مفارقات الفانتازيا واللعب المرح... روائياً

إبراهيم عبد المجيد يحاكم أبطاله في «السايكلوب»

مفارقات الفانتازيا واللعب المرح... روائياً
TT

مفارقات الفانتازيا واللعب المرح... روائياً

مفارقات الفانتازيا واللعب المرح... روائياً

يضع إبراهيم عبد المجيد في روايته «السايكلوب»، الصادرة عن دار «مسكيلياني» بتونس، مجموعة من أبطاله في اختبار فارق بين حياة عاشوها روائياً حتى الموت، وموت ينهضون منه وكأنه ظل لحياة أخرى يعيدون اكتشافها من جديد.
لكن أي متعة في أن يحاكم الروائي أبطاله السابقين، يتخفى وراء أقنعتهم وزمنهم الذي لا يتجاوز سبعينات القرن الماضي، ويستحضرهم من عالمهم الأخروي بقوة الخيال والفانتازيا، ليتحولوا إلى محض أشباح في واقع حي؟ هل يريد أن يحاكم من خلالهم واقعه الراهن، أم يريد أن يحاكم زمناً خاصاً هارباً منه في طوايا حيوات هذه الشخوص، أم يريد أن يحاكم نفسه تحت وطأة إحساس بالذنب لأنه قصر مع بعضهم، وقطع الطريق على بعضهم الآخر، سواء بالموت في منتصف الشوط الروائي، كما لم يلتفت لأحدهم رغم أن سيرة حياته تجعل منه بطلاً حقيقياً؟ ثم هل تصلح هذه اللعبة لردم الفجوة الرمادية بين الجريمة والانتقام؛ انتقام الكاتب نفسه مما لحق به من أذى، خصوصاً على يد حبيباته، وأيضاً انتقام الأبطال أنفسهم ممن آذوهم وزجوا بهم في بئر النسيان؟
تتسع مظلة السرد لكل هذا، بل تبدو في كثير من حلقاتها وكأنها سيرة مبطنة لحياة الكاتب نفسه، حيث الإسكندرية (مسقط رأسه) تلقي بظلالها على أجواء الرواية، وتشكل نقطة الوصل والقطع مع الأماكن الأخرى. كما يبدو هذا الاستبطان قوياً إلى حد التشابه في علاقة بطل الرواية سامح عبد الخالق، وهو روائي شهير يعاني من وطأة الشيخوخة، فيقرر أن يستدعي سعيد صابر، المخرج المسرحي اليساري الشاب أحد أبطاله المقربين إلى نفسه في روايته «هنا القاهرة» 2014، ويكلفه بمهمة كتابة روايته الجديدة عن مفارقات هذا العالم المتخيل، وجمع حكاياتها وقصصها من أفواه أبطاله السابقين الذين يتناثرون على مدار صفحات الرواية، ويتقافزون بين خيوطها كأنهم ومضات زمنية شاردة، معبراً له عن سعادته «لأنك ستضعني بين دفتي كتاب، بعد أن عشت عمري على ظهر الغلاف».
ويستطرد: «أسعد حين يعودون شباباً، وأسعد أكثر بالشخصيات الوهمية إذ تتجسد، فذلك يعني أني لن أعود إلى البحث عنهم في الطرقات، لقد أتعبتني جداً وأرهقتني بقدر ما سالت دموعي شوقاً إليها»... من بين هؤلاء الأبطال «البهي» الذي ولد مختوناً، يشع النور من وجهه، وصار أسطورة بين النساء، والذي قتله سامح مبكراً في روايته «لا أحد ينام في الإسكندرية»، فيوصين أن يدفن معه في مقبرته، ويخرج في مظاهرة فجراً معهن تقض مضاجع المدينة ورجال الشرطة، وينتشر صداها على الإنترنت: «ظاهرة عجيبة حدثت في ثغر الإسكندرية. إرهابيون يتحولون إلى أشباح من النساء، ويطفن شوارع الإسكندرية وهن يهتفن: عيش، حرية، عدالة اجتماعية. والبوليس يعجز عن القبض عليهم»؛ و«زين» رفيق سامح في صباه وزميله في سنوات الدراسة الأولى، الذي يتحول بجسده الضئيل من فاشل في التعليم إلى شخصية ذات نفوذ وسطوة، يسافر إلى ليبيا ويحقق ثروة طائلة، ويتعاون مع الشرطة، ويتاجر في المخدرات، ويخشاه تجارها الكبار، ويعيش بمغارة في الجبل حتى بعد أن يتزوج؛ ثم يارا بطلة «الإسكندرية في غيمة»، حبيبة سامح التي ينتقم من زوجها المسن، فيخطط لقتله بيد سعيد صابر، لكن حين يصل إليه الأخير، يجده ميتاً منكفئاً على شاشة الكومبيوتر، بينما يتردد في غبار المشهد صدى عبارة سامح: «هل عرفت الآن حجم جريمتك؟ لقد انتهزت وجودي في السجن وخطفت حبيبتي»؛ ثم صفاء الأولى والثانية؛ وسعدية الساحرة الشابة، ابنة الحي الشعبي التي تتسبب بأنوثتها المتفجرة في تطليق النساء، المولعة بروايات الرعب، وبطلها المفضل «السايكلوب»، هذا الحيوان الخرافي ذو العين الواحدة الذي يعيش على أكل البشر.
شخصيات متنوعة مترعة بالحكايات، عاشتها بعفوية، واتسعت بها أحلامها وعراكها مع الحياة، يحركهم الكاتب في إطار لعبة روائية يتعاقب عليها زمنان، كلاهما له تاريخه الخاص: زمن منقضٍ، وآخر موازٍ له ينهض من بين ركام الذكريات كأنه ظله المتخفي في ظلالها.
ورغم أن الكاتب يبدو متحكماً في مسارات شخوصه المستدعاة، حتى إنه يعود بهم في الزمن إلى الوراء والأمام، ويحدد أوقات ظهورهم وتخفيهم، فإنه أحياناً يفشل في استعادة بعضهم، بل يفاجأ بوقائع لم يخطط لها، مثل واقعة سجن سعيد وتعذيبه، بعد أن تخيل أن القراء أيضاً يمكن أن يستعيدوا شخوص أبطالهم، فيزج به في السجن وعشرين من أشباهه، في محاولة هزلية لفتح السجون، وإطلاق سراح السجناء، كما يفشل في استعادة ريم بطلة «أداجيو»، مبرراً ذلك بأن «الحب الحقيقي لا يعود من الروايات، لكن تكتبه الروايات».
إن ما يطمح إليه الكاتب في اللعبة أن تتحول القماشة السردية إلى خشبة مسرح يتم عليها تبادل الأدوار والأقنعة بين الزمنين، ويتنقلان بسلاسة مغوية في فضاء السرد، وكأنهما نقطة واحدة في صراع لا مترام، مفتوح بحيوية على تخوم البدايات والنهايات. ويصبح السؤال المركزي في الرواية: لماذا لا يتوحد الزمنان في زمن واحد وديمومة واحدة؟ لماذا كل هذه الفواصل والعقد السميكة بين الموت والحياة؟
هذه الأسئلة، بنزقها الوجودي ولا معقوليتها، تشكل عصب الرؤية في الرواية، فالأشياء لا تدوم ولا تنتهي، لكن يبقى الإنسان بطموحه نقطة الانطلاق الأساسية في تحديد معنى كل شيء، وكأننا هنا إزاء تناصٍ مضمر مع نظرية العود الأبدي لنيتشه، فالتجاور بين الواقع والخيال الكامن في معظم أعمال الكاتب لا متناهٍ، وينعكس على فعل الكتابة نفسه، ويجعلها بمثابة صيرورة تتكرر وتتمدد في الزمن.
يوسع الكاتب من فضاء لعبته المتوهمة، ليكسب حيوات أبطالها مسحة واقعية، فيطلع سعيد على وتيرة التغيرات المتسارعة التي طرأت على هذا العالم، يعرفه على الإنترنت وطريقة الدخول إليه، ما يغريه بفتح صفحة خاصة به على «فيسبوك»، يضع بها صورة شمبانزي، فيصبح في عرف القراء «الرجل القرد»، ويتعرف من خلالها على صفحة سعدية، وردود القراء على حيوانها الخرافي «السايكلوب».
تعزز الميديا بفضائها الافتراضي حالة الإيهام لدى القارئ، وأنه إزاء لعبة يقف على حافتها ويتفاعل معها بمعايير الصدق والكذب معاً، بينما تتناثر الفانتازيا في الرواية مختصرة المسافة بين الوهم والحقيقة، كأنهما شبحان يتصارعان من أجل وهم آخر وحقيقة أخرى تبحث عنها الرواية في أفواه الموتى وسيرهم المتتالية.
لذلك يمكن أن نقرأ الرواية من زوايا عدة: فلسفية، حيث صراع الموت والحياة، الوجود والعدم، هو السؤال المحوري الذي يستبطن أنساق السرد وصراعات الشخوص؛ ويمكن أن نقرأها من زاوية الإنسان، بوصفه كائناً أسطورياً يمتلك قدرات عجيبة تنتظر الخروج من برزخ الجسد إلى فضاء العالم؛ ويمكن أن نقرأها من زاوية يوتوبيا المدينة الفاضلة، على غرار جمهورية أفلاطون؛ ويمكن أن نقرأها على هامش الموروث الشعبي والخرافة الشعبية، حيث «السايكلوب» هذا الحيوان الخرافي في الميثولوجيا اليونانية الذي أصبح نمطاً لأفلام الرعب في السينما والأدب، كما تلوح نقاط تماس بينه وبين فكرة استحضار الأرواح وتسخير الجان وإخراجهم من العالم السفلي ليأخذوا سمت البشر العاديين، ويقوموا بأعمال خارقة للعادة؛ أيضاً يمكن أن نقرأها من زاوية زمنية محضة، حيث صراع الكاتب السارد، الذي تجاوز السبعين مع الشيخوخة، وإحساسه بالزمن كنقطة فاصلة بين ما قد كان وما لا يمكن أن يكون.
وأخيراً، يمكن أن نقرأها من زاوية الصراع الاجتماعي - السياسي الذي يضرب عدداً من الدول العربية، وتتناثر مراياه في الرواية، خصوصاً بعد موجة الربيع العربي، ومدى انعكاسه على واقع أبطالها، وواقع الحياة بشكل عام.
لذلك لا يبني الكاتب مشهده السردي على محض الصورة الماثلة للعيان فحسب، وإنما على ما يقبع في خلفيتها أيضاً، ما تستدعيه ويشتبك معها من رموز ودلالات وصور أخرى متنوعة، تاريخياً وإنسانياً. فمشهد سجن سعيد وأقرانه يستدعي مشهد القائد الروماني في فيلم «سبارتاكوس» الشهير وهو يسأل العبيد بعد أن هزموا: من هو سبارتاكوس؟ فيجيبون واحداً بعد الآخر: أنا سبارتاكوس، حتى وصل في النهاية إلى سبارتاكوس الحقيقي؛ أيضاً في مشهد مقتل زين على يد مساعده يستدعي حكاية أدهم الشرقاوي البطل الشعبي الشهير، ويعرج على حكاية سفاح كرموز، بطل رواية محفوظ «اللص والكلاب»، كما نجد تناصاً بصرياً لافتاً في نهاية الرواية مع أسطورة طوفان نوح.
إن الصورة لا تنفصل هنا عن ماضيها، حتى لو كان محض فكرة مجردة، وليس مشهداً بصرياً، وهو ما يطالعنا في التناص مع أفكار وحدوسات معرفية شتى في سياقات السرد، مثل أفكار «ألبير كامو» حول علاقة الإنسان بالمعصية والخلود، خصوصاً في مسرحيته الشهيرة «كاليجولا». لذلك فماضي الصورة ليس مجرد إطار أو خلفيه معجونة فيها، وإنما صيرورة وجود متنامٍ في كل تعرجاتها وأبعادها، تمنح الزمن بتكرارها معنى التمدد والاستدامة.
ولا تخلو الرواية من روح الفكاهة والمرح، بل إن سيكولوجية الكتابة لدى إبراهيم عبد المجيد سيكولوجية مرحة في جوهرها، فهو يلتقط شخوصه من فجوات الحياة بقوة الحلم المَرِح، لذلك هم غالباً شخوص غير نمطية، يمنحهم الحلم نوعاً من الحصانة الفنية، كما يخفف المرح من وطأة آثامهم ومكائدهم الصغيرة، ويحفظ لهم مسافة حية لترحال دائم بين ضفتي الوهم والحقيقة، الواقع والخيال.
وبقوة الحلم نفسه، يستعيدهم في هذه الرواية المتميزة، وفي فضاء لعبة مفتوحة، يوقع بطلها في الوهم تحت مظلتها بأنه الكاتب نفسه، لكنه في النهاية يدرك أنه مجرد ظل لبطل هو الكاتب الحقيقي، وأن أوراق اللعبة والرواية منذ البداية في قبضته، وكأن لسان حال إبراهيم عبد المجيد يقول للقارئ: «هذه بضاعتي ردت إليّ»، لكنها لا تقبل المساومة، فقط تقبل الحلم، في أي زمان ومكان.



‏تجربة فنية مبتكرة تعيد قراءة «المدينة المنوّرة» عبر الذاكرة والضوء والعمارة

لوحات مغربل شاهد حي على إيقاع الحياة المدينية وتحكي للأجيال قصص مآذنها وحاراتها (وزارة الثقافة)
لوحات مغربل شاهد حي على إيقاع الحياة المدينية وتحكي للأجيال قصص مآذنها وحاراتها (وزارة الثقافة)
TT

‏تجربة فنية مبتكرة تعيد قراءة «المدينة المنوّرة» عبر الذاكرة والضوء والعمارة

لوحات مغربل شاهد حي على إيقاع الحياة المدينية وتحكي للأجيال قصص مآذنها وحاراتها (وزارة الثقافة)
لوحات مغربل شاهد حي على إيقاع الحياة المدينية وتحكي للأجيال قصص مآذنها وحاراتها (وزارة الثقافة)

لم تكن ريشة الدكتور فؤاد مغربل يوماً مجرد أداة لتلوين الفراغ، بل كانت بوصلةً ترصد التحولات الحضارية والاجتماعية في ملامح المدينة المنورة، فوثق بريشته وعبر لوحاته على مدار 6 عقود تحولات المدينة التي ولد ونشأ في كنفها حتى أصبحت من حيث يدري أو لا يدري لؤلؤة أعماله.

وبين أزقة «المناخة» العتيقة، وخلف جدران البيوت المزدانة بـ«الرواشين»، استلَّ مغربل خيوط الضوء واللون ليصوغ منها سجلاً بصرياً يوثق هوية المدينة قبل أن تمتد إليها يد الحداثة العمرانية.

متأرجحاً خلال ذلك بين دقة التشخيص وعمق التجريد، واحتفظ الفنان والتربوي، بروح المكان في لوحاته، التي بقيت شاهداً حياً على إيقاع الحياة المدينية، محولاً ذاكرته الشخصية إرثاً تشكيلياً يحفظ للمدينة عبقها، ويحكي للأجيال الجديدة قصص مآذنها وأبوابها الخشبية التي باتت اليوم جزءاً من التاريخ.

وللفنان والتربوي السعودي الدكتور فؤاد مغربل، مكانة رفيعة في تاريخ الفن التشكيلي المعاصر في السعودية، وتمتد تجربته العريضة لعقود عدة، وكانت طيبة الطيبة حيث نشأ، الملهم الأول لمخيلته البصرية التي دعمها بمسيرة أكاديمية متميزة.

متأرجحاً بين دقة التشخيص وعمق التجريد احتفظ الفنان مغربل بروح المكان في لوحاته (حساب الفنان على إكس)

وتتمحور معظم أعمال المبدع السعودي حول البيئة الحجازية، وتحديداً الحارة المدينية القديمة، وتميزت تجربته بتوثيق هوية المكان وتفاصيله الإنسانية التي انعكست على جماليات العمارة، واستنطق في أعماله الأبواب الخشبية العتيقة، والمآذن، والأزقة الضيقة لإحدى أقدس بقاع الأرض.

‏وعلى مدى أكثر من 6 عقود، وثّق الدكتور فؤاد مغربل تحوّلات المدينة المنوّرة عبر أعمال تتنقّل بين التشخيص والتجريد، مستلهماً من الذاكرة التجربة المعيشة، ولم تتوقف مساهمة الفنان عند براويز لوحاته الفنية، بل شارك في دعم الحركة الفنية السعودية التي يُعدّ واحداً من روادها، وشارك في تأسيس «جماعة فناني المدينة المنورة التشكيلية»، ونقل تجربته الفنية ووعيه بالمكان المديني من خلال مشاركاته المتعددة في عشرات المعارض المحلية والدولية.

اتسعت تجربة مغربل الفنّية واتّخذت مسالك متعدّدة فلامست موضوعات شتّى وتجلَّت في صيغ تشكيلية متنوِّعة (معهد مسك)

المدينة... حيث البيئة والنشأة

وُلد فؤاد مغربل في المدينة المنوَّرة، وتخرَّج في قسم النقش والزخرفة في المدرسة الصناعية، فكان ذلك من أسباب تعلًّقه الشديد بالفنّ، وحصل على شهادة الدكتوراه في التربية الفنّية في لندن، وتولَّى مناصب عدَّة، منها إدارة جمعية الثقافة والفنون بالمدينة المنوَّرة، ولعقود وثَّق تحوّلات المدينة عبر أعمال تتنقَّل بين التشخيص والتجريد.

وانطلقت الممارسة الفنّية للفنان مغربل من ارتباطه بمسقط رأسه حيث نشأ، مستلهماً إبداعه من عمارتها ونسيجها الاجتماعي والتاريخي، في حين تركز أعماله على أحياء المدينة القديمة وما تحمله من أبعاد ثقافية وروحانية.

للفنان فؤاد مغربل مكانة رفيعة في تاريخ الفن التشكيلي المعاصر في السعودية (معهد مسك)

يؤمن مغربل أن مصدر الإلهام لكل فنان تشكيلي هو بيئته، مؤكداً في حديث ضمن مشاركته في معرض نظمته «مسك»، اهتمامه بالتراث وبكل تفاصيله، وأن السعودية تتميز بتنوع تراثها، حيث تنفرد كل منطقة فيها بطابعها الخاص، وأن المحلية تقود إلى العالمية، من خلال تسليط الضوء بأدوات الفن على ما تنطوي عليه المجتمعات المحلية من تراث وعادات وتقاليد وقيم.

واتسعت تجربة مغربل الفنّية واتّخذت مسالك متعدّدة، فلامست موضوعات شتّى وتجلَّت في صيغ تشكيلية متنوِّعة، ولكن بقي للمدينة المنورة، الحضور الأرسخ في أعماله، التي يقاوم من خلالها سلطة النسيان والاندثار، وبقيت العمارة بمثابة الحارس الأخير لروح المكان وذاكرته. ومن خلال الأعمال واللوحات التي أنجزها تمكن من استعادة ملامح المدينة المنورة، عبر مساجدها وعمارتها التاريخية وأزقتها، التي انطوت في ذاكرة الزمن، إلى جانب ما احتوته من حرف وتقاليد اجتماعية شكَّلت إيقاع الحياة اليومية في جنباتها.

على مدى أكثر من 6 عقود وثّق مغربل تحوّلات المدينة المنوّرة عبر أعمال تتنقّل بين التشخيص والتجريد (معهد مسك)
كانت المدينة المنورة حيث نشأ مغربل الملهم الأول لمخيلته البصرية التي دعمها بمسيرة أكاديمية متميزة (حساب الفنان على إكس)

ومن واقع معايشة للتحوُّلات العمرانية الكبرى التي شهدتها المدينة، استدعى مغربل قدراته على التخيل وإدارة الذاكرة، إلى الواجهة، واستحضر الأحياء التاريخية، الساحة والمناخة وزقاق السلطان، وأعاد تقديم هذه الفضاءات على هيئة تكوينات متعدِّدة الطبقات، وتنتظم ضمن مساحات حيَّة من الخطّ واللون والضوء.

وخلص مغربل إلى أن السعودية تملك تاريخاً حضارياً مميزاً في العمارة، وأن مناطق السعودية لم يتم التطرق إلى كامل ما تضمه وتستوعبه من تراث وتاريخ حضاري، وأن العمارة هي شاهد فني وحضاري باقٍ، يحتفظ بما بقي من تراث الماضي، ويعكس من جهة أخرى، تنوع مناطق السعودية التي جسد سكانها مستوى ذائقتهم وتراثهم وذاكرتهم الإنسانية في أشكال وأنماط العمارة القائمة أو المندثرة.


كيف نتجنب الإجهاد الحراري في الصيف القائظ؟

معظم العمال لا يملكون في الواقع أي سيطرة على وقتهم أو ظروف مكان عملهم (أ.ب)
معظم العمال لا يملكون في الواقع أي سيطرة على وقتهم أو ظروف مكان عملهم (أ.ب)
TT

كيف نتجنب الإجهاد الحراري في الصيف القائظ؟

معظم العمال لا يملكون في الواقع أي سيطرة على وقتهم أو ظروف مكان عملهم (أ.ب)
معظم العمال لا يملكون في الواقع أي سيطرة على وقتهم أو ظروف مكان عملهم (أ.ب)

تشكل درجات الحرارة المرتفعة، خصوصاً مع ارتفاع نسبة الرطوبة، مخاطر على الأطفال وكبار السن ومن يعانون من حالات صحية معينة. وتشير الأبحاث الحديثة إلى أنه حتى بعض الشباب الأصحاء لا يستطيعون تحمل ساعات من التعرض للحرارة والرطوبة العالية. كما يُفاقم تغير المناخ من مخاطر موجات الحر والإصابة بالإجهاد الحراري.

وعلى الرغم من أن الحر الشديد قد يكون خطيراً، لكن خبراء الصحة يؤكدون وجود طرق للحد من هذا الخطر. ويستعرض تقرير نشر، الثلاثاء، على منصة «ساينس إكس»، نقلاً عن وكالة «أسوشييتد برس»، بعض النصائح للحفاظ على سلامتنا من الإجهاد الحراري في أثناء موجات الحر القائظ.

ويُعدّ مؤشر درجة حرارة الكرة الأرضية الرطبة (WBGT) المقياس الأكثر دقة، إذ يشمل درجة الحرارة والرطوبة والغطاء السحابي والرياح معاً. أما مؤشر الحرارة، الذي يقيس درجة الحرارة والرطوبة، فهو أقل تفصيلاً، لكن يسهل العثور عليه في تطبيقات الطقس.

ويوضح كلا المؤشرين سبب كون ملعب كرة قدم مظلل في يوم تصل فيه درجة الحرارة إلى 32 درجة مئوية أقل خطورة من حديقة مكشوفة في يوم تصل فيه درجة الحرارة إلى 27 درجة مئوية مع ارتفاع مستويات الرطوبة. وقد يؤدي التعرض لساعات طويلة لدرجات الحرارة المرتفعة والرطوبة العالية إلى الإصابة بالإجهاد الحراري.

يقول بهارات فينكات، مدير مختبر الحرارة بجامعة كاليفورنيا الأميركية في لوس أنجليس، إن أعراض الإجهاد الحراري تختلف من شخص لآخر. وتشمل العلامات المبكرة للإجهاد الحراري: التعرق الشديد، وتشنجات العضلات، والصداع. ويشدد فينكات على أنه يجب عليك في مثل هذه الحالات التوقف عما تفعله والتخفيف من حرارة جسمك، مثلاً برشّ نفسك بالماء البارد أو البحث عن مكان مكيف.

ومع تفاقم الإجهاد الحراري، قد تظهر أعراض جديدة للإجهاد الحراري، منها تسارع ضربات القلب والدوار. ثم تأتي ضربة الشمس، التي قد تشمل التشوش الذهني، وتلعثم الكلام، والإغماء. وقالت آشلي وارد، مديرة مركز ابتكار سياسات الحرارة في جامعة ديوك الأميركية، إنه في هذه الحالة يجب الاتصال بأرقام الطوارئ فوراً. وأضافت أن درجات الحرارة الليلية قد تكون جزءاً خطيراً بشكل خاص من موجة الحر.

وتتابع: «عندما لا تنخفض درجات الحرارة الليلية عن 24 درجة مئوية، تبدأ بملاحظة نتائج غير عادية فيما يتعلق بالأمراض المرتبطة بالحرارة وضربات الشمس، وحتى الوفيات».

وقالت آشلي: «إذا لم يكن بإمكانك تبريد المنزل بأكمله، فقم بتخصيص ركن بارد والنوم فيه، ليُصبح جسمك مُستعداً ليومٍ جديد».

وتُساعد مُبردات الهواء التبخيرية في الأجواء الجافة الحارة، لكنها تزيد الرطوبة وتُصعّب عملية التبريد. في الأماكن الرطبة، يكفي استخدام المروحة. ويشير فينكات إلى أن المناطق المظللة قد تكون بعيدة جداً عن العمال بحيث لا يمكنهم أخذ فترات راحة دون خسارة أجورهم. ويوضح: «معظم العمال لا يملكون في الواقع أي سيطرة على وقتهم أو مكان عملهم».

وفي ظل هذه الظروف، من المهم إيجاد طرق للحفاظ على رطوبة الجسم وخفض درجة حرارته. يقول فينكات: يمكنك فعل ذلك بشرب كثير من السوائل، أو ترطيب الملابس، أو وضع الماء البارد أو قطعة قماش باردة على يديك وقدميك وإبطيك ورقبتك. ويمكن أن تساعد المروحة اليدوية المحمولة أو سترة التبريد أيضاً.


«الجولة الأخيرة» يوثق معارك أسطورتي تنس أميركيتين مع الحياة بعد اعتزالهما

تناول الفيلم جانباً مختلفاً من حياة اللاعبتين السابقتين (نتفليكس)
تناول الفيلم جانباً مختلفاً من حياة اللاعبتين السابقتين (نتفليكس)
TT

«الجولة الأخيرة» يوثق معارك أسطورتي تنس أميركيتين مع الحياة بعد اعتزالهما

تناول الفيلم جانباً مختلفاً من حياة اللاعبتين السابقتين (نتفليكس)
تناول الفيلم جانباً مختلفاً من حياة اللاعبتين السابقتين (نتفليكس)

في كثير من الأحيان تبدو الرياضة كأنها عالم لا يعترف إلا بالفائز. فالألقاب تُسجل، والأرقام تُحفظ، والبطولات تتحول إلى تاريخ، بينما تتوارى الحكايات الإنسانية خلف بريق الإنجازات.

لكن الفيلم الوثائقي الأميركي «كريس ومارتينا... الجولة الأخيرة» ينظر إلى الوجه الآخر من المجد الرياضي، فالمباراة الأهم ليست تلك التي تُلعب أمام آلاف المتفرجين، بل التي يخوضها الإنسان أمام الزمن، والمرض، والذاكرة.

الفيلم، الذي شهد عرضه العالمي الأول في النسخة الماضية من مهرجان «تريبيكا السينمائي» بنيويورك، وانطلق عرضه أخيراً على منصة «نتفليكس»، لا يقدم سيرة ذاتية تقليدية لأسطورتي التنس كريس إيفرت، ومارتينا نافراتيلوفا، بل يصوغ رحلة إنسانية تتجاوز حدود الرياضة، لتصبح تأملاً في معنى المنافسة، والصداقة، والثمن الذي يدفعه الإنسان في سبيل الوصول إلى القمة.

ينتقل الوثائقي من أرشيف المباريات إلى واقع أكثر هدوءاً، وأشد تأثيراً، حيث تخوض البطلتان معركتيهما مع مرض السرطان، وفي هذه اللحظة تتغير طبيعة العلاقة بينهما بالكامل، فلم يعد هناك خصمان يفصل بينهما خط الملعب، وإنما صديقتان تتبادلان الدعم، والخبرة، والأمل في مواجهة تحدٍ لا يعترف بالإنجازات الرياضية، في مفارقة تمنح الفيلم قوة استثنائية، لأن الخصومة التي صنعت المجد تتحول مع مرور الزمن إلى مصدر للتعاطف، والمساندة.

كشف العمل عن جوانب إنسانية مشتركة بينهما (نتفليكس)

يفتح الفيلم نافذة على الظروف المختلفة التي صنعت شخصية كل منهما، فبينما نشأت كريس إيفرت داخل المجتمع الأميركي، جاءت مارتينا نافراتيلوفا من تشيكوسلوفاكيا الشيوعية، حاملة معها تجربة مختلفة تماماً في النظر إلى الحرية، والطموح، والحياة.

ورغم هذا التباين، جمعتهما لغة واحدة هي الإصرار على التفوق، قبل أن تجمعهما لاحقاً تجربة إنسانية أكثر عمقاً من أي بطولة.

ويعتمد الفيلم على مقابلات جديدة، ولقطات أرشيفية لم تُعرض من قبل، تمنح المشاهد فرصة لاكتشاف ما كان يجري خلف الصورة التي رسمتها وسائل الإعلام لعقود، ليكشف حجم الضغوط النفسية، والعزلة التي عاشتها اللاعبتان في سبيل الحفاظ على القمة، ويُظهر أن النجاح، مهما بدا مبهراً، يحمل دائماً تكلفة خفية لا يراها الجمهور.

مخرجة الفيلم ريبيكا جيتليتز أكدت لـ«الشرق الأوسط» في مقابلة عبر «زووم» أن فكرة الفيلم لم تبدأ من الرغبة في توثيق مسيرة اثنتين من أعظم لاعبات التنس في التاريخ فقط، وإنما من شعورها بأن إصابة كريس إيفرت ومارتينا نافراتيلوفا بالسرطان في الوقت نفسه كشفت عن جانب جديد في حياتهما يستحق أن يُروى بعيداً عن البطولات، والأرقام.

ولفتت إلى أن نقطة التحول الحقيقية جاءت بعد مقال نشر في صحيفة «واشنطن بوست»، كشف لها أن العلاقة بين اللاعبتين تتجاوز المنافسة الرياضية إلى تجربة إنسانية أكثر عمقاً، ومع بدء التصوير اكتشف فريق العمل أن المرض جرد البطلتين من كثير من الحواجز التي اعتادتا الاختباء خلفها، وهو ما منح الفيلم قدراً غير مسبوق من الصدق، والعفوية.

وأوضحت أن «التحدي الأكبر خلال التصوير تمثل في الوصول إلى هذه الحالة من الصراحة»، مشيرة إلى أن البطلتين اعتادتا طوال عقود على الإجابات المحسوبة أمام وسائل الإعلام، ولذلك كان من الضروري كسر هذا الحاجز للوصول إلى مشاعرهما الحقيقية، ليصبح الجانب الإنساني في النهاية أهم عناصر الفيلم.

الملصق الترويجي للفيلم (نتفليكس)

وأضافت أنها لم تكن تتوقع أن تسمح كريس إيفرت لفريق العمل بمرافقتها في أكثر مراحل حياتها خصوصية، خصوصاً بعد اكتشاف عودة السرطان خلال أحد الأيام الأولى للتصوير، وهو المشهد الذي وثقته الكاميرا في اللحظة نفسها معتبرة أن شجاعة إيفرت في السماح بتصوير رحلة العلاج الكيميائي غيرت مسار الفيلم بالكامل، حتى إن فريق العمل اضطر إلى إعادة تصوير عدد من المقابلات، لأن التجربة القاسية جعلتها تنظر إلى الحياة بعين مختلفة.

وأكدت أن اهتمامها الدائم ينصب على الشخصيات التي تصل إلى قمة النجاح، لأنها ترى أن الجمهور لا يعرف حقيقة الثمن الذي يدفعه الأبطال مقابل البقاء على القمة، موضحة أن «الناس يشاهدون الإنجازات، لكنهم لا يرون حجم التضحيات، أو الوحدة، أو الضغوط النفسية التي يعيشها الرياضيون، وهو ما سعت إلى كشفه في الفيلم».

وأشارت إلى أن العمل لا يمكن اعتباره مجرد فيلم عن التنس، فالعلاقة بين كريس ومارتينا شهدت منافسة، وصداقة، ورحلة مرض تمثل 3 مسارات متشابكة، لا يكتمل أي منها دون الآخر، مؤكدة أن «الفيلم حاول تقديم هذه الرحلة بوصفها قصة واحدة متكاملة تكشف تعقيد العلاقة التي جمعتهما على مدار عقود».

وعن اختيار المباريات التي تضمنها الفيلم من أصل 80 مواجهة جمعت البطلتين، قالت إن المهمة لم تكن سهلة، لكن فريق العمل ركز على المباريات التي شكلت محطات مفصلية في تاريخ المنافسة بينهما، مثل نهائي بطولة «ويمبلدون» عام 1978 التي مثلت نقطة تحول في مسيرة مارتينا نافراتيلوفا، ونهائي بطولة أميركا المفتوحة عام 1984 لما تضمنته المباراة من صراع إنساني مؤثر، إضافة إلى بطولة فرنسا المفتوحة عام 1985 التي أعادت كريس إيفرت إلى قلب المنافسة.

وأكدت أن مواجهة السرطان غيرت نظرة اللاعبتين إلى نفسيهما، وإلى الحياة، موضحة أن «المرض دفعهما إلى مراجعة اختياراتهما، وأخطائهما، وأجبرهما على إعادة تقييم الكثير من الأمور التي اعتقدتا يوماً أنها مسلّمات، وهو ما منح الفيلم بعداً إنسانياً يتجاوز كونه وثائقياً رياضياً»، على حد تعبيرها.