إيران تُقر باستمرار احتجاجات «ثورة البنزين» وتعد بإنهائها «خلال يومين»

التلفزيون الرسمي يبث مشاهد لملثمين في الشوارع... و«الباسيج» يتحدث عن أعمال نهب... وناطق حكومي يرى أن روحاني «ضحّى بنفسه»

إيرانيون أمام مصرف أُحرق خلال الاحتجاجات في مدينة أصفهان بوسط البلاد  - ... وأمام حافلة أُحرقت خلال الاحتجاجات في أصفهان (أ.ف.ب)
إيرانيون أمام مصرف أُحرق خلال الاحتجاجات في مدينة أصفهان بوسط البلاد - ... وأمام حافلة أُحرقت خلال الاحتجاجات في أصفهان (أ.ف.ب)
TT

إيران تُقر باستمرار احتجاجات «ثورة البنزين» وتعد بإنهائها «خلال يومين»

إيرانيون أمام مصرف أُحرق خلال الاحتجاجات في مدينة أصفهان بوسط البلاد  - ... وأمام حافلة أُحرقت خلال الاحتجاجات في أصفهان (أ.ف.ب)
إيرانيون أمام مصرف أُحرق خلال الاحتجاجات في مدينة أصفهان بوسط البلاد - ... وأمام حافلة أُحرقت خلال الاحتجاجات في أصفهان (أ.ف.ب)

واصلت السلطات الإيرانية، أمس (الاثنين)، قطع خدمات الإنترنت عن البلاد، ما أوحى بأنها ما زالت تحاول احتواء الاحتجاجات الدامية التي انفجرت يوم الجمعة عقب إعلان الحكومة رفع أسعار المحروقات. وأقرت إيران، أمس، بأن «أعمال الشغب» لم تتوقف كلياً لكنها أكدت أن الوضع أصبح «أكثر هدوءاً».
وأشارت وكالة الصحافة الفرنسية إلى أن الاحتجاجات التي يُطلق عليها بعضهم «ثورة البنزين»، تسببت في إغلاق طرق رئيسية وتخللها إحراق مصارف ونهب متاجر، مضيفة أنها أدت إلى مقتل «ما لا يقل عن شخصين»، هما مدني وشرطي. لكن تقديرات عديدة أخرى تضع رقم الضحايا بما بين 12 و25 قتيلاً، بالإضافة إلى عشرات، وربما مئات، الجرحى. والقيود التي تفرضها السلطات الإيرانية على وسائل الإعلام تزيد من صعوبة التحقق من أرقام الضحايا التي يقدمها ناشطون على شبكات التواصل الاجتماعي.

وبث التلفزيون الإيراني الرسمي مشاهد لأعمال عنف ظهر فيها شبان ملثمون في شوارع تناثر فيها الركام، وهم يقومون بإضرام النار في مبانٍ، حسبما أوردت الوكالة الفرنسية التي لفتت، في الوقت ذاته، إلى أنه نادراً ما يقوم التلفزيون الرسمي ببث أي مظاهر للمعارضة في البلاد.
وتحدثت قوات «الباسيج» شبه العسكرية عن أعمال نهب، حسب وكالة «إسنا» شبه الرسمية. وكان قائد «الباسيج» الجنرال غلام رضا سليماني، ثد صرّح سابقاً بأن «المخطط الأميركي فشل»، في إشارة إلى زعم السلطات أن الاحتجاجات تقف وراءها الولايات المتحدة.
وبدأت المظاهرات، الجمعة، بعد الإعلان عن رفع سعر البنزين بنسبة 50% لأول 60 لتراً، و200% لكل لتر إضافي يتم شراؤه بعد ذلك كل شهر.
وقالت السلطات الإيرانية إنها اعتقلت أكثر من 200 شخص وفرضت قيوداً على استخدام الإنترنت، علماً بأن مواقع إيرانية تتبع أجهزة مختلفة في البلاد وضعت رقم الموقوفين عند حدود الألف.
وذكر موقع «نيتبلكس» الذي يراقب حركة «تويتر»: «بعد 40 ساعة من حجب إيران الإنترنت بشكل شبه تام، لا يزال الاتصال مع العالم الخارجي عند نسبة 5% من المستويات العادية».
ولم يتضح الوضع في شوارع المدن الإيرانية، صباح أمس (الاثنين)، بسبب انقطاع الإنترنت الذي أدى إلى توقف تدفق فيديوهات على وسائل التواصل الاجتماعي لمظاهرات أو أعمال عنف متصلة. لكن وكالة الصحافة الفرنسية نقلت عن علي ربيعي، المتحدث باسم الحكومة، قوله إن الوضع كان «أكثر هدوءاً» أمس. إلا أنه أضاف، في مؤتمر صحافي في طهران، أنه لا يزال هناك «بعض المسائل الصغيرة، ولن يكون لدينا غداً أو بعد غد أي مشكلات بشأن أعمال الشغب». وأقر بأن «هناك تجمعات في بعض المدن والمحافظات». وعند الطلب منه الكشف عن أرقام الإصابات في الاضطرابات، رد قائلاً: «ما أستطيع أن أقوله اليوم هو أن التجمعات هي أقل بنسبة نحو 80% عن اليوم السابق»، حسب تقرير الوكالة الفرنسية.
ونقلت وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية الإيرانية (إرنا) عن المتحدث ربيعي قوله أيضاً في المؤتمر الصحافي إن قرار «تصويب أسعار الوقود» كان ضرورياً في وقت «تشهد فيه البلاد عقوبات وضغوطاً غير مسبوقة». وقال إن الحكومة حصلت على موافقة السلطتين الأخريين (التشريعية والقضائية) والمرشد الإيراني علي خامنئي قبل اتخاذ القرار. واعتبر أن الرئيس حسن روحاني، بهذا القرار، «ضحّى بنفسه من أجل مصلحة البلاد والشعب»، حسبما جاء في وكالة «رويترز».
وأعلنت إيران قرارها المفاجئ برفع أسعار الوقود وتقنين توزيعه منتصف ليل الخميس - الجمعة، في خطوة تهدف إلى جمع أموال تستخدم لمساعدة مواطنين محتاجين، حسبما بررت حكومة الرئيس حسن روحاني. والقرار الصادر عن المجلس الأعلى للتنسيق الاقتصادي المؤلف من الرئيس ورئيس مجلس الشورى ورئيس السلطة القضائية، يأتي في وقت حساس قبيل الانتخابات البرلمانية في فبراير (شباط) المقبل.
ونال القرار، أول من أمس (الأحد)، دعم المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي قال في كلمة نقلها التلفزيون الرسمي: «لست خبيراً، وهناك آراء مختلفة، لكنني قلت إنه إذا ما اتخذ قادة الفروع الثلاثة قراراً، فإنني أؤيده». وتابع: «البعض سيستاء حتماً من هذا القرار... لكن إلحاق الأضرار وإشعال النار (بالممتلكات) ليس أمراً يقوم به الناس (العاديون)، إنهم مشاغبون». وقال خامنئي أيضاً، حسب وكالة «رويترز»: «الثورة المضادة وأعداء إيران يدعمون دائماً أعمال التخريب والإخلال بالأمن ويواصلون فعل ذلك... للأسف حدث بعض المشكلات وفقد عدد من الأشخاص أرواحهم ودُمرّ بعض المراكز».
وذكرت وسائل إعلام رسمية إيرانية أن بعض نواب البرلمان، الذين كانوا يعتزمون مناقشة السبل المقترحة لإجبار الحكومة على التراجع عن قرارها، سحبوا اقتراحهم بعد خطاب خامنئي، الأحد، حسبما أوردت «رويترز».
ودافع الرئيس حسن روحاني، الأحد، عن قرار رفع أسعار البنزين والذي تقول السلطات إنه سيوفر نحو 2.55 مليار دولار سنوياً لإضافة مزيد من الدعم لنحو 18 مليون أسرة إيرانية أو نحو 60 مليون شخص من ذوي الدخول المنخفضة. وأعلن روحاني، في تصريحات بعد اجتماع حكومي، أن أولى الدفعات لـ20 مليون شخص ستبدأ فوراً. ونقل عنه موقعه الرسمي أنه «أوعز إلى منظمة التخطيط والميزانية ببدء دفع مساعدات معيشية انطلاقاً من غد (أمس) الاثنين، وهي المتمثلة بالعوائد المتحصَّلة من زيادة أسعار البنزين». لكنه حذّر أيضاً من أن إيران لن تسمح بـ«انفلات الأمن». ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عنه قوله: «الاحتجاج حق لجميع المواطنين لكننا لن نسمح لمثيري الفوضى والشغب بزعزعة الأمن في المجتمع».
وذكرت وكالة «إسنا» شبه الرسمية، الأحد، إنه تم اعتقال أربعين شخصاً في مدينة يزد (وسط). واعتُقل 180 شخصاً في الأيام الثلاثة الماضية في محافظة خوزستان (عربستان، جنوب إيران)، وفق ما أعلنت وكالة «إرنا» الرسمية للأنباء، أمس.
من جهتها، نقلت وكالة «فارس» للأنباء، المقربة من «الحرس الثوري» الإيراني، أنه لم يتضح بعد متى سيتم رفع القيود على الإنترنت، وذلك نقلاً عن مصدر حكومي مطلع. ونقلت وكالة «تسنيم» شبه الرسمية للأنباء عن بيان لوزارة المخابرات الإيرانية، أنها حددت هوية قادة الاحتجاج ويجري اتخاذ «الإجراءات المناسبة».
وذكرت وكالة «رويترز» أن رجال الدين الذين يحكمون إيران يحرصون على منع تكرار الاضطرابات التي حدثت في أواخر عام 2017 حينما خرجت احتجاجات في 80 مدينة وبلدة بسبب تدني مستوى المعيشة وترددت فيها دعوات لتنحي رجال الدين عن الحكم. وقال المسؤولون الإيرانيون إن 22 شخصاً لقوا حتفهم في تلك الاحتجاجات.
وعلى الرغم من أن الحكومة رفعت سعر البنزين إلى 15 ألف ريال (0.13 دولار) للتر من عشرة آلاف ريال، وحددت حصصاً لصرفه، وستبلغ تكلفة المشتريات الإضافية 30 ألف ريال للتر، فإن سعر الوقود في إيران لا يزال من بين الأرخص في العالم.
ويرزح الاقتصاد الإيراني تحت أزمة منذ مايو (أيار) العام الماضي، عندما انسحب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بشكل أحادي من اتفاق نووي موقّع عام 2015، وأعاد فرض عقوبات مشددة على طهران.
وأدانت الولايات المتحدة، الأحد، استخدام إيران «القوة القاتلة» ضد المتظاهرين. وقالت ستيفاني غريشام مسؤولة الإعلام في البيت الأبيض، في بيان: «ندين القوة القاتلة والقيود الصارمة المفروضة على الاتصالات، ضد المتظاهرين».
وأدانت وزارة الخارجية الإيرانية وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو الذي غرّد، السبت، قائلاً للمحتجين الإيرانيين إن «الولايات المتحدة معكم».
وفي بيان صدر في ساعة متقدمة مساء الأحد، قالت الوزارة إنها ترد على تصريحات بومبيو التي «أظهر فيها الدعم... لمجموعة من مثيري الشغب في بعض مدن إيران، وتدين مثل هذا الدعم والتصريحات التي تعد تدخلاً» في الشؤون الإيرانية. ونقل البيان عن المتحدث باسم وزارة الخارجية القول إن «الشعب الإيراني يعلم جيداً أن مثل هذه التصريحات المنافقة والمزيفة لا تتضمن أي تعاطف صادق وحقيقي». وأضاف أن «ممارسات بعض الفوضويين والمخربين المدعومين من أمثاله (بومبيو)، لا تتسق إطلاقاً مع سلوك الشعب الإيراني الواعي»، حسب تقرير الوكالة الفرنسية التي نقلت أيضاً عن البيان الإيراني تنديده بـ«النيات البغيضة» لواشنطن إزاء قرارها إعادة فرض عقوبات على طهران بعد انسحابها من الاتفاق النووي.
وفي الإطار ذاته، قال علي لاريجاني، رئيس مجلس الشورى (البرلمان الإيراني)، إن هدف الولايات المتحدة تجاه بلاده ليس سوى «نشر الفوضى وتدمير مصالح الشعب»، وذلك حسبما أوردت وكالة الأنباء الإيرانية (إرنا)، أمس (الاثنين).
وأضاف لاريجاني أن «هذه الدسيسة تتضح أكثر خصوصاً بعد أن أعلن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، حمايته العلنية والمثيرة للاشمئزاز لأعمال الشغب وحرق ممتلكات الناس، التي يعدها دفاعاً عن الشعب الإيراني، مما يفضح سلوكه المخادع والمنافق تجاه الشعب الإيراني»، حسبما جاء في تقرير لوكالة الأنباء الألمانية.
من جانبها دعت ألمانيا، أمس، إلى الحوار بين الحكومة والمحتجين «الشرعيين» في إيران. وقالت أولريك ديمر المتحدثة باسم المستشارة أنجيلا ميركل: «إنه أمر مشروع ويستحق احترامنا أن يعبّر الناس بشجاعة عن مظالمهم الاقتصادية والسياسية كما يحدث حالياً في إيران». وأضافت: «على الحكومة الإيرانية الاستجابة للاحتجاجات الحالية بإبداء الاستعداد للدخول في حوار».



خامنئي: الاحتجاجات محاولة انقلابية من تدبير أميركا وإسرائيل

خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
TT

خامنئي: الاحتجاجات محاولة انقلابية من تدبير أميركا وإسرائيل

خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)

قال المرشد الإيراني علي خامنئي إن الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها البلاد كانت محاولة انقلابية من تدبير الولايات المتحدة وإسرائيل.

وأضاف خامنئي، في خطاب تلفزيوني، أن ما جرى «لم يكن احتجاجات عفوية، بل مخطط أميركي - صهيوني»، معتبراً أن الهدف كان استهداف مفاصل حساسة في إدارة البلاد.

وتزامن خطاب خامنئي مع حملة اعتقالات طالت شخصيات إصلاحية بارزة، ضمنها آذر منصوري، رئيسة «جبهة الإصلاحات»، وبرلمانيون ومسؤولون سابقون، على خلفية مواقفهم من احتجاجات يناير (كانون الثاني).

وفي يريفان عاصمة أرمينيا، قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن الرئيس دونالد ترمب هو «الجهة الوحيدة» التي ستحدد «الخطوط الحمراء» في أي مفاوضات مع إيران.


طهران تُطلع دولاً إقليمية على مستجدات مفاوضات مسقط

فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
TT

طهران تُطلع دولاً إقليمية على مستجدات مفاوضات مسقط

فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)

أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اتصالات هاتفية منفصلة مع وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا، أطلعهم خلالها على أحدث التطورات المتعلقة بالمفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة التي استضافتها مسقط.

وأفادت وزارة الخارجية الإيرانية، في بيان، بأن عراقجي وصف محادثات مسقط بأنها «بداية جيدة»، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة معالجة حالة انعدام الثقة حيال نيات وأهداف الجانب الأميركي.

وبحسب البيان، رحّب وزراء خارجية الدول الثلاث بانطلاق المفاوضات، مؤكدين أهمية استمرارها للتوصل إلى حل سياسي ودبلوماسي، وتجنب أي تصعيد، ومشيرين إلى أن نجاح هذه المحادثات يمثل عاملاً مهماً لاستقرار وأمن المنطقة.

في سياق متصل، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في مقابلة متلفزة، الاثنين، إنه لا يبدو أن هناك تهديداً وشيكاً بالحرب بين الولايات المتحدة وإيران، معتبراً أن الباب قد «فُتح قليلاً» أمام إمكانية التوصل إلى اتفاق.

ونقلت وكالة أنباء «الأناضول» عن الوزير قوله رداً على سؤال عما إذا كان يعتقد أن أياً من الطرفين يحاول كسب الوقت: «كلاهما، هذا جزء من الاستراتيجية». وأضاف فيدان: «عند الدخول في مثل هذا النوع من المحادثات، يكون هناك استعداد وتحضير للسيناريو الآخر»، مشيراً إلى أن إيران لديها تجربة؛ فقد تعرضت للهجوم سابقاً أثناء إجرائها محادثات، في إشارة إلى الضربة التي وجهتها الولايات المتحدة لإيران في يونيو (حزيران) الماضي، والتي استهدفت المواقع النووية الإيرانية. لكن الوزير التركي قال إن الشيء الإيجابي بشأن المفاوضات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران قبل عدة أيام هو أن الأطراف أبدت إرادة للاستمرار في التفاوض.

وتابع: «كان قرار بدء (المفاوضات) من الملف النووي قراراً مهماً؛ فالملف النووي هو (القضية الأهم)»، محذّراً من أن المنطقة لا تحتمل اندلاع حرب جديدة، وقال فيدان: «نريد استخدام جميع الإمكانات لمنع أي حرب محتملة».

واستضافت العاصمة العُمانية مسقط يوم الجمعة جولة مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، واتفق الطرفان على استئناف المحادثات، على أن يتم تحديد الموعد والمكان في وقت لاحق.


فانس: ترمب وحده يحدد «الخطوط الحمراء» في مفاوضات إيران

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
TT

فانس: ترمب وحده يحدد «الخطوط الحمراء» في مفاوضات إيران

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)

قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن قرار تحديد «الخطوط الحمراء» في أي مفاوضات مع إيران يعود حصراً إلى الرئيس دونالد ترمب، في وقت تتصاعد فيه التصريحات الأميركية بشأن اقتراب طهران من امتلاك قدرات نووية، ما يعيد الجدل داخل واشنطن حول مسار التعامل مع الملف الإيراني.

وكان ترمب قد قال، مساء الأحد، إن إيران كانت على وشك امتلاك سلاح نووي «في غضون شهر» قبل الضربة الأميركية التي استهدفت منشآتها النووية في يونيو (حزيران) الماضي، وهو ما أعاد إثارة النقاش حول كيفية إدارة هذا الملف، الذي يُعد أحد أبرز التحديات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

وحين سُئل فانس عمّا إذا كانت الولايات المتحدة ستقبل بأي مستوى محدود من تخصيب اليورانيوم الإيراني في إطار المفاوضات، أم أن ذلك يُعد «خطاً أحمر»، قال: «أعتقد أن الرئيس سيتخذ القرار النهائي بشأن تحديد الخطوط الحمراء في المفاوضات». وأضاف، في تصريحات للصحافيين خلال زيارته أرمينيا يوم الاثنين: «سأترك للرئيس أن يوضح بدقة النقطة التي سيحددها كخط فاصل في المفاوضات».

وينقسم الفريق داخل البيت الأبيض إلى معسكرين رئيسيين: «الصقور» الذين يدعون إلى توجيه ضربات عسكرية حاسمة لتقويض القدرات النووية والصاروخية لطهران، و«الحمائم» الذين يفضلون مسار التفاوض الدبلوماسي للتوصل إلى اتفاق يمنع التصعيد الإقليمي.

ويضاف إلى هذا الانقسام ضغط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يدفع باتجاه شروط صارمة، ملوّحاً بضربات أحادية إذا لم تلبِّ المفاوضات مطالبه.

قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) المسؤولة عن العمليات في الشرق الأوسط الأدميرال براد كوبر إلى جانب المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر صهر ومستشار الرئيس الأميركي على متن حاملة طائرات «أبراهام لينكولن» (البحرية الأميركية_أ.ف.ب)

ومع اقتراب لقاء ترمب ونتنياهو في واشنطن، الأربعاء المقبل، يترقب مراقبون الاتجاه الذي قد يسلكه «رجل الصفقات»، في ظل تحذيرات محللين أميركيين بارزين من مخاطر التصعيد، مقابل دعوات أخرى لتغليب المسار الدبلوماسي.

فريق الصقور

يتكون فريق دعاة الضربات العسكرية من معسكر «الصقور» داخل الإدارة الأميركية والجناح الأكثر تشدداً، الذين يعدون الضغط العسكري السبيل الوحيد لكبح جماح إيران. ويتصدر هذا التيار وزير الدفاع بيت هيغسيث، الذي أكد في تصريحات حديثة أن البنتاغون «مستعد تماماً» للتحرك إذا رفضت طهران المفاوضات، مشيراً إلى خيارات عسكرية تشمل ضرب قوات الأمن والقيادة، ومنشآت الصواريخ الباليستية، أو برنامج التخصيب النووي.

وينضم إليه مستشارون متشددون في القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، قدموا للرئيس ترمب خيارات «حاسمة» تتضمن ضربات وقائية وأهدافاً من شأنها شل القدرات الصاروخية الإيرانية. كما يشاركهم هذا التوجه وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي يشكك في جدوى أي مفاوضات لا تتناول ملف الصواريخ والوكلاء الإقليميين، معتبراً أن الضغط العسكري أداة أساسية. ويؤكد هذا الفريق أن الدبلوماسية وحدها قد تفضي إلى «شرعنة» النظام الإيراني، لا سيما في أعقاب قمع الاحتجاجات الذي أودى بحياة أكثر من 6400 متظاهر منذ ديسمبر (كانون الأول) 2025.

سيناريوهات للضربات

وضع فريق «الصقور» في الإدارة الأميركية سيناريوهات متعددة للضربات، تقوم أساساً على توجيه هجمات من مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن»، إضافة إلى قاذفات قنابل استراتيجية تنطلق من قواعدها أو من قواعد أوروبية. وتشمل حزم الضربات الأميركية استخدام طائرات شبحية وذخائر موجهة بدقة، إلى جانب قصف منسّق يهدف إلى إرباك الدفاعات الجوية الإيرانية مع تقليص خسائر الطائرات الأميركية إلى أدنى حد.

ويقول مسؤولون في البنتاغون إن التطورات التكنولوجية في الأسلحة فرط الصوتية، إلى جانب التقدم في مجالات الحرب الإلكترونية والسيبرانية، من شأنها أن تمنح الولايات المتحدة مزايا كبيرة. ومع ذلك، يعتقد هؤلاء المسؤولون أن إيران استعدت لمثل هذا السيناريو عبر تحصين وتوزيع أصولها الحيوية، وبناء هياكل قيادة احتياطية، وتطوير منشآت واسعة تحت الأرض قادرة على الصمود أمام الضربات الأولية.

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية (أ.ف.ب)

فريق الحمائم

في المقابل، يدافع فريق «الحمائم» عن مسار دبلوماسي يقوم على مبدأ «السلام من خلال القوة»، مستخدمين التهديدات العسكرية أداةَ ضغط لا خياراً أولياً. ويقود هذا التوجه المبعوث الخاص ستيف ويتكوف، الذي وصف جولة المفاوضات غير المباشرة في مسقط، يوم الجمعة الماضي، بأنها «بداية جيدة».

وانضم جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترمب، إلى ويتكوف في زيارة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» في بحر العرب، في رسالة تؤكد أن المفاوضات تُدار تحت مظلة القوة العسكرية، مع تركيزها على التوصل إلى اتفاق يقتصر على الملف النووي. كما يدعم نائب الرئيس جي دي فانس هذا النهج، محذّراً من أن الضربات المتسرعة قد تفضي إلى نتائج عكسية.

ويؤكد فريق «الحمائم» أن المطالب الأميركية تشمل وقف التخصيب، والحد من برنامج الصواريخ، وإنهاء دعم الحلفاء الإقليميين، في حين تصرّ إيران على أن الصواريخ والقضايا الإقليمية «غير قابلة للتفاوض».

ويحذّر الفريق من أن توجيه ضربات عسكرية قد يدفع إيران إلى استخدام إحدى أقوى أوراقها، وهو إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 21 مليون برميل من النفط يومياً، أي ما يقارب 21 في المائة من الإمدادات العالمية، وهو ما قد ينعكس بارتفاع حاد في أسعار النفط إلى مستويات قد تبلغ 200 دولار أو أكثر للبرميل، بما يخلّف أضراراً اقتصادية جسيمة. ورغم إيمان «الحمائم» بتفوّق القدرات العسكرية الأميركية وعدم قدرة إيران على تحقيق نصر عسكري، فإنهم يشيرون إلى قدرة طهران على جعل أي انتصار أميركي مكلفاً للغاية.

وتنقل مصادر في البيت الأبيض أن فريق ويتكوف يشدّد على إمكانية اتخاذ قرارات عقلانية عبر المفاوضات، ويرى أن إيران لن تخاطر بتعطيل الملاحة في مضيق هرمز لما ينطوي عليه ذلك من أضرار بالغة بالاقتصاد الإيراني تفوق الأضرار التي قد تلحق باقتصادات خصومها. كما عرض ويتكوف مقترحات طرحها دبلوماسيون كبار من مصر وتركيا وقطر، تقضي بأن توقف إيران تخصيب اليورانيوم لمدة ثلاث سنوات، وتنقل مخزونها المخصّب إلى خارج البلاد، وتتعهد «بعدم البدء» باستخدام الصواريخ الباليستية.

وفي السياق نفسه، شكّكت صحيفة «نيويورك تايمز» في صبر ترمب على خوض مفاوضات طويلة، لكنها أشارت إلى حاجته لوقت من أجل تعزيز القوات الأميركية في المنطقة والاستعداد لمختلف سيناريوهات الرد الإيراني، مرجّحة منحه فرصة للدبلوماسية، وإن كانت مع شكوك حول مدتها.

جدوى المفاوضات

أشار الجنرال جاك كين، المحلل في شؤون الأمن القومي لدى شبكة «فوكس نيوز»، صباح الاثنين، إلى أن فتح باب المفاوضات مع إيران مرحلة تكررت سابقاً قبل بدء عملية «مطرقة منتصف الليل»، معرباً عن تشككه في جدواها. وقال: «أعتقد أن دوافع إيران في هذا المسار مزدوجة؛ أولاً إطالة أمد المفاوضات قدر الإمكان لتأجيل أي عملية عسكرية أميركية، بما يتيح لطهران الاستعداد بشكل أفضل للدفاع، وثانياً السعي إلى إبرام نوع من الاتفاق مع الأميركيين يمنحها تخفيفاً للعقوبات، وهو هدفها الواضح، لأن اقتصادها في حالة يرثى لها، ولا أمل في تعافيه».

صورة مجمعة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

وشدّد الجنرال السابق، الذي شغل منصب رئيس أركان الجيش الأميركي بين عامي 1999 و2003، على أن الخيار المفضّل هو الخيار العسكري، معتبراً أنه حتى في حال التوصل إلى اتفاق مع الإيرانيين «فإنهم سيغشّون ولن يتوقفوا عن زعزعة استقرار الشرق الأوسط»، وأن تمديد عمر النظام لسنوات أخرى «أمر غير منطقي».

وأضاف أن الخيار الأفضل، من وجهة نظره، هو تهيئة الظروف لانهيار النظام الإيراني، مرجّحاً تنفيذ عملية مشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة، مع الاستمرار في نقل الموارد العسكرية إلى المنطقة تحسباً لأي ردّ انتقامي إيراني، والتأكد من أن العملية العسكرية لن تكون محدودة أو قصيرة الأمد، بل حملة شاملة ذات هدف معلن يتمثل في تهيئة ظروف انهيار النظام الإيراني بكل مكوّناته وداعميه، وتدمير قدراته العسكرية، ولا سيما الصاروخية.