انتخابات الرئاسة في الجزائر: المنعرج الأخير

بين دور الجيش وضغط الشارع والمواقف الخارجية

انتخابات الرئاسة في الجزائر: المنعرج الأخير
TT

انتخابات الرئاسة في الجزائر: المنعرج الأخير

انتخابات الرئاسة في الجزائر: المنعرج الأخير

تشتد المواجهة في الجزائر، على مقربة من انتخابات الرئاسة المقررة في 12 من ديسمبر (كانون الأول) الحالي، بين آلاف المتظاهرين الرافضين لها، بحجة أنها لا تحقق التغيير الذي يطالبون به منذ أكثر من 9 أشهر، ومؤسسة الجيش التي تصر على انتخاب رئيس جديد مهما كانت الظروف حتى يبدأ في أقرب وقت، حسبها، بتصحيح الأخطاء الكثيرة التي تسبب فيها الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، خصوصاً في مجال الاقتصاد والحكم الراشد.
ويبذل المترشحون الخمسة لـ«الرئاسية»، عبد المجيد تبون وعلي بن فليس وعز الدين ميهوبي وعبد القادر بن قرينة وعبد العزيز بلعيد، جهوداً كبيرة في تجمعات الدعاية الانتخابية الجارية منذ أسبوعين لإقناع الجزائريين بالتصويت. وقال أحدهم: «المهم هو أن تتوجهوا بكثافة إلى صناديق الاقتراع، وأن تختاروا واحداً منا»، وكان ذلك دالاً على كون الاستحقاق مسألة مصيرية بالنسبة لسلطات البلاد، وبأنها غير مستعدة لتأجيلها من جديد، كما حدث في اقتراع 18 أبريل (نيسان) الماضي، وبعدها اقتراع 0 يوليو (تموز). وكان الأول قد ألغي بسبب ثورة الشارع ضد ترشح الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة، والثاني بسبب عدم توفر مترشحين.

مع استمرار حدة الرفض الشعبي للانتخابات الرئاسية في الجزائر، ومحاولات كثيرة للمتظاهرين لمنع المترشحين من عقد تجمعاتهم في إطار حملة الانتخابات، نزلت على السلطات «هدية من السماء» تتمثل في لائحة أصدرها البرلمان الأوروبي أخيراً تدين اعتقال نشطاء الحراك، وتطالب بالإفراج عنهم، كما تطالب الحكومة الجزائرية بـ«وقف تكميم الصحافة». وشجب القرار «سيطرة الجيش على المؤسسات المدنية».
كان قرار البرلمان الأوروبي، الذي جاء باقتراح من نائب فرنسي اشتراكي، فرصة للسلطات للتلويح من جديد بفزاعة «التدخل الأجنبي في شؤوننا الداخلية»، وبأن «الغرب خصوصاً فرنسا تخشى من ضياع مصالحها بمستعمرتها القديمة»، بحجة أن السلطة الجديدة التي يمثلها قائد الجيش الفريق أحمد قايد صالح «قررت تصفية أتباع فرنسا من النظام السابق».
وأطلقت الحكومة، بعد يومين، بواسطة تنظيمات وجمعيات، مظاهرات بالعاصمة، وفي كثير من الولايات، لاستنكار «التدخل الأجنبي»، وفي الوقت نفسه دعم مسعى الانتخاب، والإشادة بالجيش الذي «خلص البلاد من العصابة، وسجن رموزها»، في إشارة إلى عدد كبير من كبار المسؤولين الحكوميين، مدنين وعسكريين، ورجال أعمال، تابعهم القضاء بالفساد وبـ«التآمر على سلطة الجيش».

- «شرذمة» في برلمان أوروبا تثير سخط الجزائر
البروفسور أرضا دغبار، أستاذ القانون، يقول عن «التدخل الأجنبي» الذي يشغل اهتمام وسائل الإعلام والسلطة حالياً: «في الدول التي تملك أنظمة سياسية حقيقية، حينما تريد السلطة إقناع الشعب بمسائل وهمية، كمسرحية التدخل الأوروبي في شؤوننا الداخلية، فإنها تشكل لجاناً تضم مختصين في العلوم السياسية والقانونية والعلاقات الدولية، وحتى مختصين في كتابة السيناريو، ليضعوا لها تصوراً توزع فيه الأدوار على كل المشاركين... فيحدد هؤلاء طريقة إخراج الفعل ورد الفعل، وتصورات التبعات التي يمكن أن تنجر عنه. أما لدينا، فالأمر يتم بقرارات ارتجالية... وإلا كيف نفسر رد فعل الحكومة عندنا على ما صدر عن البرلمان الأوروبي، إذ لم يتجاوز (الشجب) و(التنديد) على طريقة جامعة الدول العربية!».
وأضاف: «رد الفعل الحقيقي يستدعي أن تقوم وزارة الخارجية باستدعاء سفير الاتحاد الأوروبي في الجزائر، وكذا السفير الفرنسي، وتحذيرهما بلهجة شديدة. رد الفعل الحقيقي يتطلب أن تقوم وزارة الخارجية باستدعاء سفير الجزائر لدى الاتحاد الأوروبي ولدى فرنسا من أجل التشاور. ويتطلب قراراً من السلطات العليا بالانسحاب من اتفاقيات ثنائية مع دول أوروبية، أو إلغاء عقود تجارية مع الاتحاد الأوروبي. رد الفعل الحقيقي يتطلب أن يلتئم البرلمان لدينا لمناقشة انتهاك حقوق السترات الصفراء في فرنسا، أو في غيرها من الدول الأوروبية. المسرحية تنقصها الحبكة، والإخراج كان سيئاً جداً، أعطى الانطباع بأن الأمر كله يتعلق فقط بمساعدة النظام على الدفع ببعض الجزائريين إلى مساندة خيارات السلطة، في طريقة الحل المتمثلة في انتخابات 12 ديسمبر (كانون الأول). فعلى السلطة أن تفكر جدياً في تسريح كاتب المسرحية ومخرجها، دونما إشعار ولا تعويض».
ومن جهة ثانية، صرح وزير الإعلام المتحدث باسم الحكومة، مندداً بلائحة الأوروبي، قائلاً إنها «أسقطت القناع عن شرذمة من البرلمانيين يتربصون بالجزائر، ويسعون لزرع البلبلة والتشويش على الرئاسية التي يتعاطى معها جل الشعب الجزائري بإيجابية عالية. فالشعب تفطن لمكائد هؤلاء، وهو على عزم تام من أجل التصدي لها (...) من خلال مشاركته في الانتخابات المقررة يوم 12 ديسمبر (كانون الأول)».
وتابع: «تجسيداً لمبدأ عدم التدخل في شؤون الغير، الذي ولد في رحم مبادئ ميثاق هيئة الأمم المتحدة، التي يتعين على الجميع احترامها، فإن الجزائر لا تقبل تدخل الغير في شؤونها الداخلية، وهو مبدأ قار في سياستها استوحته من تاريخها المتألق ونضالها السياسي». وأردف أن «توقيت إصدار اللائحة ليس بريئاً، كما أن هذه المجموعة من البرلمانيين الأوروبيين لا يساوون شيئاً بالنظر للعدد الكبير من الأصدقاء الذين تتوفر عليهم الجزائر في أوروبا وكل دول العالم».

- مستقبل المظاهرات
وتطرح الأوساط السياسية والإعلامية أسئلة كثيرة مرتبطة بمستقبل المظاهرات، وكيف سيتعامل معها الرئيس الجديد، في حال أجريت الانتخابات. وقال رابح لونيسي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة وهران (غرب) بهذا الخصوص: «أعتقد أن السلطة ستعمل بكل ما بوسعها لإجراء الانتخابات في وقتها. فهي لا يمكن أن تفشل في تنظيمها ثلاث مرات متتالية. ففي حالة العكس، يعني ذلك عدم قدرتها على التحكم في الوضع، وأن الجزائر تعيش حالة استثنائية، وهو ما لا يخدمها، خصوصاً في الخارج». وفي نظر لونيسي «يوجد طرف داخل السلطة يريد إفشال الانتخابات، والتخلص من كل الأجنحة الأخرى التي تشكل النظام، كما لا يريد للحراك أن يحقق أهدافه، فلو فشلت الانتخابات، سيقفز هذا الطرف إلى الواجهة بقوة. ويمكن وصف هذا الجناح بالتيار الوطني داخل النظام». وتوقع الأستاذ الجامعي لونيسي مشاركة ضعيفة للناخبين في الاستحقاق المرتقب «مما يعني أن الصندوق سيفرز رئيساً ضعيفاً سياسياً، كما هو ضعيف الرئيس الانتقالي عبد القادر بن صالح. ومثلما تم إسقاط بوتفليقة في 02 أبريل (نيسان) الماضي، سيتم إسقاط الرئيس الجديد الذي سيستحيل عليه استخدام القوة مع الحراك، بعكس ما تفعل السلطة الحالية، ولوجود ضغوط من دول أوروبية في شمال المتوسط لا تقبل وقوع اضطرابات في الجزائر، لأن بها مصالح قد تصبح عرضة للتهديد». ويعتقد لونيسي أن الانتخابات المنتظرة «ستكون شبيهة بالانتخابات في إيران، فمن يفوز بها لن يضر مصلحة الحاكم الفعلي في إيران، وهو الولي الفقيه والمؤسسة الدينية المتحكمة في اللعبة السياسية وصناعة القرار، فالرئيس مجرد واجهة لها، وعندنا الشيء نفسه، فكل المرشحين مقبولين من النظام، وليس مهماً من يفوز، ولو أن البعض يعتقد أن النظام يميل للمترشح تبون (رئيس الوزراء سابقاً)، لكن في الحقيقة المرشح الوحيد الذي يمكن أن يخشى النظام منه هو بن فليس».

- عبد المجيد تبون
وفي الموضوع نفسه، يذكر المحلل السياسي محمد هناد أن «السلطة ماضية بخريطة طريقها، أحب من أحب وكره من كره، مثلما ردد رئيس أركان الجيش في كثير من تصريحاته. وعليه، ليس هناك أدنى شك في إجراء الانتخابات الرئاسية كما هو مقرر... انتخابات سيكون الفائز فيها السيد عبد المجيد تبون منذ الدور الأول، وهو معروف بقربه من رئيس الأركان، لأن القيادة العسكرية تريد تفصيل المسألة على مقاسها، في أقرب وقت. لقد طالعتنا إحدى اللافتات المرفوعة في المظاهرات الشعبية أن الانتخابات عندنا هي من الشفافية ما يسمح بمعرفة الفائز بها قبل إجرائها! ومع ذلك، كان من الصعب تصور إمكانية أن تجري الحملة الانتخابية بسبب الرفض الشعبي. إضافة لذلك، نستطيع القول إن الانتخابات المقررة تبقى في حكم المجهول».
ويرجح هناد «لجوء السلطة الفعلية، بعد انتخاب رئيس جمهورية مباشرة، إلى العصا الغليظة لأنها ستلقى معارضة شرسة من طرف الحراك ضد الرئيس الجديد. وعليه، سيسعى هذا الأخير لفرض سلطته بالقوة، كما سيجد طاقمه الحكومي نفسه مضطراً إلى حل المشكلات الاقتصادية العويصة التي تعرفها البلاد على حساب المستضعفين، وذلك من خلال تقليص حجم النفقات العمومية، وكذا الاستدانة الخارجية المصحوبة بشروط دولية قاسية، في مقدمتها رفع أشكال الدعم الحكومي عن المواد الغذائية والبنزين وغيرها من المنتجات، علماً بأنه يكفي الجزائر أن تسترجع تلك المليارات المنهوبة كي تجتاز الصعوبات الاقتصادية الحالية، ريثما تتم الانطلاقة الاقتصادية المرتقبة، بفضل تفتق طاقات المجتمع بعد تحرره من النظام الفاسد».

- «مرشح الجيش»... جدل يعود مع كل انتخابات
وحقاً، يحتدم جدل كبير في البلاد، حالياً، حول «مرشح الجيش» في الانتخابات، رغم أن قائده أكد أنه يقف على المسافة نفسها من كل المترشحين. فواقع الأمر أنه (المؤسسة) سبق أن تعهدت في مواعيد سياسية سابقة بأنها «لا تتدخل في السياسة» ولا في الانتخابات، ولكن ثبت العكس فيما بعد. ويعود ذلك، بحسب مراقبين، إلى طبيعة نظام الحكم الموروث عن ثورة مسلحة ضد الاستعمار، فجرها عسكريون هم من سيطروا على السلطة بعد الاستقلال.
وحول هذه القضية، يقول الكاتب الصحافي المعروف احميدة عياشي: «أتصور أن الجيش لديه أكثر من مرشح، وليس مرشحاً بعينه، انطلاقاً من تطورات الوضع وتوجهاته على الميدان، لكن قد تكون له أولويات في التعاطي مع كل مرشح، كما أن الانتخابات هي أقرب إلى التعيينات... وليست بالضرورة تعبر عن الأصوات الحقيقية التي سيتحصل عليها فعلاً كل مترشح».
وقال عياشي إن «مراقبين يتحدثون عن كون عبد المجيد تبون مقرباً من رئيس أركان الجيش، وإنه كان رجله في صراعه مع جماعة الرئاسة خلال فترة حكم الرئيس بوتفليقة (1999-2019)، خصوصاً شقيقه السعيد بوتفليقة (يقضي حالياً عقوبة السجن لمدة 15 سنة) الذي لم يكن يخفي طموحاته في استخلاف الرئيس، لكن بعض الشكوك تحوم حول السيد تبون، فهو غير مؤتمن، ويمكن أن يتحول إلى خصم إن أصبح رئيساً بكل الصلاحيات الكبرى التي يمنحها الدستور لرئيس الجمهورية، وهذا ما يفتح الاحتمال لصعود المرشح الشاعر الأديب عز الدين ميهوبي الذي يعرف عنه أنه مدلل قائد أركان الجيش. أضف إلى ذلك إمكانية تسويقه إلى العالم العربي بصفته شاباً، بالمقارنة مع تبَون وبن فليس، و(معرباً) وليس (فرنكفونياً)، كغالبية الرؤساء السابقين، وقريباً من عدة دوائر عربية نافذة، وأمضى معظم شبابه في المدينة التي ينحدر منها نائب وزير الدفاع قايد صالح (باتنة بشرق البلاد)، إلى جانب شخصيته الرخوة التي يسهل التحكم فيها. أما بالنسبة للمرشح عبد العزيز بلعيد فهو، رغم انتمائه إلى مسقط رأس نائب وزير الدفاع (قايد صالح) نفسه، فإن حظوظه بالفوز بالرئاسة ضعيفة. وهذا ما يطرح ورقة علي بن فليس التي قد تكون صالحة، في حالة اشتد رفض أغلبية الجزائريين للانتخابات، وذلك رغم برودة علاقته بقايد صالح. بن فليس، يمثل برأيي، رجل المرحلة الذي بقدرته استعمال القوة وفرض النظام لاستعادة السيطرة على الوضع».
وللعلم، تناول قائد الجيش، أخيراً، الجدل الدائر حول «مرشح الجيش»، فقال في أثناء وجوده بمنشأة عسكرية: «لقد تعهدنا أمام الله، ولا رجوع عن ذلك... لقد قلنا إن الجيش لن يدعم أي مترشح، فالشعب هو من يختار الرئيس، والشعب هو المسؤول عن اختيار الرئيس الجديد، الذي يجب أن يكون قادراً على قيادة الجزائر». وأشار، ضمناً، إلى ما يدور حول «طموحه المفترض في الحكم»، فقال: «تعهدت أمام الله، وسأبقى على عهدي، بأن أكون في خدمة الشعب، فنحن من صلب هذا الشعب». ورد على الاحتجاج ضد «تدخل الجيش في السياسة» بقوله: «نسيّر هذه الأزمة منذ 9 أشهر، وهذا ليس أمراً سهلاً، ودون إراقة قطرة دم واحدة، والجيش هو الشعب والشعب هو الجيش، وعندما يقف الشعب بجانب جيشه، لن تكون أي قوة يمكنها فك هذا الارتباط».

- محاكمة رموز الفساد: هل هي قطيعة مع نظام بوتفليقة؟
بدأت هذا الأسبوع محاكمة مسؤولين بارزين من فترة حكم بوتفليقة، وقال مراقبون إن السلطة «تحاول إقناع الجزائريين بالتوجه إلى الانتخاب بقوة» من خلال تنظيم هذه المحاكمات.
ويقول الكاتب احميدة عياشي بهذا الخصوص: «يعتقد أصحاب الحل والعقد، أمام عدم قدرتهم على إقناع الجزائريين بحسن نيتهم ورغبتهم في إجراء انتخابات جادة صادقة، أنه بلجوئهم إلى محاكمة بعض رموز نظام بوتفليقة يبرهنون على أنه لا رغبة لهم في تجديد النظام القديم، وأنهم جادون في إحداث القطيعة مع نظام بوتفليقة، وذلك بعد انتشار أخبار مفادها أن بوتفليقة لا يزال يحظى بالرعاية في إقامة الدولة، وأن بعض رموز النظام سيخفف عنهم وسيطلق سراح بعضهم. كما أن هذه المحاولة تسعى السلطة من ورائها لتمرير خطاب مضاد للخطاب الرائج في أوساط الداعمين للحراك الرافض لإجراء الانتخابات ذات التوجه الأحادي، المفبركة مسبقاً كما يقولون، ويتمثل هذا الخطاب المضاد في أن هذه الانتخابات ستمثل الخطوة الأولى العملية في حلحلة الوضع المتأزم، والانسداد بتكلفة أقل، وبصورة تسمح بالانتقال التدريجي إلى وضع يساعد على إشاعة مناخ تغيير بشكل تدريجي، غير صادم ولا مفاجئ، يضمن الخروج من المأزق وتجنب أي انزلاق، لكن المؤشرات المتوفرة حالياً تكشف أن كل محاولات السلطة باتت فاقدة للصدقية، بل تكشف عن مخاطر متوقعة في حال أصرت على إجراء انتخابات لا تتوفر على الحد الأدنى من الاتفاق العام أو الشرعية».

- رؤساء الجزائر
- فرحات عباس (1958-1961) - رئيس الحكومة المؤقتة
- بن يوسف بن خدة (1961-1962) - رئيس الحكومة المؤقتة
- عبد الرحمن فارس (1962) - رئيس السلطة التنفيذية المؤقتة
- فرحات عباس (1962-1963) - رئيس المجلس الوطني
- أحمد بن بلة (1963-1965) - أول رئيس للجمهورية
- هواري بومدين (1965-1976) - رئيس المجلس الثوري
- هواري بومدين (1976-1978) - ثاني رئيس للجمهورية
- رابح بيطاط (1978-1979) - رئيس بالوكالة
- الشاذلي بن جديد (1979-1992)
- عبد المالك بن حبيلس (1992) - رئيس المجلس الدستوري
- محمد بوضياف (1992) - رئيس المجلس الأعلى للدولة
- علي كافي (1992-1994) - رئيس المجلس الأعلى للدولة
- الأمين زروال (1994-1999)
- عبد العزيز بوتفليقة (1999-2019)
- عبد القادر بن صالح (2019- ...) - رئيس بالوكالة


مقالات ذات صلة

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

حصاد الأسبوع في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان

«الشرق الأوسط» (برلين (ألمانيا))
حصاد الأسبوع تظاهرة احتجاجية في تونس العاصمة (آ ف ب)

مشهد سياسي جديد في تونس... وهوّة آخذة في الاتّساع

بعد 15 سنة من اندلاع الثورة التونسية وسقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي، تمرّ تونس بـ«مرحلة مفصلية جديدة»، لا تقلّ تعقيداً عن تلك التي عرفتها إبان مرحلة

كمال بن يونس (تونس)
حصاد الأسبوع ترمب (آ ف ب/غيتي)

ترمب يعيد العلاقات مع العراق إلى المربّع الأول

سواءً بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب أو لمبعوثه إلى العراق مارك سافايا، تتجه علاقة الولايات المتحدة مع العراق إلى الحد الأقصى من الضغط على طبقته السياسية،

حمزة مصطفى (بغداد)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.