله بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يعود إليه عام 1988 بعد إقالة بورقيبة وإعلان الرئيس التونسي الجديد زين العابدين بن علي عفواً عاماً على كل السجناء السياسيين والنقابيين السابقين. وهذا المُعطى، في سيرة الرجل، ليس مجرد تفصيل بطولي يضاف إلى السرد، بل هو عنصر تأسيسي في تكوينه: فقبل أن يصبح مسؤولاً في الهياكل، اختبر بنفسه معنى أن يدفع النقابي ثمن موقعه، وأن تتحول القناعة إلى عبء يومي لا إلى شعار.

التدرج داخل المدرسة النقابية

من هناك بدأ صعود السالمي، ففي يناير (كانون الثاني) 1990 تولّى أول مسؤولية نقابية له عند تأسيس النقابة الأساسية للتعليم الابتدائي في موطنه بمدينة نصر الله الصغيرة التابعة لمحافظة القيروان.

ثم توالت المحطات على نحو يكشف طبيعة تكوينه العميق داخل المدرسة التنظيمية للاتحاد: بعضو في هياكل نقابية جهوية، فكاتب عام نقابة جهوية للتعليم الابتدائي، ثم كاتب عام للاتحاد المحلي للشغل في منطقة نصر الله وبوحجلة والشراردة، قبل أن ينتخب عام 2009 كاتباً عاماً للاتحاد الجهوي للشغل بالقيروان، وهو المنصب الذي شغله قبله أستاذه في الدراسة وداخل «التيار اليساري القومي الوحدوي المعتدل» الناصر العجيلي. وكذلك سبقه إليه زميله السابق في قطاع التربية والتعليم حسين العباسي الذي تولّى ما بين 2011 و2011 منصب أمين عام وطني لاتحاد النقابات.

من «الجهوي» إلى المكتب الوطني

عام 2017 دخل صلاح الدين السالمي القيادة الوطنية لأول مرة خلال مؤتمر عقد في قمرت - قرطاج، بالضواحي الشمالية لتونس العاصمة، حيث انتخب عضواً بالمكتب التنفيذي الوطني مسؤولاً عن قسم الدواوين والمنشآت العمومية، أي المؤسسات الاقتصادية الكبرى التابعة للدولة. ثم جُددت له الثقة في الخطة نفسها خلال مؤتمر صفاقس عام 2022، وهذه المسؤولية أهلته للإشراف على عشرات آلاف العمال والموظفين الذين تمر مؤسّساتهم بصعوبات اقتصادية اجتماعية وأزمات.

هذه التجربة، أيضاً، وضعت السالمي بمواجهة واحدة من أعقد الملفات في الاقتصاد التونسي: المؤسسات العمومية، والمنشآت الوطنية المفلسة، والملفات التي تتقاطع فيها المطالب الاجتماعية مع حسابات الدولة والمالية العمومية والقرار السياسي. وفي هذه المنطقة تحديداً، تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني: ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً، بل بصفته رجل ملفات وتوازنات، وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة ورجال الأعمال ومتابعة القضايا الثقيلة في منطقة التماس بين الاتحاد والدولة.

مناخ فكري سياسي خاص

لكن مسار السالمي لا يمكن فهمه على نحو كامل إذا اقتصرنا على تسلسل المناصب. فالرجل لم يتشكل فقط داخل الهياكل، بل داخل مناخ فكري ونقابي وسياسي خاص بجهة القيروان، وفي قلب هذا المناخ يبرز اسم الناصر العجيلي بوصفه أحد أبرز الوجوه التي تركت أثراً عميقاً في أجيال من النقابيين واليساريين والقوميين العرب في الجهة ثم على الجانب الوطني.

هنا بالذات يكتسب الحديث عن «تتلمذ» السالمي على العجيلي معناه الأعمق: لا بصفته علاقة مدرسية ضيقة، بل بصفته انتماءً إلى مدرسة كاملة في النظر إلى النقابة ودورها ووظيفتها الوطنية.

الناصر العجيلي كان بالنسبة للسالمي والعباسي وجيل من الحقوقيين والسياسيين والنقابيين أكثر من أستاذ في المعهد الثانوي أو مسؤول نقابي جهوي. بل كان شخصية مركّبة تجمع بين النقابي والسياسي والحقوقي والثقافي الفكري، وتختصر سيرة جيل كامل من المناضلين الذين مرّوا من التعليم إلى الاتحاد، ومن الاتحاد إلى المجال العام الواسع.

وكان العجيلي الذي ولد عام 1939، ودرس بين القيروان وتونس، تابع تعليمه العالي في سوريا مثل مجموعة من مثقفي تونس ونخبها وقتها، وحصل على الإجازة فيها. ولقد تأثر السالمي وزملاؤه بأستاذهم العجيلي، خصوصاً بعد تعرضه لمضايقات ثم سجنه لمدة ثمانية أشهر بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يبرز وطنياً بأنشطته داخل «الاتحاد العام التونسي للشغل» وفي الفضاء السياسي اليساري والعروبي الوحدوي.

مدرسة كاملة لا مجرد اسم

في مدينة القيروان، وفي هذا المناخ السياسي الحقوقي، تشكل النقابي صلاح الدين السالمي وعدد من رموز النخبة المحلية والجهوية التي ستلعب لاحقاً دوراً وطنياً.

من بين الأسماء التي يلتقي عندها هذا الخيط القيرواني بوضوح، يبرز زميل قديم لصلاح الدين السالمي هو حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بين 2011 و2017، وأحد أبرز الوجوه النقابية في تونس المعاصرة.

العباسي، هو الآخر، خرج من الفضاء النقابي القيرواني نفسه، وصعد من الجهة إلى المركز، حتى أصبح في مرحلة ما بعد الثورة من أبرز شخصيات النقابية والسياسية في البلاد.

كما يسجل أن وصول صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لم يكن مجرد تتويج لسيرة شخصية، بل جاء أيضاً في سياق صراعات معقدة مع السلطات وأخرى داخلية بين المستقلين و«اليساريين الراديكاليين» الذين نظموا آلاف الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات في القطاعين العام والخاص خاصة منذ يناير 2011.

واستفحلت هذه الأزمات خلال السنوات القليلة الماضية وإعلان نوع من «القطيعة» بين السلطات وقيادة النقابات بزعامة نور الدين الطبوبي ونائبيه سامي الطاهري وسمير الشفي.

وتطورت هذه الأزمات إلى خلافات داخلية شلت عمل اتحاد الشغل خلال العامين الماضيين، فبرز اسم صلاح الدين السالمي ضمن ما عرف بـ«مجموعة الخمسة». وهي المجموعة «المعارضة» التي دفعت باتجاه التعجيل بعقد مؤتمر وطني في مارس (آذار) 2026، عوض يوليو (تموز) 2027. ورفع السالمي وأنصاره شعار إصلاح المنظمة وتحديثها، في مواجهة اتجاهات أخرى كانت تميل إلى التأجيل وإدارة الأزمة بالتمديد والتسويف. ومع تصاعد الخلافات، تحول السالمي من شخصية تنظيمية ثقيلة داخل الجهاز إلى أحد وجوه المعركة على مستقبل «الاتحاد» نفسه. لم يعد مجرد أمين عام مساعد يتحرّك في حدود اختصاصه، بل صار فاعلاً مباشراً في الصراع حول هوية المنظمة، وأولوياتها، وطبيعة قيادتها المقبلة.

شرعية تنظيمية بدل «الكاريزما» الصاخبة

وحين انتخب أميناً عاماً، لم يصل السالمي بصفته زعيماً شعبوياً يراهن على البلاغة العالية، بل بصفته رجلاً تراه الهياكل قادراً على الإمساك بالمنظمة من الداخل. وهنا بالتحديد تكمن خصوصيته. فالسالمي لا يبدو في صورته العامة كاريزمياً بالمعنى الذي تستسيغه الشاشات، لكنه يبدو صاحب ما هو أكثر أهمية داخل جهاز مثل الاتحاد: الشرعية التنظيمية، والخبرة الهادئة، والمعرفة الدقيقة بالجهات، والقدرة على التحرك داخل التعقيد دون استعراض.

ومع ذلك، فإن ما قد يمثل مصدر قوته قد يتحول أيضاً إلى امتحانه الأصعب. فالرجل يتولى القيادة في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ البلاد و«الاتحاد». ووسط أزمة ثقة داخلية، تراجعت صورة العمل النقابي لدى جزء من الرأي العام، واضطربت العلاقة مع السلطة مثقلة بملفات اجتماعية صعبة، وأوضاع اقتصادية شديدة الهشاشة.


قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)
TT

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي الجديد. وهذه نتيجة عكست في ظاهرها حسماً انتخابياً واضحاً، لكنها في عمقها كشفت عن إعادة تركيب موازين القوى داخل «الاتحاد»، وعن سعي واسع إلى إنتاج تسوية داخلية جديدة، تستوعب جزءاً مهماً من معارضي القيادة السابقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين أنصار الأمين العام السابق نور الدين الطبوبي وخصومه، من دون أن تنهي تماماً التناقضات الحادة التي ظلت تتفاعل داخل المنظمة خلال السنوات الأخيرة.

النتيجة هذه لم تكن تفصيلاً عابراً. فهي تعني، أولاً، أن جزءاً مهماً من النقابيين اختار تجاوز منطق الصدام المفتوح داخل البيت النقابي، وفضّل الذهاب نحو تسوية تنظيمية واسعة تضمن الاستمرارية وتمنع الانقسام. وكذلك تعني أن «الاتحاد»، وهو يدخل مرحلة جديدة، قرر أن يعيد بناء مركز قيادته على أسس أكثر مرونة وأقل ارتهاناً للاستقطابات الآيديولوجية الحادة التي حكمت بعض مفاصله في السنوات الماضية.

مع هذا، كشف المؤتمر أيضاً عن عمليات إقصاء وإعادة فرز داخلية، لا سيما مع فشل القائمة المنافسة التي قادها «اليسار الراديكالي» بزعامة فاروق العياري، والتي كانت مدعومة من شخصيات نقابية بارزة قاطعت المؤتمر، مثل سامي الطاهري وسمير الشفي، وهما من أبرز الوجوه التي مثّلت تيارات اليسار الراديكالي والقومية العربية المتشددة في الاتحاد والبلاد خلال العقود الماضية.

نور الدين الطبوبي (رويترز)

لقد بدا واضحاً أن مؤتمر المنستير لم يكن فقط مناسبة لانتخاب قيادة جديدة، بل كان أيضاً مناسبة لإعادة تعريف «الكتلة المهيمنة» داخل «الاتحاد». فالمكتب التنفيذي الجديد يضم غالبية من النقابيين المستقلين عن الأحزاب، إلى جانب شخصيات من اليسار النقابي المعتدل، كما يضم وجوهاً محسوبة على اتجاهات سياسية متباينة، من بينها نقابي قريب من التيار الإسلامي المحافظ ومن حركة النهضة، وآخر عُرف بقربه سابقاً من شبكات الحزب الحاكم في العهد السابق ثم من محيط حزب «نداء تونس» لاحقاً. وهذا التنوع لا يعكس انفتاحاً آيديولوجياً بالمعنى النظري فقط، بل يشير أيضاً إلى أن الاتحاد اتجه، تحت ضغط أزماته الداخلية وأزمات البلاد، نحو منطق «براغماتي» في بناء القيادة يقوم على جمع شبكات النفوذ القطاعية والجهوية والتنظيمية في «سلة واحدة»، أكثر مما يقوم على التجانس الفكري أو السياسي الصارم.

هنا تتجاوز أهمية المؤتمر مسألة الأسماء والأرقام. إذ تكمن المسألة الجوهرية في طبيعة المرحلة التي جاء فيها هذا التحوّل. وتونس اليوم ليست بصدد أزمة عابرة في ملف الأجور أو مفاوضات دورية بين الحكومة والنقابات، بل تعيش أزمة مركبة تمس بنية الاقتصاد، ووظائف الدولة، وتوازنات النظام السياسي، وثقة المجتمع في النخب والمؤسسات.