تونس: من يتزعم «الطريق الثالث»؟

استقطاب وصراعات عشية الانتخابات

تونس: من يتزعم «الطريق الثالث»؟
TT

تونس: من يتزعم «الطريق الثالث»؟

تونس: من يتزعم «الطريق الثالث»؟

بدأ العد التنازلي لأول انتخابات تعددية عامة في تونس يجري خلالها انتخاب رئيس الجمهورية مباشرة، إلى جانب انتخاب برلمان تمتد صلاحياته 5 سنوات وستكون من أبرز مهماته اختيار الرئيس القادم الجديد وفريقه اللذين أعطاهما الدستور الجديد نحو 90 في المائة من النفوذ.
ولئن كان الأسبوع الأول من الحملة الانتخابية لانتخابات 26 أكتوبر (تشرين الأول) التشريعية «باردا» و«باهتا»، فإن الأسبوع الثاني انطلق ساخنا جدا.. فتحت خلاله نيران من العيار الثقيل بين أبرز الأطراف السياسية المتنافسة، وخاصة بين جبهة الأحزاب التي خرجت من رحم الحزب الحاكم السابق - حزب الرئيس زين العابدين بن علي، والحركات والأحزاب التي لا تزال تعلن ولاءها للثورة وتصف زعاماتها - وبينها الرئيس المؤقت الحالي المنصف المرزوقي - ب-«الثورية».
والسؤال الكبير اليوم بين المراقبين السياسيين: هل تنجح تونس في تجاوز «مزايدات الثورجيين»، و«عنتريات رموز النظام السابق» الذين يشاركون بقوة في الانتخابات.. وأصبح بعضهم يباهي بولائه للنظام السابق ويصف ساسة «ما بعد الثورة» ب-«الأقزام» على غرار ما فعل حامد القروي رئيس الحكومة السابق ونائب رئيس حزب بن علي - «التجمع الدستوري الديمقراطي» - طوال 15 سنة.

الدكتور عدنان منصر، المؤرخ والوزير مدير الحملة الانتخابية الحالية للرئيس الحالي المنصف المرزوقي، لخص الصراعات السياسية والحزبية الحالية بكونها «معركة بين أنصار 7 نوفمبر1987 -تاريخ وصول بن علي إلى الحكم، والأوفياء لثورة 14 يناير 2011»، وعدّ الرئيس المؤقت المرزوقي يتزعم التيار «الثوري».. وتوقع انتصار «الثوريين» في هذه «المعركة السياسية والانتخابية الحاسمة»..

* جبهة «الثورجيين»؟

* وأمام «تضخم» عدد وزراء بن علي وقادة حزبه الذين انخرطوا في السباق الانتخابي الحالي، دعا عدنان منصر «الثوريين» إلى التوحد بقصد عزل رموز «النظام السابق» والدفاع عن «مكاسب الثورة»..
وقد لقي هذا التقييم صدى في صفوف نشطاء سياسيين من تيارات مختلفة ممن يعدون أنفسهم «أوفياء للخط الثوري ولمكاسب الثورة الشبابية التونسية»..
ولم يستبعد قياديون من «اليسار الراديكالي» والإسلاميين «المتشددين» أن تؤدي المواقف «الثورية» الصادرة عن قيادات من حزب المرزوقي وحلفائه إلى تشكيل «جبهة انتخابية موحدة» ضد عودة «رموز النظام السابق»، وخاصة الوزراء والمحافظين والسفراء الذين بقوا في الحكم حتى الساعات الأخيرة من حكم زين العابدين بن علي في يناير 2014.. «رغم استفحال مظاهر الفساد والاستبداد»..
كما أعرب بعض «الثوريي» من داخل المعسكرين الليبرالي واليساري عن رهانهم على سيناريو «تقسيم الإسلاميين» بين «أوفياء» إلى رئيس حركة النهضة الإسلامية راشد الغنوشي الذي يتزعم تيار المصالحة الوطنية مع كل الأطراف، بما في ذلك وزراء بن علي غير المتورطين في الفساد والاستبداد «بحجة تصديقهم على الدستور الجديد وقانون الانتخابات وتبنيهم شعارات الثورة»..
وأصبح هؤلاء يتهمون السيد راشد الغنوشي ب-«التنازل عن ثوابت الثورة» وب-«الذهاب بعيدا في مسار المصالحة مع من كان يصفهم بالجلادين والسراق». وبينما تمسك زعيم حزب النهضة خلال الاجتماعات الشعبية التي أشرف عليها في عدد من كبرى المدن التونسية - مثل سوسة والقيروان والكاف والعاصمة تونس - بخيار «المصالحة الوطنية» واتهم خصومه من «أقصى اليمين وأقصى اليسار» بمحاولة «تقسيم التونسيين في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى وحدة وطنية وإلى تناسي أحقاد الماضي والتفرغ لبناء المستقبل.. أسوة بالرسول محمد عليه الصلاة والسلام الذي أمر المسلمين عند فتح مكة بالصفح عن أعدائه السابقين، بمن فيهم عمه أبو سفيان وزوجته هند ومن تورط معها في قتل المسلمين وتعذيبهم وتشريدهم».. ويمضي الغنوشي قائلا: «لقد خاطب الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أعداء الأمس قائلا: اذهبوا فأنتم الطلقاء.. ولو فعل غير ذلك لتواصل مسلسل الاقتتال داخل مكة والجزيرة ولما توحد المسلمون القدامى والجدد ففتحوا أغلب أصقاع الأرض في وقت قياسي.. ولما وصل الإسلام إلى شمال أفريقيا في وقت قياسي».
* معارك مفتوحة بين السبسي والإسلاميين
ولئن كان التوافق بين رئيس الحكومة الأسبق زعيم المعارضة العلمانية الباجي قائد السبسي من جهة وزعيم حزب النهضة راشد الغنوشي من جهة ثانية من أبرز أسباب «التهدئة» ونجاح «الحوار الوطني» العام الماضي - فإن الحملات الإعلامية التي فجرتها الحملة الانتخابية الحالية بين الزعيمين وأنصارهما توشك أن تعيد إلى «نقطة الصفر» المعارك التي سبقت التصديق على «دستور توافقي تقدمي» وعلى «حكومة تكنوقراط» رحبت بها الغالبية الساحقة من قيادات الأحزاب الإسلامية والعلمانية والليبيرالية مقابل انسحاب حزب النهضة الإسلامي من الحكم..
الباجي قائد السبسي شكك خلال برنامج تلفزي في القناة الحكومية في إيمان بعض خصومه بالإسلام، بما في ذلك الرئيس المنصف المرزوقي وقادة حزبه ورئيس البرلمان الانتقالي مصطفى بن جعفر زعيم حزب «التكتل» الاشتراكي.. كما اتهم قائد السبسي خصومه الإسلاميين ب-«التشدد والتطرف والوهابية».
في المقابل، اتهم عدد من القياديين في حركة النهضة، بينهم المستشار السياسي لرئيس الحركة الوزير سابقا لسيد لطفي زيتون، زعماء حزب «المؤتمر» الذي يقوده المرزوقي، وخاصة مدير حملته الانتخابية ومدير مكتبه في رئاسة الجمهورية عدنان منصر، ب-«محاولة تقسيم التونسيين»، فيما حذر الغنوشي في حوارات تلفزية وتجمعات شعبية عامة الباجي قائد السبسي من «غلط تقسيم التونسيين حسب انتماءاتهم العقائدية والسياسية والحزبية عوض السعي إلى توحيدهم خدمة للمصلحة الوطنية العليا»..

* الـ«فيسبوك».. والإنترنت

* وعلى غرار جل المعارك السياسية والانتخابية منذ سنوات في تونس، أصبحت المواقع الاجتماعية، وخاصة «فيسبوك» ومواقع الويب والصحف الإلكترونية، فضاء «ساخنا» للجدل والصراعات السياسية والحزبية والمعارك الانتخابية..
بل إن بعض الخبراء في علوم الاتصال والعلاقات العامة - مثل الباحث الدكتور محمد العربي عزوز - عدوا أن من «أبرز إضافات التغيير في تونس إقبال ملايين التونسيين والتونسيات على الصراعات السياسية والانتخابية، خاصة عبر مواقع (فيسبوك) والصحافة الإلكترونية».. باعتبار تونس تحتل المرتبة الأولى عربيا من حيث نسبة سكانها الذين لديهم مواقع اجتماعية وأدمنوا «الإبحار» في الويب.
لكن «المثير» في هذه المعارك، سواء كانت في الساحات الانتخابية التقليدية أو الإلكترونية - حسب الدكتور عبد اللطيف الحناشي - تورط بعض النخب مبكرا في توظيف الصراعات الحزبية والانتخابية ومظاهر الاستقطاب السياسي لمحاولة التشكيك منذ الآن في مصداقية العملية الانتخابية والإيحاء بأنها «مزيفة»..
وتساءل عبد اللطيف الحناشي قائلا: «من المستفيد من التشكيك في نزاهة عملية انتخابية تاريخية قبل وقوعها؟».
ولماذا التطاول على رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات د.شفيق صرصار.. وهو شخصية علمية وحقوقية وسياسية عرفت بنزاهتها واستقلاليتها ومصداقيتها سبق لـ«المعارضة» أن أقامت الدنيا وأقعدتها حتى ينتخب رئيسا للهيئة عوض المحامي المستقل الأستاذ كمال بن مسعود؟
وتساءل الجامعي الفاضل بن محمد: «لماذا توزيع الاتهامات المجانية شرقا وغربا بين بعض الأطراف السياسية التي تتورط دوما في الاستقطاب والصراعات الهامشية.. ومحاولة الإبقاء على البلاد في حالة فوضى (خلاقة) لا يستفيد منها إلا المهربون والإرهابيون وأباطرة الفساد والاستبداد؟».

* الغائب الحاضر

* ويتضح من خلال الأدبيات التي تنشرها الأحزاب والقائمات الانتخابية القريبة من حزب الرئيسين السابقين بورقيبة وبن علي أن معركتها الانتخابية تطورت تدريجيا.. وأن مطالبها لم تعد مجرد الدعوة إلى «المصالحة الوطنية ورفض سياسات الإقصاء والعدالة الانتقامية والانتقائية» التي يتهمون بها حكومات الترويكا السابقة، بل تكشف تصريحات حامد القروي، رئيس حزب الحركة الدستورية رئيس الوزراء في عهد بن علي خلال عقد التسعينات، عن أن «الدستوريين» - نسبة إلى الحزب الدستوري - لم يعودوا في موقع الدفاع عن النفس، بل أصبحوا في موقع «الهجوم».. واتهم القروي ورفاقه خصومهم من المعارضين السابقين لحكم زين العابدين بن علي بـ«الارتجال والفشل ونقص الخبرة».. وشبههم بـ«الأقزام».
«الوسطيون».. و«الطريق الثالث»
في الأثناء، تعالت أصوات من يعدهم بعض المراقبين في تونس «وسطيين» وأنصار الخيار الثالث أو «الطريق الثالث»..
أنصار الحلول «الوسطية» برزوا داخل بعض الأحزاب الكبرى نفسها، بدءا من حزب النهضة الذي تميزت كلماته في التجمعات الانتخابية والشعبية التي أشرف عليها أخيرا وفي المحاضرات - التي ألقاها خلال الأسبوعين الماضيين في الصين ثم في أميركا - بدعواته لـ«الوسطية والحلول التوافقية»، مع تأكيد استعداد حزبه للقبول بنتائج الانتخابات مهما كانت وبتشكيل «حكومة وطنية ائتلافية وتوافقية» إذا فاز حزب النهضة بالمرتبة الأولى في الانتخابات البرلمانية..
كما لم يستبعد الغنوشي المشاركة في حكومة توافق مع بعض وزراء بن علي السابقين «إذا كانوا من بين نظيفي اليدين»..
دعوات مماثلة للتهدئة والتعايش صدرت عن شخصيات قيادية مرشحة لأن تلعب دورا من الحجم الكبير في الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة مثل السيد كمال مرجان الوزير السابق للدفاع والخارجية القيادي سابقا في حزب بن علي.. ويتميز كمال مرجان عن غيره من رموز النظام السابق بكون حزبه فاز في انتخابات 2011 بـ5 مقاعد وبتصويته على حكومات الائتلاف السابقة بقيادة حمادي الجبالي وعلي العريض، ثم على حكومة التكنوقراط بقيادة المهدي جمعة..
وبعد أن تعاقبت مظاهر التوتر والتصدع داخل حزب «نداء تونس» بزعامة رئيس الحكومة الأسبق الباجي قائد السبسي وداخل بقية الأحزاب التي خرجت من حزبي بورقيبة وبن علي - ترشح أوساط سياسية كثيرة زعيم حزب المبادرة الدستورية - السيد كمال مرجان - لقيادة الدستوريين والتجمعيين السابقين وبقية الفصائل السياسية المعارضة لتيارات «الإسلام السياسي» التي تتميز بإيمانها «بالتعايش بين كل الأحزاب العلمانية والإسلامية» إذا توافرت مجموعة من الشروط، من بينها نبذ العنف والإرهاب والتطرف والتعهد باحترام «مدنية الدولة»..

* «ورقة المستقلين» و«الوسطيين»

* في المقابل، تراهن أوساط حقوقية وسياسية وإعلامية كثيرة على المرشحين المستقلين في الانتخابات البرلمانية والرئاسية وتتوقع أن ينجح هؤلاء في «فك النزاع وبؤر التوتر الحزبية»، خاصة أن من بين المرشحين المستقلين بعض وزراء بن علي السابقين الذين انسحبوا من الحكم منذ نحو 20 سنة؛ أي قبل أن تتطور الأوضاع الداخلية نحو مظاهر من «الاستبداد والفساد»..
ولعل من أبرز هؤلاء المرشحين المستقلين المحافظ السابق للبنك المركزي مصطفى كمال النابلي وزير الشباب والصحة ما بين 1988 و1991، والأمين العام السابق لرابطة حقوق الإنسان الدكتور حمودة بن سلامة، والنقيب السابق للمحامين عبد الرزاق الكيلاني..
ويصطف مع هؤلاء ضمن تيار «الوسطيين» زعيم المعارضة القانونية السابق أحمد نجيب الشابي، وزعيم حزب «التكتل» رئيس البرلمان الانتقالي الحالي الدكتور مصطفى بن جعفر، وعدد من الخبراء الاقتصاديين والقانونيين الذين غامروا بخوض السباق الانتخابي.. وإن أعوزتهم بعض «شروط النجاح» مثل اللوبيات المالية والحزبية والإعلامية المساندة..
لكن نقطة قوة هؤلاء جميعا محاولة بناء «طريق ثالثة» بين الأقطاب السياسية والحزبية الكبرى المتصارعة..

* أزمات جديدة

* في الأثناء، حذر وزير الداخلية التونسي لطفي بن جدو وعدد من نقابات الأمن من «عمليات إرهابية نوعية قد تفسد العرس الانتخابي التونسي»..
كما لا يخفي بعض الساسة الوسطيين انزعاجهم من ظواهر سياسية «مزعجة»، فقد تعاقبت في نظرهم في المدة الأخيرة «عنتريات» بعض رموز النظام السابق داخل تونس وخارجها، وكان من بين مفاجآت الأيام القليلة الماضية بعض التصريحات الغريبة لزعيم حزب نداء تونس الباجي قائد السبسي الذي اتهموه بـ«محاولة تقسيم تونس والتونسيين».
في الوقت نفسه، سجلت سلسلة من عمليات توظيف مواقع حكومية ومؤسسة رئاسة الجمهورية في الحملة الانتخابية السابقة لأوانها للرئيس المؤقت د. المنصف المرزوقي وكانت من أكثرها إثارة توظيف مؤسسة ملف تلفزي في قناة فرنسية – إم 6 - للظهور في مظهر «ثورجي» مع الترويج لمعطيات غير صحيحة عن ملف «استرجاع» مبالغ محدودة من أموال عائلة الرئيس بن علي.. ونسبة «بطولات وهمية» إليه..
وإذ تبدو المبادئ التي استشهد من أجلها مناضلون من كل الأجيال، وبينهم شباب ثورة ديسمبر 2010 - يناير 2011 في خطر بسبب «عنتريات» بعض وزراء الحقبة الأخيرة من عهد بن علي - فإن بعض «الثورجيين» و«اليساريين» أصبحوا يتهمون بكونهم يسبحون ضد التيار «متجاهلين قيمة المستجدات في تونس والمنطقة» بعد فشل الربيع العربي، «وخاصة مكاسب مسار التوافق السياسي الذي أفرزه الحوار الوطني العام الماضي، وأسفر عن دستور تقدمي وعن حكومة تصريف أعمال من المستقلين» كلفت التحضير للعملية الانتخابية الحالية التي يخوضها الشعب التونسي هذه الأيام..



«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء وإعادة الإعمار ودعم النازحين. وفي حين أكد الحزب أنه «يعمل على برنامج خاص بهذا الملف متى توافرت الإمكانات المالية»، برزت في المقابل مواقف نيابية معارضة رأت في هذا الطرح إقراراً بعجز الحزب عن تحمّل الأعباء، وربطت أي معالجة مستدامة بإعادة الملف كاملاً إلى الدولة وحصر السلاح بيدها. يأتي هذا السجال في ظل استمرار معاناة متضررين ونازحين من الحرب، وفي وقت لم تتبلور فيه بعد آلية شاملة لتمويل إعادة الإعمار، وسط نقاش سياسي يتجاوز مسألة تأمين الأموال إلى تحديد المسؤوليات وشروط مساهمة الدولة والجهات المانحة.

النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله يغادر البرلمان اللبناني وسط بيروت 14 يونيو 2023 (رويترز)

تكشف أرقام جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» عن أن ملف إعادة الإعمار والإيواء في لبنان لا يرتبط بأضرار حرب 2026 وحدها، بل يأتي فوق خسائر حرب 2024 التي لم يكن لبنان قد انتهى من معالجتها. ففي عام 2024، بلغت الأضرار المادية المباشرة نحو 6.8 مليار دولار أميركي، بينها 4.6 مليار دولار في قطاع السكن، في حين قُدِّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، قبل أن تضيف الحرب الجديدة أضراراً واسعة إلى المباني والمساكن والبنى التحتية.

في الواقع، لا تتوافر حتى الآن حصيلة وطنية نهائية لتكلفة أضرار حرب 2026 أو احتياجات إعادة الإعمار، في ظل استمرار العمليات وتأخر اكتمال التقييمات. غير أن الأرقام المرحلية التي جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» تُظهِر أن الأضرار المباشرة في المباني تجاوزت، حتى شهر أبريل (نيسان) 2026، نحو 1.745 مليار دولار في جنوب لبنان وبيروت وجبل لبنان، بينها أكثر من 1.38 مليار دولار في الجنوب وحده، وأكثر من 365 مليون دولار في بيروت وجبل لبنان. وهذه أرقام جزئية لا تمثل التكلفة النهائية للحرب، ومن ثم، لا يمكن مقارنتها مباشرة بالتقييم الوطني الشامل لأضرار 2024.

أكثر من 21 ألف وحدة سكنية مُدمَّرة

تتبيّن خطورة الأزمة بصورة أوضح في القطاع السكني. إذ بلغ عدد المباني المدمّرة بالكامل 11 ألفاً و95 مبنى في المنطقة جنوبي نهر الليطاني، إضافة إلى 146 مبنى في بيروت وجبل لبنان. كذلك أظهرت التقييمات تدمير 17 ألفاً و891 وحدة سكنية بالكامل في جنوب لبنان، و3168 وحدة في بيروت وجبل لبنان، بما يزيد على 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن المناطق التي شملتها التقييمات حتى تلك المرحلة.

وتترافق هذه الخسائر مع كمّيات ضخمة من الرّكام، بلغت نحو 3.1 مليون متر مكعب في جنوب لبنان ونحو 649 ألف متر مكعب في بيروت وجبل لبنان. ويعني ذلك أن العودة لا ترتبط بإعادة بناء المنازل فحسب؛ إذ ستحتاج مناطق واسعة أولاً إلى إزالة الركام وتأهيل الطرق وشبكات المياه والكهرباء والخدمات الأساسية، قبل أن يصبح من الممكن إعادة السكان إليها بصورة مستقرة.

النزوح يوسّع أزمة الإيواء

ويتقاطع الدمار السكني هذا مع أزمة إيواء ونزوح واسعة. إذ وفق البيانات الدولية، نزح نحو مليون شخص داخلياً في بداية التصعيد، في حين عبر نحو 100 ألف شخص إلى سوريا. وحتى الأول من شهر سبتمبر (أيلول) 2026، بقي 329 ألفاً و240 شخصاً في حالة نزوح داخلي؛ الأمر الذي يعكس استمرار الحاجة إلى حلول إيواء مؤقتة ومتوسطة الأجل، ولا سيما للعائلات التي دمّرت منازلها أو باتت بلداتها تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العودة.

بلغ عدد المباني المُدمّرة بالكامل

11 ألفاً و95 مبنى

في المنطقة جنوبي نهر الليطاني

عودة إلى الأصل أي... الدولة

في هذا السياق، طرح الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم التزام الحزب بالمساهمة في تأمين الإيواء والإعمار للمتضرّرين في الجنوب، إلى جانب حثّ الدولة على القيام بدورها، وقال إن الحزب «سيعلن قريباً عن مساهمته في مشروع للإيواء».

إلا أن النائب إبراهيم منيمنة قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» معلّقاً إن «(حزب الله)، على مدى سنوات، كان يأخذ رصيد الحكومة ويجيّره لنفسه». وأشار إلى أنه «في عام 2006 كانت الدول العربية تؤمّن القسم الأكبر من التمويل، لكن (حزب الله) استغل بعض الثغرات في أداء الدولة وحاول أن يحوّل هذا الرصيد لنفسه». وأردف منيمنة: «أما الآن، فيعود إلى الأصل، وهو الدولة. الدولة هي التي ستقوم بإعادة الإعمار... وهذا اعتراف من الحزب بأنه لن يقدر على الاستغلال».

منيمنة، وهو من نواب بيروت، توقّف أيضاً عند كلام النائب حسن فضل الله - أحد نواب «حزب الله» ومنطقة الجنوب - عن أن الدولة لديها الأموال، فقال: «المفارقة عندما يقول (فضل الله) إن الدولة لديها المال، وكأنه يحاول أن يتّهم هذه الدولة بأنها لا تقوم بواجباتها في هذا الموضوع، فيما هو يعلم أن هذا الكلام ليس صحيحاً، وهم أي الحزب ممثلون في الحكومة، وبالتالي فإن كلام الحزب غير دقيق وشعبوي».

وتابع منيمنة: «مَن يريد اليوم أن يضع ملف إعادة الإعمار، فعليه أن يدخل أولاً إلى الحكومة ويناقشه فيها، وأن ينفّذ قرارات الحكومة، أو الدولة، المتعلّقة بحصر السلاح. هذه أول خطوة حتى تكون مدخلاً إلى إعادة الإعمار».

جدير بالذكر، أن النائب فضل الله، كان في وقت سابق قد شدّد على أنه «عندما يكون هناك حكومة في لبنان، فهي المسؤولة عن شعبها وعن كل مواطن على أرضها مهما كانت أسباب الحرب، سواء كنّا معها أو معارضة لها، علماً أن لديها الإمكانات والقدرات المالية والاقتصادية».

وأضاف: «وبدل أن تصرف هذه الإمكانات في مواضع في غير أماكنها، يمكنها أن تُسخّر جزءاً من الإمكانات لموضوع إعادة الإعمار والإيواء ولدعم النازحين. وهذه مسؤولية أساسية على الحكومة، ومهما كان الخلاف معها، سنحمّلها المسؤولية، ونحن نعمل من خلالها والمجلس النيابي، لتوفير ما أمكن من موارد مالية لأجل هذا الملف».

في المقابل، أوضح منيمنة أن «التردّد في إعادة الإعمار ليس لأن الدولة لا تقوم بواجباتها»، واستطرد: «أولاً، الدول المانحة التي ستساعد على الإعمار ليست مستعدة لأن تضع أموالاً ثم تحصل حرب جديدة. ومن ناحية ثانية، النقاش حول حصر السلاح لم ينتهِ ولم يُحسم هذا الموضوع... بالتالي، هذا الكلام، ولو أن فيه اعترافاً ضمنياً بدور الدولة، فهو في الدرجة الأساسية كلام منقوص»، موضحاً أن «هناك مسؤولية على (حزب الله) بأن يدخل فعلاً إلى الدولة من خلال ملف حصر السلاح».

وعن مسؤولية «حزب الله» تجاه تعويض المتضررين، قال منيمنة: «برأيي، هو أساساً في هذا المجال لم يفِ بوعوده، والناس في حالة تذمّر لأنه لا يوجد تمويل، حتى لأعمال الإيواء، خصوصاً للناس الذين ما زالوا مهجرين... وواضح أن (حزب الله) غير قادر اليوم على القيام بهذا الملف، وبما أنه لم يعد قادراً، فقد تخلّى عنه».

الحكومة مسؤولة عن شعبها

وفي موازاة ذلك، يتردد في أوساط داخل بيئة «حزب الله» أن الحزب يعد خلال الفترة القريبة المقبلة لتقديم مساعدة نقدية للمتضرّرين، تُطرح على أنها «هدية تعويض»، من دون أن يصدر حتى الآن إعلان رسمي يحدد قيمتها أو الفئات التي ستشملها أو موعد بدء توزيعها.

وكان واضحاً في تصريح نعيم قاسم الأخير أن الحزب «سيسهِم»؛ ما يعني أنه لن يكون المموّل، بل ينتظر الدولة التي قاله إنه لن يتوقّف عن حثّها على إعادة الإعمار.

في سياق متصل، يتقاطع موقف النائب مارك ضو، النائب عن جبل لبنان، مع قراءة منيمنة لانتقال الحزب إلى التعويل على الدولة؛ إذ قال لـ«الشرق الأوسط» إن تحميل «حزب الله» الحكومة مسؤولية ملف إعادة الإعمار «يشكّل تأكيداً على عجزه»، معتبراً أن انتقاله إلى التعويل الكامل على الدولة يعكس عجزه عن تحمّل تبعات ما حصل.

وأضاف ضو: «عندما يصبح كل الاتكال على الحكومة، ويقال إن الاعتماد الآن عليها، فهذا تأكيد واضح على العجز». وتابع: «هو (أي حزب الله) يطالب الدولة والحكومة بتحمّل مسؤولية إعادة الإعمار، في حين أنه لا يتعامل معهما على هذا الأساس في ممارسته السياسية... والنتيجة، أنه يريد من الدولة أن تتولّى إعادة إعمار ما نتج عن أخطائه وأفعاله».

مسارات أخرى قبل تحميل الخزينة التكلفة

بدوره، قال النائب أديب عبد المسيح لـ«الشرق الأوسط» إن «(حزب الله) يتنصّل من مسؤوليته في ملف إعادة الإعمار، ويحاول تحميل الدولة واللبنانيين تبعات حرب كان هو سببا أساسياً في اندلاعها»، معتبراً أن أمام الحزب أكثر من مسار لمعالجة هذا الملف بدلاً من مطالبة الدولة بتحمل التكلفة كاملة.

وقال عبد المسيح، وهو من نواب شمال لبنان: «(حزب الله) ممثل في الحكومة بوزيرين، فليتفضّل وزيراه ويطالبا بقرار حكومي لإعادة الإعمار، وليحاولا تأمين إجماع حكومي على هذا الموضوع. إذا كانا قادرين على ذلك، فليفعلا».

ثم أضاف: «إذا لم يتمكّن الحزب من تأمين إجماع الحكومة على إعادة الإعمار، فهناك مسارات أخرى. أولاً، عليه أن يتحمّل مسؤوليته؛ لأنه هو من ورّط لبنان وفتح النار على إسرائيل وتسبب بهذه الحرب. وثانياً، لديه الإيرانيون، ويمكن لوزير الخارجية أن يتحرّك للمطالبة بتعويضات من الدولة الإيرانية عن الأضرار، باعتبار أن (الحرس الثوري) الإيراني حاضر على الأراضي اللبنانية عبر دعمه للحزب».

وتابع عبد المسيح: «هناك أيضاً إسرائيل، وهي المسبّب المباشر للدمار. يمكن اللجوء إلى المسارات والمحاكم الدولية للمطالبة بالحقوق والتعويضات، وعند تحصيلها تُستخدم في إعادة إعمار الجنوب. هذه حلول عملية يمكن العمل عليها».

وشدّد النائب عبد المسيح على رفضه أن تتحمّل الخزينة اللبنانية وحدها تكلفة إعادة الإعمار، قائلاً: «أما أن تتحمّل الدولة اللبنانية المسؤولية في النهاية، وأن تأخذ الضرائب من الناس، فأنا أدفع وأنت لإعادة إعمار الجنوب، فهذا لن يحدث أبداً».

ورأى أن الحزب «يتنصّل» من مسؤوليته؛ إذ «يبدأ اليوم بالمطالبات والتحركات، وقد تتحول غداً تحركات في الشارع ضد الحكومة أو ضد الجيش، بحيث يحاول، بدلاً من أن يتحمل المسؤولية، أن يحملها لغيره... هذا أمر واضح مائة في المائة. يبدأ الأمر بهذه المطالبات، ثم يجري تنظيم التحرّكات على الموجة نفسها، في محاولة للظهور كجزء من المعارضة والمطالبة بحقوق شبيهة بحقوق موظفي الدولة أو سائر اللبنانيين، في حين كان الحزب أساسياً في هذه الحرب، وليس مجرد طرف عادي فيها».

الحرب تقوّض الاقتصاد اللبناني

ختاماً، يأتي اتساع حاجات الإيواء والإعمار في وقت تراجعت قدرة الاقتصاد اللبناني والدولة على تحمل أعباء إضافية. إذ تشير الأرقام إلى توقع انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.4 في المائة خلال 2026، في حين تضاف احتياجات الحرب الحالية إلى فاتورة إعادة إعمار 2024 المقدرة أصلاً بنحو 11 مليار دولار.بناءً عليه؛ لم يعد الملف مقتصراً على تعويض أصحاب المنازل المتضررة، بل صار يشمل تأمين الإيواء للنازحين، وإزالة ملايين الأمتار المكعبة من الركام، وإعادة تأهيل الخدمات والبنى التحتية، ثم إعادة بناء آلاف المباني وأكثر من 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن نطاق التقييمات المُنجزة حتى الآن.


سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
TT

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام منافسها الديمقراطي تروي جاكسون. بعد نحو ثلاثة عقود في المجلس، تدافع كولينز (73 سنة) عن سجل طويل من الخدمات والتسويات، في حين يتساءل ناخبون اعتادوا تأييدها إن كان إخراج الجمهوريين من قيادة المجلس الطريق الأجدى لتقييد الرئيس دونالد ترمب؟ وبين الحسابين، تتجاوز المعركة مستقبلها الشخصي لتطرح سؤالاً أوسع: هل تكفي الثقة بالسياسي حين يفقد الناخب ثقته بالحزب الذي ينتمي إليه؟

كولينز المولودة في السابع من ديسمبر (كانون الأول) 1952 في كاريبو، أقصى شمال ماين، واحدة من ستة أبناء لعائلة ارتبط اسمها بتجارة الأخشاب والخدمة العامة. تولّى والدها ووالدتها رئاسة بلدية المدينة، وخدم الأب في المجلس التشريعي للولاية. هناك، قرب الحدود الكندية، تشكلت صلتها بمجتمع صغير يعرف ممثليه بأسمائهم ويحاسبهم على ما يقدمونه لحياته اليومية. لكن هذه الصلة تواجه اليوم اختباراً صعباً، مع تحول مقعدها ساحة صراع على الأغلبية، وعلى مكان الوسطيين في سياسة أميركية قد تصبح فيها هوية الحزب أهم من شخصية ممثله.

من بلدة كاريبو ...إلى واشنطن

تخرجت كولينز في جامعة سانت لورانس الصغيرة الراقية بريف ولاية نيويورك عام 1975، وبدأت العمل مع النائب الجمهوري وليام كوهين (وزير الدفاع فيما بعد)، ثم انتقلت معه إلى مجلس الشيوخ.

ولاحقاً، تولت كولينز مسؤولية التنظيم المهني والمالي في حكومة ماين، ثم إدارة المكتب الإقليمي لوكالة المشاريع الصغيرة بتعيين من الرئيس جورج بوش الأب. ثم عام 1996، انتُخبت لخلافة كوهين في مجلس الشيوخ، لتبدأ مسيرة جُددت أربع مرات. وهي متزوجة من توماس دافرون، وتقيم في مدينة بانغور بولاية ماين.

بيد أن هذه التفاصيل ليست مجرد محطات في سيرة ذاتية؛ إذ تكونت سياسياً داخل «التيار التقليدي» في الحزب الجمهوري، الذي يعوّل على الخبرة التشريعية واحترام المؤسسات والتفاوض مع الديمقراطيين لإنجاز التسويات. ولم تبنِ حضورها على الخطب الصاخبة أو «التعبئة» ضد واشنطن، بل على معرفة طرقها: كيف تُكتب التشريعات، وتُجمع الأصوات، وتُنتزع المخصّصات لولاية صغيرة.

وحقاً، تلخص كولينز خلال لقاء مع الـ«واشنطن بوست»، هذه النظرة بقولها: «هناك من يعملون، وهناك من يستعرضون»، واضعة نفسها في الفئة الأولى. ثم تقول إن خطاباً نارياً يرفع شعبية صاحبه على وسائل التواصل الاجتماعي لا يغير بالضرورة النتيجة. وهذه حجة شخصية عامة مخضرمة في زمن يكافئ المواجهة العلنية، وأحياناً يعتبر التفاوض والمساومة بعيداً عن الكاميرات ضعفاً.

غير أن تداخل الأسرة والمهنة والمؤسسة، الذي منحها جذوراً وثباتاً، يسمح لخصومها أيضاً بتصويرها ممثلة لطبقة سياسية استقرت طويلاً في السلطة. فالأقدمية في حملتها رصيد يحمي مصالح ولايتها، لكنها في حملة منافسها جاكسون تطرح سؤالاً عمّا إذا كانت الخبرة ما زالت تنتج تغييراً يشعر به الناس.

استقلالية قيد المحاكمة

والواقع، أنه يصعب اعتبار كولينز «تابعاً» لترمب؛ إذ تقول حملتها إنها لم تصوّت له قط، بل كانت ضمن الجمهوريين الذين أيّدوا محاولة عزله الثانية عام 2021. كذلك خالفت إدارته في تصويتات مهمة، بينها رفض تعيين بيت هيغسيث وزيراً للحرب، ورفض النسخة النهائية من تشريع الضرائب والإنفاق الكبير عام 2025. ولها أيضاً سجلٌ يتجاوز الاعتراض؛ فقد قادت مع السيناتور جو مانشين - الذي كان آنذاك من أبرز الديمقراطيين اليمينيين قبل مغادرته الحزب -، مساراً مشتركاً لتعديل قانون فرز الأصوات الانتخابية. وأقرّ التعديل عام 2022 لمعالجة ثغرات كشفت عنها أزمة انتقال السلطة، إثر رفض ترمب الإقرار بهزيمته أمام جو بايدن وترويجه ادعاءات بتزوير انتخابات 2020. وهذه وظيفة مؤسساتية للوسط: تحويل الخلاف إلى قواعد يمكن أن يقبلها الطرفان.

لكن منتقديها يميّزون بين مخالفة الرئيس ومنعه. ووفق تحليل في الـ«نيويورك تايمز»، فإنها تعارض سياساته في التصويت أكثر من سائر الجمهوريين، لكن معارضتها نادراً ما تبدّل النتيجة. وهنا تنتقل المحاكمة من النيات إلى الفعل... فما معنى الاستقلالية إذا بقيت الإدارة قادرة على تنفيذ ما تعترض عليه؟

وتظل قضية الإجهاض الجرح الأعمق في تقييمها. فكولينز تؤيد حقوق الإجهاض، لكنها دعمت تثبيت القاضي المحافظ بريت كافانو عام 2018، قبل أن يشارك في قرار المحكمة العليا الذي ألغى الحماية الدستورية الفيدرالية لهذا الحق عام 2022. ودفاعها المستمر عن ذلك التصويت يعيد فتح مسألة الثقة لدى ناخبين يرون أن تطميناتها لم تصمد أمام النتائج.

مع ذلك، ليس كل تصويت خاسر مسرحية سياسية، كما أن ليس كل اعتراض دليلاً كافياً على المقاومة. فالشيخ لا يملك منفرداً غالبية المجلس. أما السؤال المشروع، فهو ما إذا كانت كولينز تستخدم كامل نفوذها لفرض حدود على الإدارة، أم تكتفي بمسافة محسوبة تسمح لها بالبقاء داخل ائتلافها؟ حسب المنتقدين.

ترمب على مائدة الناخب

وبالفعل، تبدو هذه المناقشة أقل تجريداً في ماين، حيث تتقاطع السياسات الرئاسية مع فواتير التدفئة والتجارة والسياحة عبر الحدود. فالحرب مع إيران رفعت تكلفة الوقود، في حين وضعت الرسوم على كندا مصالح محلية أمام ضغوط إضافية. وباتت كولينز مطالبة بمعالجة أزمات تخلقها الإدارة التي ينتمي حزبها إليها.

وفي حين ضغطت لتسريع مساعدات التدفئة للأسر محدودة الدخل، وسعت إلى استثناء الملح الذي يُرش على الطرق في فصل الشتاء من الرسوم الجمركية، حوّل منافسها جاكسون، الحطّاب والرئيس السابق لمجلس شيوخ الولاية، إنجازها إلى عبارة هجومية مؤداها أن «سكان ماين لا يستطيعون أكل ملح الطرق»، في حرصه على نقل النقاش من الاستثناءات التي تنتزعها إلى السياسات التي تجعلها ضرورية.

وفي مناظرتهما الثالثة مساء الثلاثاء، برز مجدداً ملف الهجرة بعد مقتل مهاجر برصاص أحد عناصر إنفاذ قوانين الهجرة (أيس) في بلدة بيدفورد خلال يوليو (تموز). وأقرّت كولينز بأن الإدارة نشرت أعداداً كبيرة من العناصر من دون تدقيق مناسب في اختيارهم، في حين حمّلها جاكسون مسؤولية سياسية عن التمويل.

وفي ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها مسافة عن إدارته. لكن انتقالها من تأييد الحرب في البداية إلى دعم تقييد صلاحياته العسكرية يمنح خصمها فرصة للسؤال عن توقيت الاعتراض، لا عن وجوده وحده.

في المقابل، تهاجم كولينز سجلّ جاكسون التشريعي وتحمّله مسؤولية سياسات تقول إنها رفعت تكاليف الطاقة والسكن. وبالتالي، ما عادت المواجهة بين مرشحة بلا إنجازات وخصم بلا سجل، بل بين تفسيرين للغلاء وللجهة الأقدر على تخفيفه: نفوذ جمهوري داخل الإدارة، أم غالبية ديمقراطية تراقبها وتواجهها.

غالبية أم جسر؟

عام 2020، فازت كولينز بفارق نحو 9 نقاط مئوية، في حين خسر ترمب ولاية ماين بفارق مماثل. يومها استطاع الناخب أن يرفض الرئيس ويحتفظ بالسيناتورة على ورقة الاقتراع نفسها. أما الآن، فلا انتخابات رئاسية تتيح الفصل ذاته، بل أصبح مقعدها إحدى الأدوات المباشرة لمعاقبة البيت الأبيض.

وفي تحقيقات للـ«نيويورك تايمز» والـ«واشنطن بوست»، تلتقط شهادات الناخبين هذه النقلة، حيث لا ينكرون خدماتها ولا يشككون في كفاءتها، لكنهم يريدون ببساطة مجلساً يضع قيوداً على ترمب. في المقابل، لا يزال ديمقراطيون ومستقلون يعدّونها ممثلة موثوقة، ويرفضون التضحية بها لمجرد انتمائها الحزبي. من هنا، يرى البعض أن خسارتها قد تبدو ربحاً واضحاً للديمقراطيين في حساب المقاعد، لكنها تحمل احتمال خسارة شريكة تفاوض داخل الحزب الآخر. ولا تناقض حتمياً بين الأمرين: يستطيع الديمقراطي أن يقدّر دورها، ثم يرى أن تغيير الأغلبية أرجح كفة من الاحتفاظ بذلك الدور.

وبالمثل، لن يكون فوزها هزيمة صافية لترمب؛ فهو يحتفظ للجمهوريين بمقعد بالغ الأهمية، وربما يساعدهم على حماية الغالبية. لكنه سيبرهن أيضاً على أن الفوز في بعض الولايات يتطلب الابتعاد عن الرئيس، وأن الصيغة الجمهورية القابلة للتسويق وطنياً ليست بالضرورة الصيغة الأكثر ولاءً له.

وتزداد المفارقة مع رئاسة كولينز لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ. فهي تطلب من الناخب حماية نفوذ يصعب تعويضه سريعاً، في حين يردّ خصومها بأن النفوذ يقاس بما يمنعه أيضاً. وإذا استطاعت الإدارة تعطيل إنفاق أقره الكونغرس أو الالتفاف على أولوياته، تغدو قدرة كولينز على حماية صلاحيات الكونغرس في إقرار الإنفاق جزءاً من تقييم نفوذها نفسه.

بل حتى الطرفان اللذان يريدان حسم المعركة يجدان نفسيهما أمام حسابات متعارضة: فالجمهوريون يحتاجون إلى أصوات ناخبين ينفرون من زعيمهم، والديمقراطيون يحتاجون إلى إقناع ناخبين بأن إعجابهم بسيناتورة جمهورية لا ينبغي أن يتقدّم على تغيير اتجاه الحكم.

الوسط يبحث عن جدواه

بالتالي، لا تعني هذه المعركة أن الساحة خلت تماماً من الوسطيين، ولا أن الشعبوية احتكرت الحزبين بالقدر نفسه. كما أن الوسطية ليست مرادفاً دائماً للانتماء إلى المؤسسة. فقد يكون السياسي المخضرم شديد الحزبية، وقد يكون جديداً وقادراً على بناء تسويات. وجاكسون - نفسه الذي ينافس كولينز - يعقّد الثنائية المبسطة. فهو تقدمي طبقي، لكنه صاحب خبرة في قيادة مؤسسة تشريعية. ولذلك؛ لا يكفي وضعه في خانة الشعبوية ثم اعتبار هزيمة كولينز إذا حصلت، دليلاً تلقائياً على انتصار التطرف. فالاختبار الأهم هو ما سيقدمه الفائز من سياسات، وكيف سيتعامل مع حدود السلطة وخصومه.

مع ذلك، تكشف كولينز عن أزمة حقيقية في نموذج الوساطة القديم. فحين يُطالب الناخب بمنع قرار يمس حقوقه أو معيشته، لا تكفيه الإشارة إلى حوار مستمر مع صانعيه. بل يحتاج المعتدل إلى شرح الرابط بين قدرته على الوصول إلى المسؤولين وقدرته على تغيير ما يفعلونه، وإلّا بدت التسوية امتيازاً لأهل السياسة لا منفعة للمواطنين.

وفي صورة ساخرة من الحملة، وصل خطأً إعلان يهاجم جاكسون، موَّلته مجموعة جمهورية، إلى مدينة بورتلاند بولاية أوريغون بدلاً من مدينة بورتلاند في ماين. ثم صحح الخطأ وأعيدت الأموال، لكنه أتاح لخصوم كولينز التشكيك في اتصال حلفائها بالولاية. وهذه واقعة صغيرة في سباق يختبر صدقية القرب من الناس.

الأرجح، أن انتخابات ماين لن تحسم مصير الاعتدال الأميركي، لكنها ستكشف عن الشروط الجديدة لبقائه. فنجاة كولينز ستعني أن الرصيد الشخصي والخدمات والاستقلال النسبي ما زالت قادرة على مقاومة الاستقطاب. وخسارتها ستشير إلى أن ناخبين باتوا يفضّلون تغيير ميزان السلطة على الاحتفاظ بوسيط داخلها.


وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
TT

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن استقلاليته أمام قاعدته. ومن أبرز هؤلاء من دون افتراض أن فرصهم الانتخابية ومواقفهم متساوية، الساسة التالية أسماؤهم:

• النائب الجمهوري براين فيتزباتريك في بنسلفانيا، الذي يمثل الدائرة الأولى ويواجه الديمقراطي بوب هارفي، المفوض في مقاطعة باكس والمدرّس السابق. يبني العضو السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي صورته على العمل عبر الحزبين ومخالفة ترمب في ملفات محددة. لكن خصمه يسعى إلى تحويل الاقتراع من تقييم لشخص النائب إلى حكم على الغالبية الجمهورية. ومع ذلك، لا يصح افتراض أن مجرد تشابه مأزقه مع كولينز يجعل حظوظهما متطابقة.

• النائب الجمهوري مايك لولر في نيويورك، يخوض مواجهة مع الديمقراطية كيت كونلي، صاحبة الخبرة العسكرية والأمنية، في الدائرة السابعة عشرة التي فازت فيها كامالا هاريس عام 2024. لولر يقدم نفسه جمهورياً براغماتياً قادراً على العمل مع الديمقراطيين، لكنه يحتاج إلى الاحتفاظ بالقاعدة الجمهورية أيضاً. امتحانه هو إقناع الناخب بأن استقلاله يترك أثراً ملموساً، في حين تسعى منافسته إلى جعل العلاقة بترمب محور الاختبار.

• النائبة الديمقراطية ماري غلوسنكامب بيريز في ولاية واشنطن، التي تواجه الجمهوري جون براون في الدائرة الثالثة، وتقدم نموذجاً معكوساً لكولينز؛ فهي ديمقراطية تحاول الاحتفاظ بدائرة أيدت ترمب، وتستند إلى خطاب محلي واهتمام بالمهن والتكاليف اليومية، وتخالف حزبها في بعض القضايا. لكن استمالة المحافظين لا تضمن رضا الديمقراطيين، وقد وثّقت الإذاعة العامة المحلية استياء ناخبين من خيارات السباق. ويكشف اختبارها أن بناء ائتلاف عابر للحزبين يحتاج إلى بقاء قاعدة متحمسة، لا مجرد الوصول إلى الطرف الآخر.

• النائب الديمقراطي دون ديفيس في نورث كارولينا، يواجه الجمهورية لوري باكهاوت في الدائرة الأولى، بعدما جعلت إعادة ترسيم الخريطة الانتخابية التي فرضها الجمهوريون، الفوز فيها أكثر صعوبة على الديمقراطيين. ديفيس يروّج لوسطيته، لكن الخريطة تضع حدوداً لما تستطيع السمعة الشخصية تحقيقه.

توضح هذه الحالات أن بقاء الوسط لا يعتمد فقط على اعتدال الناخبين، بل هو يتأثر بحدود الدوائر، وصورة الرئيس، وتعبئة القواعد، وقدرة المرشح على تحويل المخالفة الحزبية إلى منفعة مفهومة... ثم إن فوز معتدل من حزب قد يعني هزيمة معتدل من الآخر، لا انتصاراً تلقائياً على التطرف. لذلك قد يكون الاختبار الأعمق بعد الانتخابات: هل يملك الناجون استعداداً ونفوذاً لبناء تشريعات مشتركة، أو تفرض معركة الغالبية عليهم العودة إلى الاصطفاف الذي وعدوا ناخبيهم بتجاوزه؟